اول ما لاحظه جيمس لم يكن الحجر. بل كان الصوت. أصوات. العشرات منها. عالية ومتقاطعة، حادة بنبرة انفعال لم تجد لها مَضيقاً منذ زمن بعيد. ملأ الضجيج المكان، ضاغطاً من كل اتجاه، أشخاص كثر يتكلمون دفعة واحدة ولا يستقرّ منه شيء. الكبرياء يصنع ذلك بالناس. اليأس يفعله أيضاً. نسي جيمس للحظة أن مَلِكَ الأقزام يكلمه لأن حجم هذا المكان اصطدم به كأنه جسم مادي. ارتفعت المصاطب في نصف دائرة كمقاعد في مدرج، منحوتة في درجات عريضات ومزينة بحواف ذات نقوش قزامية، وزوايا حادة لانتها ببراعة صنع مهووسة.
لم يكن الحجر مقصوصاً فحسب؛ بل جرى استمالته ليأخذ شكله. صُقل كل سطح حيث ستمر الأيدي، ونُحِتت كل زاوية بعناية. وُجدت أقواس وأعتاب وعوارض منحوتة ليبدو وكأنها دعامات إنشائية حتى حين لم تكن الصخرة نفسها بحاجة إليها. كان الأمر مهيباً. وكان أيضاً… مصطنعاً. انتقلت عينا جيمس من طبقة إلى أخرى. وقف العشرات من الأقزام أو جلسوا أو راحوا يجيئون بطاقة لا تخمد، واصطدمت أصواتهم بالجدران لترتد بصدى خافت.
وتخلل ذلك كله، كعروق تسري تحت جلد باهت متشقّق، خطوط خافتة من التوهج. المانا. بقى الضوء منخفضاً، يصعب تفويته إن لم تتأمّله. تحرك نبض بطيء تحت السطح، كأنداب برق أزرق محبوسة تحت الجلد.
قال لومين بما يواارب عدم التصديق: "مرتبطة بالعروق".
كان يتوقع أقزاماً. ولم يتوقع أن يجعلهم التوهج يبدون… متعبين. لم يبدوا جوعى، أو منهكين بالطريقة التي تترك بها المجاعة أثرها. بل كان الأثر أعمق من ذلك. كشموع احتترقت طويلاً، وقصر فتيلها، وما زال اللهب متمسكاً، عنيداً، لكنه يعاني ليحافظ على شكله. سرى قلب الحجر عبر الغرفة أيضاً. كان في كل مكان: خيوط بلورية مندمجة في الصخر، مجموعات كنجوم مجمدة مغروسة في الجدران، شظايا مضفورة في اللحى ومربوطة في الشعر كأنها تعاويذ.
تضيق صدر جيمس. كانت هذه وديعة مانا ضخمة بما يكفي لتغيير مستقبل جذر القلب. أجبر وجهه على الحياد، لأن آخر ما احتجت إليه هو أن تبدو كشريد يحل ضيفاً على بيت غيره ويسيل لعابه على مؤونته. سمّرت عينا المَلِك من الطبقة العليا جيمس مكانه، وبدا وجهه محتقناً بغضب ومظلمة تنبع من الإهمال طويلاً.
أعلن: "أنا المَلِك ثراين غريمهامر من أقزام العروق. وهذه ملكتي، داغنا من سلالة الضفائر الذهبية العريقة. سلالتها متغنى بها في أغانٍ أقدم من الإمبراطوريات. ما اسمك أيها الغريب؟"
أمال جيمس رأسه قليلاً، مستشعراً أن الحركة متوقعة.
"أنا جيمس رايت، سيّد قرية جذر القلب. يسعدني لقاؤك".
قال ثراين بصوت دوى في الغرفة كأنه اعتاد جعل الحجر يصغي: "إذن. أنت مستيقظ".
أخذ جيمس نفساً وتقدم إلى الأمام وهافليك بجانبه. راقبه الأقزام بمزيج من الريبة وشيء يبدو بخطورة كالأمل وهو يحاول ألا يظهر وجهه.
قال جيمس بابتسامة متزنة: "أنا مستيقظ. وممتن لأنكم سمحتم لرجالي بإدخالي. طبيبي مع امرأة تلد..."
قاطع مَلِك الأقزام كلامه، وكان التصحيح حاداً كالإزميل: "ليست طبيبتك. إنها ضيفة في قاعتنا. لا أكثر".
حافظ جيمس على ثبات تعابيره. وخزته الكلمات، لكنه لم يدعها تحط حيث أرادت.
قال جيمس: "إذن أنا ممتن لأنكم سمحتم بوجود ضيوف. وأعتذر لأن معركتنا دارت بالقرب من منزلكم".
التوى فم المَلِك، نصف تهكم، ونصف ابتسامة.
ردد: "منزل"، كأن الكلمة أعجبته.
ثم بسط ذراعيه على مصراعيه، مشيراً حول الغرفة كأنه يكشف عن تحفة فنية.
"انظر يا بني البشر. انظر حقاً. نحتنا هذا من الحجر الحي في شهور. شهور. بينما يجثم أمثالكم تحت الأشجار ويسمونها مأوى، صغنا نحن مملكة".
ارتفعت التمتمات من الطبقات. موجة من الموافقة، من الفخر، من الدفء المألوف الذي يأتي من قول، ما زال بوسعنا فعل ذلك. ما زالنا نحن. ترك جيمس نظراته تتجول عن عمد. ررى ما أراده المَلِك منه أن يرى: الأقواس، والطبقات، والمداخل المنحوتة لغرف أصغر بنيت في الجدران كخلية نحل من الغرف الحجرية. ورأى كيف قُص السقف عالياً ومقوساً، وقُطعت قنوات فيه لتوجيه الدخان والحرارة بعيداً عن المكان المركزي.
ورأى محاريب نحتت كمغارات تشبه المزارات، حتى لو لم تضم سوى حجر فارغ. أمر يُستحسن. لكن عقله لم يستطع إلا أن يفعل ما يفعله دائماً. لاحظ أن الغرف المنحوتة كانت عالية جداً بما لا يريح الأقزام، ليس في الارتفاع بل في النسبة. كانت المداخل شاهقة ودرامية، وأكثر ملاءمة لإحداث أثر منها لإبقاء الحرارة في الداخل. كانت القاعة المتدرجة جميلة، لكنها أضاعت مساحة، وستكون باردة في الشتاء ما لم يكن لديهم نظام مدفأة مناسب يسري في الجدران.
كان فيها صنعة. كانت فيها مهارة. لم تكن عملية. لم تبدو كأنها بُنيت لأنهم بحاجة إليها. بدت وكأنها بُنيت لأنهم تذكروا كيف كان المفترض أن تبدو المملكة، وكانوا يحاولون إثبات شيء لأنفسهم. أومأ جيمس برأسه ببطء.
وقال وهو يعنيه: "إنه عمل مهيب. نحت الحجر كهذا يتطلب انضباطاً وخبرة. وحقيقة أنكم فعلتموه بهذه السرعة تشهد بخير على شعبكم".
انتظر المَلِك، متوقعاً المزيد بوضوح. لم يعطه إياه جيمس. تقلّص ابتسام المَلِك. وبجانبه، لم تغادر عينا الملكة وجه جيمس. كانت تراقب كأنها تقرأ الفراغات بين كلماته. مال مَلِك الأقزام للأمام قليلاً، ولا يزال المطرقة مثبتة أمامه كرمز للسلطة.
وقال وقد تحول صوته إلى الخشونة: "الآن، أخبرني لماذا كانت العفاريت تصرخ خارج أنفاقي ليلة البطلة. أخبرني لماذا رأى كشّافتي دخانها يتصاعد من الأشجار. أخبرني لماذا أصبحت مملكتي مكشوفة لأن قريتكم الصغيرة حركت الغابة كطفل يوقظ دباً نائماً".
توترت كتفاي هافليك. شعرا به جيمس بجانبه كوتر قوس مشدود. أبقى جيمس صوته هادئاً.
قال: "لم نحرك شيئاً عن قصد. هاجمتنا العفاريت. ودفعنا عن أنفسنا. والليلة الماضية، جاءت عصابات حرب أخرى لأن..."
قاطع ثراين كلامه بحدّة: "لأنكم استدعكيتموها. لأنكم ظننتم أنكم شجعان بما يكفي لمواجهة تلك المسوخ. لأن البشر متكبرون ويتوقعون من الأعراق الأخرى أن تنحني لعظمتهم".
لم ينكر جيمس ذلك. ليس لأنه أراد الاعتراف بالذنب، بل لأنه كان يحاول قراءة المَلِك.
وافق جيمس: "تغيرت الغابة. وما زلنا نتعلم ما يعنيه ذلك. لكن العفاريت لم تعد مشكلتنا وحدنا. لقد دمروا مستوطنة جنية جنوب هنا. مستوطنة كانت على علاقة بكم على ما أظن. جاء الناجون إلينا، جرحى ويائسين. قاتلنا لوقف عصابة الحرب التي تلاحقتهم، ثم تبعهم البقية".
عند ذكر الجن، سرت ومضة عبر الطبقات. ليس تعاطفاً، بل شيئاً أقرب إلى الانزعاج، كذكرى تجارة مقاطعة.
تهكم ثراين: "كان الجن حمقى. يتجولون تحت السماء المفتوحة، ظانين أن الزهور وخرائط النجوم قادرة على إبعاد النصال".
شدد جيمس فكّه.
قال بهدوء: "كانوا بشراً".
ضحك ثراين، ولم تكن ضحكته فرحة.
ردد: "بشراً. الجميع بشر. الجميع مأساة. وأنت تأتي هنا لتتحدث عن الخطر الذي تشكله العفاريت، بينما كنت أنت من جلبهم إلى عتبة دارنا".
أخذ جيمس نفساً، وعدّه، وأبقى يديه مسترخيتين إلى جانبيه.
قال: "جئت إلى هنا لنستطيع مساعدة بعضنا البعض. لقد اختفى شركاؤكم التجاريون. قريتي تمتلك طعاماً. ولدينا صيادون، وبستانيون، وقاعة مدفأة، والآن خيميائي يصنع الجرعات. يمكننا إمدادكم بينما تعيدون بناء تجارتكم".
حادت عينا ثراين بحدة.
وطالب: "وماذا تريد في المقابل؟"
قال جيمس ببساطة: "قلب الحجر. إمداداً منه. ما يكفي لمتجرنا ودفاعاتنا. ما يكفي لإبقاء شعبي على قيد الحياة".
انفجرت الطبقات في تمتمات، وتمايل الأقزام وارتفعت الأصوات.
"قلب الحجر ملكنا."
"أمر مرفوض."
"طعام مقابل خام؟ مهين."
رفع ثراين مطرقته قليلاً، وانقطع همس الصمت كلعبة كلب يطيع صفارة. نظر إلى جيمس كأنه شيء ممتلئ بالطرافة اقترب كثيراً.
وقال: "أظنكم قادرين على شراء دماء حياتنا بالمرق. أظنكم تظنون أن بضعة أكياس من الجذور تجعلكم مساوين لمملكة. أنت لست سوى سيّد بشريّ لخلاءة في غابة. نحن العروق. نحن سلالة أقدم من مدنكم".
وهنا كان ذلك. ليس فقط الكبرياء. كبرياء متجاوز، مصقول ومتمسك به حتى أصبح الشيء الوحيد المتبقي الذي لا يؤلم. لم يجب جيمس فوراً. وبدلاً من ذلك، نظر حوله مرة أخرى، هذه المرة ليس إلى الأعمال الحجرية، بل إلى الأقزام. وهناك رآه بالكامل. كانت أعينهم براقة بالتحدّي، لكن حركاتهم كانت قلقة، متوترة بطريقة الأجسام التي تفتقر إلى شيء ما. كانت بشرتهم باهتة تحت توهج عروق المانا. كانت لحاهم تحمل شظايا قلب الحجر كتعاويذ، كأنهم يستطيعون ضفر الحظ بأنفسهم إن حاولوا بجهد كافٍ.
وقفوا في قاعة بُنيت لتبدو كمملكة. لكن لم يكن هناك أطفال يركضون بين الطبقات. لا ضحك. لا رائحة طعام. الدفء الوحيد جاء من توهج قلب الحجر والغضب في صدورهم. انتقلت عينا جيمس إلى واجهة النظام في زاوية رؤيته، ذلك الشيء الذي لم يعتده حتى بعد شهور. لم يرغب في النظر. لكنه نظر على أي حال. حامت مؤشرات المستوى فوق الرؤوس. كان كل قزم رآه في المستوى الأول. كل واحد منهم. ضاق حلقه. انجذب ضوء لومين أقرب، أطمس من المعتاد، كأن حتى المألوف عرف كيف يخطو بحذر هنا.
همس لومين بصوت يشبه لهب شمعة مهتز: "جيمس، إنهم جميعاً..."
أجاب جيمس هامساً وهو يحافظ على ثبات وجهه: "أرى ذلك".
راقب ثراين عيني جيمس، مخطئاً في قراءة اللحظة. ابتسم كرجل على وشك توجيه ضربة أخيرة.
وقال ثراين: "الآن، ستغادرون. ستأخذون جرحاكم، ونساءكم العوام، ومشاكل العفاريت الخاصة بكم، وستزحفون عائدين إلى شجرتكم الصغيرة. وإذا عادت العفاريت..."
فقد هافليك أعصابه.
ونبح بصوت صدى في أرجاء الغرفة: "احذر كيف تتكلم. هذا هو سيّد جذر القلب".
هدأت القاعة المتدرجة تماماً. هبط معدة جيمس، ليس لأن هافليك كان مخطئاً، بل لأنه عرف بالضبط أي نوع من الرجال كان ثراين. الكبرياء لا ينحني. بل يتكسر. اتسعت عينا ثراين، ثم ضاقتا حتى أصبحتا شقين.
ردد ببطء كأنه يتذوق طعماً مُرّاً: "سيّد؟ أنا مَلِك".
تقدم خطوة للأمام، ومطرقته في يده. لم تكن مرفوعة، ليس بعد، لكنها كانت هناك، تذكر الجميع بقدرته.
وارتفع صوته صارخاً: "لماذا ينبغي عليّ الانحناء لسيّد بشريّ، حين أرتدي تاجاً مبنياً من الحجر والدم؟ حين أكون ثراين غريمهامر، آخر ملوك العروق؟ حين يكون اسمي أقدم من قريتكم بأكملها؟"
تشنجت قبضي هافليك. وشعر به جيمس يرتجف من الغضب المكبوت. رفع جيمس يداً دون أن يلتفت للخلف.
وقال بهدوء: "هافليك".
تجمد الشاب، مشدود الفك. نظر جيمس إلى ثراين. بإمكانه الاستمرار في استخدام الكلمات المهذبة. بإمكانه الاستمرار في عرض التجارة كتاجر. بإمكانه الاستمرار في الابتسام كرجل يؤمن بإمكانية التفاوض على الصداقة. وسيستمر العروق في الضحك حتى يموتوا جوعاً في نصبهم المنحوت. شيء ما صلب في داخل جيمس. لم يكن الغضب هو المسيطر، رغم أنه استطاع الشعور به عند الحواف. بل استقر في شيء أثبت من ذلك.
نفس الهدوء الذي شعره قبل أن تتحول المخططات إلى بناء. اللحظة التي ترى فيها أين يجب أن تذهب الدعامة، وإلا سينهار كل شيء.
قال جيمس بصوت وديع: "أيها المَلِك العظيم".
اتسعت ابتسامة ثراين كأنه انتصر. أمال جيمس رأسه قليلاً، واجتاحت عيناه الغرفة مرة أخرى.
سأل جيمس: "أهذه هي مملكتك؟"
تعثرت ابتسامة ثراين. ترك جيمس السؤال معلقاً لنبضة، ثم تقدم للأمام. بدأ يصعد الطبقات. منصة واحدة. ثم أخرى. تحرك الأقزام، ونزل بعضهم عن مقاعدهم كأنهم يريدون سد طريقه، وشدت أيديهم على مقابض الأدوات حتى أصبحت المفاصل بيضاء. تحرك هافليك للمتابعة، لكن جيمس التفت بلمح البصر.
وقال: "ابقى مكانك".
بدا هافليك ممزقاً، لكنه توقف. استمر جيمس صعوداً. كان الحجر تحت حذائه بارداً، لكن الهواء أصبح أثخن كلما اقترب من الطبقة العليا. توهج قلب الحجر أكثر سطوعاً في الشقوق قرب المنصة الملكية، ومع ذلك جاء الإحساس بالمانا وهي تضغط على جسده ككهرباء خافتة. ضاقتا عينا ثراين.
وهس: "أنت تتجرأ".
توقف جيمس قبل المنصة الملكية بدرجة واحدة، قريباً بما يكفي لرؤية الخطوط الدقيقة حول عيني ثراين، والإرهاق الخفي تحت غضبه. قريباً بما يكفي للشعور بثقل نظرات أولئك الأقزام على ظهره. أبقى يديه مسترخيتين إلى جانبيه.
وقال بصوت هادئ: "كل ما أراه، هو شرذمة من الناس الفخورين المتمسكين بماضٍ بشدة جعلتكم تنسون النظر إلى الحاضر".
سرت تمتمة مصدومة عبر الطبقات. احمر وجه ثراين. ولم يتوقف جيمس.
وتابع: "أرى صنعة. أرى جهداً. أرى قاعة نحتت لتذكركم بما كنتم عليه. لكن ما أنت عليه الآن..."
وترك نظرته تمر لفترة وجيزة على الأقزام أدناه: "ما أنتم عليه الآن هو شعب لا يملك ترف هذا التكبر".
خرج نفس ثراين حاداً. قابل جيمس عينيه.
قال جيمس بهدوء: "أنت لا تفاوض. أنت تنكر. والتنكر لا يطعم الأطفال. والتنكر لا يوقف العفاريت. والتنكر لا يبني مستقبلاً".
شددت يدا ثراين حول مطرقته.
وبصق: "كيف تجرؤ".
انحنى فم جيمس في شيء لم يكن تماماً ابتسامة.
وررد: "كيف أجرؤ؟ جئت إلى هنا بنية تكوين صداقة. جئت عارضاً الطعام، والتجارة، والحماية. وكل ما تلقيته هو الازدراء من مَلِك يجلس على عرش من الذاكرة".
نزلت الكلمة الأخيرة كحجر ملقى. انقطع تحكم ثراين. تحرك. بسرعة. تلك السرعة التي تأتي من الدفع إلى الزاوية بلا مخرج، ومجردة بالكامل من كرامة الحاكم. رفعت مطرقته ولوحت، مستهدفة صدر جيمس.
صرخ هافليك: "يا سيدي!"
اندفع بعض الأقزام للأمام في حالة ذعر. وتجمد آخرون، واتسعت أعينهم. لم يرتجف جيمس. ناد سلاح الأثير بلا كلمة. اجتاحت المانا جلده باندفاع جعل الهواء يتموج. وتشكل درع في صفائح مزخرفة، ليس اللمعان الأبيض والأزرق الصافي الذي أخذه عندما استخدمه لأول مرة، بل شيء لمسه جذر القلب والينبوع: وميض أزرق مخضر خافت متداخل عبر الحواف، كالحياة والماء المنسوجين في المعدن. ضربت المطرفة درع صدره بصوت معدني ثقيل وأجش.
وارتدت. ترنح ثراين من الارتداد كأنه اصطدم بجدار. وسقط على ركبتيه، ثم على أربع، واختطف الهواء من صدره، واتسعت عيناه من الصدمة. صمتت الغرفة. نظر جيمس إلى أسفل نحو ثراين. استقرت المطرفة بالقرب من حذاء جيمس، وقد حفرت على رأسها رونيات جعلت رنين مانا الخاص به يهتز. لم تكن مجرد سلاح. كان هناك سحر نائم فيها، عميق، متعدد الطبقات، عريق. استطاع جيمس أن يشعر به. واستطاع أن يشعر بوضوح مماثل أن ثراين لم يستطع.
ليس لافتقاره للقوة. لأن شيئاً فيه قُطع. خدشت أصابع ثراين الحجر وهو يحاول دفع نفسه للوقوف، واختلطت الإهانة والغضب في عينيه حتى بدا وكأنه يكاد يختنق بها. لم يتحرك جيمس لالتقاط المطرفة. لم يكن بحاجة لذلك.
وقال بصوت هادئ ولكنه حاد: "تلك لم تكن خطوة حكيمة".
حدق ثراين فيه، وهو يلهث. أخذ جيمس نفساً بطيئاً.
وقال جيمس: "تسمي نفسك مَلِكاً. لكنك تهاجم رجلاً عرض عليك صداقة. تهاجم شخصاً يمكنه مساعدة شعبك على البقاء. شخصاً يمكنه مساعدتك في العثور على ما تبحث عنه".
اختلجت عينا ثراين. مال جيمس إلى الأمام قليلاً، ليس مهدداً، بل قريباً بما يكفي لكيلا يستطيع ثراين التظاهر بأنه لا يستمع.
قال جيمس بصوت خافت: "يا لها من خسارة يا ثراين غريمهامر. جئت إلى هنا بنية الوقوف بجانبك. وبدلاً من ذلك ها أنا أقف فوقك".
لم تكن الكلمات قاسية لمجرد القسوة. كانت مرآة. فتح ثراين فمه، ثم أغلقه. التوى الخجل بتعابيره بعنف شديد حتى كاد جيمس يشفق عليه. كاد يشفق عليه.
وتابع جيمس بصوت ثابت: "سيهلك شعبك ويموت، وسيكون ذلك بوزرك. ليس لأنك ملعون. وليس لأن العالم غير عادل. بل لأنك رفضت رؤية يد ممدودة لك، وصفعتها بعيداً بسبب الكبرياء".
ارتجفت يدا ثراين. وبدا وكأنه أراد الصراخ، لكن الصوت لم يخرج. تقدمت شخصية للأمام. الملكة. تحركت داغنا برشاقة محكومة جعلت القاعة تبدو أصغر. لم تنظر إلى ثراين. ذهبت عيناها مباشرة إلى درع جيمس، وتغير شيء في تعابير وجهها. سبحت المعرفة في عينيها. وكان صوتها، حين تكلمت، هادئاً، لكنه حمل وزناً.
بدأت وقالت متوقفة، كأنها تختار الكلمات من لغة لم تتحدث بها منذ سنوات: "أنت..."
"أنت وعاء".
تململ الأقزام، واشتد التوتر. بقيت عينا داغنا مسمرتين على جيمس.
وقالت بكلمات تكاد تكون تقديسية: "أنت تلمس المانا. ليس كساحر يستعيرها. وليس كحداد يشكلها بالرونيات. أنت... تحملها".
بلع جيمس ريقه، وضاق حلقه فجأة.
قال بصدق: "لا أعرف ما أكونه. أعرف ما يمكنني فعله".
تلألأت عينا داغنا. كانت هناك دموع، لكنها لم تدعها تسقط.
همست: "لقد بحث شعبي. لقد نقبنا. لقد نزفنا. لقد اتبعنا الأساطير كحمقى جياع يتبعون الدخان. لقد صلينا للحجر والخام وذكرى الملوك التي لا تجيب. والآن..."
تخبط نفسها.
وقالت: "الآن تقف في قاعتي".
دفع ثراين نفسه على ركبة واحدة، محدقاً، لكن صوته خرج أجشاً.
زأر: "أكاذيب. ألعاب صالون".
التفت رأس داغنا نحوه، ولأول مرة تشقق رباطة جأشها.
وقالت، ووقع الكساء كالمطرفة: "حسبك".
لم تكن عالية لأنها لم تكن بحاجة لتكون كذلك. تجمدت الطبقات. التقط جيمس رد الفعل، الصدمة الخفية، والطريقة التي نظر بها الأقزام لبعضهم كأنهم نسوا كيف يبدو صوت الملكة وهي تقطع كلام المَلِك. التفتت داغنا عائدة إلى جيمس.
قالت بصوت استعاد ثباته: "قلت إن قريتك تمتلك عجائب. قلت إن شعبكم ينمو. ويترقون. ويكتسبون فئات. ويصبحون... أكثر".
أومأ جيمس برأسه ببطء.
قال: "نعم. لدينا ساحة تدريب. وقاعة مدفأة. وخيميائي. لدينا... أشياء تساعد الناس ليصبحوا ما يفترض أن يكونوا عليه".
بدت الكلمات غريبة في فمه، وشبه شاعرية جداً لما يقصده، لكنه لم يجد طريقة أفضل لقولها. شدد فك داغنا، ورفرف شيء يشبه الألم الخام على وجهها. سخر ثراين مرة أخرى، لكن صوته كان أضعف الآن، دفاعياً.
واندفع: "شعيبي صاغ يوماً عجائب لا تستطيع قريتك الحلم بها. نحتنا مدناً من عظام العالم السفلي. نحن..."
لم تنظر داغنا حتى إليه. التفتت نحو امرأة قزمة تقف بالقرب من المنصة الملكية، وقد ضفرت لحيتها بإحكام وتلطخت يداها بغبار الحجر.
قالت داغنا بهدوء: "فيسترا".
أحنت المرأة رأسها وسرعان ما هرولت إلى إحدى الغرف الجانبية المنحوتة. تحركت القاعة، وغلف الهواء الترقب. ضاقت عينا ثراين.
وطالب بصوت حاد ينم عن عدم الارتياح: "ماذا تفعلين. لا تقومي بـ..."
اخترقت نظرة داغنا كالنصل.
كررت قائلة: "حسبك"، وأغلق ثراين فمه بجهد واضح.
عادت فيسترا بعد لحظة، حاضنة حزمة. طفل رضيع. احتبس نفس جيمس. كان الرضيع القزم صغيراً، ملفوفاً في قماش متعدد الطبقات، مستدير الخدين، مغمض العينين. رُبطت شظايا قلب الحجر كتعاويذ صغيرة على البطانية، ليس للزينة، بل كوقاية. أخذت داغنا الطفل بكلتا يديها، وتخففت تعابيرها إلى شيء جعلها تبدو أصغر سناً وأكبر في الوقت نفسه.
تمتمت: "أميرتي. طفلتي العزيزة".
رفعت الطفل قليلاً، متجهة نحو جيمس، وشعر جيمس بأن القاعة بأكملها تميل للأمام بلا حركة.
وقالت داغنا، وكان صوتها يرتجف الآن: "هذه، معجزتنا. أملنا".
صعد صدر ثراين وهبط، ومررت عيناه نحو الطفل بشراسة لم تعد كبرياء. بل كان رعباً متنكراً في صورة ملكية.
قالت داغنا لجيمس: "انظر إليها. انظر إليها حقاً".
ذهبت عينا جيمس إلى واجهة النظام قبل أن يتمكن من إيقاف نفسه. حام رقم صغير، غير مزعج، كسر لا يمانع العالم مشاركته. المستوى الثاني. سطع ضوء لومين بحدة إلى جانبه، ونبض الضوء مرة واحدة، ثم استقر.
همس لومين: "جيمس"، "إنها..."
تمتم جيمس وقلبه يخفق: "أرى ذلك".
لم تغادر عينا داغنا وجه جيمس، كأنها تستطيع قراءة الأرقام من خلال عينيه. لم يتفاعل الأقزام. لا مفاجأة، لا شهيق حاد. السكوت كفى. كانوا يعرفون بالفعل. لم يكن هذا جديداً عليهم. كانت نبوءة ظلوا يغذونها بقلب الحجر والكبرياء والخوف، رافعين إياها كشعلة في نفق مظلم. نظر جيمس إلى الطفل مرة أخرى، إلى التوهج الخافت تحت جلدها، إلى الطريقة التي التفتت بها أصابعها الصغيرة في بطانيتها.
تفتح الفهم في صدره ككدمة. لقد فهم ما حدث. لكنه لم يقلها. خفّضت داغنا صوتها.
وقالت: "إنها الوحيدة. الوحيدة من العروق التي وُلدت منذ أجيال وتغيرت".
انقبض فك ثراين بقوة جعلت جيمس يظن أنه قد يتكسر.
قال ثراين بصوت خشن: "ستعيدنا. هي قلب الحجر. الإجابة".
لم تعارضه داغنا. لكن عينيها ترجتا جيمس لشيء آخر تماماً. تنفَس جيمس ببطء، دافعاً دفء جذر القلب ليستقر، دافعاً هدوء الينبوع ليبرد الحد الحاد من الغضب الذي لا يزال يقبع في حلقه. نظر من الطفل إلى داغنا، ثم إلى ثراين، الذي ما زال واقفاً وكبرياؤه ينزف عبر الشقوق. اتخذ قراراً.
قال جيمس بهدوء: "أظن أنه ينبغي علينا التحدث".
حبست القاعة أنفاسها. اشتعلت عينا ثراين بالسخط، لكن كتفي داغنا هبطتا كأنها كانت تحمل جبلاً وأخيراً عرض شخص ما أخذ زاوية منه. زفر هافليك خلف جيمس كأنه كان يغرق ووجد الهواء. استقر ضوء لومين، محلقاً عن قرب، صامتاً الآن. وجيمس، الواقف في مملكة منحوتة من الذاكرة واليأس، حدق في طفل ملفوف بالقماش والأسطورة، وشعر بثقل ما سيأتي يستقر على كتفيه كحجر جديد. لأن هذا لم يعد يتعلق بالعفاريت في الغابة.
بل كان يتعلق بأشخاص مكسورين كبرياؤهم هو درعهم الأخير، وما إذا كان جذر القلب سيصبح منارة أم حريقاً.