نفثهما الجبل إلى جوف الليل كأنه ضجر من حبس أنفاسه. خطا جيمس أولاً، رامشاً في وجه الهواء البارد، ووقف للحظة واحدة بوحدته، بحذائه الملتصق بالتراب المتراص، ورئتيه الممتلئتين بعبق الصنوبر ورطوبة أوراق الشجر المتحللة، كأنه يبتغي برهاناً على أن العالم في الأعلى ما برح موجوداً. خلفه أقبل هافليك، ثم إرلا، ثم أنابيل وهي تحتضن ثقلاً ملفوفاً بإحكام إلى صدرها، ورأس المولود الصغير مختبئ تحت طيات القماش.
لم يصدر عن الوليد صوت. وهذا الصمت، بشكل ما، بدا أصخب الأصوات جميعاً. لم يتبعهم الأقزام إلا بالقدر الذي يكفي لتأكيد خروجهم من العتبة. لم تكن تلك باباً، لا بأي مفهوم بشريّ. بل كانت فتحة في صخر مسنن، يحيط بها أثر أزميل لانحنت حوافه، كأن الجبل ذاته ظل يتنفس فوقها أشهراً. وقف هناك نفر من أقزام عروق الأرض، وقد ضفروا شظايا قلوب الحجارة في لحاهم، وجلدهم الشاحب تخططه خطوط زرقة باهتة باردة تلتقط ضوء الشمشال كبرق محبوس تحت لحم.
شرعوا يردون الصخور إلى مواضعها بكفاءة هادئة تخص من بنوا حياتهم كلها على ختم الأشياء وراءهم. شعر جيمس بأعينهم ترقبه أثناء عملهم. لقد تغيرت تلك النظرة. زالت السخرية، وتلاشى الازدراء الذي لازم كلمات ثراين جريمهايمر. وما تبقى كان أشد حدة، اهتماماً مشوباً بالحذر والشدة، وفضولاً بدا مؤلماً يكاد يُرى. أحدهم، وهو شيخ بلحية بيضاء مقسمة إلى ثلاث ضفائر، طفق يرمق يدي جيمس كأنه ينتظر تدفق المانا من أصابعه في أية لحظة.
كان الأمل شيئاً خطراً حين تقرأه على وجه أحدهم. فهو يجعلك مسؤولاً عنه. دوت الحجارة في أماكنها حجراً فحجراً، وتضيق الفرجة حتى اختفى ضوء المشاعل خلف الصخر ولم يبق غير الغابة، وبات المدخل لا يعدو درزاً مسنناً. ولى أقزام عروق الأرض عائدين، فانطووا في مملكتهم المجوفة كحكاية تبتلع نفسها. أطلق جيمس زفرة لم يكن يعلم أنه كان يحبسها. انتظر العالم من وراء الجبل في صمت. وقفت الغابة متراصة، جذوعها كالأعمدة، وأوراقها تُسرّ من تلقاء نفسها.
وفي مكان ما بالأعلى، تلطخت النجوم خلف غيوم رقيقة. وفي مكان ما بالأسفل، ما زالت الأرض تذكر الارتعاشات، وتذكر كيف مد يده عميقاً ومس شيئاً كان ينبغي له أن يبقى نائماً. بصق هافليك جانباً، دافعه الانفعال لا قلة الأدب.
تمتم بصوت مشدود: "حمقى. حمقى تماماً".
لم تجب إرلا فوراً. بل طفقت ترمق جيمس، كأنها تزن أإن كان على وشك السقوط من شدة العناد.
سألت أخيراً بصوت خفيض وهي تقترب كيلا تضطر أنابيل لرفع صوتها: "ما الذي حدث؟ كيف سارت الأمور؟"
مرر جيمس راحته على ساعده، مستشعراً ألماً خفيفاً في جوهره يشبه كدمة تغوص أعمق من العظم.
قال: "أفضل وأسوأ مما رجوت".
أصدر هافليك صوتاً أشبه بضحكة نسيت كيف تكون مسرورة.
أضاف كأن الفكرة أغضبته من جديد: "عاجزون عن تمييز معجزة حتى لو حدقت في أعينهم. وهو ما حدث بالفعل".
التفت جيمس إليه، فابتسم فمه بابتسامة متعبة لكنها صادقة.
قال بصوت جاف: "احترس، ستجعلني متكبراً".
تحرك فك هافليك، ثم هز كتفيه كأن تلك الهزة سلاح.
"أقول ما أراه، يا سيّدي".
تأوه جيمس للفظة قبل أن يمنع نفسه. واختار ألا يعلق على ذلك بعد. فلو فعل، لأخذ يفكر في الأمر، ولو أخذ يفكر في الأمر، لاسترتخى ذلك الانقباض المألوف في صدره، حيث يحل التسلط عليه رداءً لم يوافق على ارتدائه. حركت أنابيل الصرة بين ذراعيها، والتفت أصابع الوليد الضئيلة مرة واحدة حول القماش، كأنها تقبض على حلم. ثبت هذا المشهد جيمس تثبيتاً أفضل من أي خطبة في الوجود.
قال بخفوت، لنفسه أكثر مما للآخرين: "كلاكما حيّ. هذا هو ما يهم".
ابتعدا عن المدخل المختوم، وانفتحت الغابة على ممر الدرب الذي لم يكن موجوداً قبل يوم. كان كيرين ينتظر هناك بصحبة فريق صغير، واقفاً بصلابة من قضى حياته كلها يتعلم كيف يقف وقفة جندي حتى حين لا يكون جندياً. بدا الرجل كأنه نُحت من نفاد صبر وحقد، شعره مربوط للخلف، وعيناه حادتان. وكان الآخرون صحبته مشدودين بدورهم، أقواسهم معلقة، ونصالهم في أغمادها لكنها مستعدة. حين أبصر كيرين جيمس، ارتخت كتفاه براحة بادية كادت تكون محرجة بالنسبة له.
هتف كيرين محنياً رأسه: "يا سيّدي".
تبعه الآخرون في فعلته. لم تكن إيماءة سجدة أو تحية عابرة، بل انحنوا حقاً. حدق جيمس. مرت نبضة. ثم أخرى.
كان يتوقع لقب "زعيم العشيرة".
كان يتوقع ألفة، بل وربما سبة أو تعليقاً فجاً عن كونه أحمق لأنه انهار في منتصف ساحة معركة. لم يتوقع أن يستقبله التبجيل كالجدار. شعر بجبينه يقطب، وكاد يسمع صمت لومين المتبجح الصغير بجانبه، ذلك النوع من الصمت الذي يأتيه المرافق حين يكون مصيباً في أمر لا يريد جيمس الاعتراف به. تنحنح جيمس، فخرج صوته خشناً.
قال: "كيرين، أنت... لست مضطراً لـ..."
جاء صوت لومين عن يمينه، بلا استئذان ولا اكتراث البتة.
"النظام يا جيمس. النظام يؤثر في أكثر من المهارات والأرقام. لقد تغيرت. ورعيتك يشعرون بهذا، أراضوا أم لا".
طبق جيمس فكيه. كان يكره أنه محق. استقام كيرين. ورمش بصر الرجل نحو إرلا، ثم إلى أنابيل والوليد، ولان تعبيره بمقدار جزء من عشرة، كأن هذا أقصى ما سمح لنفسه به.
عاد الجفاء إلى نبرة كيرين وهو يقول: "يسرني أن أراك تمشي. لقد خشينا حدوث ما هو أسوأ في الأسفل".
أومأ جيمس، محاولاً استعادة السيطرة على ملامحه.
قال: "أنا بخير. لم تدعني إرلا أموت. إنها تمتلك تلك العادة المزعجة في رفض خسارة البشر".
أصدرت إرلا نفخة ساخطة، لكن انحناءة طفيفة رسمت زاوية فمها. استنشق جيمس، فحمل الهواء رائحة لاذعة.
قطب حاجبيه: "ما هذه الرائحة؟"
التوى فم كيرين.
أجاب: "أحرقنا الجثث. نهبنا ما استطعنا أولاً، ثم أحرقنا الباقي. لم يكن منظراً جميلاً، لكن لا بد مما ليس منه بد. أرسلنا فرقاً أيضاً فور انتهاء المعركة. فأي هارٍ كان سيقود فرق حرب أخرى نحونا مباشرة".
استرخى كتفا جيمس قليلاً. كانت قسوة الأمر ثقيلة، لكن المنطق سليم.
قال بهدوء: "أحسنتم صنعاً".
ثم فكر في الطرق المستقيمة النظيفة التي حفرها سحره عبر الغابة، إذ لم تستطع عقله التوقف عن إضافة الأثقال إلى الكفة: "مع أن الاختباء سيصبح أصعب الآن".
زاغت عينا كيرين، وهنالك التقط جيمس ذلك التردد. استقر هناك مشدوداً ومبهماً، كأنه يحمل شيئاً غريباً ولا يدري كيف سيتفاعل إن تعامل معه بطريقة خاطئة.
قال جيمس بحدة أكبر: "كيرين، ما الأمر؟"
تحرك حلق كيرين.
بدأ يقول وجيمس يكبح نفسه عن طحن أسنانه: "يا سيّدي... لقد حدثت بعض... التغيرات في القرية".
شعر جيمس بتصلب عموده الفقري.
تساءل مطالبًا: "هل أُصيب أحد؟ أهجم هجوم ما؟ أالأطفال..."
قاطعه كيرين بسرعة، ولأول مرة بدا الإلحاح الحقيقي في صوتك: "لا، ليس شيئاً كهذا. الجميع أحياء. الجميع... بخير. الأمر فقط... الأفضل أن تراه بنفسك".
حدق جيمس فيه، محاولاً قراءة وجه الرجل بحثاً عن أي أثر للمبالغة. لم يكن كيرين يبالغ. كان يتذمر، وينتقد، ويغازل الكارثة بلا حياء، لكنه لا يبالغ. تجرع جيمس ريقه.
قال مجبراً صوته على الهدوء: "حسناً، إذن فلنعد إلى الديار".
تحركوا كجُزْء، والتف جيمس غريزياً إلى المنتصف دون تفكير. سارت إرلا بقرب كافٍ يكاد كتفها يلامس كتفه. تحركت أنابيل بحذر وبخطوات أبطأ، حاملة الصوليد كأثمن وأهش كنز في الوجود. وبقي هافليك إلى جانب جيمس كأنه قرر أن هذا هو موقعه وحسب. وفيما هما يمشيان، عاد سؤال إرلا الأول إلى عقل جيمس كحكة مزعجة.
سألت: "كيف سارت الأمور؟"
أجابها أخيراً كما ينبغي، لأن إرلا كانت الأجدر بالصدق بين الجميع.
اعترف قائلاً: "لم يكونوا ودودين. لقد عاملني ثراين، ملكهم، كحشرة ضلت طريقها إلى قاعة عرشه".
عقب هافليك: "هذا تلطيف للأمر".
رمش جيمس نحو هافليك، ثم خفض صوتك.
قال جيمس: "عليك أن تفهم، هؤلاء القوم عاشوا مع اليأس طويلا حتى ظنوه هويتهم. وحين لا تملك شيئاً، تتمسك بما يشعرك أنك ما زلت مهماً. يصبح الكبر درعاً، وتصير التقاليد... هواءً نستنشقه".
ضاقت عينا إرلا في تفكير.
قالت وهي تنتقي كلماتها بعناية: "إنهم... محطمون".
قال جيمس وطعم الكلمة كالحديد: "نعم. لا يستطيعون الارتقاء. لا يستطيعون كسب مهارات. إنهم محبوسون في أجساد دنيئة بينما العالم يمضي قدماً. إنهم قصة قديمة بقيت حية في العصر الخطأ".
تمتم كيرين من على بعد خطوات كأن الحديث أضجره: "لا زالوا أوغاداً".
أطلق جيمس شخير استنكار رغماً عنه.
"وهم ذلك أيضاً".
كان الدرب مستقيماً ونظيفاً، وبشكل غير طبيعي تقريباً، كأن أحدهم رسم خطاً عبر الغابة بمسطرة فتنحت الأشجار جانباً بأدب. تسلقت عيناها للأمام مدفوعة بالعادة نحو فكرة شجرة جذر القلب، نحو التوهج الساكن في ذهنه الآن كنبض ثانٍ. ووجد نفسه يبحث بالفعل عن أوراق حمراء ذهبية خلال الجذوع. لكن شيئاً ما بدا خاطئاً. جاء المنحدر تدريجياً في البداية لدرجة ظن معها أنها رجفان ساقيه وتخبط حواسه بسبب المعركة والإرهاق، أو أياً ما فعله هواء الجبل به.
ثم اشتد المنحدر. بدأ الدرب يصعد. قطب جيمس، وبطأت خطواته.
سأل بصوت عالٍ ذاهلاً: "لماذا يصبح هذا شديد الانحدار؟ لم نكن نتسلق ونحن خارجون".
أسحف هافليك بصره للأمام.
"...نحن نتسلق. لم يكن هذا موجوداً من قبل".
مال رأس إرلا، فإحساسها الطبيب بالأجساد يتطابق مع الحقيقة تحت أقدامهما.
تمتمت: "أنت محق. نحن نصعد للأمام".
في الأمام، توترت كتفا كيرين.
هتف كيرين بصوت مشدود: "أجل... هذا ما قصدته".
بدأت الأشجار تتخفف. صعد الدرب قمة مرتفع ما كان ينبغي وجوده. ثم انكسر العالم أمام جيمس كأنه موجة مستحيلة. توقف بمفاجأة أوشكت أن تصطدم بهافليك. ظل جيمس لضربة قلب واحدة عاجزاً عن التنفس. لم تكن قرية جذر القلب مجرد بقعة منجلية بعد الآن. بل كانت... أرضاً. هضبة واسعة، مرتفعة عن الغابة المحيطة كأن يداً قديمة رفعتها ووضعتها بعناية متعمدة. وتهاوت الحواف في منحدرات متدرجة، مصطفة بمصاطب ومدعمة بحجر يبدو وكانه كان هناك دوماً.
وبدت الأشجار في الخارج أدنى، وغدا الغطاء النباتي شيئاً تنظر إليه أفقياً بدل أن يضغط عليك من فوق.
اتسعت الساحة، وليس بالاتساع القائم على "قطعنا بضع أشجار إضافية".
بل باتت مساحة بسعة وادٍ، رحبة وعميقة، ممتدة جنوباً نحو تكوينات صخرية مسننة غدت أقرب مما يتذكر جيمس، تلتقط حوافها الحدية ضوء القمر. وتغيرت القرية نفسها معها. فالمباني التي كانت مبعثرة فيما مضى باتت تجلس بنوع من... القصد. وتعرجت الممرات عبرها في سياق طبيعي، دافعة بالتشتت القديم حيث كان الناس يبنون حيثما شاءوا. وبدا المكان بأسره مستقراً في هيئته، ليغدو ما كان مقدراً له أن يكون.
في المنتصف، حيث لم يكن سوى أرض فضاء، ارتفع تل. لم يكن صغيراً. بل علت الأرض عالية راسخة، خضراء غنية، ووقفت عند قمتها شجرة جذر القلب، كأن الأرض دفعت إلى الأعلى لتضعها فوق كل شيء سواه. لمع لحاء الشجرة الأبيض حتى من تلك المسافة، وعروق من ذهب تجري خلاله كمعادن مذابة علقت وسط جريانها. وأوراقها الكبيرة الحمراء الذهبية، الحية ببريق خفيف، كانت تصطفق في نسيم لم يستطع جيمس استشعاره حيث وقف.
وحامت فراشات المانا بين أغصانها كشرار بطيء في ضوء النهار، متلقطة بأجنحتها الضوء في ومضات ناعمة. وبجانب شجرة جذر القلب، في موضع أدنى قليلاً على الخاصرة، احترقت دائرة الموقد الأول. فقد استقرت مباشرة تحت القمة، مرئية من أي زاوية في الوادي تقريباً. الطاولة الحجرية، والنار الأبدية، والحجارة المحيطة، بلا تغيير في شكلها، ومع ذلك... غير منسية بتاتاً. وبدا اللهب أثبت وأعمق، كأنه طُعم بشيء خفي.
ورسا المشهد بأكمله تماماً كما يرسو النبض بالجسد. في الأسفل، بالقرب من قاعدة التل، تحرك نبع الماء. عرفه جيمس فوراً عبر شعوره في جوهره. كان أكبر من ذي قبل، وسطح الماء يلمع بمانا سائلة هادئة جعلت الهواء حوله يبدو مخففاً بلطف. ومن جانب التل، انحدر شلال ضيق ليسقط في حوض ثاني، بركة أخرى، نبع شقيق، وكان صوت خريره همساً مستمراً ضد الصخر. ثم، لأن العالم قرر بوضوح أنه انتهى من اتباع القواعد، لُف شريط من الماء على الحواف الشمالية والغربية للهضبة، نهر صغير يتفرع من النهر العظيم شمالاً.
والتف حول حدود القرية كذراع دفاعية. انفتح فم جيمس، لكن بلا صوت. حاول عقله جاهداً، باستماتة، أن يصنف. أرض. ماء. هياكل. ممرات. أشجار. لا شيء من ذلك توافق. جزء صغير منه، الجزء العقلاني الذي عاش يوماً في عالم تعني فيه رموز الهندسة شيئاً، ببساطة... استسلم. دوت خطوات على الهضبة. ركضت مارلا نحوه كأن الأرض ذاتها أطلقتها، شعرها مفرود، وجهها مخطط بالتعب والغضب والراحة معاً في آن واحد.
اصطدمت به، والتفت ذراعاها حول وسطه، ولثانية واحدة كان جيمس مذهولاً لدرجة عجز معها عن الحركة. ثم امتدت ذراعاه لتحيطا بها، مبادلتين الحضن بتخبط رجل لا يزال نصف مقتنع بأنه يحلم.
أنفست مارلا في قميصه: "أنت حيي. أحمد الدائرة لأنك حي".
حدق جيمس من فوق كتفها، وما زال يحاول فهم كيف تحولت قريته إلى شيء خارج الأساطير.
قال بخشونة: "مارلا، بحق الجحيم، ماذا حدث؟"
انحنيت مارلا إلى الخلف بمقدار يكفي لرؤية وجهه، بتعبير يجمع بين الاعتذار والتسلية.
"إن أخبرتك أنني لا أعلم شيئاً، أتصدقني؟"
رمش جيمس. أشارت مارلا بجنون خلفها بيد واحدة.
قالت: "حين غادرتم جميعاً للقتال، جمعت من بقوا وغلقنا أنفسنا في بيت طويل. بعد قليل، سمعناه. الأرض. بدأت... ترتجف. هزات عميقة. ظننا في البداية أننا نتعرض لهجوم. كان الناس يصرخون. وحاول أحدهم الهرب للخارج فكدت أخنقه".
تجرعت ريقها، وتحول صوتها ليغدو أكثر هدوءاً بعض الشيء.
تابعت وهي تنظر نحو التل، نحو شجرة جذر القلب والدائرة والنبع كأنهم ثلاثة وجوه لملك واحد: "حينها شعرت به. جذر القلب. النبع. كأنه... كأنه احتضان. كأنه يقال لك: ابق ساكناً، أنت آمن. استمرت الفوضى دقائق. وبدت كأنها ساعة. ثم توقف فجأة كما بدأ".
اتسعت عينا مارلا مجدداً وهي تستعيد الذكرى.
همست: "حين خرجنا، كان كل شيء مختلفاً. لقد تغيرت الأرض. تحركت المباني. والماء، يا جيمس، غير الماء مجراه. لدينا نهر الآن".
وقفت إرلا خلف جيمس، شارعة عينيها بذهول، ضاغطة بيد واحدة على فمها.
تمتمت بصوت واهٍ: "كيف يعقل هذا؟"
شعر جيمس بوجود لومين كمخلوق صغير يروح ويجيء.
قال لومين ونبرته حادة بمزيج من الرهبة التي يتظاهر بعدم امتلاكها: "حين ترابطت مع جذر القلب والنبع، لمست الغابة. كنت تعلم ذلك مسبقاً. ما لم تعلمه هو أنك أزعجت عقدة أزلية. خطوط طاولة القوة. هذه البقعة مشبعة بالمانا لدرجة لم تفهمها. لم تصبح مجرد جزء من القرية يا جيمس. بل جعلت القرية مركزاً لشيء أكبر".
ابتلع جيمس لعابه بصعوبة. نظر إلى دائرة الموقد الأول، تماماً تحت القمة، مرئية من كل مكان. طالما نظر إليها باعتبارها رمزاً. القلب العاطفي. مكاناً يجتمع فيه الناس، يتجادلون، يتخذون خيارات، يأكلون اليخنة ويتشاركون الأحزان. والآن بدت كحجر زاوية. شيء قرر العالم ذاته أنه ذو أهمية. صفقت مارلا بيديها مرة واحدة، فبدأ الصوت مفاجئاً في السكون الذي حل.
قالت بجدية: "هيا. أستقف هنا متدلي اللعاب طوال اليوم أم ستقوم بجولة؟"
كاد جيمس يفلح في الإيماء. تقدما للأمام، وبدت كل خطوة كالمشي في حياة أخرى. كان المنحدر نحو الهضبة لطيفاً لكن لا لبس فيه، ترتفع الأرض في مصاطب متدرجة. وسيكون أصعب على أي شيء أن يهاجمهم الآن. لم تعد الغابة تضغط على أسياجهم بالحميمة نفسها؛ بل استقرت في الأسفل، بحر من الجذوع والظلال التي عليها أن تنظر إلى الأعلى. لقد تحولت المباني إلى أنماط جعلت عقل جيمس يحك بإعجاب وقلق.
استقرت ساحة خشب الحديد في مكان منطقي تكتيكياً، مفتوحة بما يكفي للتدريب، قريبة من البيوت الطويلة لتعزيز الدفاع بسرعة. وتقع الورشة قرب الحفرة الجنوبية، وهناك، حيث وضعها جيمس قبل النوم والخوف، وقفت العظام شبه المبنية لمهد الحدادة اللامع الأصول، متوضحة كوعد يواجه الجبال. وبالقرب من قاعة الموقد، استقر نموذج مخطط قاعة أمين المعارف حيث وضعه جيمس قبل قليل، مع الخط العائم الخافت الذي يحدد الجدران المستقبلية.
بدت أصغر الآن. لم يتغير التصميم، لكن العالم من حولها انفتح، مفسحاً المجال لها، كأن الأرض ذاتها كانت تستعد لتتجذر المعرفة فيها. وقفت الحظائر والحظائر بالقرب من المرعى، الذي تغير هو الآخر، فالعشب أغنى، والسياج أمتن، كأن الأرض قررت أن الحيوانات أيضاً تستحق موطئ قدم أفضل. ومراحيض الخارج والحمام استقرت في أماكن ذات معنى، في اتجاه الريح، متباعدة قليلاً، قرب الماء. وحتى حفرة السماد بدت...
أكثر تعمداً. هذا هو الجزء المزعج. لم تكن فوضى تغدو نظاماً عبر الجهد. بل كان نظاماً فرض في لفتة واحدة، كأن الأرض أعادت ترتيب نفسها بالطريقة التي يعيد بها شخص ترتيب الأثاث حين يتقبل أخيراً قدوم ضيوف. عبرا من تحت التل، وتسمر انتباه جيمس على دائرة الموقد الأول مجدداً. كانت مرئية من أي مكان تقريباً. من المصاطب. من المباني. من حواف الهضبة. حتى من هذه الزاوية الدنيا، كان يمكنك رؤية النار الأبدية، الثابتة والساطعة، والطاولة الحجرية كالمذبح.
كان الناس قد تجمعوا هناك بالفعل، تجمعات صغيرة، جالسين أو واقفين بتلك النظرة المذهولة التي تنتابك بعد النجاة من حدث ضخم.
ورفع القليل رؤوسهم حين مر جيمس وتمتموا بـ "يا سيّدي"
مجدداً، لتدور الكلمة في الهواء كعادة جديدة. حين وصلا إلى قاعة الموقد، كان الهواء يعبق برائحة دخان الحطب، اليخنة، والإرهاق. وكانت القاعة نفسها شبه خالية. أراد الناس الاحتفال، لكن الإرهاق أمسكهم حيث وقفوا، ثقيلاً لا يلين. دخل جيمس وتجمد فوراً. كان فيني جالسًا على طاولة، يأكل بهدوء المعتاد، كأن العالم لم يحاول تمزيق نفسه أمس. وبجانبه، ينهش ما بدا وكأنها فخذ أيل كاملاً كما لو كانت خبزاً، ذئب.
ليس ذئباً. ذئب مانا، بكسوة داكنة سميكة، وعينين براقتين، وجسد بحجم ثور جر. رفع رأسه عند دخول جيمس، منتصباً الأذنين، وهدأت القاعة بطريقة خافتة حين يتذكر الناس وجود المفترسات. حدق جيمس، وعقله فارغ باختصار.
سأل ببطء: "ما... هذا؟"
رفع فيني بصره، رمش، ثم التفت للأسفل نحو الذئب كأنه تذكر للتو أن معظم الناس لا يأكلون العشاء عرضياً بجانب كوابيس حية.
قال فيني: "أهذا؟ إنه أليف الجديد".
خفض الذئب رأسه مجدداً وتابع الأكل كأنه مشغول جداً بكونه ذئباً. ارتفع صوت جيمس رغم أفضل جهوده.
"هذا ليس أليفاً. هذه آلة حصار بأسنان".
اهتز فم فيني فيما قد يكون تسلية لو أن فيني التزم بمشاعر حقاً.
قال فيني: "إنه مجرد جرو".
برزت عينا جيمس.
كرر مستنكراً: "جرو؟ هذا الكائن أكبر من ثيران الجر".
مد فيني يده وحك تحت فك الذئب. فالتصق المخلوق الضخم باللمسة بمقدار محرج من الرضا، ونصف مغمض عينيه كهرّ.
قال فيني بكل إخلاص: "لا. حقاً. عمره أشهر معدودة فقط".
نظر جيمس إلى الذئب. ونظر الذئب إليه مورياً أذنيه، وللحظة رأى جيمس الوحشية تحت الهدوء. وهمست المانا في جسده بخفة ضد حواس جيمس، مفترس مشكل بذات القوة المشبعة التي شوهت كل شيء آخر.
سأل جيمس وهو يعرف الإجابة مسبقاً: "أهو خطير؟"
توقف فيني عن الحك. وغدا وجهه خالياً، جاداً بالطريقة التي يستطيعها فيني وحده.
"نعم".
ضاق حلق جيمس.
تابع فيني وكأنما يشرح شيئاً بديهياً: وقال: "ليس بالنسبة لنا. بل لمن يهدد بيتنا".
أمسك جيمس بالنظرة، موازناً بين مائة احتمال، متخيالاً الذئب طليقاً بين الأطفال، متخيالاً الخوف، ومتخيالاً الدماء. ثم زفر بحدة.
قال: "حسناً. لكن إن عض قروياً، فسأقطع رأسك".
نظر فيني في الأمر بجدية بالغة، كأنه يراجع عقداً.
فأعلن: "هذا عادل".
فرك جيمس وجهه بيد واحدة وتحرك ليجلس قبل أن تخونه ساقاه. ظهرت مارلا كأنها استدعيت بالجوع ذاته، وضعت زبدية وخبزاً أمام جيمس بإصرار يتركه يتحدى الرفض. أدرك جيمس عندئذ فقط أنه كان جائعاً بطريقة تجعل يديه ترتجفان. وبدأ يأكل كرجل نسي ما هو الطعام. وبين لقمة وأخرى، حاول عقله التسلق عائدًا إلى سلم مهامه المألوف.
قال بصوت مكتوم بالخبز: "عليّ تفقد روغان. والجرحى. وعلينا رؤية ما نهبناه. وعليّ التأكد من استقرار المباني بعد الانزياح. الممرات... مارلا، الممرات..."
مدت مارلا يدها عبر الطاولة ووضعتها فوق يده، موقفة ملعقته في منتصف الطريق.
قالت مارلا بهدوء، وفيه حدة تحت اللين: "جيمس، كل شيء بخير. لقد تعاملنا مع الأمر. لن ينتهي العالم حتى الصباح".
ابتلع جيمس، وضربت الحقيقة البسيطة منه بقوة أشد من أي خطاب. أمعن النظر في القاعة. تناول الناس طعامهم بهدوء. ضحك البعض بضعف. وجلس قزمان على طاولة قريبة، متلاصقي الكتفين، وعيناهما جوفاء من التعب والحزن. وتذكر، بمتأخر حاد، أنهما فقد أحدهما في المعركة. تابعت مارلا نظرته.
وقالت: "عليك محادثة القوم الصغار صباحاً. لقد فقدوا أحدهم. إنهم يتماسكون لأنهم مضطرون לכך، لكن... يحتاجون لسماع أن الأمر كان مهماً".
أومأ جيمس ببطء.
ووافق مقراً: "في الصباح".
ثم تحدثا بين اللقمات عن أشياء أهدأ. أخبرته مارلا بالتفاصيل الصغيرة التي فاتته، كيف تفاعل الناس حين تحركت الأرض، وكيف ثبتت نار الدائرة خطاهم، وكيف بدت هيبة شجرة جذر القلب كيد على كتف القرية. استمع جيمس، لا زال نصف مذهول، ولا زال يحاول فهم أي قائد يستيقظ ليجد بيته قد أعيدت كتابته من قبل الأرض ذاتها. وكان في منتصف ابتلاع لقمته حين ظهر هافليك عند المدخل، بنفس سريع قليلاً، وعينين مشعتين بالقصد.
قال هافليك: "يا سيّدي".
كاد جيمس يختنق من محض الإزعاج إزاء اللقب. لم يبدُ أن هافليك لاحظ ذلك. أو لعلّه لاحظ ولم يعبأ. كان وقوفه مستقيماً أكثر من اللازم، متيقظاً أكثر من اللازم، كشخص قرر أن هذا ما باته الآن: رجل ينقل الأخبار ويقف بين سيده وما ينتظر.
وأضاف هافليك: "لديك ضيف".
تمتمت مارلا بلعنة تحت أسنانها، متوجهة بالإحباط أقل لهافليك وأكثر لأي تقلب قدر قادهم إلى هنا.
قالت ونبرتها تجمع بين الحنو والغضب بدرجات متساوية: "هذا الرجل لن يحظى بفرصة للاستراحة قط".
وضع جيمس ملعقته ببطء، مستشعراً ثقل اليوم يستقر فوقه مجدداً. الهضبة بالخارج، التل، الدائرة، شجرة جذر القلب كالتاج على الأرض، بدت كلها كوعد وكنذير. تنهد، ودفع نفسه للوقوف، متجاهلاً الاحتجاج الصغير في عضلاته.
قال وفي صوته استسلام، لكنه يحمل استعداداً أيضاً: "حسناً، لنذهب لمقابلة ضيفنا".
تبع هافليك إلى جوف الليل، مخلفاً الدفء خلفه، خطواً مجدداً نحو أية عاقبة قررت أن تطرق باب جذر القلب.