استيقظت القرية على تغريد الطير ورنين الزهر العذب. استلقى جيمس ساكناً على فراشه داخل البيت الطويل الثاني لفبضات قلب معدودات ومباركات، دافعاً الأصوات لتغسله. لا أصوات مبهمة بعيدة، لا حجر يطحن، لا صرخات تتردد على جدران الأنفاق. فقط طقطقة موقد البيت الطويل، وأحدهم يشخر بلطف على بعد ثلاثة فراش، ورنين خافت موسيقي لبتلات تلامس الضوء في مكان ما بالخارج. لم تعد عظامه تبدو مجوفة.
بدا ذلك وحده كمعجزة. اعتدل ببطء فاحتجت عضلاته بطريقة مألوفة فانية. نوع الألم الطيب. النوع الذي يقول إن لديه جسداً مجدداً لا قشرة محروقة بالمانا. حين أرجح ساقيه فوق حافة الفراش، انجرف لومين من حيث كان يحوم فوق صدر جيمس، شرارة ذهبية خافتة في الهواء البارد.
تمتم جيمس: "صباح الخير".
ومض لومين مرة، أدفأ من ذي قبل.
قال المرافق وصوته أهدأ من المعتاد لكنه أقل تآكلاً: "لقد نجيت. أنا أوافق".
قال جيمس وهو يدلك يده على وجهه: "إطراء رفيع. كيف حال... كل شيء بك؟"
"لست حليّة مسحورة يا جيمس رايت. ليس لدي قطع".
تحوم لومين أقرب وأضاء، قليلاً فقط.
"لكنني لم أعد أفكر في إعادة التجسد صخرة، إن كان هذا ما تقصده".
تمتم جيمس وهو يدفع نفسه لينهض: "جيد. لأن هناك الكثير لنفعله اليوم وأنا بحاجة حقاً لمصباحي الساخر".
خطا خارج البيت الطويل وإلى الصباح. سيطرت شجرة جذر القلب على الساحة الآن. حيث لم يكن هناك سوى شتلة بارتفاع الركبة، أصبحت الآن شجرة فتية بطول البيت الطويل، جذعها أملس وشاحب بعروق من ذهب متوهج خفوتآ تجري تحت اللحاء. امتدت قمتها واسعة في أغصان طبقيّة، وأوراق بلون أحمر عميق ومضيء تخترقها عروق دافئة من الضوء. تشبثت فراشات المانا بالأغصان كأزهار ضخمة، وأجنحتها مطوية بنصفها، ترتجف كلما مر نسيم.
تحامت سحابة من يراعات الأثير الناعمة بكسل حول الجذع، وكان توهجها أهصت في ضوء الشمس الكامل لكنه ظل مرئياً كنجوم ضئيلة تأبى الاستسلام للسماء. جُنّت الزهور أمام البيت الطويل الأول. ساق جيمس خطاه نحوها كمن يقترب من معرض، عاجزاً عن منع نفسه. حين غرس الزهور الشبيهة بالأجراس، لم يكن لديه سوى بضعة أبصال، أشياء رقيقة بسيقان شاحبة وبتلات زجاجية ترن بلطف كلما أصابتها أشعة الشمس بالقدر المناسب.
الآن، نبتت حديقة كاملة أمام درجات البيت الطويل. عشرات فوق عشرات من السيقان النحيلة تلوح بلطف في هواء الصباح، يعلو كل منها عناقيد من أجراس شفافة. مع بلوغ الأشعة الأولى للشمس قمم الأشجار وتدفقها في الساحة، أضاءت ورنت، وكل زهرة تطلق نغمة مختلفة حتى غنّت البقعة بأسرها. لحن بطيء ومتغير، كجوقة تختبر صوتها. وقف جيمس هناك، ذراعاه مطويتان برخاوة، واستمع فقط. انزلق الصوت تحت جلده وثبّت شيئاً ظل مشدوداً منذ تسلقهم إلى تلك الأنفاق.
نبضت مانا جذر القلب بخفوت على حافة حواسه، بإيقاع ثابت وهادئ. لا تقبض، لا تطالب، بل... حاضرة. نبض قلب للقرية.
تمتم لومين قرب أذنه: "معدل النمو يتسارع. لا ينبغي لهذه الازهار أن تبلغ هكذا بعد".
قال جيمس: "شجرة سحرية تعادل حديقة زهور سحرية. يمكنني التعايش مع ذلك".
راقب حصاة وهي تترنح خارجة من خلف ساقي مارلا، وقدماها العاريتان الصغيرتان تطقطقان فوق الأرض المتراصة. توقف الطفل المفطوم تماماً عند حافة أحواض الزهر، بعينين واسعتين ومستديرتين. امتدت يد صغيرة إلى الأمام بحذر، ثم تراجعت برهبة حين رن العنقود الأقرب بصوت أعلى قليلاً كأنه يحييها. قهقهت بصوت يشبه صريراً مسروراً، وصفقت، فأجابت الببتلات بسيل آخر من الموسيقى. كان المشهد مأخوذًا مباشرة من أحد عروض الخيال التي اعتلى مشاهدتها بنهم.
وحدها هذه المرة مسؤوليتة إن حاولت زهور الغناء السحرية أكل أحد ما فجأة.
قال جيمس بصوت خفيض: "يبدو أن جذر القلب قد أخذ إعجاباً بنا. نأمل أن يكون الإعجاب من النوع غير الضار".
قال لومين: "نادراً ما تكون الأشجار غير ضارّة. لكن هذه تبدو... راضية".
"هذا... ليس مخيفاً البتة".
مزق انتباهه بعيداً عن الزهور وتفقد بقية الساحة. همس الصباح المسالم بصخب منخفض المستوى لقرية كادت تفقد الناس وتقدر الهدوء الآن. وبقرب حافة الساحة، كبداية لوحة غريبة جداً، وقف فيني وقطيعه. أُقيم سياج المرعى في المساء السابق، أعمدة خشبية وعرة مغمورة في الأرض، منسوجة بالأغصان والحبال، مشكلة نصف دائرة واسعة تعانق خط الشجر. عمل ألدر وتريل كان متيناً إن لم يكن جميلاً، وكان أكثر من كافٍ لإبقاء الحيوانات الصغيرة داخله.
أو هكذا أمل جيمس، نظراً لماشيتهم الجديدة. داخل السياج، تحرك أكثر من دزينة ظباء بيضاء صغيرة برشاقة حذر. صغار ظباء الأثير، كما أسماها لومين. تلمع فروتها الثلجية بخفوت؛ وتبرق قرونها اللولبية الصغيرة بنور داخلي ناعم. كانت تشم العشب الطازج، تقرض الحجارة المغطاة بالطحالب، وتقفز أحياناً بضع خطوات لمتعة ذلك الخالصة، تاركة حبيبات ضوء صغيرة في الهواء تبهت ببطء. سار فيني بينها كمن فعل طوال حياته.
تحرك بلا عجلة، قدماه العاريتان تههمسان فوق العشب، ويد واحدة تجر وراء آخر عمود سياج كأنها تشعر بشيء في الخشب. كلما رفع ظبي رأسه، تتبعتاه عيناه المضيئتان بثقة هادئة. حين توقف، تجمعت حوله في عناقيد مرخاة، وكادت القرون تلامس ساقيه. تمتم الصبي بشيء بصوت خفيض، كلمات لم تبدو كمثل أي شيء عرفه جيمس، ناعمة ومطربة. رفعت آذان الظباء نحوه، واستقرت جميعها، منخفضة بأنفسها على الأرض كبركة بيضاء متوهجة.
قال جيمس: "إنهم يحبونه".
صحح لومين بهدوء: "إنهم يطيعونه. هذا مختلف".
تبع جيمس نظرة المرافق نحو عيني فيني. قزحيتا الصبي، اللتان كانتا بلون بندقي شبيه بأخيه، توهجتا الآن خضراوين، بظل صافٍ وعميق يعكس نور جذر القلب. حين أدار رأسه، لفترة نبض قلب ظن جيمس أنه رأى شيئاً آخر هناك. أوراق تتحرك في غابة بلا رياح. وزن أغصان أقدم من أي قرية. ثم ابتسم فيني ووحى لحصاة، وانكسر اللحظة. أصدرت حصاة صريراً وتمايلت نحو السياج، تقفز صعوداً وهبوطاً، وتتشبث يداها بغصن منخفض.
رفع أحد الصغار رأسه، وشم الهواء، وهرول نحوه. أخفض رأسه بحرص، ضاغطاً بأنفه على أصابع الطفلة. شرر الضوء بلطف، غير ضار، كالكهرباء الساكنة. صرخت حصاة بفرح وحاولت معانقة وجه الظبي عبر السياج.
حذرت مارلا من النار بصوت حاد لكن حنون: "حصاة. برفق يا ابنتي".
ضحك فيني بلطف ووضع يداً مهدئة على ظهر الظبي.
قال: "إنها تحب الصغير. كلهم يفعلون. الأطفال يحملون ضحكات الغابة".
كاد جيمس يخنق على لا شيء.
تمتم: "ليست تلك هي الطريقة التي تحدثت بها سابقاً".
نظر إليه فيني، ولفترة نبض قلب عاد ذلك التعبير الغريب والساكن.
قال: "بعض الأشياء أسهل سماعها الآن. الغابة تهمس، وأنا أصغي".
بقرب حافة المرعى، وقفت تمبر بذراعيه الممدودتين وفكه مشدود بقوة جعلت جيمس يرى العضلات تقفز. انطلقت عيناه من أخيه إلى الظباء وعادت، وتعبيره مزيج قبيح من السخط والارتباك. لقبه صنفه فارساً، بطلاً في طور التكون، مقدراً لمستقبل دراماتيكي على ظهر وحش. ومع ذلك فهو يقف هنا بلا مطية، بينما يجمع أخوه غزلان متوهجة كأن الأمر هين. ضبط جيمس ناظراً إليه وسرعان ما أصلح وجهه لشكل أكثر حيادية.
لم يخفِ ذلك الطريقة التي اشتدت بها قبضته.
همس لومين: "أنت تراه أيضاً. رنينهم ينشق. طريقان تئامتا مرة وتفترقان".
تمتم جيمس تحت لبده: "أرى مراهقين سيصيبانني بصداع. يمكننا حفظ تصدع روح التوأم باطني تحت «أشياء للقلق بشأنها لاحقاً»".
كان هناك عمل يجب القيام به. غادر المرعى وراءه بنظرة أخير، مع حصاة الآن مقلدة الظباء ومحاولة أكل العشب، ومارلا منقضّة لإنقاذها، وعبر نحو تجهيز الحدادة الخشنة قرب النار المركزية. كان فارن هناك بالفعل، يغذي اللهب بغصن نحيل، وشعره رطب بعرق الصباح. كانت الوردة المرتجلة أشبه بحفرة مسورة بعناية من طبقة فحم وبعض الحجارة لتركيز الحرارة، لكنها كانت بداية. جلست قطع الخامات في كومة مرتبة بجانبها.
صخرة حديد رمادية مخترقة بعروق من الأزرق الباهت وبريق خفيف يلتقط الضوء. قطع العنصري الميت، المخفض الآن إلى مادة خام.
قال جيمس وهو يلتقط إحدى القطع: "صباح الخير".
كانت أثقل مما تبدو.
"كيف حال النار؟"
قال فارن: "حارة بالقدر الكافي".
حمل صوته هدوءاً لم يسمعه جيمس منه من قبل، شيئاً راسخاً ومؤكداً.
"سنرى إن كانت حارة كفاية لهذا الحجر المعاند".
أخذ الخام من يدي جيمس ووضعه قرب الفحم، ثم مد يده لأخرى. تغيرت حركاته أيضاً. أكثر تعمداً. كان هناك ثبات جديد في طريقة حمله للصخور، كأنه يفهم شيئاً عنها الآن لم يفهمه من قبل. الإشعار الذي صرخ به عملياً بالأمس لا يزال يتردد في ذاكرة جيمس. اكتسب مهنة: حداد. اكتسب مهارة: تشغيل المعادن – مستوي 1. لائمته.
حس المعادن والحداد، زوج من السمات الملتصقة بنظافة، مانحة فارن طريقاً ليمشي فيه لا مجرد «محارب جريح سابق يحاول أن يكون مفيداً».
بمراقبته الآن، ووجهه مضاء بالنار، وعيناه تعكسان البرتقالي والأزرق، شعر جيمس برضا صغير وهادئ. لقد فعل ذلك. ليس وحده، فالظروف، وجذر القلب، والعالم، كلها وضعت أيديها في الأمر، لكنه دفع الأمور. بارك فارن في اللحظة المناسبة. وفر الخام والعذر للعمل به. أحياناً يعني كونك زعيماً دفع الناس خارج الأنفاق المحترقة. وفي أحيان أخرى يعني تسليمهم مطرقة والانتظار. استدار مع اقتراب خطوات.
أقدم ألدر وتريل جنباً إلى جنب، وكان الثنائي المألوف منتصف جدال بالفعل.
كان ألدر يَقُول: "…إن أمَلنا العوارض هكذا فسيترهل السقف. لا تريد ترهلاً يا تريل".
تذمر تريل: "لا أعرف ما الترهل، لكنني أعرف أن جعلت الجدار طويلاً جداً، فسيسقط، وسأكون تحته".
ابتسم جيمس.
"توقيت مثالي. سنبني ملعبكم اليوم".
أشرق الرجلان، ونسي الجدال.
سأل ألدر بعينين واسعتين بأمل: "الورشة؟"
أومأ جيمس.
"بافتراض ألا تنفجر حين أرسمها. خطر دائم دائماً".
نقرت واجهته بدفعة عقلية. انزلق اللوحة الشفافة المألوفة الآن إلى عين عقله، محلقة على حافة رؤياه. أيقونة مخطط الورشة، التي كانت عنيدة الحمرة لأيام، أهتزت بلرق مزرق مرضي. ملاحظة صغيرة تنبض بجانبها، مسردة المتطلبات بخطوط مرتبة. إطار خشبي — منجز. أساس حجري — منجز. مفصلات حديدية — منجز جزئياً. أدوات حديدية — منجز جزئياً. محطات معينة — قابلة للتخصيص.
قال: "حسنأ. أنت الاثنين، معي. يا فارن، استمر في استدراج ذلك الخام لشيء لا يبدو كصخرة. سنحتاج للمفصلات والمسامير عاجلاً مما تظن".
قال فارن مع نصف ابتسامة بدت لا تزال غريبة ورائعة على وجهه الكئيب سابقاً: "حاضر، أيها الزعيم".
قاد جيمس ألدر وتريل نحو الحافة القصوى للساحة، حيث تتباعد الأشجار وترتفع الأرض بما يكفي لإعطاء إحساس بالانفصال عن مساحات المعيشة. كان المكان الأفضل للضوضاء والدخان والفوضى المتنوعة لصنع الأشياء. أثناء سيره، تجاوز منطقة التدريب التي ادّعاها روغان. وقف روغان عند أحد طرفي دائرة معلمة بخشونة، قدمه مثببتان، ودرع مربوط بذراعه. شيء مثير للشفقة مصنوع من ألواح خشنة صنعها ألدر سريعاً بعد إصرار روغان، ورمحه الموثوق في يده الأخرى.
لا يزال الرجل يتحرك بخشونة أحياناً، فالجروح القديمة لم تُنسَ بالكامل، لكن الضوء الذي وضعه جيمس فيه ببركة البطل ظل بطرق أكثر من الشعر المتوهج. كان هناك ثبات الآن، طريقة معينة لفرد كتفيه بدت... أكبر. مقابله، اندفع كيرين إلى الأمام في ضبابية من الحركة. توهجت طاقة خضراء على طول رمحه الخشبي، غير مرئية تماماً لكنها ملموسة في الطريقة التي بدا الهواء يتموج بها. استهدف فتحة في جانب روغان، وانزلق درع روغان إلى مكانه قبل لحظة من الاصطدام، ممتصاً الضربة بصوت خافت أصم.
لم يلمع الدرع بشظايا ذهبية الآن، لكن جيمس كاد يرى أين علم حصن شظية الشمس جسم روغان كيف يتحرك، كيف يسمح للقوة بالتدفق عبره بدلاً من مقاومتها.
أصدر روغان صوت غضاضة: "مجدداً".
تأوه كيرين وأطاع. على الجانبين، راقبا مود وهافليك بتعبيرين مختلفين. احترقت عيناها مود بعزم، وأصابعها تنثني على عمود عصا تدريبها كأنها تحك للانقضار. بدا هافليك، عريض الكتفين، أصغر من روغان لكن أكبر من كيرين، بنظرة مذهولة دائماً، أقل تأكداً. قبضة يده على سلاحه الخشبي تحركت بين شديد الإحكام وفضفاض جداً، خانة التوتر.
ناديا روغان: "تبادلا. مود وهافليك".
أطلقت مود نظرة شوق نحو خط الشجر حيث اختفى برين في وقت مبكر من ذلك الصباح، متوجهاً للصيد. لقد جادلت، لفترة وجيزة، للانضمام إليه، مستشهدة بمهنتها الجديدة كمقاتلة ومهاراتها بابتسامة ساطعة ومتلهفة. ثبتها روغان بنظرة ثابتة وأشار إلى دائرة التدريب.
قال لها: "تريدين القتال بجانبه. إذن تتعلمين القتال هنا أولاً".
الآن دحرجت كتفيها للخلف، وخطت للأمام، واستقرت في وضعية تعرفها من مشاهدة حركة القدمين وهي تصحح مركز ثقلها مراراً وتكراراً أثناء التدريب. وُضعت قدماها أوسع قليلاً، ركبتان ناعمتان، والعصا مستقرة منخفضة وجاهزة. ومض غريزة المقاتل على حافة وضعيتها أيضاً، مما جعلها تلقي نظرة ليس فقط على روغان بل على الميدان بأكمله، ومواقع الأصدقاء والأعداء المتخيلين.
قال لها روغان: "تنفسي".
ثم التفت إلىهافليك.
"وأنت توقف عن التفكير في قدميك كأنهما صخور وابتكر كأنهما جزء منك. حركهما".
بلع هافليك لعابه بصعوبة لكنه أومأ. راقبهم جيمس يبدؤون النزال، متخبطين في البداية، ثم يجدان إيقاعاً بالتدريج. ظهرت مهارة كسر الحراسة لدى مود في طريقة نقلها عصاها من صد دفاعي إلى ضربة سريعة ومفاجئة، مختبرة ردود أفعال هافليك. تعثر، واستعاد توازنه، وتمكن من توجيه نقرة خاطفة على كتفها جعلتها تبتسم رغم الكدمة. لم يكونا مقاتلين بعد. لكنهما كانا يصبحان. تركهما لما هما فيه ووصل إلى البقعة التي اختارها قبل أيام في عقله.
أرض عارية، لا صخور، مساحة كافية لبصمة قدم كبيرة وأكثر. وقفت الأشجار في الخلف هنا متباعدة أكثر، مسمحة لضوء الشمس المبرقش بطلاء التربة بالذهب والظلال.
سأل تريل، محملقاً في الفضاء الفارغ كأنه يتوقع الورشة هناك بالفعل: "هنا؟"
أكد جيمس: "هنا. تراجع قليلاً. المرة الأخيرة التي حاولت فيها رسم مخطط كبير بينما كنت مرهقاً، كدت أسقط من خلاله".
استنشق ومد يده للمخطط. تحركت المانا بداخله، لم تعد مسلوخة نيئة لكنها لا تزال حذرة، كالعضلات بعد تمرين شاق. استدرجها برفقة، موجهاً التدفق لأنماط مألوفة. انفتحت الخطوط والزوايا في عقله، وارتفع تصميم الورشة من مفهوم إلى هيكل. كان أكبر مما تصوره في البداية.
في اللحظة التي النقر فيها على «محطات متعددة»
في واجهته، انفتحت مجموعة كاملة من الخيارات الجديدة، كبرنامج تصميم هندسي يفتح ميزات متقدمة فجأة. اتخذ الجسم الرئيسي للمبنى شكل مستطيل طويل، مكونا أساسته من كتل حجرية تشكل منصة مرتفعة لمنع الرطوبة. تصطف أعمدة خشبية سميكة على الحواف الخارجية، مغمورة عميقاً في الأرض، ومتصلة بعوارض متقاطعة ستدعم سقفاً منحدراً من القش والقرميد الخشبي. في أحد طرفي المستطيل، امتد جناح أقصر آخر بزاوية قائمة، مشكلاً شكل حرف إل، مستقبل الحدادة ومنطقة الدباغة، حيث يمكن تصريف الدخان والرائحة بعيداً عن مساحة العمل الرئيسية.
على الذراع الأطول، رتب المحطات. على جانب واحد قرب المدخل، خليج نجارة لألدر: طاولة عمل طويلة بها فتحات للأدوات، وحصان منشار، ومساحة لتكديس الأخشاب تحت سقف ناتئ. سيقع الضوء من فتحات بسيطة على سطح العمل، وهناك مساحة لألدر لنشر الألواح دون التعثر في قدميه. بجانبه، منطقة أعمال الحجارة لتريل: طاولة أقصر وأكثر متانة أخفض إلى الأرض، مع منطقة مجوفة للنحت والطرق. ستعلق الرفوف على الجدار خلفها للمطارق والأزميل حال وجودها.
ستملأ حوضة قريبة بالماء لغمس الأدوات الساخنة أو غسل الغبار. الجناح الأقصر، المشكل لقمة حرف إل، احتضن حدادة عارية العظام. هنا، حدد مساحة لورشة حجرية حقيقية يوماً ما، لكن المخطط أشار ببساطة إلى موقد معزز، وقناة مدخنة ترتفع عبر السقف، كتلة سندان سميكة. عانقت محطة فارن الجدار الخارجي المفتوح، مسمحة للحرارة والدخان بالهروب بسهولة. تدلت الخطاطيف من العوارض المتقاطعة فوقها لتعليق الأدوات والأعمال المعدنية.
مقابل منطقة الحدادة، قرب الزاوية البعيدة حيث ينحني الجناح عائداً نحو القاعة الرئيسية، وضع محطة دباغة هارلون. قسم من السقف بفتحات تهوية أكثر انفتاحاً، ومجموعة من الأوتاد لمد الجلود، وطاولة ثقيلة مائلة قليلاً جداً لتصريف السوائل إلى خندق تصريف حدده بالخارج. جعد أنفه حتى في التخيال؛ ستشم رائحة الدباغة، لكن على الأقل لن يفوح ذلك مباشرة في البيوت الطويلة النائمة. في الزاوية الداخلية لحرف إل، المحمية من أسوأ الرياح، حفر مساحة أهدأ لأعمال القماش والجلود الخاصة بميرا.
طاولة عمل ملساء تحت نافذة. رفوف للجلود المطوية والنسيج الملفوف. خطاطيف للخيوط، وإبر العظم، وأي أدوات ستتطلبها مهارتها النامية لاحقاً. يمكن ستارة المنطقة إذا لزم الأمر، مانحة إياها الضوء والخصوصية للعمل. بين كل هذا، ترك أرضية مفتوحة مشتركة، واسعة بما يكفي ليتحرك ثلاثة أشخاص متجاوزين بعضهم حاملين مواد دون إعاقة أحد في جدار. كان هناك مكان لكل شيء ومساحة للنمو حين يبتكرون حتماً مهناً أكثر لتكدس الفضاء.
تصلب المخطط. دفع. تدفقت المانا منه وإلى العالم، خيوط تنسج، خطوط ضوء ترسم نفسها على الأرض العارية. كان يمنحه دائماً إحساساً بالدوار والخلع، مراقبة شيء لا يراه سواه ليصبح شيئاً يراه الجميع. ظهرت جدران شفافة ترتجف بضوء أزرق وأبيض باهت، وارتفع هيكل الورشة في الساحة. توهجت بصمة حرف إل، الحواف دقيقة، وكل عود وعمود مرسوم بالضوء، يحلق فوق التراب. أطلق ألدر صفيرة خفيضة.
قال بوقار تقريباً: "إنه... كبير".
قال تريل وعيناه تلمعان: "إنه جميل. وأيضاً كبير".
ترنح جيمس قليلاً مع انتهاء رسم آخر الخطوط. علق المخطط هناك كطيف لعمل مستقبل، باهتاً بما يكفي ليظل قادراً على رؤية الأشجار من خلاله لكنه صلب كفاية لدرجة أنه حين مد يده، التقت يده مقاومة باردة وموخزة. تنهد ببطء.
قال: "هناك. ملعبكم".
نبض لومين بموافقة هادئة فوق كتفه.
قال المرافق: "أحسنت. لقد صنعت عظاماً مناسبة لقريتك".
قال جيمس: "إطراء رفيع مرتين في صباح واحد. لابد أننا نفعل شيئاً صحيحاً".
جذب الورشة المرتجفة الانتباه كجمار نار في الظلام. تراجع القرويون واحداً تلو الآخر عن مهامهم. جاءت ميرا بشعرها المربوط خلفاً، وعيناها ساطعتان حين رصدت الزاوية التي ستكون لها. تبعها هارلون، وما زالت يداه برائحة طفيفة من الجلود المعالجة. حتى مارلا جاءت، وحصاة على وركها، وتسمر الاثنان متطلعين إلى المبنى الطيفي بعينين واسعتين.
قالت مارلا وهي تحلق عينيها في جناح الحدادة: "ستكون صاخبة. ومملوءة بالدخان".
قال جيمس: "لهذا وضعتها هنا. بعيداً عن نومكم. بعيداً عن محاولة حصاة أكل كل شيء".
مدت حصاة يدها نحو الخطوط المتوهجة لجدار وربتت عليه. انزلت يدها عبر الضوء كأنما عبر الماء. ضحكت وتلفتت، مطالبة بإنزالها. حين أطاعت مارلا، تمايلت حصاة داخل المبنى غير المرئي، متخبطة بين عوارض لم تكن موجودة بعد. تبعهما آخرون، خطين عبر جدران الطيف، مادين أيديهم، ومقيسين الطاولات التخيلية بأيديهم. امتلاء الهواء بطنين التخمين، أين تعلق هذا، كيف تككدس ذاك، وما الذي قد يحتاجونه أيضاً.
راقب جيمس كل ذلك بشعور لم يمتلك له كلمة واحدة مفردة. الفخر، بالطبع. الارتجاع. وخيط رفيع من الخوف يمر عبر كل ما يفعله الآن. كل مخطط يرسمه، كل مهارة يفتحها، وكل قرار يتخذه يدفع القرية خطوة أخرى إلى الأمام. ورسم أيضاً هدفاً أسطع عليهم. أزاح تلك الفكرة الأخيرة جانباً الآن. سيكون هناك وقت كافٍ للقلق بشأن الأهداف. انساب الظهيرة إلى المساء في ضباب من الاستعدادات. تجادل ألدر وتريل بحب حول أي مهمة ينبغي أن يبدآ بها.
عاد فارن إلى الموقد ليستدرج المعدن إلى مسامير وعوارض بدائية. صرف روغان تدريب الصباح بأوامر للعودة بعد الطعام لمجموعة أخرى من التدريبات. تأوهت مود لكنها ابتسمت، الابتسامة التي تقول إنها وجدت شيئاً لم تكن تعلم أنها تحتاجه. لم يعد برين بعد من الصيد، لكن ذلك لم يكن غير مألوف. يمكن للرجل أن يختفي في الأشجار لساعات، متبوعاً فقط بالطنين الخافت لزخم المراوغة الخاص به لإبقائه بعيداً عن متناول المخالب.
تفقد جيمس مانا الخاصة به مرة، فقط للتأكد من أنه لا يشعر بأي شيء شبيه بالعنصري، ولم يجد سوى النثر المعتاد للوحوش الصغيرة. انخفضت الشمس ببطء نحو الأفق، محولة جذوع الأشجار إلى أعمدة من الكهرمان والظلال. التقط جذر القلب الضوء وتوهج، واشتعلت أوراقه بنار ذهبية انتشرت عبر الساحة، طالياً الجميع بلون دافئ. استيقظت يراعات مانا تماماً بالقرب من الغسيل، وفتحت الأجنحة وأغلقت، ملقية بريقاً ناعماً.
وقف جيمس على حافة الورشة الوهمية، متتبعا خطاً آخر في عقله، معدلاً نافذة بنصف شبر بحيث يسقط ضوء الصباح بالشكل الصحيح على طاولة ميرا. كانت تفصيلاً صغيراً ومزعجاً، وبالتحديد النوع الذي يجعله يشعر بأنه حي.
لاحظ لومين: "أنت تبتسم".
قال جيمس: "أفكر في مقدار ما كنت سأتقاضاه لقاء هذا التصميم في الوطن. أو عدد الرسائل المزعجة التي كان سيستغرقها جعل هذا الفريق يتفق على أي شيء".
قال لومين بجفاف: "نعم. لقد كنت مهمًا جداً في عالمك. الآن أنت مهم في هذا بالطريقة التي تهم حقاً".
أطلق جيمس هسيس ضحكة، هواءً أكثر من كونه صوتاً.
"لا تدع ذلك يذهب إلى رأسك، يا مصباح الإضاءة".
صاح أحدهم بالقرب من خط الشجر. لم تكن صرخة الذعر الحادة التي ربطها بالوحوش، بل كانت أقصر، وانقطعت بسرعة. تبعها لعنة متمتمة، ثم حفيف أحدهم وهو يدفع طريقه عبر الشجيرات. التفت كل رأس نحو الصوت. خرج برين من خط الشجر، وبنظرة أولى بدا كأي مساء آخر عائد من الصيد. كانت لديه بضعة أرانب معلقة من حزامه بأطرافها الخلفية، وفراء ملبد بدم جاف. وكان شعره مبعثراً، وخديه متوردين، وتنفسه سريعاً قليلاً من المشي.
خطا ثلاث خطوات إلى الساحة قبل أن ينحل الفارق. كان الدم يتسرب أسفل ذراعه اليسرى بخط ثابت، مبللاً جانب تونيكه، ومقطراً من أصابعه. كان كتفه أداكن، رقعة متسعة حيث يلتصق القماش برطوبة. كان فكه مشدوداً بخط ضيق، وعيناه تمسحان الساحة حتى وجدتا جيمس. رأته مود قبل أي شخص آخر بفترة نبض قلب. كانت تساعد هافليك على مد ساق متألمة قرب دائرة التدريب والآن تجمدت، وسقطت العصا من يديها لتصطدم بالتراب.
تنفست: "برين"، ومن ثم كانت ترقض، عابرة المسافة بينهما بلا أي من خشونة تدريبها السابق.
ذهبت يد روغان تلقائياً حيث سيكون رمحه لو كان يرتديه، وضيقت عيناه. استقامت إرلا، التي كانت تتحدث بلطف مع فارن قرب النار، كأن خيطاً قد سحب على طول عمودها الفقري. التقت عيناها، اللتان لا تزالان محاطتين بظلال باهتة من المانا التي أحرقتها في الأنفاق، بالدم. لم يتحرك جيمس في البداية. لم يكن ينظر إلى جرح برين. كان ينظر إلى يد برين الأخرى. كانت يد القائد اليمنى مقبوضة بشدة بيضاء مفاصل حول شيء طويل ونحيل.
أثناء مشيه، حافظ على ذراعه بزاوية محرجة لكي لا يصتدم الشيء بساقه. حين اقترب أكثر، رأى جيمس الشكل بوضوح. سهم. كان العمود أملساً، مستقيماً، بريش داكن. وكان الرأس مصنوعاً من حجر أسود مصقول، ونظيفاً بشراسة حتى مع تلطخه بالدم. لقد كسر نصفين، لا بد أن برين قد كسره لسحبه بحرية، لكن حتى محطماً، بدا شيئاً متعمدًا مصنعاً، لا شيئاً منحوتاً على عجلة حول نار. التقت عيناهما. في تلك اللحظة، لم تكن هناك حاجة لكلمات.
لقد تيبس وجه برين، الذي كان عادة منفتحاً وسهلاً، وضغط فمه بخط رفيع. وخز الخوف هناك، والغضب، وشيء شبيه بعدم التصديق. شعر جيمس بمعدته تتحول إلى جليد. أطلق أحدهم النار على صياده. أحدهم برؤوس سهام مزورة وخشب مقطوع ومسافة كافية لكي لا يُرى. أحدهم قريب كفاية لتعقب برين في الغابة. أحدهم واعي بما يكفي للتصويب. ألاحظ أحدهم قريتهم النامية. دفعة واحدة، بدا نبض جذر القلب اللطيف، والزهور المرنمة، والثرثرة المثارة حول الورش ومراعي الظباء كحلم مفروش فوق شيء حاد.
خطا جيمس للأمام لمقابلة برين، وكان طيف الورشة يرتفع بصمت عند ظهره.
قال بصوت ثابت، وكل كلمة وُضعت بعناية، واحدة تلو الأخرى، كالحجارة في جدار: "دعنا نصلح جرحك. وحينها ستخبرني تماماً أين وجدت هذا".
برق السهم بلادة في يد برين، ملتقطاً آخر ضوء للشمس الغاربة.