الماء بارد. لم يكن هكذا دوماً. في السابق، كنت سأكون ممتنة للماء البارد. الماء البارد يعني أنني لم اضطرّ لكسر الجليد للحصول عليه. لكن الآن، وأنا أقف عند حوض الغسيل خلف مساكن التلامذة، أغمض يدي في الدلو وأشعر بانزعاج خفيف فقط. الشتاء ليس مرعباً كما اعتاد أن يكون. عباءتي ثقيلة. رداءي متين. البرد يتسلل ببطء، وحين يفعل، لا أرتجف بالطريقة التي كنت أرتجف بها حين كنت أصغر سناً.
أصغر سناً. أنا في التاسعة عشرة الآن. لكني أبدو أكبر سناً. أكبر من سنواتي، أكبر من مرحلة تدريبي، أكبر من الفتاة التي تعثرت صعوداً على هذا الجبل قبل ستة أعوام. أفرك رداء التدريب بلوح الغسيل. القماش مختلف الآن؛ أثقل، ذو جودة أفضل. ليس القنب الرخيص الذي ارتديته حين وصولي الأول، ذاك النوع الذي كان يسلخ ويتمزق ولا يبقي البرد خارجاً أبداً. هذه الأردية تحتفظ بالدفء. تحتفظ بالشكل.
تجعلني أشعر بأنني أنتمي إلى هنا، حتى حين لست متأكدة من أنني كذلك. مَلِك الطائفة لو تشين اشتراها. الجديد. أصحح لنفسي. ليس الجديد. نفسه. ما زال الشخص نفسه. فقط... استيقظ. مثل شيء كان نائماً داخله وفتح عينيه أخيراً. أفرك بقوة أكبر.
"لو تشين القديم."
العبارة تبدو قاسية، لكني لا أقصدها بقسوة. الرجل الذي آواني حين لم يكن لدي مكان آخر أذهب إليه... أنا مدينة له بكل شيء. أنا مدينة له بحياتي. أنا مدينة له بحقيقة أنني لست ملكاً لأحد الآن، ومبيعة لتاجر بضع عملات فضية لأن عائلتي كان لديها أفواه كثيرة لتُطعم وكنت الابنة الوحيدة. كنت في الثانية عشرة حين هربت. سمعت والديّ يتحدثان ذات ليلة، صوتيهما منخفض ومتعب، ظانّين أنني نائمة.
فتاة جيدة، تعمل بجد، جميلة بما يكفي. التاجر لم يهمه. أراد فقط من تحضر الشاي وتدفئ فراشه. هربت إلى أقصى ما استطاعت ساقاي حمله. لم يكن بعيداً. كنت في الثانية عشرة. كنت جائعة. كنت خائفة. بحلول الوقت الذي بلغت فيه سفح جبل التنين الملتوي، لم أستطيع الرقص أكثر. جلست على جانب الطريق وبكيت، وظننت أن هذه هي النهاية. تلك كانت النهاية. أنني سأموت هناك، وحدي، لأن الرهرب بلا جدوى والعالم قاسٍ ولا أحد قادم لإنقاذي.
ثم وجدني. مَلِك الطائفة لو تشين. القديم. ذاك الذي كان مجرد ممارس متوسط العمر طائفة محتضرة ووجه طيب. لم يطرح أسئلة. لم يطالب بمقابل. لم يختبر حتي جذر روحي. حدق بي بذهول خفيف فقط، قبل أن يمد يداً.
"... تبدو جائعاً. العجوز تشين لديه أرز إضافي."
كان هذا كل شيء. بلا موعظة، بلا شروط... أرز فقط. بقيت. بالطبع بقيت. أساعد العجوز تشين في المطابخ، أقوم بغسيل الملابس، أطعم الحيوانات. بعد أسبوع، حين أصبحت قوية بما يكفي للوقوف بلا ارتجاف، جعلني أُخْتَبَر. جذر روح الماء. ليس استثنائياً، ليس بلا قيمة. مناسب للممارسة. انغمست في الأمر. عملت بجد أكثر من أي شخص. حفظت كل تقنية، مارست كل حركة، بقيت حتى وقت متأخر بعد التدريب لأكرر الحركات مراراً وتكراراً.
التلامذة الآخرون لاحظوا. بعضهم رمقني بنظرات خبيثة؛ كنت الفتاة الوحيدة في ذلك الوقت، وكنت جميلة بما يكفي، والممارسون ليسوا أفضل دائماً من التجار. بعضهم احتقرني، فتاة مطبخ، هكذا سموني. تجاهلتهم. لأن الممارسة كانت طوق نجاة. الطريقة الوحيدة للهروب من المصير الذي وُلِدت به. إن استطعت أن أصبح قوية بما يكفي، إن استطعت بلوغ تكثيف التشى، إن استطعت إثبات قيمتي؛ فلا أحد يستطيع بيعي.
لا أحد يستطيع أخذي. سأكون شخص نفسي.
تلامذة آخرون غادروا على مر السنين، حتى حين كانت لديهم موهبة "أسوأ"
من موهبتي. رأوا الكتابة على الجدار. طائفة محتضرة. مَلِك طائفة طيب لكنه غير فعال. بلا مستقبل. لكني بقيت. بقيت لأن مَلِك الطائفة لو تشين منحني فرصة حين لم تكن لدي أي فرصة. لم يرَني كشيء للبيع. لم ينظر إلى وجهي ويحسب قيمتي بالفضة. يدي تنزلق إلى شعري. أدس خصلة خلف أذني، عادة عصبية لم أستطع التخلص منها أبداً. الماء في الحوض يتموج. إنه يستجيب لمشاعري الآن. لم يمض وقت طويل. بأسابيع قليلة، ربما.
أنظر إلى الحوض. السطح مضطرب، أمواج صغيرة تلطم الجوانب الخشبية. أخذ نفساً. أزفر. الماء يسكن.
"جيد. تحكم."
طائفة التنين الملتوي أخذت أمثالي. أشخاصاً لم يكونوا عديمي الفائدة، لكنهم لا يستحقون القتال لأجلهم. أشخاصاً بلا مكان يذهبون إليه. أشياء مكسورة، أشياء مهملة، أشياء كانت طوائف أخرى سترفضها بلا نظرة ثانية. لو تشين منحني مكاناً أدعوه بيتاً. يجب أن أتذكر ذلك بدفء. أنا أتذكره بدفء فعلاً. لكني أتذكر تعبه أيضاً. اعتاض التوقف قبل الإجابة عن الأسئلة الصعبة، عيناه تنجرفان نحو النافذة كأن الإجابة قد تكون مكتوبة في الغيوم.
كان يشجعنا، لكن نادراً ما فاجأنا. حين شحت الموارد، نظر نحو طريق الجبل كأنما يأمل أن تصل المساعدة من مكان آخر. مَلِك الطائفة لو تشين لم يكن رجلاً سيئاً قط. هذا ما جعل الرحيل صعباً للغاية. لو كان قاسياً، لكان الأمر سهلاً. لو كان غير مبالٍ، لكان الأمر بسيطاً. لكنه كان طيباً. عادلاً، حين لم تكن العدالة تكلف الكثير. كان يتذكر الأسماء. كان يحل النزاعات. لم يضرب التلامذة بغضب قط.
لم يكن مَلِك طائفة عظيماً. لكنه كان مَلِكَ طائفتنا. والآن الطائفة تتغير بسرعة. وهو كذلك أيضاً. أعلق الأردية على الحبل، أنعم القماش، أثبته في مكانه. شمس الشتاء شاحبة لكنها حاضرة. ستجف بحلول المساء. أتذكر اليوم الذي جمع فيه الجميع في الساحة بلا إنذار. كان غريباً. لم يجمع الجميع بلا إنذار قط. لم يكن من النوع الذي يصنع إلحاحاً ما لم يكن شيء قد ساء بالفعل. الإعلانات تأتي في الوجبات.
التعليمات تأتي أثناء التدريب. استدعاء إلى الساحة، في ساعة غريبة، بلا تفسير... لم تكن تلك طريقته. التلامذة همسوا فيما بينهم بينما تجمعنا.
"أحدث شيء ما؟"
"ربما انهار المنجم؟"
"ربما طائفة السماء البنفسجية رفعت الجزية مرة أخرى؟"
أسكتهم.
"انتظروا. سنعرف قريباً بما يكفي."
لكن في داخلي، كنت أستعد للأسوأ. مشكلة أخرى. أزمة أخرى. شيء آخر قد يكسر أخيراً الطائفة التي كنا نكاد نتماسك بها. بدا الأمر كأننا ننتظر الكارثة التالية دائماً. المنجم المحتضر. الإمدادات المتناقصة. التلامذة الذين غادروا لأنهم لم يستطيعوا رؤية مستقبل هنا. حين تموت ببطء، يبدو كل شيء تهديداً. تعلمت أن أعيش مع هذا الشعور. ثقل الأمر استقر في عظامي بالطريقة التي اعتدها برد الشتاء، قبل الأردية الجديدة.
ثم نظر لو تشين إلينا. وقف في مقدمة الساحة، ونظر إلينا بانتباه. لكنه كان انتباهًا لم أعهده منه من قبل. درس كل شخص لفترة أطول قليلاً من المتوقع. تحركت عيناه عبر التلامذة في تشكيل فضفاض، متوقفة عند الوجوه، مقيسة شيئاً عجزت عن تسميته. وحين وصلت نظراته إلى فينج، رأيت ومضة من شيء أكثر حزناً. ثم تحركت عيناه. إلي. إلى التلامذة الأصغر. إلى الخدم على حافة الساحة. ثم، بغرابة، ألقى نظرة على الماعز، تمتم بشيء بصوت خفيض، وهز راسه.
لم أستطع تفسير سبب شعوري بأن الأمر خاطئ. كان مطابقاً تماماً في المظهر. الأردية نفسها. الوقفة نفسها. الصوت الهادئ نفسه حين يتكلم. لكن جودة انتباهه قد تغيرت. كأنه كان يرى من خلالنا بدلاً من النظر إلينا. لقد صوبني مَلِك الطائفة مرات عديدة. انحنيت تحت مدحه، خيبته، نصيحته الصبورة. كنت أعرف كيف يبدو شعور أن يراك. لم تمر عيناه فوق وجهي أو وقفتي أو ترتيب أرديتي. بدا أنهما تستقران في مكان أعمق، مكان لم أكن أعرف أنني أملكه.
شعرت بالانكشاف.
"أكان ينظر بهذا الحرص دائماً؟"
ثم تحول انتباهه. تجاوز العجوز تشين، المختبئة نصف اختباء خلفه كأنها لا تريد أن تُوجد. لينغر. لاحظت التوقف. طويلاً جداً. أطول من أي شخص آخر. ثم أشاح ببصره، وكان وجهه محايداً مرة أخرى.
"هاه..."
أجد نفسي أطيل التحديق في الرداء على الحبل. القماش يقطر. قطرات الماء تتجمع وتساقط. أفكر في كيف تغيرت الأمور منذ ذلك الحين. الطائفة تحسنت بطرق كانت عملية أكثر من أن تُتجاهل، لكنها أصغر من أن تُشار بوصفها معجزات. نتلقى تمارين فردية الآن. تقنيات جديدة بدت أفضل فحسب. نار وي تشين توقف عن التقطع. حتى جون، الذي لم يبدو أنه يتحسن في أي شيء قط، بدأ يحقق تقدماً. الجميع امتلك مكاناً.
الجميع امتلك شيئاً يجيدونه. الانضباط تحسن. الإمدادات نُظمت. مستودع الحبوب توقف عن التسريب لأنه نقل خادماً واحداً من نقل الماء إلى إصلاح الرفوف. المنجم تلقى عملاً إضافياً. أشخاص أُسندت إليهم مسؤوليات تناسبهم بشكل غريب، كأنه كان يعرف طوال الوقت بما هم قادرون عليه. لاحظت أن أي تغيير بمفرده لم يكن مستحيلاً. أي منها يمكن تفسيره. تخمين محظوظ. محادثة سُمعت عرضاً. لحظة إلهام.
لكنها معاً، شكلت نمطاً. لو أنه وجد كنزاً عظيماً، لكنت استوعبت. لو أنه اخترق إلى عالم جديد، لكنت استوعبت. لو أنه أصبح فجأة قاسياً، متجبرًا، أو بعيداً، لكنت ربما استوعبت ذلك بطريقة مختلفة. لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك. صلح جدول الوجبات. عدل مناوبات التدريب. لاحظ أي تلامذة تجنبوا أي أعمال منزلية. لم يتغير شيء بما يكفي ليُدعى معجزة. لكن شيئاً لم يعد مهملاً بعد الآن. لم أعهد سوى الاضمحلال الثابت تحت طائفة التنين الملتوي.
الركود. القبول البطيء بأننا لن نكون أبداً أكثر مما كنا عليه. الآن، الأمور تعمل. لم أدر ماذا أفعل حيال ذلك.
"فينج."
أفكر في فينج أحياناً. لقد رحل. القصة الرسمية كانت أنه ذهب للبحث عن فرص في مكان آخر. تلامذة الطوائف الصغرى يفعلون ذلك. الأمر ليس غير مألوف. لكني رأيته يتبع مَلِك الطائفة إلى المناجم في ذلك اليوم. كنت قريبة من المطابخ، غير مرئية بين الخدم، ورأيت فينج ينزلق إلى النفق بعده، حتى حين أمره لو تشين بالبقاء في الطائفة. لم أفكر في الأمر حينها. ثم هرب فينج. لم ألتقط سوى لمحة: شخص يفر هرباً أسفل طريق الجبل، خطوته غير متزنة.
لم يلتفت للوراء. لم أره أبداً مرة أخرى. قبل أن أنتبه، كنت التلميذة الأقدم. لم أسال عما حدث. لم أرد أن أعرف. لكني خزنت الأمر. مع النظرة الطويلة جداً لفتاة المطبخ. مع التمتمة للماعز. مع كل الأمور الصغيرة الأخرى التي لا تفسير لها والتي بدأت تتراكم.
"بذور عشب الروح تحتاج رعاية. شخص ذو صبر، تفاني، ولمسة رقيقة مع الأشياء الحية. شخص لا يستسلم حين تذبل النبتات الأولى، سيتعلم من الأخطاء، سيعامل هذا بأهمية الممارسة."
تلك كانت المرة الأولى التي يمنحني فيها دوراً يتجاوز كونِي "تلميذة أقدم".
لم يقل لي فحسب أن أتدرب بجدية أكبر. لقد رأى مستقبلاً لي. أنا أعرف مَلِك الطائفة. راقبته لسنوات.
لكان قال "أنت مسؤولة"
أو "أنت موثوقة"
أو "لقد استحققت هذا".
لم يكن ليعدد الصبر، التفاني، اللمسة الرقيقة. لم يكن ليَتوقّع ذبول النباتات، والأخطاء، واحتمالية الفشل. هذا الرجل فكر في فشلي وقرر أنه لا يهم. هذا ليس مَلِك الطائفة الذي أعرفه. مَلِك الطائفة الذي أعرفه يمنح الناس فرَصاً ويأمل ألا يفشلوا. هذا الرجل يتوقع الفشل ويخطط بناءً عليه. أصابعي تشد بقوة حول الكيس. أردت أن أشعر بالفجوة. جزء مني فعل. لقد كان يحمل تلك البذور من أجلي.
"لن أخذلك، مَلِك الطائفة."
بدأت أراقبه أكثر بعد ذلك. ليس بشكل واضح. ليس بالطريقة التي يراقب بها جون، برأسه المائل وعينيه الضيقتين. راقبت بالطريقة التي يفعلها الماء: يمتص، يعكس، يتدفق حول العقبات. لاحظت الأشياء دون أن يبدو أنني ألاحظ. لقد صحح وقفة وي تشين دون أن يرفع بصره عن ملاحظاته. كان يعرف مكان الخلل قبل أن ينهي وي تشين الحركة. لقد حفظ أجسادنا، عاداتنا، نقاط ضعفنا. أرسل التلامذة الأصغر لجمع أعشاب محددة من مواقع محددة على الجبل.
ليس "ابحث عما يمكنك إيجاده"
بل "النتوء الثالث، وجه الشمال، قرب الجدول".
المواقع دقيقة. الأعشاب موجودة هناك. لقد رسم خريطة الجبل في عقله. كان يتمتم لنفسه أثناء المشي بين المهام، وهو أمر لم يفعله من قبل أبداً.
التقبت شظايا: "أعلام التشكيل تحتاج تعزيزاً"، أو "الماعز عديمة الفائدة".
كان يحل المشاكل دائماً. أتذكر القصص. نشأت وأنا أستمع لقصص أمي. ليست قصص ممارسة، بل نوع الحكايات التي تنتشر عبر القرى ليلاً. الاستحواذ. استبدال الروح. التأثير الشيطاني. الموروثات القديمة التي تبتلع الوارث وترتدي جلده. كنت قد نبذتها باعتبارها خرافات. لكن الآن، وأنا أراقب مَلِك الطائفة يتحرك عبر الساحة بهدوء وكفاءة مرعبة، لست متأكدة جداً. جون ووي تشين ثرثرا ذات مرة عما إذا كان مَلِك الطائفة امرأة سراً.
فعلا ذلك على مسامع لينغر وكادا يتعرضان للضرب المبرح بسبب ذلك. لم أوافقهما الرأي، لكن أفكاري ذهبت إلى مكان أكثر ظلمة.
"ماذا لو أن شيئاً في ذلك المنجم قد سيطر على جسد مَلِك الطائفة؟"
أول مرة جاءت فيها الفكرة، رفضتها بعنف شديد لدرجة أنني كدت أسقط إبريق الماء.
"لا. هذا غير محترم. أسوأ من عدم الاحترام. قاسٍ."
مَلِك الطائفة تقبلني. أطعمني. علمني. منحني مكاناً حين كانت الطوائف الأفضل لترفض حتى السماح لي بمرور بواباتها الخارجية. وجدني على الطريق، أبكي، في الثانية عشرة من عمري، ولم يسأل عما فعلته لإنتهي هناك. أطعمني فقط. أن أشكك فيه الآن - أن أشكك عما إذا كان هو نفسه حتى - يبدو كخيانة. لكن الفكرة استمرت.
"ماذا لو لم يكن هذا مَلِك الطائفة لو؟"
قلبت الفكرة مثل حجر في كفي. لم أواجهه. لم أخبر أحداً. لم أجرؤ على اختباره.
"لماذا لا أتحرك؟"
لأنني خائفة. لأنني لا أملك دليلاً. لأن اتهام مَلِك طائفة أمر خطير. لأنني إن كنت مخطئة، فهذا أمر لا يغتفر: سأكون أتهم الرجل الذي انقذ حياتي بأنه شيء ليس هو. ولأنني، إن كنت مصيبة، فماذا بوسعي فعله حتى؟ تخيلت أن أسأله. تخيلت تعبير وجهه وهو يتغير. تخيلت تلك النظرة الهادئة العارفة تلتف نحوي بلا أي دفء متبقٍ فيها، وفشلت شجاعتي. ثم تخيلت أنني مخطئة. أتخيل مَلِك الطائفة الحقيقي لو يسمع سؤالاً كهذا من تلميذة آواها لسنوات، يرى الشك في عينيّ، يشعر بالمسافة التي وضعتها بيننا.
كلا الاحتمالين جعلاني أشعر بالخزي. لكن أسوأ ما في الأمر، الفكرة التي تبقيني مستيقظة في الليل... الأمور تتحسن.
"إن كان قد استُبدل، فبماذا إذن؟"
شيطان؟ وحش عجوز؟ روح هائمة ترتدي الطيبة كالرداء؟ لا أعرف. لا يمكنني أن أعرف. القصص لا تصف هذا. القصص تصف القسوة، الفساد، الدمار. لا تصف مناوبات تدريب أفضل ومستودعات مخزنة بشكل صحيح وتلامذة لا يذهبون إلى الفراش جياعاً بعد الآن.
"أوغ!"
تعثرت في الطريق إلى الحديقة. جذر تخطيته مئة مرة أمسك بقدمي. أمسكت بنفسي عند شجرة، لحاؤها خشن ضد راحتي، ووقفت هناك أتنفس حتى هدأ قلبي. عقلي مشغول بمَلِك الطائفة، والبذور، والطريقة التي نظر بها إلى فتاة المطبخ المختبئة خلف ظهر العجوز تشين. كان يجب أن يرعبني. لقد أرعبني حقاً. لكنه لم يمنعني من اتباع تعليماته، زراعة البذور، تعلم التقنيات. لأن البذور حقيقية. الحديقة تنمو.
الطائفة تنجو. لم أعرف ماذا أفعل بحقيقة بدت خاطئة وأنتجت نتائج صحيحة. لذا لم أفعل شيئاً. راقبت. انتظرت. اعتنيت بأعشابي، دربت تقنياتي وأجبت باحترام حين تحدث إلي. إن لم يكن هذا مَلِك طائفتنا، فمهما يكن من أخذ مكانه فقد كان ينقذنا بشكل أفضل مما كان سيستطيع فعله هو أبداً. حين ينادي باسمي، أجيب. وحين منحني نصيحة، اتبعتها. وحين مدحني، شعرت بالدفء والرعب معاً، ولم أكن أعرف أيهما حقيقي.
ثم انجرفت أفكاري نحو مركز كل شيء. لينغر. مثلي ذات يوم. وجه جديد في الطائفة، شخص لم يكن لو تشين القديم يعرف حتى بأمرها لأنه كان مشغولات للغاية في إدارة الطائفة بينما كانت الهوامش تضيق. كانت تعيش فقط على طيبة العجوز تشين، تأكل الفتات، تنام في الزوايا، غير مرئية. أتذكر أول مرة رأيتها فيها. صغيرة. هادئة. عيون تراقب كل شيء لكنها لا تقول شيئاً. توليت دور إرشادها حين طلب مَلِك الطائفة؛
تذكرت كيف كان الأمر حين أكون جديدة، جائعة، يُنظر إليّ جانباً من قبل تلامذة ظنوا أنهم أفضل مني. حميتها من المضايقات التي عذبتني حين كنت أصغر سناً. ظننت أنني أحمي فتاة تشبهني. لكنني بدأت ألاحظ أموراً. طعام إضافي ظهر في طبقها. لينغر اختفت ليلاً. استيقظت ذات مرة، عطشى، وكانت حصيرتها فارغة. بقيت هناك لساعات، أستمع، أنتظر عودتها. انخلعت مجدداً قبل الفجر، صامتة كالماء، وتظاهرت بأنني نائمة.
والأكثر ارتياباً من كل ذلك، أنها تحسنت بسرعة كبيرة. في البداية، ظننتها محاباة. مَلِك الطائفة لاحظها، وكان يمنحها تدريباً إضافياً. كان ذلك منطقياً. كان ذلك طبيعياً. مرشد يستثمر في طالب واعد. لكن لم تكن هذه محاباة. كان شيئاً أغرب. في أسابيع قليلة، لحقت بنا لينغر. أصبحت وقفتها أنظف. تقنياتها تدفقت بشكل أفضل، حتى لو حاولت إخفاء ذلك. التردد في عينيها تلاشى، مستبدلاً بثبات بدا أكبر من سنواتها.
الطريقة التي كانت تحمل بها نفسها تغيرت. فتاة المطبخ التي لم يرها أحد أصبحت الشخص الذي يراقب الجميع. والآن، أصبحت التلميذة الأساسية. وهذا زاد خوفي سوءاً لأنه يعني أن لو تشين رأى شيئاً غير مرئي. نظر إلى خادمة ورأى نابغة. نظر إلى طائفة محتضرة ورأى موارد. نظر إلينا - إلي - ورأى...
"ماذا رأى؟ ما زلت لا أعرف."
قررت بوعي عدم التحقيق. قلت لنفسي إنه ليس مكاني. قلت لنفسي إنني ممتنة للتحسينات. قلت لنفسي إن نجاح لينغر كان نجاح الطائفة، ونجاح الطائفة كان نجاحي. لكن الحقيقة كانت أبسط وأقبح.
"أنا خائفة."
خائفة مما قد أجد. خائفة مما سيعنيه تأكيد شكوكبي. خائفة من فقدان البيت الوحيد الذي عرفته قط. اخترت الأمل على الحقيقة. الذنب استقر في صدري. لم يذهب. أطرد نفسي بغرزها في العمل. الحديقة. التدريب. التلامذة الصغار الذين يحتاجون توجيهي. أبقيت يدي مشغولتين وعقلي مرهقاً، لأنه حين كنت ساكنة، كانت الأفكار تتسلل مجدداً. حين غادر لو تشين ولينغر مرة أخرى، تنفست الصعداء. ليس لأنني أردت رحيلهما.
بل لأن ثقل المراقبة، التساؤل، انتظار شيء ما لينكسر... يرهقني. احتجت للراحة. احتجت للهدوء. احتجت يوماً واحداً بلا خوف يضغط ضد أضلعي. الراحة استمرت أقل من يوم. العصابات جاءت عند الفجر. أكثر من عشرين منهم، ربما ثلاثون. عبروا المحيط حين انطلقت أعلام تشكيل ليان. كنت في الحديقة حين سمعت الصياح. التلامذة الصغار كانوا مبعثرين. الخدم كانوا يصرخون. لم أفكر. تحركت فقط.
"إلى القاعة الرئيسية!"
صرخت.
"اجمعوا الجميع! التلامذة الأقدمون إلى المقدمة!"
أخلينا الصغار والخدم إلى القاعة الرئيسية. جون ووي تشين وجداني عند البوابة. وجهاهما شاحبان، لكن وقفتيهما ثابتتان. تقاتلنا. القطاع لم يكونوا منظمين. لم يكونوا مدربين. لكنهم كانوا كثرة، وقائدهم كان بناء التأسيس. بقي في الخلف، يراقب، د让 رجالَه ينهكوننا. لكننا لم نكن التلامذة أنفسهم الذين صارعوا الحركات قبل بضعة أشهر. نار وي تشين دفعتهم للخلف أمواجاً. تصديات جون كانت دقيقة واقتصادية.
مائي تدفق حول شفراتهم، حرف ضرباتهم ووجد ثغرات. قائد العصابات كان أقل إرعاباً مما كان يجب أن يكون. أضعف من مَلِك الطائفة. أبلد من لينغر. كنا نتماسك. ثم وجدوا ليان. كان مفترضاً أن تكون في القاعة الرئيسية. لا بد أنها هربت. كانت في الثانية عشرة، وكانت خائفة، وصادف تماماً وجودها في المكان الخطأ، والآن يمسك قاطع طريق بسكين عند حنجرتها. رأيت وجه جون يبرد. رأيت لهيب وي تشين يتردد.
"توقفوا"، قلت.
"توقفوا جميعاً."
قائد العصابات ابتسم. كان يعلم أنه ملكنا.
"لا قتال بعد الآن"، قلت.
كان صوتي ثابتاً، لكني لم أكن أشعر بذلك أبداً.
"اتركوا الفتاة. سأذهب معكم."
القائد نظر إلي. قيم، وأعجبه ما رآه.
"أنت التلميذة الأقدم؟"
"نعم."
"تعرفين أين الكنز؟"
كنت أعرف أين كان مفترضاً أن يكون الكنز. لم أكن أعرف إن كان هناك كنز. ولا كيف أصل إليه.
لكني قلت، "نعم."
قاطع الطريق لم يطلق سراح ليان، اشترط أن نذهب كلانا. وي تشين نظر إلي بشيء لا أستطيع قراءته.
"لا تقومي بذلك"، قال.
لم أجب. تركتهم يأخذونني. وبينما كانوا يقودونني بعيداً، تفاوضت. سألت عن معسكرهم. عنهم. عن الطقس، الطريق، أي شيء لإبقائهم يتحدثون. جرجرت خطواتي، تاركة أثار أقدام عميقة في الوحل. حفظت الوجوه، الأصوات، الطريقة التي يتحركون بها. طريقة نظر القطاع إلي جعلت جسدي يقشعر. أبقيت وجهي ساكناً وصوتي هادئاً؛ كانت ليان ترتجف، تبكي، وأظهرت شجاعة مزيفة من أجلها. كانت تراقب، وتحتاج أن ترى شخصاً غير خائف.
لكني كنت خائفة. كنت خائفة جداً. لم أكن بطلة. في القصص، مات التلامذة بكلمات شجاعة على شفاههم. فكروا في طائفتهم، سيدهم، القسم الذي أقسموه. كانت أفكارهم الأخيرة نبيلة دائماً. بدلاً من ذلك، كان فمي بطعم الدم والتراب. تشتت أفكاري بلا جدوى بين الألم في معصمي حيث حفرت الحبال، الخوف في صدري، وندم واحد غبي ومخزٍ. لم أسالْه قط. حظيت بفرص كثيرة. لحظات هادئة في الحديقة. ليالٍ متأخرة حين كان يستعرض تقدم التلامذة.
اليوم الذي منحني فيه البذور، ناظراً إلي بتلك العيون المستحيلة. كنت أستطيع أن أسأه. مرة واحدة فقط.
"مَلِك الطائفة... هل ما زلت أنت؟"
كان السؤال سيبدو سخيفاً. لكن الآن، وأنا أتعثر بين قطاع ينظرون إلي كأنني مبيعة بالفعل، أتمنى لو سألت. ثم بدأ الصراخ. ليس صوتي. صوت القطاع. رفعت بصري. لو تشين وصل. لم يكن هادئاً أو محسوباً. مَلِك الطائفة الحذر المتحكم الذي كان يوزع النصائح قد اختفى. في مكانه كان رجلاً لم أتعرف عليه. وجهه كان رهيباً؛ نوع الغضب الذي لا يصرخ أو يهيج. النوع الذي يصبح هادئاً جداً وساكناً جداً وخطيراً جداً.
عيناه اكتسحتا الجلي؛ قائد العصابات، ليان، ومي بسكين عند حنجرتي. الخوف المدفون تحت تحكمه انفتح، للحظة فقط. رأيت ذلك. كان خائفاً. كان غاضباً. نظر إلي وإلى ليان كأن شخصاً ما أخذ شيئاً ثميناً منه. قائد العصابات ضغط السكين أقرب. شعرت بالحافة تغرز. لو تشين تحدث. كان صوته أعلى بقليل من الهمس.
"وانغ هو."
تجمّد قائد العصابات. شعرت بذلك عبر النفر عند حنجرتي؛ التوتر المفاجئ، الشهيق الحاد.
"أنت لا تعرف مع من تعبث."
صوت لو تشين، مستوٍ، بارد، وحاسم.
"لم تعرف أبداً."
لم أره يتحرك. في اللحظة نفسها، كانت السكين عند حنجرتي. في التالية، اختفت، في مكان ما على الأرض. قائد العصابات صرخ: صوت عالٍ ومبتل قطع الفوضى. معصمه تحطم. عظام طحنت حتى صارت مسحوقاً. شخصية صغيرة تقف بجانبي الآن. لينغر. عيناها كانتا ذهبيتين. ليس العنبر الدافئ الذي تومضان نحوه أحياناً حين تكون مركزة. ذهب خالص، بؤبؤان عموديان، قديمان ورهيبان. لم تنظر إلي. قائد العصابات الذي أبعدنا، الذي قاتلني أنا ووي تشين وجون حتى طريق مسدود، كان على ركبتيه.
يصرخ. معصمه يتدلى برخاوة. حسدت لينغر ذات مرة. خفت مما رآه مَلِك الطائفة فيها. راقبتها تتحسن بسرعة مفرطة. تلقيت الكثير. أصبحت كثيرة.
فقط عبر ضباب الألم والخوف والرنين في أذني، فهمت هذا فقط: "لقد أتت أيضاً. لقد أتت من أجلي."
مَلِك الطائفة لو تشين ركع بجانبي. كانت يداه ثابتتين وهما تفحصان معصمي، حنجرتي، أضلعي. وجهه ما زال رهيباً، لكن لمسته كانت رقيقة.
"مي لين."
صوته أجش.
"هل تسمعيني؟"
أومئ. لم أستطيع الكلام بينما كانت أسنان اصطك.
"أنت بأمان الآن."
قالها كحقيقة. كشروق الشمس. كالماء المتدفق نزولاً. كأنه لم يكن هناك أي احتمال آخر. نظرت إلى وجهه. لم يكن هذا وجه شيء يرتديه. ليس شيطاناً يتظاهر بالطيبة، أو وحشاً عجوزاً يرتدي جلداً مسروقاً. إنه الرجل الذي قبلني حين لم يكن أحد غيره ليفعل. أكبر سناً، أكثر حدة، تغير بما يتجاوز فهمي. لكنه لم يرحل. بعد الإنقاذ، عولجت. مَلِك الطائفة لو تشين فحص جروحي بنفسه. لم يعتذر عما حدث. نظر إلي لفترة طويلة؛
أومئ، وتركني لأرتاح. من عبر الساحة، ضبطت لينغر تراقب. عيناها عادتا بنيتين. عاديتين. بلا تميز. لكنني رأيتهما ذهبيتين، ولن أنسى ذلك أبداً. أردت طرح السؤال حينها. ذاك الذي كان يحرق في صدري لأسابيع.
"مَلِك الطائفة... هل ما زلت أنت؟"
الكلمات تشكلت على لساني. فتحت فمي. لكني لم أتكلم... لأن الإجابة باتت أقل أهمية الآن مما كانت عليه. شيء ما حدث له. أنا متأكدة من ذلك الآن. ربما ليس استحواذاً. ربما ليس استبدالاً. ربما ليس أي شيء من قصص الرعب التي تهمس بها العائلات في ليالي الشتاء. لكن شيئاً ما. مَلِك الطائفة لو تشين تغير. وربما، التغيير يعني السرقة حقاً. أعود إلى حديقة الأعشاب. النباتات تزدهر. الأسرة مليئة.
الدفيئة التي بنتها سونغ لي تبقي البرد بعيداً. لا يجب أن يكون ذلك ممكناً؛ ليس بهذه السرعة، ليس بهذا الوفرة. مَلِك الطائفة لو يدعي أنه دم الوحش الروحي الذي كان يجرب استخدامه كسماد. لم أطلب تفاصيل أبداً. أعرف أنه ليس سماداً فحسب. الحديقة حية بطرق لا يجب أن تكون ممكنة. وقد توقفت عن التساؤل عن السبب. مَلِك الطائفة لو ما زال غريباً. ما زال يرى أكثر من اللازم. ما زال يعرف أموراً لا ينبغي أن يعرفها، يخطط للمشاكل قبل أن تنشأ، ينظر إلى الناس كأنه يقرأ مصيرهم بلغة لا يفهما سواه.
لكني لاحظت شيئاً آخر. التعب لم يذهب. لقد تغير شكله فقط. في السابق، كان يحمل تعب رجل يرى كل شيء يفشل. ثقل الاضمحلال البطيء، الموارد المتناقصة، التلامذة الذين غادروا لأنهم لم يستطيعوا رؤية مستقبل هنا. كان يتوقف قبل الإجابة عن الأسئلة الصعبة، عيناه تنجرفان نحو النافذة، منتظرتين مساعدة لم تأتِ أبداً. الآن، يحمل إرهاق شخص يحاول بيأس التأكد من ألا يفشل الأمر. ثقل القرارات المتخذة بشكل أسرع، أكثر حدة، مع مساحة أقل للخطأ.
لم يعد ينتظر المساعدة. لقد أصبح هو المساعدة. لا أعرف إن كان ما زال الرجل الذي وجدني على الطريق. لا أعرف إن كان ذلك الرجل ليفعل شيئاً من هذا. لكني أعرف أنه جاء من أجلي. كان خائفاً. كان غاضباً. هذا يكفي. في الوقت الحالي، هذا يكفي. أركع في التربة. الأعشاب خضراء وصحية. الشتاء بارد، لكن الحديقة تزدهر. لا أعرف من أصبح مَلِك الطائفة لو تشين. لكني ما زلت هنا. أعتني بالحديقة. أقود التلامذة.
أمسك بالطائفة معاً بينما هو غائب. مهما يكن، لقد اخترت هذا. هذه المرة، أختار أن أثق.