مضت خمس سنوات. بلغت ليرا الثامنة عشرة في الغرفة الخلفية لمطبخ حساء كان يتخذ مكتباً مزيفاً لتسجيل الوثائق. تساءلت أحياناً عما إذا كان أبوها سيخجل مما آلت إليه. لقد كان رجلاً صالحاً يؤمن بالعمل الشريف، غير أنه كان ليتعامل حتى مع المستندات غير القانونية لو كانت السبيل الأقل مقاومة. نظرت إلى الدرج حيث لا يزال الدفتر المختبئ مليئاً بترجمات من خط محظور. غمست ليرا الختم في الشمع الدافئ وثبتته هناك لفترة أطول قليلاً من اللازم، مراقبة إياه وهو يتخذ شكله. عندما رفعته، انتابتها دهشة خفيفة من مدى إتقانه: شعار اللورد الراحل أتْروبوس، الوكيل الأكبر للقصر الملكي، واليد اليمنى للملِك أرغون. كان بلا شائبة. لا يمكن تمييزه بحال عن الأصلي. استندت إلى الخلف في مقعدها، تاركة الوثيقة تجف بينما راجعت التفاصيل للمرة الأخيرة، لا بوصفها قارئة، بل بوصفها محققة تبحث عن العيوب. كان الادعاء بسيطاً. جون سولافينت، ابن غير شرعي للسيدة المغضوب عليها كاترين بيرثروم وأب مجهول، "كُشِف" الآن ليكون اللورد أتْروبوس الراحل نفسه. قضية هادئة، دُفنت طويلاً، ثم نُبشت الآن على غير ميسرة. ستمنح الوثيقة الشاب شرعية تكفي للمطالبة بميراث متواضع من خمسدين قطعة ذهبية. كانت التواضع هي المفتاح. إن كان كبيراً، لطارده الورثة الحقيقيون. وإن كان صغراً، لما استحق الجهد المخاطرة. استقرت خمسون في تلك المساحة المثالية. بالنسبة لججون سولافينت، كانت ثروة طائلة. أما أبناء اللورد أتْروبوس الحقيقيون، فكانت أقل من خطأ تقريبي. قطرة ضائعة في محيط من الثراء. كانت بالتأكيد أرخص من الفضيحة التي سيواجهونها إن اعترضوا عليها، ولم يرغب أحد في تنقيب أسرار موتاهم. لا سيما حين يتورط أبناء غير شرعيين. ومثل هذا، أُعيدت كتابة حياة أخرى. بقليل من الشمع، وقليل من الحبر، والكثير من الفهم لجشع النبلاء.
دقت طرقة خفيفة فمزقت الصمت. لم ترفع ليرا رأسها. "لقد تأخرت". فتح الباب على أي حال. "تأخرت؟" دلف بالان ماتريوس، وهو ينفض الغبار عن معطفه كأنه مالك المكان. حسناً، هو مالك المكان قانونياً. "يا فتاة، أنت تعملين لصديقك. أتذكرين؟" رسم ابتسامة خبيثة على وجهه. اعتنى بها بالان طوال السنوات الماضية. أبعد عنها أسوأ الرجال ومنحها عملاً مستقراً بأجر أستر. جمعت ثروة محترمة على مدار الأعوام الخمسة الفائتة، ثروة تكفي لتنتقل إلى العمل المشروع لو أرادت. تذكرت أباها. وكيف تعامل القانون معه. لا. كانت في الظلال أفضل حالاً... فالأمر أبسط هكذا. دفعت ليرا الوثيقة عبر المكتب نحوه. "لا تلطخها". التتقطها بعناية. كان بالان، رغم كونه زعيماً لعصابة إجرامية، رقيقاً بشكل مدهش في التعامل مع الأوراق. ثم إنه من نوع الرجال الذي يترك العنف لرجاله. تحركت عيناه فوق الوثيقة بسرعة في البداية، ثم ببطء، ثم توقفتا تماماً. قال أخيرًا وهو يطلق زفيراً من أنفه: "حسناً، لو لم أكن أعرف الحقيقة، لقلت إن اللورد اتروبوس بنفسه هو من وقع هذا". "أنت تعرف الحقيقة". "بلى"، قال وما زال يحدق في الصفحة. "أنت بارعة جداً في هذا". ارتدت ليرا إلى الخلف وعقدت ساعديها. "تقول ذلك كأنه أمر سيء". "هذا النوع من العمل يترك أثراً لا يُنسى". "ظننت أن هذا النوع من العمل أبرع من أن يتم اكتشافه". "هذه هي المشكلة بالتحديد". وضع الوثيقة باعتناء ثم حدق فيها بتمعن. "يحدث ذلك عندما تكررين العمل نفسه". سحب كرسياً وجلس دون استئذان. "الأنماط هي ما يوقع أمثالنا في شر أعمالنا". أكد مجدداً: "ليست الأخطاء. بل الأنمامط". قطبت ليرا حاجبيها. "لا توجد أنماط. استهدفنا منازل مختلفة، ومطالب مختلفة، ومناطق متباينة تماماً". أجاب: "إنها الطريقة نفسها. اليد الخفية نفسها التي تربط كل شيء ببعضه". لم تقل شيئاً. تابع بالان: "قد يلاحظ محقق بارع ارتفاعاً في عدد المطالبين بالتركات، أو ارتفاعاً في أعداد اللقطاء الذين يملكون مالاً أكثر مما يطيقون. بضع كلمات في غير محلها لأذن لا تهتم، وينهار كل شيء فوق رؤوسنا". انحنى بالان إلى الأمام وأسند مرفقيه على ركبتيه. "الرجل الذكي يعرف متى ينسحب وهو في قمة مجده". سألت ليرا: "وماذا تفعل امرأة أذكى؟" ابتسم ببطء وابتسامة حادة. "المرأة الأذكى تنسحب من اللعبة برمتها وتبدأ لعب لعبة أفضل". جعلها ذلك تتوقف برهة. سألت: "أتشجعني على التحول للعمل الشريف؟" قال شبه منزعج: "بحق الملك، لا". وتابع: "لدي شيء آخر في طيات عقلي لك. شيء أنظف". سألت: "أتقصد بذلك أنه أقل خطورة؟" هز كتفيه. "خطورة من نوع آخر". عنى ذلك خطورة أكبر، هكذا فكرت الناسخة الشعبة. تأملت ليرا ملامحه، ونبرة صواله، ووقفته، والطريقة التي لم يطلق بها أي مزاح منذ أن وطأ المكان. سألت: "الأمر جلل إذن، أليس كذلك؟" "تطرق فرصة جديدة الأبواب. ليس بابك، بل باب القصر الملكي". نقر على اسم اللورد اتروبوس في الوثيقة. "مات كبير خدم القصر الملكي للتو، وهو حارس بوابات التوظيف، وخازن معظم الأسرار. يقول بعضهم إنه سُمِم، ويقول آخرون إنه مات شيخوخة. لا مبالاة في ذلك. ما يهم حقاً هو أن القصر يعمّه الفوضى". ضاق نظرا ليرا. "وما شأني أنا بكل هذا؟" "ماذا لو كان كبير الخدم قد وظف شخصاً ما قُبيل موته، خادمة جديدة مثلاً؟" رمشت. "لو ظهرتِ عند بوابة القصر وبيدك رسالة مختومة، فكيف سيردونك؟" غمض لها عينه. "ستندمجين مع المكان. استمعي. راقبي. وأرسلي إليّ ما تجدينه". لم تستطع ليرا إلا أن ترى الخطة عبقرية. كان منصب الخادمة في القصر الملكي أحد أكثر الأدوار المرغوبة التي تطمح إليها أي فتاة عامة. كانت الخضراوات تخضع لتدقيق شامل وتتطلبن توصيات ودعماً من أحد النبلاء. وحدها الأجر سيكون أعلى مما جناه أبوها ناسخاً. لذا، كان تسلل عميلة تتبع عصابة إجرامية أمراً لم يُسمع به قط. ترددت ليرا. "وتريدني أن أكون تلك الخادمة؟ ماذا لو اكتشف أمري؟" قال متوقفاً برهة: "وما الجرم الذي ستُكتشفين من أجله؟ ستكونين خادمة. كأنك غير موجودة أصلاً. ولن ترسلي إليّ سوى معلومات ظاهرية: من يفضل النبلاء ومن يتكتم منهم. لقد عملتِ معي طويلاً لتعرفي أن المعلومات التي نبحث عنها ليس من الصعب العثور عليها". استقرت الفكرة في ذهنها ببطء. ستكون قادرة داخل القصر على الوصول إلى قدر هائل من المعلومات. وفي مكان ما بين تلك الجدران... ستعثر على إجابات تخص اللورد كيلروث. الرجل المسؤول عن مقتل أبيها. تلاشى ترددها.
قضيا ساعات في تنقيح الخطة. زورت ليرا خطابات، وتوصيات، وسجلات خلفية، وأوراق هوية. تطلب الأمر نسج كل خيوط حياة صامدة أمام التدقيق. واسم جديد. ليرا تينلان. يتيمة هادئة من الجنوب، تبحث عن عمل مستقر، يزكيها لورد عجوز منعزل قلما يزور العاصمة.
بدت أبواب قصر إلثرام، المعروف بالقصر الملكي أو القصر فحسب، أمامها مرتفعة باردة، مصنوعة من الحديد ومحروسة برجلين يرتديان دروعاً احتفالية. ارتدت ملابس سفرها، صوفاً داكناً بالياً ومغبراً، كأنها سافرت لأيام لا لدقائق. رُبط شعرها البرتقالي إلى الخلف، وخفضت عينيها الزرقاوين في وضعية خنوع. فحص حارس أوراقها بلا مبالاة تذكر، ثم أشار لها بالعبور من بوابة جانبية. تقدمت ليرا خطوة، وأبقت حقيبتها قريبة من جنبها. تحت الملابس المطوية، مخفياً في جيب سري حُمِك داخل بطانة حقيبتها، كان هناك رق غير منسق مكتوب بخط أبيها؛ رموز محبرة لا يفهمها إلا قلة. الحقيقة. السبب وراء قتل اللورد كيلروث لأبيها. لامست أصابعها الورق من خلال النسيج. تذكرة وعهد. عبرت العتبة، وخفضت رأسها كأي خادمة أخرى. وخطت داخل القصر. لم تعد فريسة. كانت تلك هي الخطوة الأولى نحو الانتقام.