مذكرات شريرة محلية مغمورة الفصل 137

اقرأ مذكرات شريرة محلية مغمورة الفصل 137 باللغة العربية على مانجا تايم.

—ماذا؟ سار صقيع في عمود فقريّ غافن مع تثبيت نظرات البارونة الفولاذيّة عليه. ملأ توتر مفاجئ الفراغ بينهما، ودُفع هواء الليل القارس جانباً بينما ارتفعت درجات الحرارة. —أاعتنيتِ بأمرها؟ سألتْه المرأة. كان صوتها مستوياً كالعادة، لكن خطورةً ما حفّت بنبرتها الآن. صارع غافن غرائزَ أخبرته بالتراجع ومدّ اليد نحو نصلينه المخفيّين. لقد كان مزعجاً بما يكفي شقّ طريقه عائداً بعد القفز من برج شاهق الارتفاع بمئات الأمتار عودةً إلى الملاذ، أماً الآن فلديه رئيسة غاضبة ليتعامل معها أيضاً؟

أيمكن أنها أرادت حقاً أن تعيش الكونتيسة بعد كل هذا؟ لا سبيل لتكون بمثل تلك السذاجة. لا يمكنها معرفة أنه عجز عن التأكد من موتها، أيمكن؟ استحال ذلك أكثر. علاوة على ذلك، لكان السم قد تكفل بأمر المرأة بحلول الآن. فتح فمه للكلام، متفاجئاً بوجوب كونه جافاً قليلاً. —لم نكن لنحتمل أن يوشي أحد بما حدث، أليس كذلك؟ لذا أجل، اعتنيت بأمرها. التقتا عينا البارونة بعينيه، فجمُد. لم تكن الغاية وحدها مختبئة هناك.

بل وُجد غضب عارم. —متى أمرتُك قط بالاعتناء بأمرها؟ انبثقت ألسنة لهب صغيرة إلى الوجود خلف المرأة، تلحس الأرض مثل أشباح جائقة. حدق غافن فيها، غير متأكد إن كان ذلك من صنعها. لم يكن متأكداً حتى ممّا إذا كانت ساحرة أم لا. —أمم، حقاً... يبدو أنني كنت متسرّعاً بعض الشيء، قال، متخلياً عن ابتسامته الجريئة المعتادة التي يرتديها حول معظم أبناء الطبقة النبيلة. بدأ يشكّ في أنها أرادت الكونتيسة حيّة بالفعل.

لكن وُجد أيضاً احتمال أنها غاضبة فحسب لكونه لم ينفّذ أوامرها بدقة. —مع أمثالها، عليك اقتناص الفرصة حين تملكها. لا يمكننا حبسها للأبد بكل حال، لذا فإن التعامل معها بأسرع ما يمكن يوفّر علينا الكثير من العناء وعليها سيلاً من الشقاء. لا كأنها كانت تعيش حياة تُذكر قبل أن تلتقطيها، لذا يسهل هذا الأمر على الجميع، أأجل؟ نمَت النيران خلف البارونة في الحجم، وأضاءت كرة الزجاج الغريبة التي في يدها ببياض ناعم فجأة.

استمرت الحرارة في الارتفاع وهي تتقدم نحوه، وأخبرته النظرة في عينيها الكهرمانيتين بكل ما احتج لمعرفته. لم يكن ذلك ما أرادت سماعه. —إذن أنت قتلتها؟ علقت الكلمات الثقيلة في الهواء. حدق غافن فيها. اللعنات... بدا أنه أساء قراءتها. كانت هذه المرأة مجنونة أيضاً. رفع يديه. —لم أقل ذلك قط. كان أدرى من أن يحفر قبره أعمق في هذه النقطة. كانت البارونة نبيلة، ولم يبالِ بعض النبلاء ولو ذرة إن فعلوا شيئاً أبله أم لا.

إن ظنّوا أنك تقف ضدهم، فلن تخرج سالماً بكامل أطرافك. —كانت لا تزال حيّةً آخر مرة رأيتها فيها. استخدمت مكعباً غريباً تسبب في اختفائها فجأة. على ما أدريه، قد تكون في أقرب بلدة مجاورة، تبوح بالسر لكل من يسمع. ضيقت البارونة عينيه نحوه. —...لقد سممتها. نُطقت الكلمات بغضب مكتوم بالكاد، الآن. حلّ الصمت بينهما. ...حسنأ، تبّاً. لقد كاد ينسى أنه ما من شيء تقريباً لا تعرفه هذه المرأة عنه.

رقصت النيران خلف البارونة على إيقاع مجهول، تنبض وتخفق كأنها تكريساً تعجز عن احتواء غضبها. راح العرق يتشكل على جبينه من الحرارة، وبدا الأمر كأن اللحظة امتدت بينهما. حينئذٍ، تحرك غافن. مستديراً، تحول العالم إلى ضباب أحمر بينما تلااشى مظللاً. كان يخسره هنا، حتى وإن ألمّ به ذلك. لقد سلب ما يكفي من النفائس من غرفة العراف ليظفر بغلة لا بأس بها حتى من دون البارونة، وكانت حياته أهم من أي قلادة قديمة.

في واقع الأحمر خاصته، ظهر جدار من القرمزي الداكن ليحجب طريقه. توقف فوراً، وعاد العالم إلى طبيعته. وُجد جدار من النار أمامه. عبس نحوه، متلفتًا إلى البارونة. كان التحول الظلي مهارة قضى أكثر من عامين في تعلمها من متشرد عجوز قرب السهوب غير المستريحة. وحدها السحر المتجسد قادرة على التأثير فيه، وحتى حينها، غالباً ما كانت أي تأثيرات مخفضة بأكثر من النصف. مع ذلك، لم تبدو تلك النيران ضعيفة أبداً.

ما أنواع التعاويذ التي كانت تستخدمها؟ لا تزال واقفة بالقرب من مركز الخلاء، رفعت البارونة يدها. صُقلت غرائز غافن من سنين الخبرة، وفي تلك اللحظة، أخبرته بالتحرك تماماً بينما انبثقت عشرات من كرات النار غريبة الشكل حوله. مرة أخرى، تحول مظللاً، صائراً ضباباً أحمر في الوقت المناسب لتفادي وابل من الماء والبخار هادرين حيث كان يقف للتو. ظهر من جديد على مسافة قصيرة، لامساً بيده الكتف التي جرحتها الكونتيسة أصلاً.

ضربته إحدى تلك الانفجارات حتى أثناء تظله، ولسعت أكثر مما ينبغي. رمى نظرة أخرى نحو البارونة بينما بدأت تمشي في هذا الاتجاه. كانت المرأة اللعينة أجنّ مما ظنّ. لما كان ليصنفها بمثل هذه المهارة الساحرة. هجوم آخر هدر عليه، لكنه كان مستعداً هذه المرة وتفاداه في الوقت المناسب. بينما تحول العالم إلى أحمر حوله مع التحول الظلي، استهدف حافة الخلاء. ظهرت حواجز قرمزيّة أخرى لتعترض طريقه، مجبرة إياه على مغادرة القدرة في كل مرة وإعادة تفعيلها في اتجاه آخر.

أرادت المرأة منعه من الهرب. لكن ما وُجدت كرات نار كافية في سرف كامل من السحرة لإبقائه مقيداً. متحولاً في طريقه مراراً وتكراراً، تحرك بنمط لا يمكن تنبؤه واعتمد على غرائزه لتفادي أي هجمات أخرى استهدفته وتجنب الوقوع عالقاً بين جدران النار. لقد تعامل مع نصيبه العادل من الخصوم المزعجين في زمانه، لكنّ هذه قد تحوز قصب السبق. عادة، استطاع الاندفاع ببساطة خلال أي شيء يحاول الناس رميه عليه، لكن من الواضح أن ذلك لن ينفع الآن.

وهو أمر مؤسف. لم يكن بارعاً قطّ في أيّ من تلك التقنيات الدفاعية. لحسن الحظ، لم يصادف قطّ أي موقف عجز عن الخروج منه حين يعقد العزم حقاً. وابل آخر من كرات النار الغريبة تلك ثقل عليه في المرة التالية التي غادر فيها التحول الظلي. حاولت البارونة قفصه داخل حاجز من النيران أيضاً، لكنه كان قد خرج بالفعل حتى قبل أن يكتمل تشكلها. كان يقترب من حدود الخلاء، والغابة أمام مباشرة.

عندها كان الأمر كأن اللعنات نفسها انفتحت على العالم. بحر من النيران انفجر إلى الوجود، مشكلاً نصف دائرة واسعة أمامه ومُلقياً وهجاً شحيحاً عبر الأشجار خلفه. شعر بالحرارة تقريباً فوراً. دفعت عليه مثل موجة. شهيق واحد كفا ليلسع رئتيه، وتصاعدت أعمدة الدخان من بقع العشب الميت التي لم تبتلعها النيران صراحة. بحث حوله، لكن ما من سبيل للاختراق. لم تفتح النيران سوى خلفه. التفت إلى الوراء، حيث تشكل نفق شرير من النار بينه وبين البارونة.

هواء مهيب حام حولها وهي تخطو عبره نحوه. في يدها اليمنى خنجر قصير، ولسسبب ما، كانت ترتدي تاجاً صغيراً فوق رأسها الآن. ومع تثبيت عينيها عليه، تقدمت كأنها تقود جيشاً، والنيران تغلق عليه وتتلوه مثل أتباع لملكتهم. حلّقت النيران الأقرب إلى غافن أعلى فأعلى، مسلطة وهجها على المرأة المقتربة. أطبق على أسنانه. كانت الحرارة لا تزال ترتفع خلفه. ما بال هذا الفارق المجنون عن ذي قبل؟

أكانت تكبح جماحها في البداية؟ ما هذا النوع من التعاويذ أصلاً؟ وكم بلغت كمية المانا التي تمتلكها؟ التفت برهة إلى الحريق الذي حجب هروبه. ربما استطاع شق طريقه عبر النيران الأضعف سابقاً، لكنه لم يستطيع التأكد من هذه. بدا الوقوف هنا ببساطة كأنه يُخبز حياً. ناهيك عن أن هذه المرأة قد تحرق الغابة بأسرها حرفياً لمجرد الوصول إليه. فجأة، حذّرته غرائزه من هجوم آخر. أو بالأحرى، صرخت به.

في اللحظة التالية، ابتلعه عاصف غاضب من النار. كأن شمس الصباح سحبت وعصرت حتى اللب قبل أن تلقى عليه. حاول تفعيل التحول الظلي ليهرب، لكن النيران تبعته حتى حين انفصل عن العالم المادي، مخترقة الفضاء بينما أجبرته على التحرك نحو البارونة. بصرخة، برز على مسافة قصيرة منها، مسنداً نفسه على كفيه المحترقتين. حاول حماية نفسه، لكن تقنياته الدفاعية مزقت في طرفة عين. —لنناقش هذا!

صرخ، رافعاً بصره إلى البارونة ويلهث طلباً للهواء بينما احترقت رئتاه. —أدرك أنك غاضبة... حتى الكلام آلم. بأي لعنة بدت غير متأثرة هكذا؟ —قد لا تكون الكونتيسة قد ماتت بعد، أليس كذلك؟ إن ساعدتُك، قد نجدها في الوقت المناسب، لذا لنفعل شيئاً متسرعاً، حسنأ؟ كانت النيران تتقدم نحوه ببطء من الخلف. اضطر لإجبار نفسه على النهوض مجدداً للتحول الظلي بعيداً، بارزاً قليلاً إلى جانب البارونة.

فتح فمه للكلام مجدداً. ليقول أي شيء قد يقنعها. لكن حين التقت عيناهما، جمُد. لم تبالِ بذرة واحدة بأي شيء أرادت قوله. وُجد الموت والغضب المحض وحده في تلك النظرة. لم يكن مغادراً هذا الخلاء حيّاً إن لم يبادر أولاً. أخرج خنجرين من حزامه. كانت هذه هي المرة الأخيرة التي يتلقى فيها عملاً من نبيلة ملعونة بالشر. مطلقاً بضع تقنيات وحيل تعزيز الجسد التي تعلمها في أيامه بالشوارع وكونه عضواً في الطليعيّة —لم تكن معظمها أشياء ترغب في استخدامها إلا إن استمتعت بتقيؤ نفسك على الأرض بعد ذلك— ألقى نظرة سريعة للتأكد من أن النصال لا تزال مطلية.

حينئذٍ، فعّل التحول الظلي مجدداً وتحرك نحو البارونة. كان ينفد من الطاقة، لذا توجب عليه التعامل مع هذا بسرعة. ظهر جدار نار آخر أمامه. ألغى التحول الظلي فوراً ودحرج إلى جانب النيران. ثم، بينما كانت المرأة مركزة على استحضار صفيف آخر من الهجمات ضده، ألقى الخنجرين. كانت ردة فعلها أسرع مما ظن، وابتلعت كرة من النار أحد النصال بالكامل، محجبة المرأة عن ناظريه. أما الآخر، مع ذلك، فرآه يخدش كتفها.

أخرج مجموعة أخرى من النصال، مستعداً لتفادي هجوم آخر والبحث عن الفرصة القادمة، حين هدأت عاصفة النار حوله فجأة، كأنها مجمدة بالزمن. هدأت النيران الحامية للبارونة للحظة فحسب، كاشفة عن المرأة وهي ترميه بنظرة حادة. وُجدت آثار دماء على كتفها، لكنها كانت أقل بكثير مما أمّل. لم يكن ذلك سم دموع الشبح، لذا لن يكفي للإطاحة بها. مبرزاً نفسه من ذهوله اللحظي، ألقى الخنجرين نحوها مجدداً.

هذه المرة، تجسدت حواجز مصنوعة من الماء لإبطاء زخمها قبل أن تبتلعها مجموعة أخرى من النيران. لم يكن متأكداً حتى إن اقتربتا من البارونة. وُجِدت لحظة وجيزة هبط فيها صمت مطبق عليهما، ثم تحرك كل شيء. كان الأمر كأن الخلاء بأسره تمخض وعاصفة غابة من النار تقدمت نحوه من كافة الاتجاهات، مبتلعة إياه في الحريق المتأجج قبل أن يتمكن من التحرك. صرخ محاولاً المقاومة، متشبثاً بمهرب.

لكن النيران تحركت كأنها حيّة، متلاطمة ومتبدلة بطرق مستحيلة بينما نحتت جسده. تلمس بتخبط في هذا المحيط من الأحمر والنار، ممتداً الألم لما بدا وكأنه أبدية. ثم اختفى كل شيء. سقط غافن على الأرض، قادراً بالكاد على التنفس، رغم أنه لم يتأكد إن لم يوجد هواء أم إن رئتيه ببساطة لم تكونا قادرتين على ذلك بعدُ. الآن كل ما أحاط به كان الخلاء المظلم، مضاءً بضوء القمر الشاحب المعلّق في السماء فوق.

رافعاً رأسه بضعف، شهد الدمار الذي حُلّ. صار أكثر من نصف المنطقة سواداً محترقاً فحسب، مع جمرات ضعيفة من النار متناثرة فوق ما بقي من الغطاء النباتي. ومع ذلك كانت أشجار الحدود سليمة تماماً. لنَفَس واحد، تساءل إن كانت إحدى اللعنات الست قد نزلت هنا حقاً، نكاية به وبخياراته التي اتخذها. ماشية عبر الفوضى التي جلبتها، توقفة البارونة على خطوة من غافن، مطليّة النظر نحوه. حاول رفع ذراعه — حاول التحول الظلي والابتعاد، لكن لم تتبقَّ طاقة.

لم يستطيع حتى جلب نفسه للكلام. لمرة أخيرة، التقى عيني المرأة، ناظراً في الغضب والحدة خلفهما. لكن الآن، وُجد شيء آخر ممزوج هناك أيضاً. كاد يرغب في الضحك. لم يتأكد حتى متى وقع في شركها، لكنه افترض أنه لا يلوم سوى نفسه لنسيانه حتى الأساسيات. عجز الضحك عن وصف الأمر بحق. هذا ما يحدث حين تنغمس أكثر من اللازم في معتقداتك تجاه شخص ما. أكان هذا ما شعرت به تلك الكونتيسة، ربما؟

فعلت البارونة يداً. —...قذارة. همست الكلمة المفردة تقريباً. وحينئذٍ تحول عالم غافن إلى رماد.