مذكرات شريرة محلية مغمورة الفصل 140 — تعرية النفس

اقرأ مذكرات شريرة محلية مغمورة الفصل 140 — تعرية النفس باللغة العربية على مانجا تايم.

«أنت لستِ سكارليت هارتفورد الحقيقيّة؟»

ركّزت أرلين نظرتها الطويلة المستفسرة عليها.

وقالت: «هذا كلام غريب حقّاً إن سألتِني. ماذا تعنيْن بهذا؟»

«...الأمر تماماً كما قلتُ. أنا لستُ سكارليت الحقيقيّة».

راقبت كلّ منهما الأخرى برهة، وتسلّل إحساس غريب صعوداً على طول عمود سكارليت الفقريّ، شبيهاً بوخز خفيف. لم تكن متأكدة أكان ذلك بسبب القلق، أم التوجّس، أم مجرد توتر عصبّي. لم تصدّق قطّ أنها ستُفضي لأحد بحقيقتها في هذا العالم.

قالت المرأة: «إن ذاكرتي لم تخنّي، فقد عرّفتِ بنفسك بصفتك سكارليت هارتفورد قبل يومين فقط. أكان ذلك كذبةً إذن؟»

نقلت سكارليت يديها إلى حجرها، وأطبقت على فكّها بينما مرّت بنظرتها عبر ساحة القرية نحو البيوت هناك.

«...إلى حدّ ما، نعم. الحقيقة هي أنني أتقاسم حياة المرأة المعروفة باسم سكارليت هارتفورد. لا يقتصر الأمر على مظهرها فحسب، بل إن سماتها وانفعالاتها جميعها باقية داخلي بدرجة أو بأخرى. قد يعبر الأمر على أغلب الناس فأُعَدّ سكارليت حقّاً؛ غير أنني في الواقع لستُ سوى غريبة في هذا الجسد، وسجينةً له أيضاً».

لمحت من طرف عينيها أرلين وهي تتأملها بتركص.

«إذن هذا ما تعنينه بقولك إنك لستِ سكارليت هارتفورد الحقيقيّة».

أخفضت رأسها.

«نعم».

لم تكن تدري كيف سيقع هذا الكلام على أذنَيِ المرأة. أكانت هذه فكرة محالاً تقبُّلها حتى في عالم السيوف والسحر هذا؟ أم لعلّه أمر صادفته من قبل؟ في الواقع، ماذا لو ظنّت أرلين أنها مسكونة وحاولت طرد الروح منها؟

قالت المرأة بنبرة عادية: «حسناً. أصدقك».

التفتت إليها سكارليت وقد اتّسعت عيناها قليلاً. هزّت أرلين كتفيها، كأنّ سكارليت لم للتوّ تكشف لها سرّاً هائلاً.

وأردفت: «لا أملك اليقين التامّ بشأن كيفيّة عمل شيء بحجم تلبُّس كيان امرأة أخرى بأسره — جسداً وانفعالات وسمات مشمولة — لكنني لستُ روحانية. ولا أنوي أن أصير كذلك أيضاً. سأمنحك مِنّة ألّا أظنّك شيطاناً أو شبحاً، مع أن بإمكانك الاستغناء عن شكرِي على ذلك».

حدّقت فيها سكارليت طويلاً لبرهة أخرى. استندت المرأة إلى الخلف في مقعدها، ورمقتها بنظرة ترقّب.

وقالت: «إذن؟ لن تقفي عند هذا الحدّ، أليس كذلك؟ أخبريني — مَنْ أنتِ حقّاً؟»

جمعت سكارليت شتات نفسها من المفاجأة، ونفضت عن رأسها أيّ شكوك إضافية. كانت أرلين صادقة معها، وستكون مثلها في المقابل.

«اسمي الحقيقي هو إيمي. إيمي بيرنال».

بدت الكلمات غريبة وهي تغادر فمها. كانت هذه المرة الأولى التي تنطق فيها اسمها بصوت عالٍ منذ مجيئها إلى هذا العالم. حتى عدد المرات التي فكرت فيها باسمها الحقيقي منذ ذلك الحين كان ضئيلاً بشكل مرعب، الآن وقد تذكّرت ذلك. صار يبدو لها أجنبيّاً تقريباً الآن، منطوقاً بصوت سكارليت المنفصل. كذكرى بعيدة لحياة عاشتها يوماً — مع أن بضعة أشهر فقط قد انقضت واقعاً.

«إيمي بيرنال، هاه؟»

نطقت أرلين بالاسم كأنها تتذوقه، ثم أومأت لها.

«سررتُ بالتعرّف إليك حقّاً، إيمي».

رمشت سكارليت. بدا توجيه الكلام إليها هكذا أغرب بكثير. ليس فقط لأن المرأة استخدمت اسمها الحقيقي، بل بسبب الطريقة التي استعملته بها. كانت مختلفة تماماً عن تحيّتهم الأولى في سائر المرات التي بالكاد أظهرت لها فيها أي اهتمام.

«وبما أننا تجاوزنا هذا، فسأسألك السؤال نفسه الذي طرحته من قبل. لكن هذه المرة لإيمي الحقيقية».

نظرت أرلين في عينيها.

«ما نوع الشخص الذي تمثّلينه، إيمي؟»

كمن وراء نظرة المرأة صدق لم تعهده سكارليت من قبل. ووجدت نفسها تكاد تحيد بنظرتها مرة أخرى، غير ددراية كيف تردّ.

«...للأسف، لا أظنّ أنني قادرة بعد على تزويدك بإجابة عن هذا السؤال».

«ولِمَ ذلك؟»

«لأنني لا أدري كم بقي مني أنا إيمي بيرنال في هذه النقطة».

لم يكن هذا موضوعاً تعرف كيف تتحدث عنه بملقم. حتى أفكارها الشخصية حول المسألة بدت مبعثرة في أفضل الأحوال، ولم يكن أمراً تستمتع بالتأمّل فيه كثيراً. كما أن الإجابة لم تكن ذات بال بالنسبة لكيفية مواصلة نجاتها في هذا العالم. لم تنطق أرلين بشيء لبضع ثوانٍ، فظنّت سكارليت أن المرأة تنتظر منها المتابعة. أو لعلها كانت تمنحها مساحة. مهما يكن السبب، اغتنمَت سكارليت اللحظة لتجميع نفسها والسيطرة على دوامة المشاعر المائجة بداخلها.

جلّ ذلك كان الغضب الذي لازمها باستمرار تقريبا منذ قتالها مع غافن، لكنه بدا الآن أشدّ تشويشاً. وأقل توجهاً. أفرغت فاها أخيراً لتعود إلى الكلام.

«لقد قتلتُ رجلاً مؤخراً».

قابلتْ كلماتِها مزيدٌ من الصمت، أعقبته أخيراً نبرة أرلين الرزينة.

وقالت: «أرى ذلك».

وبدت المرأة كأنها تتملى الأمر لههلة.

«أكان هذا مرتبطاً بذلك ’القرار الصعب‘ الذي اتّخذته من قبل؟ ذلك الذي تحدثنا عنه المرة الماضية؟»

«في جزء منه، نعم».

تتبّعت سكارليت بإصبعها حاشية السراويل القصيرة التي كانت ترتديها. كانت تصل لتدكّ كاحليها لكنها صُنعت من صوف خفيف يساعد على دفع حرارة الصيف الخانقة هنا في فريدميود. كان طريفاً أن تسأل أرلين ذلك. فمن منظور المرأة، لم يكن ذلك الحوار سوى بالأمس. قد لا يفترض أغلب الناس أن سكارليت ذهبت وقتلت رجلاً في تلك الفترة القصيرة، أو أنها ستمر بمثل هذا التغيير الجذري.

«...كان لي تابعان»، قالت.

«أحدهما رجل ساعدني في تنفيذ مهام لم أكن أتحمل أن يعلم بها سواه. غوغائي عديم الضمير لم تكن أخلاقه لتبلغ شيئاً يُذكَر في أحسن الأحوال، وأعترف بأنني لم أكن أراه بأكثر من أداة لدفع غاياتي قدماً. والأخرى امرأة عانت الكثير من الأسى والألم طوال حياتها، غير أن القدر حباها بقوة تعلو كثيراً على أغلب الآخرين. وإن كان البعض قد يدعوها لعنةً ربما. كانت روحاً تعيسة ذات عقل مضطرب وقوة لم تستطع السيطرة عليها كليّاً. ومثلما فعلت مع الغوغائي، استخدمتها هي الأخرى لأبلغ ما أردتُه. لن أنكر هذه الحقيقة، وأنا واعية كل الوعي بتبعاتها. بدا لي الأمر ضرورياً حين تقرّبتُ منهما، وما زلتُ أؤمن بذلك حتى الآن. بيد أنه، وبسبب إهمالي، كادت تلك المرأة تلقى حتفها على يد الرجل العامل تحت إمرتي».

أطبقت سكارليت قبضتها. وتجدد التركيز في الغضب الداخلي مع عودة أفكارها إليه.

«في عقله، كان فعلاً عمليّاً يهدف إلى إزالة المخاطر غير الضرورية. لقد اكتمل غرضنا الأصليّ من المرأة، فلم يرَ إذن جدوى من إبقائها حيّة. وبناءً على ذلك، تصرّف اعتقاداً منه أنني سأوافق».

صمتت لثانية.

«...أحدث نفسي أحياناً بأنني أفعل ما أفعل لصالح الجميع. لو كانت تلك هي الحقيقة الخالصة، فلعلي وافقتُ حقّاً. أعتقد نفسي قادرة على هذا النوع من القسوة».

التفتت إلى أرلين بوجه عابس.

«بدل ذلك، حين علمتُ بالأمر، أحرقته. أحرقته وكل ما حولنا في نوبة غضب لم أحاول حتى السيطرة عليها. وحتى وهو يتوسّل لأجل حياته، وحتى وأنا أستعيد وميضاً من الوعي لم أختبره سوى مرات معدودات منذ دخول هذا الجسد، لم تتردد يداي في حطّْه إلى مجرد رماد أمام ناظريّ. ولا أعرّض نفسي لندم أو حزن. الشيء الوحيد الذي استمر كان الغضب، ولن يزول».

رمقتها المرأة بتعبيرة مبهمة.

«...أهذا ما تعنيه بقولك إنك لا تعلمين كم بقي منك أنتِ إيمي بيرنال؟»

أومأت سكارليت برأسها ببطء.

«ليست الغالبية قادرة على الحديث عن قتل رجل بلا رحمة ولا ندم».

«لكنك تظنين أن سكارليت هارتفورد كانت قادرة؟»

«نعم».

«إذن، أترين أن شخصيتها قد أثرت على شخصيتك لدرجة أنك ما عدتِ إيمي بيرنال؟»

«لا أظن ذلك».

هزت رأسها.

«أنا أجزم به. ما أنا غير متأكدة منه هو كم من تغيُّري يعود إلى سكارليت الأصلية، وكم منه سببه مجرد تأقلمي مع الظروف الحالية. أكانت إيمي القديمة لتقدر على الشيء نفسه في هذا الموضع لو لم تتأثر بشخصية سكارليت؟»

تأمّلتها أرلين.

«أهي شعرة دقيقة إلى هذا الحدّ بحيث تعجزين عن التمييز؟»

«...مرة أخرى، لا أعلم».

تنهدت سكارليت.

«كانت سكارليت الأصلية امرأة دنيئة. متكبرة، عديمة الرحمة، مغرورة، غير مكترثة، وتعدُّ جلّ الناس دونها أقلّ من تراب. لم تنقبض يدها عن التعامل مع عصابات ترتكب القتل أو تتاجر بالأطفال الأبرياء إن ظنت أنها ستجني مكسباً، وكانت امرأة طموحة. وفي الوقت الذي قضيتُه شاغلةً حياتها، أدركتُ أنها كانت بارعة بشكل مفرط في نواحٍ عدّة، لكنها كبحت أيضاً بسبب مواهبها الخاصة والموضع الذي وُلدت فيه. كان مصيرها محتوماً كشريرة نمطيّة، وقد قُضي أمر هلاكها مسبقاً».

«لا يبدو أنها ستُفتقَد».

«المفترض أن يكون الأمر كذلك. ورغم هذا كله، كانت امرأة تضمر تعلقات عاطفية قوية بشكل مدهش بمن قربوها، مريضة كانت أم ملتفّة. فقد كانت تعتني بخادمها على نحو أظنّها لم تكن واعية به بنفسها، وحتى وإن كانت أختها نفسها تثير اشمئزازها، فلا أظنها كانت لتسمح لأحد غيرها بالتدخل في علاقتهما. ويبدو التعقيد نفسه منطبقاً على مشاعرها المرتبطة بوالديها والشخص الوحيد الذي لربما دُعي صديقها، مع أنني لا أستوعب ظروف ذلك تماماً».

نظرت سكارليت إلى يديها لأسفل. لم يكن أمراً تفكر فيه كثيراً، لكن في حين لم تكن هاتان اليدان أكبر كثيراً من يديها القديمتين، فقد كانتا أنحف وبشرتهما أنعم. ورغم ذلك، لم تبدُ يدي غريب في الحقيقة.

قالت: «في المقابل، كانت إيمي بيرنال امرأة عادية للغاية. طالما نعتها الناس باللطف والرأفة، وأمضت سنوات من عمرها في رعاية أختها الصغرى حين توفي والداهما. لم تؤذِ أحداً عمداً قط، وفي حين لم تكن تعتقد بالضرورة أنها ’طيبة‘، فقد اعتبرت نفسها إنسانة لائقة. كانت سعيدة بالحياة التي تقودها والعلاقات التي تمتلكها، وغالبية ندمها لم تكن أشياء لترغب بتغييرها حتى لو مُنحت الخيار».

توقفت متقطعة، محاولة ترتيب الأمور في عقلها. عسر عليها تقطير كل أفكارها حول المسألة في كلمات تنقل مشاعرها بدقة ولا تبدو مضللة.

«...ورغم هذا كله، لا أستذكر قطّ أنني شعرت بمثل هذا الإحساس القوي تجاه من حولني كما فعلت سكارليت. لقد كنت أهتم بوالدي، وما زلت أهتم بأختي. أفتقدهما، وأتمنى لو أستطيع رؤيتهما مجدداً، ومع ذلك لم أبكِ حين توفي والداه، ولا خلال أيّ من الأوقات الصعبة التي تلت ذلك. لست متأكدة إن كنت قد بكيتُ لأجل شخص آخر قط. مقارنة بسكارليت، التي شعرت بقوة تجاه من قربوها، تبدو مشاعري أبعد بكثير. إنها لفكرة مزعجة نوعاً ما، إن كان المرء على معرفة بنوع الشخص الذي كانت عليه سكارليت».

رفعت نظرها مجدداً إلى أرلين.

«لكن هذا بحد ذاته ليس المشكلة الأساسية. لا أقصد أن أُظهر الأمر كأنه إدراك مفاجئ لي، أو أنني أخشى نوع الشخص الذي كنتُه. طالما كنت واعية بأنني لا أتعلق عاطفياً مثل الآخرين، لكن ذلك لم يؤثر قط بشدة على حياتي. في كل النواحي الأخرى تقريباً، أعتبر نفسي شخصاً متعاطفاً وأكثر أخلاقية ونضجاً عاطفياً من سكارليت هارتفورد. لا شك عندي في هذا. كل ما في الأمر أنه الآن، وحين أتشارك شخصية امرأة بقسوتها، أتساءل أيّ أجزاء مني الحالية هي مجرد مخلفات تركتها ورائها، وما هو خالص لي وحدي. إن مشاعرها العارمة تجاه المحيطين بها لا تفعل سوى أن تبرز تناقضاً صارخاً بيننا. موطن أعلم أن شخصيتها طغت فيه على شخصيتي».

التقطت عيني المرأة لبضع ثوانٍ، ثم هزت رأسها مجدداً بتنهدة ضجرة والتفتت بعيداً.

«سيتعين عليك المعذرة. فمن العسير إيصال كل ذلك بشكل سليم».

«...تبدين قلقة بشأن الأمر إلى حد بعيد، على أقل تقدير»، قالت أرلين.

«أيمكنني اعتبار أنك تفضلين لو كانت شخصيتاك أنتِ وسكارليت منفصلتين؟»

كست العبوس ملامح سكارليت.

«ذاك سؤال عسير الإجابة. فمن غير المؤكد أكنتُ لأبلغ ما أنا عليه اليوم لو لم أتأثر بسماتها، لذا إن أردتُ التصرف بعملية، فقد تكون الإجابة لا. بيد أنني لا أستسيغ عدم القدرة على التنبؤ بكل هذا، وأمقت ألا أكون المتحكمة في مشاعري».

ضغطت شفتيها إحداهما للأخرى.

«...في النهاية، مع ذلك، ليس هذا سوى تأملاتي غير المرتبة حول الأمر. أغلب مشاعري الفعلية حياله متبلدة، بطريقة ما. معقمة ومعزولة عن نفسي. بدل ذلك، أُجبر على المعاناة عبر تلك التي أثرت على سكارليت أكثر من غيرها. وفي جزء كبير منها، الغضب».

بإلقاء نظرة على قدميها أسفلها، لاحظت أن عدة شرارات من النار قد ظهرت على ألواح خشب الشرفة، وتلحس الخشب. أغمضت عيناها، مستعيدَة مركزها ومخمدةً النيران المتمردة.

تمتمت لنفسها: «أظن أن أسوأ ما في الأمر هو العجز عن معرفة السبب الحقيقي للغضب...»

لكن من الرائع لو استطاعت الجزم بأنها ثارت لأجل ما حلّ بالكنتيسة وليس فحسب لأن غافن تصرف بخلاف رغباتها.

«يبدو مأزقاً عصيباً».

بجانبها، بدت أرلين مسترخية في مقعدها، وتتطلع عبر فريدميود.

«آمل حقّاً أن تُصديقني حين أخبرك أنني أود لو أملك ما أقوله مما قد يساعد، ولكني لا أملك. لقد كنت مسؤولة عن أخطاء كافية في حياتي حتى ليعدني المرء خبيرة فيما لا يجب فعله، لكن ما لم يكن الأمر متعلقاً بالسحر، فأغلب ما أجده نفسي عاجزة عنه هو تبين الصواب من الفعل».

«ومع ذلك—»

التفتت المرأة إلى سكارليت.

«سأقول هذا: العالم ليس مكاناً عادلاً، لا في آلياته ولا في واقعه. لكن يمكن جعله أكثر عدلاً، ولو بقدر ضئيل دائماً. ما يحدد هويتك في هذا العالم ليس مشاعرك تجاه الأشياء، بل أفعالك. قد يكون هذا نعمة ونقمة معاً، تبعاً للمكان والكيفية، لكنها الحقيقة. وما عدا ذلك فهو رفاهية. أتصور أنك تشاطرينني هذا الشعور، أخذاً بالاعتبار ما أخبرتني به».

حدقت فيها سكارليت طويلاً، ثم أومأت.

«أختار غالباً توجيه اهتمام أكبر لمعنى أفعالي بدل الدوافع الكامنة خلفها، لكن كما قلتِ، يمكن لذلك أن يكون مفيداً ومضراً في آن. للأسف، لا يجعل أيّ منهما واقع وضعي الحالي أقل إزعاجاً».

«لا يفعله، حقّاً»، قالت أرلين.

«إن كان في الأمر عزاء ما، فأظن أن اليوم سيأتي حيث يجلب أحدهم الدموع لعينيك. وحينها، أمل أن تكوني على يقين مما إن كانت دموع إيمي بيرنال أم سكارليت هارتفورد».

رغم كل ذلك، كادت سكارليت تضحك سرّاً على هذا.

«لعلّ هذا أغرب عزاء سمعته. لكني أفترض أن علي شكرك».

ركزت بصرها على المرأة.

«لكلٍّ من ذلك، ولانغماسك في أمري».

لم تفهم لِمَ، فقد شعرت بتحسّن في الواقع الآن. ولو قليلاً. لم يتبخر الغضب وسائر المشاعر فجأة مع هذه الجمل الحديثة الأخيرة، لكن شيئاً ما بدا مختلفاً حقّاً بعد الحديث عن ذلك كله. شعرت بهدوء واسترخاء أكبر قليلاً. كانت تلك المرة الأولى التي تفضي فيها هكذا، سواء في هذا العالم أو ذاك الذي خلفها. ولم تكن لترَى نفسها يوماً من النوع الذي قد يجني نفعاً من ذلك. لم تنطق أيّ منهما بشيء لبرهة وهما تجلسان هناك في صمت، تتأملان البيوت المترامية حول ساحة القرية.

وبعد مرور دقائق معدودات، كانت أرلين هي من عاودت الكلام أخيراً.

«أظنني كنت كريمة للغاية هنا، أليس كذلك، إذ لم أُسألك عن كيفية إيقاعك لنفسك في هذا الوضع. كيف صارت ’إيمي بيرنال‘ هي ’سكارليت هارتفورد‘».

التفتت إليها سكارليت بنظرة.

«أترغبين بمعرفة الحقيقة حقّاً؟»

التفتت عينا المرأة الخضراوان الشاحبتان نحوها.

«الآن وقد سمعتُ هذا القدر، لم يبقَ لي خيار كبير، أليس كذلك؟»

ترددت للحظة. كان هناك سبب يجعلها مبهمة حيال كل شيء سوى هويتها الشخصية. أكان بمكانها الحديث عن أكثر من هذا حقّاً؟ أكان عليها الحديث عن أكثر؟

«سيكون تصديقه عسيراً»، قالت.

«حقيقة مزعجة للقبول».

بدت أرلين كأنها تتأملها لبضع ثوانٍ قبل أن تحيد بوجهها فجأة مرة أخرى.

«إذن فلعلّ الأفضل ألا أسمعه».

رمشت سكارليت مرات عديدة قبل أن تومئ برأسها ببطء. بصراحة لم تتوقع تلك الإجابة، لكنها ربما كانت الخيار الأمثل.

لم تشكّك أرلين في أيّ شيء قالته حتى الآن، بيد أنه لا يمكن التنبؤ بما— «ما الذي تنتظرينه؟»

قالت المرأة.

«امضي قُدُماً».

حدّقت فيها سكارليت، وبادلتها أرلين نظرة بابتسامة طفيفة.

«ألم أخبرك من قبل؟ أنا دائماً ما أتخذ خيارات أندم عليها».