"أتريدين جرساً ثقيلاً؟"
سألت العجوز وهي ترفع حاجبها. عرفتها ليرا؛ إنها المسؤولة عن برج تخزين القصر. التقتها مرة عابرة حين ساعدتها تيسا في الحصول على زيّ الخادمة في يومها الأول. وكحال ليرا، كان من المفترض بالعجوز أن تلتزم بموقعها ولا تأتمر إلا بأمر كبير الخدم.
"أجل،"
أجابت ليرا بابتسامة لطيفة. تفرست فيها العجوز للحظة قبل أن ينجلي الغموض عن وجهها.
"أأنتِ مسؤولة المكتبة الجديدة؟"
"أنا هي،"
قالت ليرا وهي تومئ برأسها. عقدت العجوز ذراعيها.
"هلا أخبرتِني، ما حاجة مسؤولة المكتبة إلى جرس؟"
كانت ليرا تتوقع هذا السؤال بالطبع. أمضت طريقها من المكتبة وهي تختلق تفسيراً مقبولاً.
"عث،"
أجابت وكأن الأمر بديهي تماماً.
"عث؟"
كررت العجوز، ولم يبدُ عليها الاقتناع.
"أجل."
أومأت ليرا بجدية.
"لاحظتُ في الطابق العلوي كتباً تآكلت أوراقها جزئياً. أظن أن هناك تفشياً للعث في إحدى غرف التخزين العلوية. المشكلة أن العث لا ينشط إلا ليلاً، لذا لا أعثر عليه نهاراً أبداً."
بدا الارتباك على وجه العجوز أكثر.
"إذن... تنوين قرع الجرس حتى يستيقظ؟"
"تقريباً،"
أجابت ليرا بثقة تامة.
"العث حساس جداً للضجيج. إذا أزعجته بما يكفي، سيبدأ بالطيران، مما يسهل تحديد مكانه."
حدقت فيها العجوز لثوانٍ طوال. حافظت ليرا على ابتسامتها البريئة. في النهاية، هزت العجوز كتفيها.
"أظن أن إعارتكِ واحداً لن يضر، بشرط أن تعيديه لاحقاً. الأجراس ليست رخيصة، كما تعلمين. سنحتاج هذا الجرس مجدداً في مهرجان الاعتدال."
"بالطبع."
أومأت ليرا على الفور.
"سأعيده حالما أنتهي منه."
"اتبعيني."
قادتها العجوز بعيداً عن مكتب الاستقبال إلى إحدى غرف التخزين الجانبية. كان المكان يعج بخردة مرتبة. أعمدة إنارة قديمة تستند بانتظام إلى جدار بجانب أوانٍ رخامية مشروخة تنتظر الإصلاح. أحواض استحمام نحاسية ضخمة تشغل زاوية أخرى، بينما تدلت ثريات كريستالية من عوارض خشبية في الأعلى بعد أن أُنزلت خلال ترميمات سابقة. وعلى الجدار البعيد، تكومت هياكل أسرّة مفككة، وخزائن، وكراسٍ قديمة لا تزال تبدو متينة رغم قدمها.
علقت عينا ليرا بالأسرّة للحظة. في الواقع... يمكنها حل مشكلة أخرى لها وهي هنا. تقضي وقتاً طويلاً داخل المكتبة، وسيكون النوم في غرفة التخزين الضيقة بالأعلى مريحاً أكثر بكثير لو حظيت بسرير حقيقي بدل البطانيات المفروشة فوق طاولة خشبية. أشارت إلى أحد الهياكل الخشبية الصغيرة.
"لو أردتُ أحد تلك الأسرّة، كيف أطلب ذلك؟"
التفتت العجوز إليها.
"لكِ أنتِ؟"
"أجل. أقضي وقتاً طويلاً في العمل بالمكتبة، وأود تحويل إحدى غرف التخزين غير المستخدمة إلى غرفة نوم لائقة."
"همم."
فكرت العجوز في الأمر للحظة.
"احصلي على موافقة خطية من السيدة سيلين أو السيد دالوين. وحين تملكينها، أقنعي بعض الخدم بنقله إلى هناك."
"شكراً لكِ. سأفعل."
اختفت العجوز خلف رف آخر قبل أن تعود بعد لحظات، حاملة جرساً نحاسياً هائلاً. كان بحجم دلو تقريباً.
"أردتِه ثقيلاً."
تلقته ليرا بكلتا يديها وكادت تفقد توازنها. بدا النحاس أثقل بكثير مما يبدو عليه.
"شكراً."
احتضنت الجرس إلى صدرها، وشقت طريقها بحذر إلى الخارج. تجنبت عمداً الطريق المؤدي إلى المكتبة. توجهت عوضاً عن ذلك خلف إسطبلات القصر الملكي نحو بئر قديمة نادراً ما تُستخدم. وعلى عكس البئر الجماعية الكبيرة حيث تتجمع خادمات القصر لغسل الثياب طوال اليوم، كانت هذه البئر تخدم عمال الإسطبلات أساساً، إذ يستخدمونها عند الفجر والغسق لملء أحواض الخيول، مما يجعل المنطقة مهجورة معظم النهار.
بعد أن تفقدت المكان لتتأكد من خلوه، أزالت ليرا الدلو الخشبي المعلق بالحبل. وضعته جانباً بعناية. ثم ربطت الجرس بالحبل مكانه قبل أن تدليه ببطء في البئر. هبط الجرس النحاسي بثبات مدهش حتى استقر فوق سطح الماء الساكن. رضيت ليرا، وألقت نظرة أخيرة على ساحة الإسطبل الخالية، متأكدة من أن أحداً لن يشهد ما تفعله. مدت إصبعاً فوق البئر وألقت تعويذتها.
"إيلدرا. فيلا. كوراد."
ظهرت كرة صغيرة من لهب برتقالي طافٍ، لتضيء الظلام داخل البئر. انتظرت حتى سكن الماء تماماً. ثم قبضت على الحبل.
"حان وقت التجربة."
جذبته بقوة للأعلى، مما جعل الجرس النحاسي الثقيل يتأرجح في كل اتجاه. غونغ... غونغ... غونغ. تردد الصوت المعدني العميق عبر الفجوة الضيقة. انحنت ليرا فوق الحافة فوراً لتراقب ما سيحدث. ثار الماء في الأسفل وظهرت تموجات دائرية مثالية توسعت على السطح في حلقات متزايدة. اتسعت عيناها. لقد نجحت. الصوت موجة حقاً. إنه يتصرف كواحدة حرفياً. استمرت التموجات في الانتشار عبر الماء حتى بعد أن توقف الجرس عن التأرجح.
"كان أبي محقاً؛ ترجمته كانت صحيحة،"
قالت لاهثة.
"هيشا... تعني حقاً موجة..."
"ما هذا الضجيج؟"
قال صوت غطى على صدى الجرس وصهيل الخيول.
"يا للهول،"
قالت ليرا. كان الجرس أعلى بكثير مما توقعت، وكان هناك شخص داخل الإسطبلات.
"تباً."
قبضت ليرا على الحبل بكلتا يديها وسحبت الجرس الثقيل للأعلى بأسرع ما يمكن. احتك النحاس ببطانة الحجر، مضيفاً صخباً إضافياً إلى الضجيج قبل أن يخرج من البئر أخيراً. فكته بأصابع متمرسة، ممتنة دوماً لوقت تدربت فيه على العقد، ثم أسقطت الدلو الخشبي مجدداً في الحبل وثبته تماماً في اللحظة التي نادى فيها الصوت خلفها.
"ما الذي حدث هنا؟"
التفتت ليرا. كان بيريم، مسؤول الإسطبل، يهرع نحوها بتعبير منزعج. لحسن الحظ، بحلول الوقت الذي وصل فيه إلى البئر، كان الدلو معلقاً تماماً في مكانه. تكلفّت ليرا ابتسامة خجلة وهي ترفع الجرس الثقيل بين ذراعيها.
"آسفة."
أطلقت ضحكة مرتبكة.
"أسقطتُ الجرس بالخطأ."
قطب بيريم حاجبيه.
"أفزعتَ كل خيل في الإسطبل."
"أعلم."
طأطأت ليرا رأسها باعتذار.
"أنا آسفة حقاً. إنه أثقل بكثير مما توقعت."
ضيق مسؤول الإسطبل عينيه نحوها.
"فقط... كوني أكثر حذراً في المرة القادمة."
"سأفعل."
لا تزال تعانق الجرس، سارعت ليرا بالابتعاد قبل أن يجد وقتاً لطرح المزيد من الأسئلة. لم تسمح لنفسها بالابتسام إلا بعد أن اختفى الإسطبل تماماً خلفها. نجحت التجربة تماماً، وكان والدها محقاً طوال الوقت. الصوت موجة. مما يعني أنها لم تعد تملك سبباً للشك في ترجماتها. والأهم... أنها تستطيع أخيراً البدء في ابتكار سحر الصوت دون أن يغلف العملية أي شك. عادت ليرا إلى المكتبة والجرس النحاسي الضخم محتضن بين ذراعيها.
كان الأمير ليث هناك بالفعل، جالساً إلى طاولته المعتادة وكتاب مفتوح أمامه. وقف السير هنري صامتاً خلف الأمير، يداه مشبوكتان خلف ظهره، يراقب بانتظام. رفع الأمير بصره عن كتابه، واستقرت عيناه فوراً على الجرس الضخم.
"آنسة ليرا،"
سأل بفضول، "لماذا تحملين جرساً؟"
"أظن أن هناك تفشياً للعث في الأعلى،"
قالت ليرا بابتسامة.
"سأستخدم الجرس لأجده."
رمش الأمير.
"...جرس؟"
"العث حساس للضجيج العالي،"
شرحت ليرا بثقة.
"إذا قرعتُه قرب مكان اختبائهم، سيطيرون للخارج."
رمقها السير هنري بنظرة شك، لكنه آثر بحكمة ألا يعلق.
"هل يمكنني المجيء للمشاهدة؟"
سأل ليث، وكان قد نهض نصف نهضة عن كرسيه.
"لا مانع لدي،"
أجابت ليرا، "لكن عليك سؤال السير هنري أولاً."
التفت الأمير فوراً نحو حارسه الشخصي، مرتدياً أكثر تعبيرات التوسل التي يمكن لطفل ملكي إتقانها.
"أرجوك؟"
أغمض السير هنري عينيه للحظة قبل أن يطلق زفيراً طويلاً مهزوماً.
"...حسناً."
تهلل وجه الأمير.
"أعدك بأنني سأبقى خلفك."
"سمعتُ هذا الوعد من قبل،"
تمتم السير هنري. صعدوا معاً الدرج الضيق نحو مستوى التخزين العلوي للمكتبة. كانت الممرات أكثر ظلمة من غرف القراءة في الأسفل. كانت بعض النوافذ مفتوحة في غرف مجاورة، مما سمح لأشعة الشمس بإضاءة بقع من الممر الرئيسي، لكن معظمها كان مغلقاً أو حتى مسدوداً بالألواح. أشعلت ليرا شمعة باستخدام حجر قدح وناولتها للأمير.
"ستكون مساعدي،"
قالت ليرا.
"يمكنك حمل هذا."
"أيمكنني حمل الضوء؟"
سأل ليث. ابتسم الأمير بفخر للفكرة. قادتهم ليرا نحو إحدى غرف التخزين حيث كانت تعلم أن العث يسكن. اكتشفتهم قبل أيام بينما كانت تجرب تعويذة كشف الحياة، رغم أنها بالطبع لم تستطع الاعتراف بذلك. جثت بجانب رف والتقطت ورقة تالفة.
"أترى هذا؟"
اقترب الأمير وهو يلاحظ الثقوب الصغيرة التي تغطي الصفحة؛ كانت أجزاء من حوافها قد أُكلت تماماً.
"اليرقات تأكل الورق،"
شرحت ليرا. قطب الأمير حاجبيه.
"إذن نحن نبحث عن صغار العث؟"
"لا، البالغون هم من يتحسسون للصوت."
رفعت الجرس النحاسي.
"إذا وجدنا البالغين، يعني هذا أن اليرقات قريبة."
تراجع السير هنري غريزياً خطوة إلى الوراء. أرجحت ليرا الجرس. غونغ! ترددت النغمة الصاخبة عبر الممر الضيق، ترتد من جدار إلى جدار. لنبضة قلب... لم يحدث شيء. ثم... انفجرت الغرفة بأكملها. انطلق المئات من العث الشاحب من الرفوف، والعوارض، والشقوق بين الصناديق القديمة، ليملأ الهواء كعاصفة حية.
"وااااه!"
صرخت ليرا بينما طار بعضها مباشرة في وجهها. ركضت غريزياً نحو الباب بينما تبعها بعض العث. أما الأمير، فقد ضحك ببهجة غامرة.
"إنهم في كل مكان!"
بينما تدفق المزيد من العث من الغرفة، يرفرف بجنون عبر الممر، أمسك السير هنري الأمير من ياقته، وسحبه للوراء بضع خطوات، وأغلق باب غرفة التخزين بقوة. طاخ. بقيت سحابة الحشرات محبوسة في الداخل، رغم أن بعضها تمكن من الوصول إلى الممر وبدأ يغوص نحو ضوء الشمعة، مما أثار بهجة الأمير. التفت السير هنري ببطء نحو ليرا ونظر إليها.
"أكانت تلك خطتك؟"
سأل.
"...كان الأمر أكثر مما توقعت."
فركت ليرا مؤخرة عنقها بارتباك. بالكاد استطاعت تصديق أن عذرها الواهي نجح بهذا القدر. في هذه الأثناء، كان الأمير يكاد يقفز من الحماس.
"كان ذلك مذهلاً!"
هتف.
"لا بد أن المئات كانوا هناك!"
"على الأرجح."
"إذن ماذا الآن؟"
سأل بلهفة.
"هل سنقبض عليهم؟"
"لا سبيل لذلك."
بدت ليرا مذعورة.
"لكن..."
"تأكدتُ من مكان تعشيشهم،"
قاطعتْه.
"الآن سأبلغ السيد دالوين، ويمكنه إرسال شخص يعرف حقاً كيف يتعامل معهم."
تدلت كتفا الأمير.
"أوه."
كان من الواضح أنه تمنى قضاء فترة بعد الظهيرة في مطاردة العث عبر المكتبة. لم تستطع ليرا منع نفسها من الابتسام.
"تعال معي."
"أعرف كتاباً سيعجبك."
"أي نوع من الكتب؟"
تلاشت خيبته فوراً.
"سترى."
حملت الجرس الثقيل للأسفل بينما سارع الأمير خلفها. وتبعهما السير هنري في صمت. رغم أنه بالحكم على تعبير وجهه، شكت ليرا أنه كان يتساءل بالفعل عما إذا كان من الحكمة السماح لهذه المجنونة بالاقتراب من موكله.