قضت ليرا اليومين التاليين تعمل مع الخادمات لجعل الطابق الأرضي قابلاً للعرض قدر الإمكان. لكن العمل الشاق ظل مؤجلاً. كان كوم القمامة قد نما باطراد في زاوية الغرفة، وهي مشكلة احتجت إلى معالجة. رفوف محطمة، وأثاث غير صالح للاستخدام، وأعمدة مصابيح مكسورة، وأكياس من الأتربة، وحطام جُمع من الطابقين. تشكلت كتلة تعجز الخادمات عن التعامل وحدّهن معها. كانت ليرا قد توصلت إلى حل بالفعل.
احتجت فقط إلى أن تخلوا لها المكتبة لتنفذه. كانت غريزتها الأولى بسيطة. إيجاد طريقة لرشوة دالوين. احتفظت ببعض المال الشخصي لدى بالان، وهو ما يكفي لتقديم شيء ملموس مقابل المساعدة. لكن كلما فكرت في الأمر، قلّت منطقيته. لماذا تنفق خادمة مالها الخاص لتنظيف المكتبة القديمة؟ لا توجد تفسيرات معقولة لذلك. لا أحد يعلم بأمر سحرها، ولا بالقيمة التي تمثلها المكتبة لها خارج نطاق واجباتها المكلفة بها.
سيبدو الأمر من الخارج مشكوكاً فيه في أفضل الأحوال، وغبياً في أسوأها، وسيدعو إلى أسئلة لا رغبة لها في الإجابة عنها. لم يكن الأمر يستحق عناءه. الرشوة، إن وُجدت، وجب أن تأتي من المكتبة ذاتها. تحولت أفكارها لفترة وجيزة نحو الكتب التمهيدية. حملت قيمة لا تنكر. حتى دون فهمها تماماً، فإن أي شخص يتمتع بقدر يسير من الفطنة سيدرك أنها ليست كتباً عادية، وتقديم أحدها يكفُل ضمان التعاون بسهولة.
لكن تلك الفكرة تهاوت بالسرعة نفسها التي تشكلت بها. منح أحدها يعني كشف الكثير. سيثير تساؤلات حول كيفية عثورها عليها، وكيفية فهمها لها، وما تفعله بها. كما يعني التخلي عن شيء لا تستعد لخسارته. تمثلت المشكلة الثالثة في دالوين شخصياً. لم يُرجح اهتمام الرجل بأي شيء دنيوي. لم تبدُ عليه سيماء رجل يقدر المعرفة لذاتها. لن تحركه الكتب ما لم تقترن بنوع من المكانة، وأي شيء بهذا المستوى سيحمل تعقيداته الخاصة.
ما ترك خياراً آخر. إن عجزت عن تأثيره مباشرة، فبإمكانها التأثير في شخص يستطيع ذلك. وسيط. تبادر هاروين إلى ذهنها أولاً، رغم جهلها الكافي بطبيعته علاقته مع دالوين لتيقن نجاح الأمر. زعمت الشائعات أنهما خصمان، لكنها مجرد أقاويل غير مؤكدة. لم تشاهدهما قط يتفاعلان حقاً. سيكون النبيل أكثر فاعلية، لكن ذلك يحمل مخاطره الخاصة. لم ترغب في جذب انتباه المستويات العليا من القلعة إلا للضرورة القصوى.
لذا انتظرت، وعملت. بينما استمر التنظيف، أبقت ليرا عينها مفتوحة على أي شيء يخدم غرضها. كتب قيّمة، وسجلات ذات أهمية، وأي شيء يمكن استغلاله بالأيدي المناسبة. مع نهاية الأسبوع، بلغ الطابق الأرضي مرحلة لم يعد يصح وصفه معها بالمهمل. لم يكن مثالياً بأي حال، لكنه بات صالحاً للاستخدام. عادت سيلين بعد ظهر ذلك اليوم. دخلت المكتبة بالرشاقة الموزونة نفسها التي عهدتها، وجالت نظراتها في المكان مستوعبة التغيرات.
هذه المرة، لم تحتاج إلى المشي طويلاً لمعاينة النتائج. برزت منطقة القراءة فوراً. حول عمل براكا قسماً من الغرفة قرب المدخل إلى مكان شبه جذاب. اصطفت الطاولات بشكل صحيح، وبدت الكراسي متناسقة. حتى الخشب تخلى عن شظاياه. تطلب الأمر طلاءً واقياً، لكنه سيأتي لاحقاً. بدت الرفوف منظمة إلى حد ما أيضاً. نُقلت الكتب المتضررة إلى الطابق العلوي، بينما جُلبت السليمة نسبياً لملء الفراغات.
توقفت سيلين هناك، واسترخى تعبير وجهها قليلاً.
قالت: "أحسنتم".
تحول انتباهها إلى المجموعة. تقدمت ليرا وبدأت تعرض العمل الذي أُنجز، مانحة الفضل للخادمات. سلطت الضوء على نجارة براكا، ومهارة مارين في التنظيم، وعمل تيسا وإلين الجماعي، واعتمادية سيرا في الحفاظ على نظافة المكان فور الانتهاء منه. ذُكرت كل خادمة باسمها، ووُضح دورها بجلاء. استمعت سيلين دون مقاطعة. حين انتهت ليرا، أومأت رئيسة الخادمات برأسها إيجاباً وبخفة.
قالت: "عمل جيد. أثبتِ نفسك قائدة كفؤة بحق".
تجاوزت نظراتها الخادمات لتستقر على كومة القمامة. لقد كبرت بما يكفي لتعذر تجاهلها.
سألت سيلين: "والآن، ماذا تنوين فعلن بكل هذا؟ تعلمين أن خادماتي ممنوعات من القيام بالأعمال الشاقة".
تبعت ليرا نظراتها.
قالت: "يجب إزالتها. كنت أنوي طلب المساعدة من الخدم".
لم يتغير تعبير سيلين، لكن وقفة قصيرة سبقت ردها.
قالت: "بإمكاني سؤال دالوين، لكن ذلك سيضعني في دينه".
أدارت رأسها قليلاً والتقت عيناها بعيني ليرا.
"أفضل ألا أعل".
بدا المغزى واضحاً. لم يكن هذا شيئاً ستتولاه سيلين نيابة عنها. توقعت ليرا ذلك. ربما كان اختباراً آخر. الأول تعلق بالقيادة. هذا... هذا تعلق بالتعامل مع سياسات القلعة. تساءلت لثانية عمّا سيظنه بالان إن علم بما تفعله. لقد خلق لها هذه الفرصة لتتجسس لصالحه، لكن طوال الوقت تقريباً كانت منشغلة بطموحاتها لدرجة أن فكرتها عنه بالكاد خطرت ببالها. ربما كان عليها تمرير بعض المعلومات قبل أن يعود للقرع مجدداً.
قالت ليرا أخيراً: "أنا أفهَم. سأتعامل مع الأمر بنفسي".
فحصت سيلين وجهها لحظة أطول، ثم ابتسمت بضعف.
"أنا واثقة من قدرتك على ذلك".
بهذا، استدارت وغادرت، وتبعتها بقية الخادمات. لوحت لها تيسا مودعة بطاقتها المعتادة. وعرضت مارين وداعاً أكثر هدوءاً، وحتى براكا أومأت برأسها قبل أن تغادر هي الأخرى. ثم رحلوا جميعاً. وقفت ليرا هناك للحظة، مستوعبة السكون الذي عاد ليخيم على المكان. انزرفت نظراتها نحو كومة القمامة، ثم إلى الرفوف خلفها، وأخيراً إلى التجويف المختبئ خلف الستارة. القطع كانت هناك. احتجت فقط إلى ربطها ببعضها.
إن رفض دالوين الاستماع إليها، فستحتاج إلى شخص يستمع إليه. ولأجل ذلك، احتاجت إلى رشوة تليق بنبيل. لإيجاد رشوة كهذه، عادت أفكارها إلى فكرة مألوفة. سحر العرافة. أفضل طريقة لخلق النظام من الفوضى. ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيها وهي تستدير نحو التجويف. الآن وقد باتت وحدها، حان الوقت لابتكار تعويذة تساعدها في حل جميع مشكلاتها.