الفصل 3 : مدينة أستريا
ساد الصمت…
ولم يبقَ في المكان سوى أنفاس الرجال المتقطعة.
تبعثرت أسلحة قطاع الطرق على الأرض، بينما فرّ من بقي منهم إلى داخل الغابة بعد أن أدركوا أنهم لا يستطيعون الوقوف في وجه الرجل الذي ظنوه مجرد مزارع.
أعاد رولاند سيفه إلى غمده ببطء.
رنّ صوت احتكاك النصل بالغمد، ليكسر الصمت الذي خيم على الطريق.
اقترب من العجوز الذي كان مستلقيًا على الأرض، ثم مد يده إليه.
"هل تستطيع الوقوف؟"
نظر الرجل العجوز إليه بذهول، قبل أن يمسك بيده.
"ن… نعم."
ساعده رولاند على النهوض، بينما أسرعت زوجته نحوه وهي تبكي.
"هل أنت بخير؟!"
ابتسم العجوز ابتسامة مطمئنة.
"أنا بخير… لا تقلقي."
في هذه الأثناء…
نزل غاريث من العربة مسرعًا، وما إن تأكد من هروب قطاع الطرق حتى أطلق زفرة ارتياح.
"لحسن الحظّ…"
ثم نظر إلى رولاند وهز رأسه.
"قلت لك إنهم خمسة."
ابتسم رولاند ابتسامة هادئة.
"لكنهم هربوا في النهاية."
تنهد غاريث.
"في كل مرة أفكر أنك أصبحت مزارعًا عاديًا… تذكرني بأنك ما زلت كما كنت."
لم يجب رولاند.
واكتفى بابتسامة خفيفة.
أما لوثر…
فكان لا يزال واقفًا بجانب العربة، وعيناه مثبتتان على والده.
"ما زلت غير قادر على استيعاب ما رأيته…"
"لم تكن مجرد سرعة."
"بل كانت كل حركة محسوبة بدقة."
"لم يهدر أي طاقة…"
"ولم يقم بأي حركة زائدة."
خفض لوثر نظره قليلًا.
"هذا ليس أسلوب شخص تعلم استخدام السيف للدفاع عن مزرعته."
"إنها مهارة صُقلت عبر معارك حقيقية."
نظر إلى رولاند مرة أخرى.
"من أنت حقًا يا أبي…؟"
قطع أفكاره صوت الرجل العجوز.
اقترب العجوز من رولاند، ثم انحنى احترامًا.
"لقد أنقذت حياتنا."
انحنت زوجته هي الأخرى.
"ولولا تدخلك… لكنا فقدنا كل شيء."
ابتسم رولاند بخجل، ولوّح بيده نافيًا.
"لا داعي للشكر."
"أي شخص كان سيفعل الشيء نفسه."
هز العجوز رأسه.
"لا…"
ثم نظر إلى جثث قطاع الطرق الملقاة على الأرض.
"ليس كل شخص يستطيع فعل ما فعلته."
ساد الصمت للحظات.
ثم اقترب سائق العربة، الذي كان قد استعاد وعيه، وانحنى هو الآخر.
"أشكرك سيدي."
ربت رولاند على كتفه.
"هل تستطيع قيادة العربة؟"
أومأ الرجل.
"بعض الكدمات فقط… سأكون بخير."
ابتسم رولاند.
"هذا جيد."
نظر غاريث إلى الشمس التي بدأت ترتفع في السماء.
"علينا أن نتحرك."
"إذا تأخرنا أكثر، فسنصل إلى أستريا بعد الظهيرة."
أومأ رولاند.
"معك حق."
وقبل أن يصعد إلى العربة…
ألقى لوثر نظرة أخيرة على مكان المعركة.
"هذا العالم…"
"أخطر بكثير مما ظننت."
"حتى الطريق بين القرى والمدن لا يخلو من قطاع الطرق."
ثم نظر إلى ظهر والده، الذي كان يسير بهدوء وكأن ما حدث قبل لحظات كان أمرًا اعتياديًا.
"والأهم من ذلك…"
"يبدو أن والدي يخفي قصة لم يخبرني بها بعد."
ابتسم لوثر ابتسامة خفيفة.
"لا بأس…"
"سأعرف الحقيقة يومًا ما."
استمرت العربة في السير لساعات، بينما أخذت الغابات الكثيفة تتلاشى تدريجيًا، لتحل محلها طرقٌ مرصوفة بالحجارة يكثر المرور فيها.
ازدادت العربات القادمة والمغادرة.
وتعدد المسافرون والتجار، حتى أصبح الطريق يعج بالحركة.
كان لوثر يراقب المشهد بصمت من فوق العربة.
"كلما اقتربنا…"
"ازدادت الحركة."
"يبدو أن أستريا ليست مدينة صغيرة."
وبعد دقائق…
ظهرت أمامهم أسوار حجرية شاهقة امتدت لمسافات طويلة، تعلوها أبراج مراقبة يقف فوقها عدد من الحراس المدرعين.
وفي منتصف السور…
وقف بابٌ حديدي ضخم، تتدفق عبره العربات والقوافل دون انقطاع.
ارتفعت عينا لوثر قليلًا.
"هذه هي… مدينة أستريا."
"أول مدينة أراها منذ ولادتي في هذا العالم."
تباطأت العربة حتى وصلت إلى البوابة الرئيسية.
ألقى أحد الحراس نظرة سريعة على غاريث، ثم ابتسم.
"عدت مرة أخرى يا غاريث."
ضحك غاريث وهو يرفع يده.
"وكالعادة… محمل بالبضائع."
ابتسم الحارس.
"مرورك مسموح."
تحركت العربة مجددًا، وعبرت البوابة الحجرية.
وما إن دخلوا المدينة…
حتى اتسعت عينا لوثر.
امتدت الشوارع المرصوفة بالحجارة في جميع الاتجاهات، واصطفت على جانبيها المباني ذات الطابقين والثلاثة طوابق.
انتشرت المتاجر بأشكالها المختلفة.
محال لبيع الملابس…
ومحال للأسلحة…
وأخرى للأعشاب والأدوية…
وكان الباعة ينادون على بضائعهم بصوت مرتفع، بينما ازدحم الطريق بالسكان والمسافرين والمغامرين.
"إنها…"
"أكبر بكثير مما توقعت."
كان ينظر في كل اتجاه، محاولًا حفظ كل تفصيل تقع عليه عيناه.
لاحظ رجالًا يحملون السيوف على ظهورهم.
ورأى امرأة ترتدي رداءً طويلًا تتدلى من خصرها عصا سحرية.
كما شاهد مجموعة من الأطفال يركضون في الأزقة وهم يضحكون.
"إذن…"
"هكذا تبدو مدن هذا العالم."
توقفت العربة أخيرًا أمام مبنى حجري كبير تحيط به صناديق خشبية وعربات نقل عديدة.
أمسك غاريث باللجام ثم التفت إلى رولاند.
"وصلنا."
قفز من فوق العربة بخفة.
"يجب أن أسلّم البضائع أولًا."
نظر إلى المبنى أمامه، ثم عاد بنظره إليهما.
"لن يستغرق الأمر وقتًا طويلًا."
ابتسم رولاند.
"لا بأس."
أضاف غاريث وهو يشير إلى الشارع الرئيسي.
"يمكنكما التجول قليلًا، وسأعود إلى هنا فور انتهائي."
أومأ رولاند.
"سنكون في السوق."
ابتسم غاريث.
"إذن سنلتقي بعد قليل."
حمل بعض الوثائق، ثم اتجه نحو المبنى بخطوات سريعة، بينما بدأ العمال بإنزال الصناديق من العربة.
نظر رولاند إلى لوثر.
"هيا."
قفز لوثر من العربة إلى الأرض.
وما إن وطئت قدماه شوارع أستريا…
حتى شعر بشيء مختلف.
"إذن…"
"هذه أول مرة أقف فيها داخل مدينة في هذا العالم."
ابتسم رولاند وهو يربت على كتف ابنه.
"لنذهب."
سار الاثنان جنبًا إلى جنب، بين الزحام المتزايد، بينما كانت أعين لوثر تتنقل بين المباني والمتاجر والناس في كل اتجاه.
توقف رولاند أمام متجرٍ كبير تفوح منه رائحة الخبز والتوابل.
رفع سلةً خشبية كانت معه، ثم نظر إلى لوثر.
"سأشتري ما نحتاجه للمنزل."
أشار إلى الشارع الواسع أمامهما.
"لكن لا تبتعد كثيرًا."
أومأ لوثر برأسه.
"حسنًا يا أبي."
ابتسم رولاند، ثم دخل المتجر واختفى بين الزبائن.
…
وقف لوثر في منتصف الشارع، ينظر حوله بانبهار.
كانت المدينة تعج بالحياة.
باعة ينادون على بضائعهم.
أطفال يركضون بين الأزقة.
ومغامرون يحملون السيوف والدروع على ظهورهم.
"إنها مختلفة تمامًا عن قريتنا…"
"كل زاوية هنا تحمل شيئًا جديدًا."
بدأ يسير ببطء، يتأمل واجهات المتاجر واللافتات المعلقة فوقها.
مر بجانب محل للأسلحة.
ثم محل لبيع الكتب.
ثم متجرٍ للأعشاب الطبية.
"مدينة واحدة…"
"لكنها تضم كل ما يحتاجه الإنسان."
وبينما كان يتجول…
وصل إلى زقاقٍ جانبي هادئ، بعيدٍ عن ازدحام الشارع الرئيسي.
وفجأة…
سمع صوتًا مرتجفًا.
"أ… أرجوكم…"
توقف لوثر في مكانه.
نظر داخل الزقاق.
كانت طفلة صغيرة، لا يتجاوز عمرها سبع سنوات.
شعرها فضي طويل يصل إلى كتفيها، وعيناها بلون الزمرد، وترتدي فستانًا أبيض بسيطًا تتدلى منه حقيبة صغيرة.
كانت تضم الحقيبة إلى صدرها بخوف.
وأمامها…
وقف رجلان ضخما البنية.
قال أحدهما بابتسامة خبيثة:
"أعطينا الحقيبة، وسنتركك ترحلين."
هزت الطفلة رأسها بقوة.
"لا… إنها هدية من أمي."
ضحك الرجل الآخر.
"إذن سنأخذها بالقوة."
تقدم خطوة نحوها.
لكن…
"ابتعدا عنها."
استدار الرجلان في الوقت نفسه.
كان لوثر يقف عند مدخل الزقاق، ينظر إليهما بهدوء.
رفع أحد الرجلين حاجبه ساخرًا.
"ومن أنت؟"
أجاب لوثر بصوتٍ ثابت.
"اتركا الفتاة."
انفجر الرجلان بالضحك.
"هاهاها!"
قال الأول ساخرًا:
"هل جاء طفل لينقذها؟"
خفض لوثر نظره قليلًا.
"لا أستطيع استخدام العناصر…"
"ولا حتى أبسط التعويذات."
أغلق عينيه للحظة.
"لكن…"
"ما زلت أستطيع استخدام المانا بطريقة واحدة."
بدأت كمية قليلة من المانا تتدفق من قلبه السحري.
وانتشرت داخل عضلاته وعظامه.
"تعزيز الجسد…"
"لن يدوم طويلًا…"
"لكن هذه الكمية تكفي."
فتح عينيه.
وفي اللحظة التالية…
اندفع إلى الأمام.
"هاه؟!"
لم يتوقع الرجل الأول سرعته.
استدار لوثر بجسده، ثم وجّه ضربة بكفه إلى أسفل ذقنه.
بــاخ!
ارتفع رأس الرجل إلى الخلف، واختل توازنه قبل أن يسقط على الأرض فاقدًا للوعي.
اتسعت عينا الرجل الآخر.
"أيها الوغد!"
رفع قبضته، ثم اندفع نحو لوثر.
مال لوثر بجسده إلى الجانب، فتجاوزته اللكمة.
ثم وجّه ضربة إلى بطنه.
لكن…
أمسك الرجل بذراعه في اللحظة الأخيرة.
"أمسكت بك!"
ابتسم الرجل بسخرية، وأخرج خنجرًا صغيرًا من خصره.
لوّح به بسرعة.
ششش!
تراجع لوثر للخلف.
إلا أن نصل الخنجر مر بمحاذاة ذراعه اليسرى.
تمزق جزء صغير من كم قميصه.
وسالت قطرة دم رقيقة من جرحٍ سطحي.
"تشي…"
"ردة فعلي أبطأ بسبب هذا الجسد."
لم يمنح خصمه فرصة أخرى.
ركز ما تبقى من المانا في ساقيه.
ثم انطلق للأمام بسرعة مفاجئة.
وقبل أن يتمكن الرجل من رفع خنجره…
استدار لوثر نصف دورة، وضربه بكوعه مباشرةً على جانب عنقه.
طاخ!
انقلبت عينا الرجل.
وترنح خطوتين.
ثم سقط أرضًا فاقدًا للوعي بجوار رفيقه.
ساد الصمت في الزقاق.
بدأت المانا التي تغلف جسد لوثر تتلاشى تدريجيًا.
تنفس بعمق.
"كما توقعت…"
"حتى هذا القدر البسيط من التعزيز يستنزف ماناي بسرعة."
اقتربت الطفلة منه بخطوات مترددة.
كانت لا تزال تمسك حقيبتها بقوة.
ثم انحنت باحترام.
"شكرًا لك…"
ابتسم لوثر ابتسامة هادئة.
"لا بأس، لقد انتهى الأمر."
رفعت الطفلة رأسها.
"اسمي…"
ترددت للحظة، ثم ابتسمت.
"إيليا."
أومأ لوثر برأسه.
"اسم جميل."
ابتسمت إيليا ابتسامة مشرقة.
"لن أنسى ما فعلته من أجلي."
ثم لوحت له بيدها الصغيرة.
"إلى اللقاء."
استدارت، وخرجت من الزقاق راكضة، حتى اختفت بين شوارع مدينة أستريا.
أما لوثر…
فنظر إلى الجرح الصغير في ذراعه، ثم تنهد.
"يبدو أنني سأحتاج إلى إخفاء هذا عن أبي…"
ثم غادر الزقاق بهدوء، متجهًا نحو المتجر الذي دخل إليه رولاند قبل دقائق.
غادر لوثر الزقاق بخطوات هادئة، متجهًا نحو الشارع الرئيسي.
كان يضع يده اليسرى داخل جيب سترته الصغيرة، يخفي بها الجرح السطحي الذي أصابه قبل قليل.
نظر إلى ذراعه سريعًا.
"الجرح ليس عميقًا…"
"لكنه إذا رآه أبي، فسيمطرني بالأسئلة."
ابتسم ابتسامة خفيفة.
"من الأفضل أن أبقي ما حدث سرًا."
واصل السير بين الزحام، حتى وصل إلى متجر الطعام الذي دخل إليه رولاند قبل قليل.
وفي اللحظة نفسها…
فُتح باب المتجر.
خرج رولاند وهو يحمل كيسين كبيرين ممتلئين بالطعام، وقد علقهما على كتفيه بسهولة.
ما إن رأى لوثر حتى ابتسم.
"ها أنت هنا."
اقترب لوثر منه.
"انتهيت من شراء كل شيء؟"
أومأ رولاند.
"تقريبًا."
رفع أحد الأكياس قليلًا.
"اشترينا ما يكفينا للشهر القادم."
ثم ابتسم مازحًا.
"ويبدو أن أمك لن تقلق علينا لفترة."
ابتسم لوثر.
"ستكون سعيدة بذلك."
بدأ الاثنان يسيران وسط الشارع.
قال رولاند وهو ينظر إلى المتاجر على جانبي الطريق:
"بقي أن نشتري بعض الأدوات للمزرعة والمنزل."
أومأ لوثر.
"المحراث الجديد؟"
ابتسم رولاند.
"أحسنت، يبدو أنك كنت تستمع جيدًا أثناء حديثي مع والدتك."
أجاب لوثر بهدوء:
"لأنني أردت معرفة ما سنفعله اليوم."
ضحك رولاند بخفة.
"إذن سأعتمد عليك لتتذكرني إذا نسيت شيئًا."
ابتسم لوثر دون أن يعلق.
وبينما كانا يسيران…
ألقى رولاند نظرة جانبية على ابنه.
"كيف وجدت أستريا؟"
رفع لوثر رأسه، وأخذ ينظر إلى المباني والمتاجر المزدحمة.
"إنها أكبر بكثير مما توقعت."
هز رولاند رأسه.
"هذه ليست سوى مدينة متوسطة."
اتسعت عينا لوثر قليلًا.
"مدينة متوسطة؟"
أكمل رولاند:
"إذا سنحت لك الفرصة يومًا لزيارة العاصمة، فستدرك أن أستريا تبدو صغيرة مقارنة بها."
خفض لوثر رأسه مفكرًا.
"إذن… ما زال هذا العالم يخفي مدنًا أكبر بكثير."
ابتسم رولاند.
"أعجبك المكان، أليس كذلك؟"
أجاب لوثر بصدق:
"نعم."
ثم أضاف بعد لحظة:
"أريد أن أرى أماكن أكثر."
نظر إليه رولاند بابتسامة هادئة.
"ستراها."
"لكن لا داعي للاستعجال."
"العالم لن يهرب."
ابتسم لوثر ابتسامة خفيفة.
"بل أنا من سيذهب إليه."
وبينما كانا يواصلان السير…
توقف رولاند أمام متجرٍ واسع، عُلقت فوق بابه لافتة خشبية نُقش عليها:
"متجر هارولد للأدوات والحدادة."
من خلف الواجهة الزجاجية ظهرت محاريث جديدة، وفؤوس، ومطارق، ومناجل، إضافة إلى أدواتٍ زراعية مختلفة.
رفع رولاند نظره إلى اللافتة وقال:
"وصلنا."
ثم فتح باب المتجر، ودخل مع لوثر لشراء ما تبقى من احتياجات المنزل والمزرعة.