دخلت سكارليت ومن معهما غرفة مظلمة من حجر رمادي مقصوص بعناية وبدت كأنّ أيّ مخلوق حيّ لم يمرّ بها منذ أجيال. كان الهواء راكداً، والرفوف المقلوبة والطاولات مبعثرة أمامهما، تغطيها الأوساخ والأغبرة المتراكمة طوال السنين الطويلة. استحضارت أداليسيا مجموعة من كرات الضوء الصغار لتضيء المكان. بدت الكرات مشهداً غريباً بحد ذاتها؛ ساطعة بشكل مذهل فيما تقدمه من نور بطريقة ما، وحين تنظر إليها، تبدو أضعف قليلًا من الشموع العادية.
في الطرف البعيد من الغرفة، وُجد زوج من الخزائن الشبيهة بالألواح بجانب كومة ممّا قد يكون معدات سحرية مكسورة ترقد في الزاوية. تفحصت سكارليت الجدران، ملاحظة عدة مشاعل فارغة وبعضها يضم بلورات خضراء داكنة متشققة. ونقشت نقوش زوريفية في الحجر هنا وهناك أيضاً. أشار فين نحو ممر طويل يخرج من الغرفة.
"الموتى الأحياء هناك في الأسفل".
"إذن فلنتعامل معه أولاً قبل أن نستكشف هذه المنطقة"، قالت سكارليت.
تقدّموا كججموعة، وكان فين وشين في المقدمة. وحين بلغوا فم الممر، جعلت أداليسيا ضوءها ينحني بطريقة ما كي لا يمتد بعيداً جداً. لقد كان ذلك مريحاً حقاً. أخرجت سكارليت نظارتها المسحورة وارتدتها، متفرسة في الممر. وهناك حجرة خلفه، تتألف من قاعة شاسعة تخترقها أعمدة في المنتصف. واصطفّت صفوف من المقاعد الحجرية أمام منصة رمادية تعتلي قاعدة في صدر القاعة، بينما يطفو شكل هيكلي في الهواء فوقها.
وكان الشكل يرتدي رداءً أحمر مهترئاً، ممسكاً بعصا طويلة في يده اليمنى. إنه زعيم هذا القبو الأخير. إنه ليتش. عادة، كان خصم كهذا يستدعي بعض الحذر، لكن... ألقت سكارليت نظرة على أداليسيا وبقية مجموعتها. كان كلّ من سحر النار وسحر الضوء —أحد تخصصات أداليسيا— مضاداً للموتى الأحياء، وكانت جماعة سكارليت بارعة إلى حد ما في التعاون ضد الخصوم المنفردين. ناهيك عن أن أداليسيا كانت ساحرة كبرى.
قد لا تركز المرأة على سحر المعارك، لكنها ظلت ساحرة قوية إلى حد ما بمفردها. في اللعبة، تكون الساحرة الكبرى أو المعلمة في المستوى ستين كحد أدنى، لذا إن كانت تقديرات سكارليت صحيحة، فستكون أداليسيا إما مساوية لجارسايد في القوة أو أقوى. وبالنظر إلى أن هذا القبو لم يكن في مستوى عرين الرياح العاصفة، فلم يكن لديهما ما يثير القلق المفرط. أشارت لفين وشين بالمضي قدماً. استخدمت روزا سحرها لتعزيز مجموعتها بينما تقدّم الشابان إلى الأمام.
كانت سكارليت قد استخدمت سلفاً [تعويذة التغيير السريع] لتجهز كل شيء ما عدا [تاج البركة المفقودة] وتبعتهم من الخلف. وما إن وطئت قدم فين الحجرة حتى استدار الليتش عند رأس الغرفة. وانطبع زوج من العيون الحمراء الساطعة على الشبن، مع كراهية خالصة في نظرته. وانشق شعاع ضوئي متأجج عبر القاعة ليغمر ذراعه اليسرى بأكملها. وتفككت أجزاء كبيرة من أرديته تحت الهجوم، وبقي هيكله العظمي أسود ومتفحماً.
التفتت سكارليت لتنظر إلى أداليسيا. كان كتاب أداليسيا السحري يطفو في الهواء بجانبها، وتبددت مجموعة من الرونيز في الهواء الرقيق أمام يدها. لا بد أن تلك كانت [الطفرة الساطعة]، وهي تعويذة تواجدت في اللعبة أيضاً. لقد بدت أكثر خطورة بكثير على أرض الواقع مقارنة بما تبدو عليه أمام الشاشة. أطلق الليتش صرخة غاضبة تردد صداها في أرجاء الغرفة. ورفع ذراعه الأخرى وتشكيل ضوء أخضر حول عصاه.
وانطلقت ثلاثة أشعة منه، مقوسة نحو شين وفين. رفع شين درعه وصد اثنين منها، لكن الضربة دفعته عدة خطوات إلى الوراء. وتمكن فين من تفادي تلك الموجهة إليه، جاشاً عبر القاعة كمجنون. وحتى الليتش بدا مصدوماً بالسرعة التي بلغ بها، محاولاً الطفو إلى الوراء بينما قفز الشبن ليضرب عليه في الهواء. واُستحضِرت عدة تعويذات إضافية لمجرد إبقائه تحت السيطرة، واغتنم البقية في مجموعتهم الفرصة لتقليص المسافة أنفسهم.
واصطدم شريط ضوئي آخر من أداليسيا بجانب الليتش، محرقاً المزيد من أرديته وجسده. وحين اقتربت سكارليت بدرجة كافية، تابعت الهجوم بتشكيل اضرامة من النيران التي التصقت بالنصف العلوي لليتش تماماً بينما قفز فين مجدداً ليضرب عليه من الأسفل مرة أخرى. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى تجهز عليه مجموعتهم من هناك. وفي غضون دقيقة، سقط ما بقي من الليتش على الأرض كقشرة متفحمة، تاركاً الحجرة صامتة.
"لقد... كان ذلك سريعاً"، تمتمت أليسا بالقرب من سكارليت.
لم تمنح الفتاة فرصة تذكر لتفعل أي شيء في ذلك القتال.
"لا يزال هناك موتى أحياء آخرون في هذه الأطلال"، قالت سكارليت.
"مع أنهم في الحقيقة، مرجح أن يقدموا تحدياً أقل".
ألقت نظرة حول المكان بينما مشت إلى حيث يقف فين وشين سلفاً، بجانب بقايا الزعيم. رقدت العصا التي استخدمها الليتش بجانبه، فضلاً عن ما تبقى من أرديته.
[عصا الحارس المشبعة بالياقوت (ملحمي)]{عصا مشبعة بغضب ملقيها، معززة للهجمات} [أرداء سحرية متفحمة التآزر (ملحمي)]{صُنع هذا الرداء في يوم ما من أقمشة فاخرة وتشبع بسحر قوي، لكنه تراجع منذ ذلك الحين إلى الخراب.
وما تبقى منه ليس سوى ظل لما كان عليه سابقاً} علقت عيناها على الأرديان وحالتهما الممزقة. لم تكن قديمة وهشة فحسب، بل إن القتال ألحق بهما ضرراً بالغاً حقاً. لم تكن تهتم كثيراً بشأن كبح نفسها في قتالات كهذه من قبل، نظراً لأن أغلب الأغراض التي عثرا عليها لم تأخذ من جثث من هزموهم، لكن هذا كان إهداراً بعض الشيء، أليس كذلك؟ لا يزال الوصف يقول إن الأرديان كانتا من الفئة الملحمية حتى بعد كل الضرر، لكن الأمر كان نفسه حين نهبت كل ذلك العتاد التابع لحكماء الكابال.
وبعض ذلك فحسب كان قابلاً للبيع حقاً. في المستقبل، قد يكون من الجيد توخي المزيد من الحذر متى ما أمكن. ...أتمنى ألا يكون هذا ميؤوساً منه. حتى الآن، أمرت فين بوضع كلا الغرضين في [حقيبة جوهام]. ستتفحصهما لاحقاً، لكن لم يكن لديها اهتمام كبير بالاحتفاظ بأيهما. كانت العصا غير عملية للغاية للحمل، برأيها. وحتى لو كانت قوية بشكل لا يصدق، فهي تعرف العديد من الأغراض الأخرى التي تفضلها.
ولن تكون الأرداء مفيدة لها إلا إذا استطاعت نقل السحر إلى قطعة ملابس أخرى. شيء يستحق النظر فيه، لكن بالنظر إلى حالتهما الحالية، لم تكن تحظى بآمال عالية. التفتت إلى الآخرين.
"بما أننا تعاملنا مع التهديدات الأكثر إلحاحاً، فيمكننا تفتيش هذه المنطقة قبل أن نتقدم إلى الأقسام التالية".
وبدو أن اهتمام أداليسيا متسمر على المنصة حيث تواجد الزعيم.
"آنسة مندينهال. يمكنك بالطبع فعل ما شئت في الوقت الراهن".
منحتها الساحرة ابتسامة امتنان قبل أن تتقدم لتفحص المنصة عن قرب. أوجّهت سكارليت أليسا وشين لبدء التجوال حول الغرفة وجمع أي شيء يبدو قيّماً ويمكنهم اصطحابه معهما. كان علماء الآثار المعاصرون ليحتقروها بسبب جرائمها بحق صنعتهم، لكنها بصراحة لم تكن تهتم كثيراً. أخذت فين وروزا معها حين عادا إلى الغرفة الأولى، متفحصتين إياها عن قرب. بدا أن هناك الكثير من الأشياء القابلة للنهب هنا.
وبالنظر عن قرب، لم تبدو كل البلورات المعلقة من المشاعل على الجدران متشققة، لذا فإن تلك ستأتي معهما بالتأكيد. أخبرتها إيفيلين أن بلورات الضوء الزوريفية تباع بثمن لا بأس به. والمعدات السحرية القديمة في الزاوية ربما حملت بعض القيمة لمختلف أبراج السحر أيضاً، حتى لو كسر بعضها. وتواجدت أيضاً الكثير من الحلي والتحف الأصغر مبعثرة على الرفوف، بما في ذلك العملة الذهبية الزوريفية العرضية.
بينما جذب كل ذلك انتباهها، ظل تركيزها الأساسي منصباً على الخزائن في نهاية الغرفة. مشت نحوهما، مترقبة الرموز النقوشة في الألواح الحجرية فوقهما. كانت هناك خزانتان، تحمل كل منهما التصاميم ذاتها. لم تكن تفهم اللغة الزوريفية، لكنها عرفت تقريباً ما يمكن توقعه. منادية فين، جعلته يزيل الألواح. واصطدمت الحجارة الثقيلة بالأرضية بصوت مدوٍ حين دفعتها، وتراكمت سحب الغبار عبر الغرفة.
عبست سكارليت بأنفها لحظة بينما انتظرت حتى تستقر، ثم تفقدت محتويات الخزائن. وبجانبها، أطلقت روزا صفرة معجبة. كانت الخزانة إلى اليسار مليئة بالعملات الذهبية اللامعة. وانطلاقاً مما عرفته سكارليت عن قيمة العملة الزوريفية الواحدة، قدرت أن هناك ما يتراوح بين خمسين ألفاً إلى مئة ألف سولار من الذهب هنا. لم تحوِ الخزانة الثانية أي ذهب. وبدلاً من ذلك، وجد غرضان فقط. ميزان مصنوع من الفضة النقية، لم يفسده مرور الوقت ولكنه بلا سمات بارزة أخرى، فضلاً عن مكعب رمادي صغير يحمل سطحاً صافياً.
[ميزان المصالحة (ملحمي)]{ما كان واحداً في يوم ما قد يغدو اثنين الآن، لكن هناك دائماً مكان لإعادة التوحيد} [مكعب الهبوط الفوري (ملحمي)]{قد يجد المرء نفسه يواجه موقفاً لا يطاق، بيد أن من يملك الغد ينتصر دائماً} وبينما تواجدت عدة أسباب لكي تستمر سكارليت في استكشاف أطلال زوريفية كهذه، فإن هذا كان السبب الذي جعلها ترغب في تطهير هذا الأطلال تحديداً.
والقطعة الثانية، خصوصاً، كانت شيئاً تريده تحضيراً لما سيفعلونه فور عودة غافن من مهمته. التقطت كلا الأثرين ووضعتهما في [حقيبة الحفظ]. ثم قضت بعض الوقت في جمع كل الذهب من الخزانة الأخرى بمساعدة فين وروزا. بعد ذلك، جمعوا بقية الأغراض في الغرفة قبل العودة إلى الحجرة حيث تواجدت أداليسيا والآخرون. لا تزال الساحرة تقف على المنصة، منحنية فوق المنصة هناك بينما تفحصها. أخبرت سكارليت فين وروزا بمساعدة أليسا وشين، ثم اقتربت من أداليسيا.
رفعت المرأة رأسها حين اقتربت، ثم أشارت إلى المنصة.
"أتعرفين ما هذا؟"
نظرت سكارليت إليها أدناه. ورغم بدايتها وكأنها مبنية من حجر بسيط، كان تصميم المنصة معقداً إلى حد ما. واحتوت على نقوش بارعة تغطي معظم قاعدتها ونقش في وجهها فوضى من الخطوط المعقدة والرموز المكتوبة باللسان الزوريفي. ووجدت بضع تشققات في الحجر، ولم تكن بعض الرموز مقروءة تماماً، لكنها بدت في حالة أفضل من بعض محيطها على الأقل.
"لا أعرف"، قالت.
"إنه نوع من الآثار التي تُعثر عليها أحياناً في أماكن كهذه حيث أقام الزور، وغالباً ما يُشار إليها باسم المعبد. يُعتقد أنها مرتبطة بكيفية خلق الزور لأحجار الفرن وغيرها من الآثار المشابهة".
تواجد شغف معين في صوت أداليسيا وهي تمرر يدها فوق المنصة.
"لسوء الحظ، لم يستطع أحد فك شفرة كيفية عملها تماماً. أغلب تلك التي عُثر عليها واستعيدت بنجاح كانت جميعها في حالة سيئة نسبياً. والأفضل حفظاً موجودة على الجزيرة الصاعدة، وحتى تلك قد بليت بفعل الزمن".
نظرت سكارليت مطولاً إلى «المعبد»
مرة أخرى. وإن كان الأمر كذلك، فهي تعرفه بالفعل. لم تقتصر هذه الآثار على الذكر في بعض النصوص التي درستها عن الحضارة الزوريفية منذ وصولها إلى هذا العالم، بل تواجدت في اللعبة إلى حد ما أيضاً. وبفضل أحد هذه الآثار، استطعت الوصول إلى بيلد ثيليليون إن كنت تلعب المسار الجيّد. انحنت أداليسيا أقرب إلى المعبد، دارسة صفاً من الرموز في مركزه.
"تضمنت البعثة التي شاركت فيها على الجزيرة الصاعدة سحرة من برج إليستيد، ومجلس أوستروم، والجزيرة. لقد مضت أجيال منذ أن تم ترتيب شيء على النطاق نفسه، وتضمن جزء من عملنا في الواقع هذه المعابد. أنا بعيدة كل البعد عما قد تدعينه خبيرة فيها، لكنني أعتبر نفسي متمرسة إلى حد ما".
رفعت الكتاب المثبت عند خصرها، مقلبة إلى صفحة معينة نُقِشت عليها العديد من الرموز. وتوهجت حين حركت يدها فوقها، وبدأت بعض الرموز على المعبد تتوهج رداً على ذلك.
"أه؟ هذا غريب..."
تمتمت المرأة.
"يبدو أنه يغير استجابته بمفرده، لسبب ما. أتساؤل لمَ يكون الأمر كذلك...؟"
لم تكن سكارليت متأكدة تماماً ممّا هو «غريب»
في ذلك، لكن أداليسيا فتحت صفحة أخرى في كتابها وبدأت تدون الأشياء بقلم حصلت عليه من مكان ما.
"....من وصفك، يبدو أن هذا أثر ترغب معظم أبراج السحر في الوصول إليه"، قالت سكارليت.
"همم، لست متأكدة كم ما يمكن تعلمه من هذا الذي لا نعرفه بالفعل"، أجابت أداليسيا، دون أن تحول نظرها عن ملاحظاتها.
"تلك التي تمت مواجهتها حتى الآن كان لها جميعها بعض الوقايات المعقدة إلى حد ما، لذا فهناك قدر محدد يمكننا فعله بما لدينا من أدوات محدودة. ومع ذلك، بخلاف تلك التي على الجزيرة الصاعدة، فهذه هي الأفضل حفظاً التي رأيتها، لذا لابد أن هناك بعض الاهتمام".
"إذن أفترض أن برج إليستيد سيكون حريصاً على فرصة الحصول عليها لنفسه، أليس كذلك؟ قبل أن يحظى أي فصيل آخر بالفرصة".
توقفت الساحرة، مستديرة برأسها لتنظر إلى سكارليت. وتشكلت ابتسامة صغيرة على وجهها.
"أنت محقة على الأرجح. مع أنني أتخيل أن المسؤولين عن شؤوننا المالية لن يكونوا ممتنين بنفس القدر".
"أنا متأكدة من أننا نستطيع التوصل إلى اتفاق"، قالت سكارليت.
ونظرت إلى المعبد أدناه. لقد كان أكبر من أن يحملوه معهم. لم تكن إزالته خياراً، نظراً لأنه كان مثبتًا على الأرجح بالمنصة تحته. ومع ذلك، كانوا الوحيدين العارفين بموقع هذه الأطلال، ولم تكن أداليسيا لتكشفه لأحد —حتى الأشخاص من برجها الخاص— نظراً لوجود اتفاق بينهما. لم يكن على سكارليت سوى جعل إيفيلين تتواصل مع أشخاص برج إليستيد وتخبرهم بأنهم سيبيعون معلومات هذا المكان لهم أولاً، فضلاً عن المعبد فيه، إن قدموا عرضاً جيداً.
ويمكن ترك كل الأشياء المزعجة للسحرة أنفسهم هذه المرة. استدارت لمغادرة المكان.
"استمري هنا للمدة التي ترغبين بها. سأترك السيد ثورنتون معك تحسباً لاحتياجك إليه. أما البقية منا فسيبدأون في استكشاف بقية هذه الأطلال".
منحتها أداليسيا إيماءة صغيرة قبل أن تعيد اهتمامها الكامل بعملها، ومشت سكارليت إلى حيث تحرك الآخرون في الغرفة. نأمل أنه إن انتهوا من كل شيء هنا بسرعة كافية، فسيعودون جميعاً إلى فيبروو قبل منتصف الليل.