حين نُظّفت الأطباق عن آخرها وأنهى معظم الأطفال ألعابهم الليليّة المعتادة «القاضم والمحارب»، صار حلقة الموقد الأوّل ملكاً للَّيل.
حتّى بعد أسبوع من إقامة الحلقة، ظلّت أنفاسه تخونه كلّما رأى حجم التحوّل الذي طرأ على الفسحة. بات هناك جمال هنا، سحر هادئ لم يكن موجوداً حين وطأت قدمه هذا العالم للمرّة الأولى. توهّجت الفسحة من حوله بضوء ناعم ومتدرّج. راحت اليراعات تسبح في حلزونات بطيئة تحت مظلة جذر القلب، وتنبض بطونها الصّغيرة كنجوم بعيدة. استقرت فراشات المانا، تلك المخلوقات المستحيلة التي بدت وكأنّها خِيطت من الزجاج وضوء القمر، على العوارض العليا لسقف الحلقة، وقد انطوت أجنحتها نصف انطواءة.
ومن حين لآخر، كانت إحداهنّ تنهض، وترفرف مرّة أو مرّتين، ثمّ تعود لتستقرّ، ناشرةً حبيبات خافتة من الزرقة الباهتة في الهواء الدخانيّ. في مركز الحلقة، اشتعلت النّار السّحريّة في الموقد بلهب ناعم وثابت. لم تكن تفرقع أو تبصق كالحطب الأخضر. بل كانت تتوهّج، وينعكس ضوؤها على انحناءات الأرضيّة الحجريّة، لتلتقطها الأسطح الملساء للجدار المنخفض والطاولة الحجريّة التي التفّ حولها جيمس وروجان ومارلا.
تفرّق بقية أهل القرية في مجموعات بعد وجبة العشاء. ذهب بعضهم نحو البيوت الطويلة، متثائبين وممزحين، بينما تهاوى الأطفال على الخصور والأكتاف. وبقي آخرون قرب الورشة، يتحدثون بصوت خفيض عن عروق الخامات ودعائم الأنفاق. وجلس زوجان من المحاربين خارج الحلقة مباشرة، ينظفان رؤوس الرّماح ويفحصان سيور الجلد على ضوء المشاعل. واستقرّ ضوضاء الخلفية في همسة مريحة، حفيف النّاس وهم يستعدّون للنوم، والقرقعة المألوفة للأطباق وهي تُغسل، وأغنية هادئة ترنّم بها بيرين لبيبل وهما يسوقان زوجاً من الخِران المتردّدة نحو مأواهُمَا.
في داخل الحلقة، بدا الأمر كأنّه قلب كلّ شيء، ينبض ببطء وقوّة. جلس جيمس مسنداً ظهره إلى أحد الأعمدة الخشبيّة النحيلة، وكانت المقاعد الحجريّة باردة تحته وصلبة بصورة مريحة. تجمّدت أوجاع اليوم في ثقل واحد ومشتّت استقرّ في كتفيه وباطن قدميه وفي مكان ما خلف عينيه، لكنّه كان النوع الجيد من التعب. النوع الذي يقول إنّ أشياء قد أُنجزت، وإنّهم ما زالوا هنا يتحدثون عنها. على الطاولة أمامه، استلقت لوحَة خشبيّة عليها عدة شرائح سميكة من خبز الحبوب الزرقاء، ولا يزال البخار يتصاعد من الحواف الممزّقة.
استقرت الأرغفة نفسها قرب مرفق مارلا، ملفوفة بقطعة قماش أخفت رائحتها بصعوبة بالغة. بدا الخبز خاطئاً مقارنة بما أصرّت ذاكرته على أن يكون عليه، أزرق باهتاً في لُبابِهِ، وأزرق داكناً عند القشرة، كأنّ شخصاً عجن سماء الغسق في العجين، غير أنّ عقله توقّع عن التذمّر وبدأ يخرّ طرباً كلّما قضمه. بجانب الخبز، استقرت ثلاثة أكواب خشبيّة بسيطة، امتَلأ كلّ منها بسائل متقزّح يتلألأ بضعف في ضوء الحلقة.
التقط حليب خَران الأثير انعكاسات النّار واليراعات معاً، متغيّراً باستمرار، ولم يكن السطح ساكناً قطّ. في المرّة الأولى التي رأى فيها ذلك التلألؤ، افترض أنّه يعني أنّه سام. أمّا الآن، فقد بات يعرف الحقّ. والآن، وبشكل مزعج، صار يحبّه.
قالت مارلا وهي تقطع لقمة من الخبز برضا مركّز لشخص اكتسب حقّ الاستمتاع به: "حسناً. لو أخبرني أحد في الشهر الماضي أنّني سأأكل خبزاً أزرق في دائرة سحريّة تحت شجرة متوهّجة بينما أحتسي حليب الخِران المتلألئ، لكنت أخبرته أنّ عقله قد سقط".
مضغت، وبلعت، وأومأت برضًى مضطر: "ليس سيّئاً".
قال جيمس: "احذري. غرور طبّاخي الهشّ لا يتحمّل سوى هذا القدر من المديح".
قالت: "أوه، لا تقلق. سأبقيك متواضعاً".
أطلق روجان ضحكة خفيقة، فجاء الصوت منخفضاً ودافئاً. جلس إلى يسار جيمس، مسنداً مرفقاً على الطاولة، بينما تحضن يده الأخرى كأسه. رُسم وجهه بضربات من البرونز والظّل بفعل ضوء مشعل الورشة وتوهّج جذر القلب معاً، ممّا جعل الندوب على طول فكّه تبدو أعمق. لقد أسند رمحه إلى العمود الأقرب، لكنّ جلسته احتفظت باستعداد خفيف، كأنّه يستطيع النهوض والتحرّك في جزء من ثانية. التقط إحدى شرائح الخبز، وقلّبها بين أصابعه، وتأمّلها باحترام حائر رآه جيمس يبديه من قبل تجاه الشّباب المحاربين الموهوبين بشكل خاصّ.
قال روجان وهو يأخذ قضمة: "هذا الشيء تسبّب في فوضى أكثر من أيّ قاضم رأيته قطّ".
قال جيمس: "إنّه خبز. ليس شيطاناً".
بلع روجان وقَطَع قطعة أخرى: "في هذه القرية؟ لست متأكّداً من وجود فرق. النّاس يتجادلون حول دور من تنظيف أواني العجن الآن. الجميع ينحازون لجانب. الأطفال يسرقون الفتات كأنّه جواهر".
تمتمت مارلا: "مسموح لهم. ما زال نصفهم يبدو كالعصي داخل السترات. يمكنهم السرقة قدر ما شاءوا طالما أنّهم لا يحرقون أنفسهم على ناري".
وأضافت وعيناها تزوران باتجاه جيمس: "لكنّني أُقرّ بأنّ الوصفة تساعد".
حاول جيمس ألّا يبدو مزهواً، وفشل.
قال: "أخبرتكم أنّ الخميرة ليست شعوذاً. مجرد ماء وقح".
أجابت مارلا: "ما زلت أقول إنّ طريقة نموّها غير طبيعيّة".
أخذت جرعة طويلة من الحليب المتلألئ، ومسحت فمها بظهر يدها، وتنهّدت: "مع ذلك، غير الطبيعيّ قد يكون مفيداً. سأسمح به".
رفعت جيمس كأسه الخاصة، وتأمّل الطريقة التي يلتقط بها الحليب الضوء، وأخذ رشفة بحذر. كان الطّعْم غريباً ورائعاً كما كان في المرّة الأولى التي دفع فيها فيني بكأس إلى يده وأصرّ عليها. استقرّ في مكان ما بين القشدة الحلوة والعشب الطازج وشيء عجز عن ايجاد كلمات له، غنياً وعميقاً ونظيفاً بشكل غريب. وتحت النكهة، انزلق نبض من المانا أسفل حلقه وإلى جوهره، متغلغلاً في أطرافه كأنّ شخصاً سكب عسلاً ساخناً في عروقه.
أغمض عينيه لفترة وجيزة، تاركاً ذلك الدّفء يستقرّ.
قال: "نحن بحاجة إلى كعكات محلّاة".
توقّفت مارلا في منتصف المضغ وقالت: "ما هي الجحيم الذي تكونه الكعكة المحلّاة؟".
بدت مريبة. لقد تعلم جيمس أنّ تلك كانت ردّ فعلها الافتراضيّ تجاه أيّ شيء جديد، إلى اللحظة التي تقرّر فيها أنّها تحبّه وتدّعي أنّها عرفت دائماً ما هو الأفضل.
قال جيمس وهو يرسم الخطوط العريضة بيده: "صغيرة. مستديرة الشكل، في الغالب. أو مسطحة. مقرمشة عند الحواف، وأكثر نعومة في الوسط. تغمسها في الأشياء".
أمال كأسه، مراقباً الحليب يلتقط ضوء النار مرّة أخرى: "هذا بخاصّة. ثق بي، إنّها لجريمة ألّا تمتلك كعكات محلّاة حين تمتلك هذا".
تشنّج فم روجان بابتسامة.
قال: "أنت تختترع المزيد من الطرق لتجعلنا نعبد طعامك. طريق خطير".
قال جيمس بوقار: "بصفتي زعيمكم، أرى أنّ من واجبي المقدّس إعادة الكربوهيدرات اللائقة إلى حياتكم".
قلبت مارلا عينيها، لكنّ تلميحاً من التسلية تذبذب عند زاوية فمها.
قالت: "حسناً. ارسم لي كعكتك المباركة وسنرى إن كان واجبك المقدّس سينجو من ناري".
تمتم جيمس: "سأضيفها إلى القائمة".
أدخل يده في كيس جلديّ صغير أحضره معه وأخرج قطعة مسطحة من اللحاء مقطوعة من إحدى الأشجار الميتة التي أزالوها قرب حافة الغابة. قد كُشط السطح وصُقِل حتى صنع سطح كتابة مقبولاً، شاحباً وبارزاً بضعف. وفي يده الأخرى، أمسك بقطعة فحم، عصا رقيقة، حُدّد أحد طرفيها بسكين، وقد اسودّ طرفها وتزيّت من النار. لقد قاوم دفتر الفحم في البداية. بدا فيه شيء ما أقرب ممّا ينبغي للواقع. لكن بعد أيام كافية من محاولة التوفيق بين نصف دزينة من الخطط في رأسه، استسلم.
سيأتي الورق والحبر لاحقاً. أمّا الآن، فاللحاء والخشب المحترق كانا أفضل من الاعتماد على عقله كي لا يُسقط أيّ شيء مهم. على اللحاء، كتب بحذر: كعكات - اسأل مارلا عن الدهن، الحلاوة، حرارة الفرن. جرّ الفحم قليلاً، تاركاً خطوطاً سميكة تلطخت إن لم يحذر. نفخ على الكلمات، ثمّ وضع اللحاء جانباً لكي يجف، بجوار لوحة ثانية كُتِبت عليها ملاحظات بخطّه الفوضويّ. حملت تلك عبارات مثل: نواة بئر الأثير - الأثيريوم؟
والسور الخارجيّ - الارتفاع مقابل هالة جذر القلب وألدر + ترل - مشروع؟
قال روجان بعد لحظة، وهو يميل إلى الوراء على المقعد بالقدر الكافي لطرقعة عموده الفقريّ: "حسناً. لدينا خبز أزرق، وحليب متوهّج، ونُاس يتقاتلون بالأيدي على القشور. لقد كان... أسبوعاً ممتعاً".
قال جيمس: "تلك كلمة واحدة. قد أختار مجنوناً".
وافقت مارلا: "مجنونة".
قطعت قطعة أخرى من الخبز ووجّهتها نحوه كسلحفاة قابلة للأكل: "لكنّها مثمرة".
ترك جيمس نظراته تتبدّد للخارج، متجاوزة أعمدة الحلقة وجدارها المنخفض، فوق الفسحة التي تغيّرت كثيراً في الأيام السبعة الماضية. وقفت حوامل التجفيف على طول أحد الجانبين الآن، وهي سلسلة من الإطارات الخشبيّة البسيطة المربوطة بعصي رقيقة. وتدلت حزم الأعشاب منها في صفوف مرتبة، ورقة التشابك والجذر المرّ وتلك النبتة حادة الرائحة الشبيهة بالبصل والتي أصرّت إيلِيرا على أنّها تحسّن كلّ شيء في اليخنات.
وعلقت شرائح الفطر والشريحة الرقيقة العرضيّة من اللحم في أعلى بكثير، بعيداً عن متناول الأطفال الانتهازيّين. حتّى في الظلام، استطاع رؤية أشكالها مقابل التوهّج الخافت لجذر القلب، وهي تتأرجح قليلاً عندما يتسلّل نسيم الليل. وراء الحوامل، رقدت حفرة السماد، وهي منخفض مظلم ومسور بعناية صار بالفعل نظامه البيئيّ المصغّر الخاصّ به. لقد راقب وجوه النّاس حين شرح الفكرة، كيف يمكن للنفايات المتعفّنة أن تغذي التربة التي ستغذي المحاصيل المستقبلية، ورأى الشكّ يتصارع مع الرغبة اليائسة في جعل أيّ شيء ينمو.
الآن، وكلّما مرّ شخص ما، كان يلقي بقشور الخضروات، والعظام المقضومة، بل وحتى اللحاء المفروم، ويغطيه بأناقة. لا تزال تنبعث منها رائحة، لكنّها لا تقارن بسوء أكوام القمامة العشوائية التي ظهرت من قبل. قرب سياج المراعى، عانق مأوى الخِران الأرض كحظيرة صغيرة دافئة. انخفض سقفه بشدة، صُمّم لإبعاد الرياح والمطر، وكان مدخله واسعاً بما يكفي للخِران وليس لأي شيء أكبر بكثير. حتّى من هنا، استطاع جيمس رؤية الحركة الخافتة بالداخل، أشكال صغيرة وشاحبة ملتفة معاً في كومة من القش، والنفضة العرضيّة لأذن تلتقط الضوء.
أقرب إلى البيوت الطويلة، وقفت دورات المياه الجديدة كجنود مربّعين وعنيدين. كانت جدرانها أسمك الآن، وأسطحها زوايا أفضل لدرء المطر، والأهمّ بالنسبة لجيمس، وُضعت بعيدة بما يكفي عن أماكن المعيشة بحيث لا تصفع الرائحة وجهك كلّما تغيّرت الرياح، وليست بعيدة جداً لدرجة تجعل النّاس يمتعضون من المشي في البرد. لقد أنفق قدراً محرجاً من التفكير في تلك المسافة. رفض الاعتراف بالخطأ حيالها.
بدأت المدنية، في رأيه، بالصرف الصحيّ السليم واستمرّت بعدم دعس أيّ شيء مزعج في الطريق إلى النوم. كان تجميع المياه بيعاً أصعب، لكن بمجرد أن بدأت البراميل البدائية الأولى في الامتلآء من الأسطح المنحدرة التي جهزوها بالمزاريب، لم يتذمّر أحد. جعل مرأى المياه النظيفة التي لا تُغرف مباشرة من جدول بعض النّاس يذرفون الدموع في الحال. الآن، استقرت أحواض ضحلة قرب الحلقة والورشة، تلتقط القطران من القنوات المجمعة عشوائياً كلّما أمطرت السماء.
وفوق كلّ ذلك، تطاول جذر القلب. كانت الشجرة مهيبة من قبل. والآن أصبحت... شيئاً آخر. كان جذعها أسمك ممّا تستطيع ذراعَا جيمس الإحاطة به حتّى لو كان لديه ستّ أذرع، وكان اللحاء شاحباً بذاك البريق الخفيف الذي جعله يبدو وكأنّ ضوء القمر قد تشرّبه. وتقوّست الفروع السفليّة عالياً في الأعلى، وشكلت أوراقها مظلة متدرّجة بلغت بسهولة ارتفاع مبنى من طابقين. وانجرفت حبيبات المانا باستمرار من بين الأوراق، كثلج بطيء وكسول لم يصل إلى الأرض تماماً، بل تلاشى في الهواء عوضاً عن ذلك.
ترك وعيه يلامس هالة الشجرة، ذلك الطنين اللطيف من القوة الذي ملأ الفسحة الآن تقريباً كضوضاء خلفية. قبل أسبوع، كانت حضوراً متردّداً، مَدّاً بطيئاً. والآن بات الأمر يشبه نبض قلب يمكنه الانحناء نحوه لو أغمض عينيه.
قال بهدوء: "لقد أبلينا بلاءً حسناً".
تابع روجان نظرته، ثم أومأ.
وافق: "فعلنا. ونحن متعبون للغاية".
خرخرت مارلا: "تحدثوا عن أنفسكم. لقد كنت متعبة قبل كلّ هذا. هذا مجرد طعْم جديد".
ابتسم جيمس. وتلاشت التعبيرات قليلاً حين لحقت فكرة أخرى بموكب الإنجازات الذي كان يسير في عقله.
وسأل: "وماذا عن ميرا؟ هل توقّفت عن الطنين بشأن صوف الخِران بعدُ، أم ما زالت تحاول إقناع النّاس بارتداء ثلاثة أوشحة في آنٍ واحد؟".
تغيّر تعبير مارلا بطريقة جعلته ينتصب بلا وعي. لم يكن قلقاً، بالضبط. بل كان أشبه بنظرة شخص يحمل سراً صغيراً ويقرر الزاوية التي سيقذفه بها في وجهك.
قالت مارلا: "إنّها تطنّ. لكن ليس بسبب الصوف وحده".
أجرى معدة جيمس تقلبات صغيرة لا داعي لها.
سأل بحذر: "ماذا يعني ذلك؟".
قالت مارلا وهي تقطع قطعة خبز إلى أجزاء أصغر فأصغر أثناء حديثها: "هذا يعني أنّ ميرا حامل".
سقطت الكلمة في الحلقة كحجر مُلقى. ومضت النار السحريّة مرّة واحدة، كأنّها تفاجأت. في مكان ما في البعيد، ثغا خَرون في نومه. تجمد جيمس. للحظة نسي كيف يتنفس، ونسي أنّ أصابعه لا تزال تحتضن كأسه، ونسي أنّ الخبز موجود. استدعى عقله، المتعاون دائماً، صورة لإشعار بركة بذرة الموقد وهو يحوم في رؤيته، والخطوط المتعلقة بالأطفال غير البالغين المتناغمين مع المانا وهي تُعاد بوضوح قاسي.
قال: "هذا...".
ابتلع. حاول مرّة أخرى.
"هذا... جيد. هذا رائع. أليس كذلك؟".
راح ينظر بجموح بين مارلا وروجان، كأنّهما قد يقدمان إجابة مختلفة.
"أليس كذلك؟".
قال روجان بحزم: "إنه كذلك. حاول هارلون التظاهر بأنّه لم يكن يبتسم عندما أخبرني، لكن وجهه لم يتلق الرسالة".
ردّدت مارلا: "هذا جيد".
كانت عيناها أكثر نعومة الآن، وقد مُسحت الحواف القاسية.
"إنه مرعب. لكنّه جيد. طفل آخر تحت جذر القلب. حياة صغيرة أخرى يجب على هذا المكان القتال من أجلها".
أومأ جيمس، لأنّ ذلك كان التفاعل الصحيح. لكن تحت الإيماءة، تصاعدت موجة من شيء آخر. لم تكن ذعراً تماماً.
بدا الأمر فقط كأنّ شخصاً أخذ الثقل المجرد لـ"أنت مسؤول عن هؤلاء النّاس"
الذي كان يحمله حوله وربطه بهدوء بمرساة حية وصغيرة وغير مرئية. قفز عقله إلى الأمام، بلا فائدة. أطفال لم يولدوا بعد يقضون وقتاً تحت سقف الحلقة. بركة بذرة الموقد تستقرّ في عظام ودماء لم تتشكل تماماً بعد. صبيّ أو فتاة صغيرة قد ينظران يوماً إلى العالم ويريان المانا بالطريقة التي يراها بها، ليس بسبب نزوة نظام إيسيكاي، بل لأنّه رسم خطوطاً كثيرة جداً في الهواء فأجابه العالم.
تمتم: "أنا أبني مملكة بطريق الخطأ".
غصّ روجان بضحكة، وسعل سعالاً أخرج الحليب من أنفه.
قال بمجرد تعافيه: "هذه... طريقة ممتعة لوضع الأمر. كنت سأستمرّ في اختيار كلمة (قرية)، لكن إن كنت تريد البدء في التفكير في التاج، أعتقد أنّ هذا حقّك".
قلبت مارلا عينيها: "إن بدأت تدعو نفسك ملكاً، فسأضربك بمغرفة. لقد منحتنا الحلقة. من الطبيعيّ أن تبدأ الحلقة في إعطاء شيء في المقابل. هذا لا يجعلك مسؤولاً عمّن يدخل فراش من".
انلتوى وجه جيمس: "تلك محادثة لم أكن أريد تصوّرها أبداً. شكراً لك على هذا الإزعاج الحيّ".
قالت مارلا بجفاف: "على الرحب والسعة".
فرك يده على وجهه وتنهد.
قال بجدية أكبر: "أنا سعيد من أجلهم. أنا كذلك. فقط... كلّما اعتقدت أنني استوعبت ما هو عليه هذا المكان، فإنّه... ينمو. حرفياً ومجازياً".
قال روجان، وقد تحولت نظراته بدقة نحو لوحة اللحاء التي تضمّن إحصائيات جيمس المبعثرة، بقايا المرة الأخيرة التي أزعجه فيها لومين ليكتب فعلياً تغييراته: "وأنت تنمو معه".
كشر جيمس قليلاً: "تلك إحدى كلمات وصفه. بالحديث عن أشياء تنمو في اتجاهات غير متوقعة... بئر الأثير".
قلب ورقة اللحاء الثانية نحوه ونقر على الكلمة التي كتبها سابقاً. لقد تلطخت حروف الفحم قليلاً، لكنّها ظلت مقروءة.
قال: "حاولت البدء في مخطط نواة بئر الأثير. سمح لي النظام برسم الشكل الأساسي، وسمح لي بتعيين نقاط التثبيت، وكلّ تلك الاشياء الممتعة. وصلت إلى صميم الأمر، النواة الفعليّة، فتوقّف ببساطة...".
تظاهر بضرب جدار بيده.
"أخبرني أنني بحاجة إلى مادة محددة. معدن أزرق من الأنفاق. خام الأثيريوم".
نطق الاسم الذي أطلقه عليه النظام ببعض التردد. بدا وكأنّه شيء سيسعد مصمم ألعاب للغاية وسيكرهه جيولوجي. تغضّن جبين روجان.
سأل: "أهذا هو المعدن الذي كان فارن يشتمه؟".
قال جيمس: "هو بالذات. لقد جعلته يحضر لي قطعة منه. إنه جميل، من نوعية (هذا سينفجار تماماً إن نكزته بطريقة خاطئة). لكنّه لا يستطيع تشغيله بعد. كلّما حاول تسخينه، فإنّ الخام... يتأفّف. لا يذوب بشكل صحيح، ولا يأخذ شكلاً. أخبره النظام أساساً أن مهنته ليست عالية بما يكفي وأنّه يفتقر إلى المعرفة".
قال لومين من حيث كان يحوم قرب أحد العوارض، وبصوت جاف كالعادة: "وهي طريقة النظام المهذبة للقول (توقف عن ضربه بالمطرقة واذهب لترفع مستواك أولاً)".
تابع جيمس: "لذا يتعين على بئر الأثير الانتظار. لا يمكننا بناء نواة من التفكير الأمنياتي، ومحاولة ترقيعها بمواد أقل شأناً تبدو طريقة رائعة لتفجير ثقب في فسحتنا".
صنعت مارلا تعبيراً بوجها: "ما مدى أهميتها؟ على قائمة (أشياء ستقتلنا)، أين تقع؟".
قال جيمس ببطء: "على المدى الطويل؟ مهمّة للغاية. ستستقرار تدفق المانا، وتعطينا خزاناً مناسباً، وتجعل الهياكل المستقبلية أسهل وأكثر أماناً. على المدى القصير؟".
تنهّد.
"لن نقع أمواتاً بدونها. جذر القلب يقوم بعمل أكثر ممّا أعتقد أنّنا ندركه حتّى. الحلقة تساعد. ما نحتاجه الآن ليس شيئاً متوهجاً آخر في وسط الفسحة. نحتاج إلى جدران. وأفران. بهذا الترتيب، لكن بصعوبة بالكالبة".
أومأ روجان لـ"الجدران".
وأومأت مارلا لـ"الأفران".
ولم يكن جيمس متأكداً أيهما كان أكثر رعباً.
قال روجان: "الأنفاق قرب المدخل صارت أكثر أماناً الآن. فرقة كيرين وفرقتي أزالتا معظم الوحوش التي كانت تعشش بالقرب. الممرات الأعمق...".
رقت شفتاه.
"هناك أشياء في الأسفل لم نوقظها بعد. الحارس لم يطلق النار على ظهر أحد في الأيام الأخيرة، لكنّ هذا يعني فقط أنّه صبور".
توترت كتفا جيمس عند التذكير. ذكريات ذلك السهم لم تفارقه حقاً.
قال: "إذن... التحصينات".
سحب قطعة أخرى من اللحاء أقرب وبدأ يكتب، وكان الفحم يخدش بهدوء: سور خارجيّ - سياج خشبيّ، الارتفاع؟ منصات؟ خطوط رؤية نحو الغابة والنفق.
قال بصوت عالٍ وهو يكتب: "لا يمكننا إحاطة الفسحة بأكملها بسوار بعد. ليس بالقوى العاملة التي لدينا، وليس دون إهمال كلّ شيء آخر. لكن يمكننا البدء بسياج على طول النهج الأكثر ترجيحاً من الغابة، وربطه بالورشة والبيوت الطويلة، وربما استخدام جذر القلب كنقطة مرساة طبيعية. منصات مرتفعة على فترات للمراقبة. سلالم بسيطة. يمكننا تعليق المزيد من خيوط الإنذار التي كاد ترل أن يخنق نفسه بها الأسبوع الماضي".
تشنّج فم روجان.
قال: "هو لم يكاد يخنق نفسه. لقد تشابكت ساقه ووقع. الشئ الوحيد المصاب كان غروره".
قال جيمس: "لا يزال ذلك عضواً حيوياً. سأتعامل مع أيّ ضرر بجدية".
تأمل روجان: "يمكننا إعادة استخدام بعض الأخشاب من الساقط قرب الوادي. هذا الخشب جاف نصف تجفيف بالفعل. عمل أقل للفؤوس".
أضاف جيمس: "سأجعل ميريت يفحص الأرض. تعني مهارة ذاكرة الحجر لديه أنّه يستطيع إخبارنا بمكان وضع الدعائم حتى لا تتحرك. آخر ما نحتاجه هو جدار يسقط لأنّني أصبحت مغروراً وخمنت".
خرخرت مارلا: "طالما أنك تترك لي مساحة لبناء مطبخي. لن أستعبد نفسي على الخبز والكعكات في تلك الحفرة المفتوحة إلى الأبد. أريد جدران، وسقفا، وأفراناً مناسبة، وحوامل لا يستطيع الأطفال سرقة الأشياء منها دون أن أراهم".
صنع جيمس ملاحظة أخرى: مطبخ مشترك - ملحق بالحلقة؟ منفصل؟ مكان الفرن؟
قال ببطء: "كنت أفكر... مطبخ طبخ مناسب قريب بما يكفي من الحلقة بحيث لا يكون حمل القدور كابوساً، ولكن ليس قريباً جداً لدرجة تجعل الدخان يختنق الجميع. أفران مغطاة، وأحجار خبز، ورفوف تخزين للمكونات والأعشاب. ربما مخزن محفور جزئياً في الأرض حيث يظلّ أبرد".
تمتمت مارلا: "أخيراً".
أخذت جرعة أخرى من الحليب، ثم عبست في كأسها الفارغة وسكبت لنفسها المزيد.
"لقد سئمت القلق كلّما تغيرت الرياح من أن تطبخ شرارة ضالة بيبل بدلاً من اليخنة".
قال جيمس: "سنبني لك شيئاً يستحق مواهبك المرعبة. في النهاية".
قالت: "ليس في النهاية. قريباً".
رفع يديه مستسلمًا.
وافق: "قريباً".
صمتا لبضع نبضات قلب، حيث كان كلّ منهما يحدق في النّار ويتابع خيوط أفكاره الخاصة. بدا فرقعة وانفجار خشب الذاكرة المحترق أعلى في الهدوء. وفوقهم، قامت أقرب فراشة مانا بمدّ أجنحتها، مرسلة دفعة قصيرة من الحبيبات الشاحبة التي جرفت بكسل عبر الهواء الدافئ قبل أن تتلاشى.
قال روجان بعد حين: "أتعلم، ليست المباني وحدها التي نمت".
ابتسم جيمس، ابتسم حقاً، لأن شعبه نما خطوات وثباتاً.