حلّ جوٌ ثقيل بأسوار القصر منذ عودة سكارليت. ثقلٌ جثم فوق الممرات والأروقة، والتصق بالزوايا والمنحنيات، وامتدّ على مساحة الإقطاعية بأسرها. ترك الجميع في شعور بالضيق. بالحذر. بالتوجّس. كأنما ارتكبوا خطأً ما، والعقاب نازلٌ بهم في أيّ ثانية. كانت البارونة في مزاج سيّل. كانت روزا لتكون عمياء إن لم تلاحظ ذلك. الأمر واضح لكل من أمعن النظر. حتى لأولئك الذين لم يروا المرأة بأنفسهم مؤخراً.
كان حاضراً في هواء القصر ذاته. لكن روزا لم تعرف السبب. ولسوء الحظّ، لم تكن تلك سوى واحدة من همومها. تمدّدت على السرير في غرفتها، متأمّلة ألواح السقف بعينين مرهقتين. وكعادتها، بذلت وسعها لتتجاهل الظلال المتخفّية على عوارض السقف وبقية الغرفة، التي رسمها ضوء القمر المتسلّل عبر النافذة الوحيدة. تشبّثت أصابعها بالأغطية تحتها، قابضةً على أيّ بصيص راحة في نعومتها. كانت الهلاوس تزداد سوءاً مجدداً في الآونة الأخيرة.
كانت سيئةً على الدوام، لكن حدّتها كانت تعلو وتهبط. والأسبوع المنصرم، حين كانت سكارليت غائبة في شأن عملٍ ما بمدينة كيلسفيل، كان الأسوأ منذ فترة طويلة. بالكاد غفت خلال ثلاثة أيام. لم يمرّ ببالها قبل الآن كم أصبحت معتمدةً على سكارليت بالسرعة هذه. على السسلام الذي يصاحب حضور المرأة. تفادت التفاعل مع الآخرين قدر ما استطاعت من دون أن يبدو ذلك غير طبيعي طوال الأسبوع الماضي، بانتظار أن يمضي كلّ هذا.
منزعجة من نفسها لمدى رغبتها في عودة سكارليت. وفي النهاية، لم تستطع منع نفسها من الهرولة فعلياً نحو مكتب المرأة فور عودتها في اليوم السابق. كلّ هذا من أجل تلك الفترة القصيرة من السلام. تلك الفرصة الوحيدة لمحادثة حقيقية غير مشوّهة بما تراه. فرصة للاستمتاع باللحظة فحسب لا الاختباء. مثل طفل صغير ساذج انتظر عودة أحد والديه لأنه خائف جداً من الخلود إلى النوم دونهما. ثم امتلكت الجرأة لتشعر بخيبة الأمل حين رفضت سكارليت استقبالها.
البقاء بالقرب من المرأة لتجنّب الهلاوس لم يكن سوى حلّ مؤقّت في البداية. استراحة عابرة. أمر حدّثت نفسها مئة مرة ألا تعتمد عليه. كان طبيعياً تماماً أن يكون لسكارليت مشاغلها الخاصة وأن تستحيل عليها تلبية نزوات روزا ورفيقها غير المُراد. لم يكن معقولاً توقع أكثر من ذلك. ومع ذلك وجدت نفسها تتمسك بالأمل رغم معارضَة عقلها. ازداد الجوّ الخانق في الغرفة ثقلاً كلما اقتربت الظلال.
أغمضت عينيها لتنفّس واحد، محاولةً إرخاء قلبها. ثم فتحتهما مجدداً وأدارت رأسها جانباً، مطلّة على الفراغ المظلم. استقرّ بصرها على الكليرت المتّكئ على الجدار بجانب المخرج. وحين تصير الأمور هكذا، لم تعد موسيقاها تنفع في شيء أحياناً. بل إنّ العزف على آلتها زاد الأمور سوءاً. كانت تعاندها. تخرج النغمات مشوهة، وأحياناً كانت أصابعها ترفض طاعتها. وحينها تسمع قهقهة ألف روح ساخرة من الجدران.
كان الأمر محبطاً. مجنوناً. موسيقاها كانت الشيء الوحيد الذي رافقها دائماً، لكن حتى تلك كانت تتلاشى ببطء. فكرة فقدانها تماماً رعبتها. أرادت انتهاء كلّ هذا. هذه اللعبة المريضة المخصّصة لتعذيبها من أجل تسلية أحدهم. أرادت أن تنتهي قبل وقوع كارثة. مجدداً. ...ربما حان الوقت لتغادر هذا القصر. مرّت أشهر منذ قدومها. دهرٌ كامل، حسب تقديرها. أطول من أيّ مكان مكثت فيه منذ طفولتها. أطول ممّا ظنّت يوماً قدرتها على البقاء في مكان واحد.
أخبرت سكارليت أنها لا تريد المغادرة أبداً، لكن... لم تكن تلك سوى آمالها وأحلامها. لن يفيدها البقاء هنا طويلاً بشيء. ولن يفيد أحداً. جلّ ما يفعله هو جعل الأمور أصعب حين تغادر حقّاً. أغمضت عينيها من جديد، عارضةً تنازليّاً من أحد عشر. لن تنال مزيداً من النوم ليلتها. هذا ما عرفته يقظةً. اعتدلت جالسةً على السرير، وحرّكت ساقيها فوق الحافة محلقةً بقدميها فوق الأرض. برد الألواح الخشبية جعلها ترغب في تقويس أصابع قدميها.
كانت هناك أصوات تنبعث من تحت السرير. منذ ساعات. مثل مئات السيقان المتساقطة والحركة البطيئة الملتفة لشيء سميك ولزج. كان بالإمكان تجاهلها. استطاعت التظاهر بعدم وجودها. لم تكن الأصوات بالسوء الشديد. ليس حين تكون وحدها. فحينها تستطيع تمييز ما إن لم يكن حقيقياً. ارتدت الحذاء المستقرّ قرب السرير ونهضت. احتاجت إلى نزهة. أيّ شيء أفضل من البقاء محبوسة هنا، رهينةً لأفكارها. لم تكلف نفسها عناء تبديل ثيابها وأبقت على طقم الملابس المزمّرة الذي ارتدته خلال النهار متجهةً نحو الباب.
بالخروج إلى الممرّ في الخارج، سمحت للضوء الناعم المتدفق من النوافذ الكبيرة بإرشادها. لم يهمّ حقّاً إلى أين تذهب. وما إن غادرت غرفتها حتى بدأت الأصوات تتبعها مجدداً. تخلّفت وراءها بينما تحركت في ممرات القصر الخالية. كان صرير الجدران؛ والخطوات عند المنعطفات؛ والهمس الغريب المتسلّل من الظلال. تجاهلت معظم ذلك، مغلقةً الباب في وجه أيّ شيء لا يبدو صادراً عن شخص حقيقي. سيُبدو الأمر غريباً إن صادفت أحد الخدم ولم تلحظهم مجدداً.
التصق الجوّ المشؤوم بالمحيط بينما واصلت التمكّع بلا هدف في القصر، منضمّةً أصوات قدميها البليدة على الأرضية المفروشة بالسجاد إلى تلك التي تتربّص بها. اصطفّت على الجدران لوحات قديمة لأرستقراطيين ذوي ملامح جامدة، تتعقّبها عيونهم بحذر وازدحام مستتر بضعف. شمعدانات معلّقة بين الصور، مطفأة. ومع ذلك ظلّت الظلال ترقص على ألحانها في أرجاء الممرات. تمتمت روزا بلحن لصرف ذهنها عن كلّ ذلك، مثلما اعتادت مراراً.
لكن النغمات بدت واهية. باهتة. وفي لحظة ما، لمحت انعكاسها في مرآة عابرة. كان شعرها البني المجعّد أشدّ تمارداً من المعتاد، والتقطت عيناها البنفسجيتان عينيها. ابتسم انعكاسها بتعبير ملتوٍ، فأدارت وجهها بعيداً. من طرف عينيها، رأت شيئاً آخر في المرآة. شيئاً تحرّك وأرادها. لكنه عجز عن إيذائها طالما لم تفقد السيطرة. واصلت السير عبر القصر —ولم تدري لأي مدة— قبل أن تتوقف أخيراً.
رمشت بعينيها، متلفتةً حولها لترى أين انتهى بها المطاف. كان هذا الجناح الشرقي. غير بعيد عن مكتب سكارليت. تماماً حيث لم ترد الذهاب. استدارت، متخذةً خطوة واحدة فقط قبل أن تتجمّد. كان الوقت جوف الليل. غالباً لن تكون سكارليت هناك أصلاً الآن. ولم تشعر روزا برغبة في العودة بعد. لن يضرّ التجوّل هنا لفترة قصيرة. أدارت رأسها، ناظرةً في الممرات باتجاه مكتب سكارليت. ...من كانت تخدع؟
من هناك، وكأنّ ساقيها اكتسبتا إرادة مستقلة فبدأت بالحركة. سرعان ما انعطفت عند زاوية لتبصر مكتب النبيلة في نهاية الممر. ببطء، واصلت التقدم نحوه، وعيناها مسمرتان على الظلمة القاتمة التي تحوم حول إطار الباب وتتجمّع حوله كالضباب. لم تجرؤ على الدخول. كانت سكارليت بالداخل. أخرجت خرخرة ناعمة روزا من غيبوبتها. حوّلت انتباهها إلى اليمين. وهناك، على حافة النافذة المطلة على الفناء المظلم في الخارج، قطّة.
فواح أسود بفراء فحمي كاد يذوب في المحيط، لكن عينيها الأرجوانيتين الصافيتين كانتا تحدّقان بها بنظرة فاحصة. خرخرت مرة أخرى، ووجدت روزا نفسها تطأطئ رأسها غريزةً بحتة. لم تكن هذه قطة عادية. ولم تكن جزءاً من هلاوسها أيضاً. ما هذا؟ لم تر قط سكارليت مع قطة بالقرب منها. ولا أيّ نوع من الحيوانات الأليفة حقّاً. غالباً لم تكن تخصها. من الشعور الذي استقته روزا منها، لم تكن هذه القطة تتبع أحداً.
مرّت ثوانٍ عدة وهما تتبادلان النظرات، وقبل أن تتاح لروزا فرصة استعادة توازنها والتحدث بالكامل، قفزت القطة من حافة النافذة بحركة رشاقة واحدة ومشت نحوها. دارت حول ساقيها مرة، وذيلها منتصب بزهو، ثم أطلقت مواءً قصيراً قبل أن تتيه في الممر الذي أتت منه. تابعت روزا القطة بصمت وهي تختفي قريباً خلف المنعطف، والكلمات ما زالت عالقة في حلقها. لسبب ما، أرادت أن تضحك وتبكي في آنٍ واحد.
نظرة واحدة كفيلة بأن توضح لها مدى سخافة لقاء هذه القطة هنا، رغم جهلها بالسبب. لكنها شعرت أيضاً كأنها سبرت أغوارها بنظرة واحدة. تشفق عليها. التفتت مجدداً إلى باب مكتب سكارليت. الآن باتت ترغب في الدخول بدرجة أكبر. اقتربت خطوة، مادّةً يدها نحو المقبض الفضي المعقّد ولم تتوقف إلا حين لامست سطح المعدن البارد. بالداخل، كادت تحسّ بحضور سكارليت. كان هناك ضوء ضعيف يتسلّل من تحت الباب أيضاً، ملمّحاً إلى أن النبيلة ما زالت مستيقظة.
تسلّلت فكرة عابرة إلى عقل روزا. ...أيمكنها أخيراً حشد الشجاعة لسؤال سكارليت عن حالتها؟ راقبت المرأة لفترة الآن، مقدرةً شخصيتها. ترى ما تستطيع فعله. ربما كانت سكارليت مختلفة؟ ربما استطاعت مساعدتها حقّاً؟ تلك أفكار غذّتها روزا طوال أشهر. حاولت استجماع الشجاعة لسؤالها مرات عدة، لكن الأمر أفضى دائماً إلى النتيجة ذاتها. ابتسامة زائفة وتغيير للموضوع. لكن ربما، ربما فحسب، لو كان الأمر هذه الليلة، لاستطاعت فعلها.
انتفضت على وقع ارتطام صاخب من الداخل. ككتاب يُصفع على الطاولة بغضب. حملقت في الباب. ...لا، سكارليت كانت تحمل من المتاعب ما يكفيها بالفعل. أحبت المرأة إخفاء ذلك، لكن روزا عرفت هذا القدر على الأقل. لم تكن بحاجة لإضافة المزيد فوق ذلك. لم تكن سكارليت سوى كريمة ولم تدن لها بشيء. وإن كان ولا بدّ، فألطف ما تستطيع روزا فعله بالمقابل هو المغادرة. في الواقع، ينبغي عليها إخبار سكارليت بذلك الآن.
وإلا فقد لا تفعل أبداً. ستستمر في تجاهله. تماطل، كما تفعل دائماً. وحينها ماذا؟ حينها سيتكرر كلّ شيء. تماماً كما يحدث دوماً. كلّ شيء سيمضي نحو الخطأ مجدداً وستكون هي اللائمة ولن يكون بوسعها فعل شيء حياله حتى لو ندمت و— هزّت رأسها، صارفةً أفكارها عن ذلك المسار. احتاجت ذهناً صافياً إن كانت فاعلةً ذلك الآن. مأخوذةً نفساً عميقاً، عدّت تنازليّاً من أحد عشر قبل أن تفتح الباب.
كانت الغرفة من الداخل خافتة الإضاءة، مع شمعة وحيدة تستقرّ على زاوية مكتب سكارليت. رفعت النبيلة ذات الشعر الأحمر رأسها من فوق كومة كتب وخرائط ورسائل مبعثرة أمامها، مع تلميح لعبوس على وجهها في البداية.
"...آنسة هيل. لم أدرِ أنك ما زلت مستيقظة."
ألقت روزا نظرة حول المكتب. كان هادئاً وخالياً من أيّ هلاوس كابوسية. وُضعت رفتا كتب على جانبي الغرفة، وعلقت بضع لوحات على الجدران. وتلك التي خلف سكارليت، الممثّلة ساحة معركة مترامية الأطراف مع جيوش تندفع في وادٍ عميق، خطفت بصرها كالعادة، مستقرةً عليها لثانية.
"حسنة، أنت تعرفين طبعي"، قالت بعد لحظة، مقلعةً بصرها ومسددةً إياه نحو سكارليت.
"أحبّ القيام بنزهات متأخرة بين الحين والآخر. وصادف مروري من هنا، ففكرت في تفقد إن كنت لا زلت مستيقظة. ثمة ما أردت الحديث بشأنه."
ضغطت المرأة يدها على جبينها، منحنِية فوق مكتبها. بدت... متعبة.
"أعتذر، لكن هذا ليس الوقت الأنسب لمحادثة، آنسة هيل."
"أدرك ذلك."
أغلقت روزا الباب خلفها، منزعجةً من الراحة التي شعرت بها لإغلاق العالم في الخارج.
"لكن هذا أمر عليّ مناقشته الآن. وإلا فقد يفوت الأوان."
بدت سكارليت كمن يزن أمرها لثانية، ثم أغمضت عينيها بتنهيدة خفيفة وأشارت نحو المقعد الوثير في زاوية الغرفة. نقلت المرأة هذا المقعد هنا من أجل روزا نظراً لكثرة زياراتها.
"حسناً إذن. تفضلي بالجلوس."
بقت روزا صامتة بينما تحركت نحو المقعد وجلست. كانت سكارليت تحدّق بها.
"وهل من شيء رغبتِ في مناقشته؟"
شاب صوتها قدر طفيف من التوتر. دقّ قلب روزا في أذنيها وهي تلتقي بنظرة المرأة. فتحت فاها، لكن حلقها انقبض قبل خروج الكلمات. لماذا كانت هكذا؟ أولاً، عجزت عن مشاركة وضعها مع المرأة خشية ما قد يحدُث، لكنها الآن تعجز حتى عن قول إنها مغادرة.
"...إن كان أمراً تجدين كلّ هذا العناء في البصق به، فربما الأفضل ارجاؤه لوقت آخر."
بدت سكارليت كمن سبر أغوارها فوراً.
"لا أقصد الوقاحة، لكنني لا أريد المواربة أيضاً. هذه أبسط ما تكون مناسبة لمناقشة أمور دقيقة، ولست بمزاج يسمح بنكاتك المعتادة."
حاولت روزا ابتسامة خفيفة.
"لا مؤاخذة، لكنني لاحظت. أفترض أن أيّ عمل أنجزته في الأيام الماضية لم يسّر على ما يرام؟"
سيكون أفضل حقّاً إن استطاعت فعل هذا غداً عوضاً عن اليوم. أو أيّ يوم آخر. كانت قلة أدب كافية تجاه سكارليت كما هي. لكن لا. الأفضل للجميع إتمام هذا الليلة. والآن، لو تسنّى لها دفع نفسها للقيام بذلك فحسب. توقفت سكارليت لحظة، ناقرةً بإصبعها غلاف كتاب على مكتبها.
"...ألهذه الدرجة يبدو واضحاً؟"
"أتمزحين؟"
أطلقت روزا ضحكة قصيرة، محاولةً إنارة الجوّ دون الضغط على المرأة.
"جعلتِ جميع الخدم على أعصابهم تقريباً منذ عودتك. أليسا وشين يظنان أن أحدهم أقام جنازة، وفين يتصرف كحرس كلب مكتئب منذ يوم ونصف. لا يوجد أحد لم يلحظ. إنه في الهواء ذاته."
أصيب بعض أفراد الطاقم بفزع حقيقي حين عادت سكارليت لأول مرة. لم يدرك الجميع كنه هذا الإحساس الغريب الضاغط عليهم، وسمعت روزا أكثر من همسة عن أشباح. كانت ظاهرة غريبة. وبينما عرفت روزا أن زمردة سكارليت الغريبة تلك هي السبب، إلا أنها لم تفهم حقّاً السبب والكيفية الكامنة خلفه. رفعت يديها.
"لكنني لن أتجسّس. لكلّ منا هياكله العظمية في الخزائن يفضل بقاؤها هناك. الأمور لم تسر تماماً كما اشتهيت، ولنترك الأمر عند هذا الحد."
أشارت إلى المكتب المكتظ أمام المرأة.
"لقد... أممم... أبقيت نفسك مشغولة منذ عودتك، يبدو لي؟"
لفّت سكارليت إحدى الخرائط على المكتب ووضعته جانباً، مغطيةً في العملية بضع رسائل بدا أنها تحمل خط يدها.
"بسبب ظروف... مزعجة... أحاول تحديد موقع شخص بعينه."
بدا التعبير على وجهها متصلّباً، كأنها تصارع للحفاظ عليه، واكتست كلماتها بحدة الآن.
"أفضل عدم الخوض في تفاصيل أكثر في الوقت الحالي."
أمعنت روزا النظر فيها لثوانٍ. كانت هذه المرة الأولى التي تراها هكذا، وشعرت بالأسف حيال من أثار غضب المرأة.
"حسناً، انسَي الأمر. كما قلت، لن أتجسّس."
"نجل، أنا على دراية تامة بمدى حرصك على قدسية حفظ الأسرار."
تجمّدت.
"...متأكدة أنني لا أعرف ما تعنينه."
أطلقت ضحكة صغيرة. درستها سكارليت.
"لا... أنا متأكدة أنك لا تعرفين."
تبادلا النظرات، ووخزت فكرة روزا في مؤخرة رأسها. فكرة نامية لطالما اعتبرتها مجرد أحلام يقظة خيالية. لكن كانت هناك أوقات شكّت فيها...
"الأمر صعب، تعلمين..."
خرجت الكلمات مهموسة.
"...ما الذي؟"
اتسعت عيناها. لوّحت بيدها على عجلة وألفت بوجهها بعيداً.
"هاه، لا تقولي شيئاً. يبدو الأمر مضللاً حين أنطقه هكذا. لم يكن هناك أيّ معنى خلفه حقّاً، فانسَيْ ما قلت."
ها هي مجددآ. لقد قررت مسبقاً ما أتت لتفعله، ومع ذلك لا تزال مترددة. استغرقتها سكارليت بصمت لثوانٍ عدة، وشعرت روزا برغبة في التملّص تحت نظرتها. لم تدرِ ما يدور بذهن المرأة الآن.
"...إلى أيّ مدى وصل الأمر، في الوقت الحالي؟"
كادت روزا تنسى التنفس حين بلغت تلك الكلمات مسامعها، متسلّلة ببرودة في جسدها. كانت سكارليت تعلم حقّاً. حدّقت في المرأة. ...بالطبع كانت تعلم. هذه سكارليت التي يتحدثون عنها. ما الذي لم تعلمه سكارليت؟ ما أثار الدهشة هو خداع روزا لنفسها باعتقاد أن المرأة ربما تجهل الحقيقة فعلاً. في الواقع، السبب وراء رغبتها في إخبار سكارليت بالأساس كان لاحتمالية علم الأخيرة بشيء حيال الأمر.
أكان هذا شعوراً بالارتياح؟ قلقاً؟ أم أملاً؟ عجزت روزا بصدق عن التمييز. لم تدرِ ما هو ما. كم عرفت سكارليت؟ ومنذ متى؟ عرفت سكارليت هويتها قبل أن يلتقيا حتى، إذن... منذ البداية؟ لكن لماذا يبحث عنها أيّ شخص سليم العقل إن كان يعلم الحقيقة عن حالتها؟ بغضّ النظر عن الخدمات التي تستطيع روزا تقديمها، فلن تعوض عن ذلك. ما لم... تكون سكارليت قد التمستها خصيصاً لأجل ذلك؟ كمثل سدّ منفرج، تدفقت أسئلة خافتة خافتة تخشاها روزا وتأمل سماع إجابتها في آن، مهدّدةً كلّ منها بالاندفاع دفعة واحدة.
"...لقد أخطأت التعبير"، قالت سكارليت بغتة.
"ليس عليك الإجابة عن ذلك السؤال."
أُعيدت روزا من أفكارها.
"لا، انتظري، أنا—"
"دعيني أعيد صياغته."
رفعت سكارليت يدها.
"لا تجاوبي عن هذا السؤال. ليس هذا الوقت المناسب."
أخفضت المرأة بصرها إلى يدها الأخرى، ورمشت روزا حين رأت جزءاً من الجلد يكتسي بلون داكن. أخفت سكارليت ذلك بسرعة تحت المكتب. استمرت روزا في التحديق بالمرأة.
"ماذا كان ذلك؟"
"شيء لا ينبغي أن يشغلك في الوقت الحالي"، أجابت سكارليت بلهجة صارمة لكنها متعبة.
وبدت روزا قادرة على سماع الألم فيها أيضاً.
"والآن، ما الذي رغبتِ في مناقشته معي ولم يحتمل الانتظار؟"
فتحت روزا فاها ببطء، ثم أغلقته. أتت إلى هنا لقول إنها مغادرة، لكنها الآن لا تدري ما تقول. أرادت طرح أسئلة، لكن الجوّ في الغرفة ونبرة سكارليت أوضحتا تماماً أنها لن تقبل تلك الآن.
"لا، كان مجرد..."
وجدت صوتها أخيرًا، رغم عدم يقينها ممّا خرج.
"صادفت قطة غريبة في الخارج، وفكرت في ضرورة إثارة الأمر معك."
"قطة... تقولين؟"
تحولت عيناها سكارليت إلى الباب، محدّقتين به كأنها تستطيع النفاذ عبر الخشب.
"نعم. كان فروها أسود وكانت ترقد على حافة النافذة. غادرت فور أن رأتني، مع ذلك."
لسبب ما، علمت روزا أن تلك القطة لم تغادر فحسب نحو جزء آخر من القصر.
"...أظن أنه قد حان الوقت قريباً"، تمتمت سكارليت.
"أتعرفين سبب تواجد تلك القطة هناك؟"
مع انغلاق مسار المحادثة السابق في وجهها، سُرت روزا باقتناص هذا التغيير في الموضوع. أومأت المرأة برأسها ببطء.
"أعرف، أجل. ليست فألاً سيئاً، إن كان هذا ما يقلقك. ربما يمكن اعتبارها فألاً حسناً حتى. غير أن..."
تشكّل تعبير متأمّل على وجهها.
"لا يزال هناك الكثير ليُنجز."
"هذا صحيح، لا بدّ أنك منشغلة بالتحضيرات لحفل الأرستقراطيين الفاخر ذاك المقامة الأسبوع القادم، أليس كذلك؟"
حدّقت بها سكارليت كأنّ الأمر تبخّر تماماً من ذهنها. رفعت المرأة يدها إلى صدغها.
"صحيح... هناك ذلك أيضاً. لكن بحالتي الحالية، أخشى أن أحيل بالخطأ أول شخص يقترب مني بلطف مزيف إلى رماد."
عادةً، كانت هذه هي النقطة التي تضحك عندها روزا وتقول إن سكارليت أتقنت المزاح أخيراً، لكنها شعرت بأن المرأة جادة تماماً. ورغم بدايتها كمن يحب هكذا مناسبات، لم تبدُ سكارليت متحمسة. بدا غريباً، رؤية هذه المرأة الرصينة المعتادة هكذا... مكشوفة. مرّت ثوانٍ من الصمت بينهما. وأخيراً، خفضت سكارليت يدها وأعادت اهتمامها إلى روزا.
"ما رأيك بزيارة فريميدو في الصباح؟"
درست روزا وجهها المتعب للحظة، ثم أبدت ابتسامة صغيرة حقيقية.
"أجل، بالتأكيد. قد يكون ذلك لطيفاً."
لم تدرِ ما سيحدث من الآن فصاعداً، لكن... ربما بوسعها الانتظار لفترة أطول قليلاً. لا، ربما كان عليها ذلك. وحينها ربما، ربما فحسب، تجد ما يساعدها على التوقف عن الهرب.