وقفت ليرا قرب أحد رموز التدفئة التي سحرها إمبربورن وتلاميذه في مكتبتها، واقتربت منه أكثر مما يفعل أي عاقل في مطلع الصيف. حافظت على تنفسها بطيئاً على أي حال، شهيق من الأنف، حبس، زفير من الفم، بالطريقة التي أصرت عليها كتب التنفس التي تبرع بها ساحر البلاط. لم تكن تحاول استشعار الحرارة. كانت تحاول استشعار المانا وهي تتدفق إلى اللوحة ثم تخرج منها مجدداً على هيئة اضطراب.
وكما تعلمت مؤخراً، كانت عمياء تقنياً فيما يخص استشعار المانا. أخفقت في رصد كتلة الاضطراب المتبقية من تعويذة الشفاء من الفئة الثانية لأريك. ولم تستطع حتى معرفة متى نفد مخزونها، حين كانت تحاول تحديد مكان الهاربات. لم تعد تحتمل الإهمال، لا سيما مع وجود سلسلة جديدة من تعويذات الشفاء من الفئة الأولى في جعبتها. وإن أرادت الانطلاق في حملة شفاء في الأحياء الفقيرة، فالانهيار في منتصف الطريق ليس الطريقة المثلى للقيام بذلك.
لم يُربِ غاريث فيلورا ابنته لتكرر الخطأ نفسه مراراً وتكراراً كالغبية. لذا وقفت قرب الرمز وحاولت استشعار تيار المانا وهو ينجذب نحوه، أو على الأقل استشعار الاضطراب بالطريقة التي فعلت بها سامي، في تلك المرة الواحدة. تعلم الرؤية بالروح، لا بالعينين، أياً ما كان ما يعنيه ذلك. استمرت رغم الحرارة لفترة طويلة، إلى أن قاطعها صوت خطوات تقترب من باب المكتبة. لنصف ثانية، ظنتها هيستا، قادمة لتتفقد إن كانت تتكاسل مجدداً، قبل أن تتذكر أن هيستا قد ماتت وتدفع تلك الفكرة الطارئة بعيداً.
تراجعت خطوة عن الرمز ولاحظت أن ملابسها كانت مبتلة بالعرق. لا يصح هذا. عبرت إلى أقرب حقل إخفاء مخفي خلف رفوف التاريخ وهمست. يوراد. لونيث. فيلار. خرجت إلى العراء بعد لحظة، جافة، نظيفة، وغير ملفتة للانتباه. كانت خادمة طاعنة في السن تقف قرب المكتب الأمامي، وتتبادل النظرات بين الرفوف كمن يحاول تخمين الاتجاه الذي يجب البحث فيه. كانت ترتدي ثوباً مختلفاً قليلاً عن ذاك الذي يرتديه معظم طاقم القصر، رمادياً داكناً مطرزاً بخيوط فضية.
وحين رأت ليرا، اشرق وجهها، وبدأت تسير نحوها. وفي تلك اللحظة لاحظت ليرا شعاراً نبيل تعرفه. لابد أنك ليرا. قدمت المرأة انحناءة خفيفة. اسمي تاليا. أنا وصيفة الليدي فاليس. آه. أكنت ليرا رأسها. إذن، أنت تعملين لدى الليدي لوكسيا. تقنياً، أنا أعمل لدى البارونة داليا فاليس، والدة الليدي لوكسيا. لكني أجد نفسي أخدم الاثنين معظم الأيام، بما أن الشابة لا تمتلك وصيفة خاصة بها بعد.
ابتسمت تاليا، تلك الابتسامة المتعبة التي تتشاركها الخادمات المهذبات حين لا يرغبن في التشكّي من نصيبهن في الحياة. لقد كان شهراً حافلاً، كما تعلمين، مع قرب موعد الظهور الأول. أتخيل أنه كذلك، أومأت ليرا برأسها. كيف يمكنني مساعدتك؟ أرسلتني الليدي لوكسيا لأجلبك. لم تجد ليرا سبباً وجيهاً لرفض الاستدعاء، لا سيما أن المكتبة كانت فارغة حالياً، فتبعت تاليا إلى الخارج.
كانت غرف الضيوف أ صاخبـة عـن العـادة، الأبواب مفتوحـة على طول الممرّ، والخادمات يهرولن حاملات أكواماً من الأشرطة والكتّان المكويّ، والجناح كلّه يعجّ بفوضى موسم اجتماعيّ في أوج ازدهاره. خلال هذا الوقت، أصبحت الحفلات أمراً يوميّاً، ونصف البيوت النبيلة في العاصمة تحاول إلباس بناتها والتنافس على الأزواج المرغوبين القلائل. قادت تاليا ليرا إلى باب أبعد في الممرّ قبل أن تطرق مرّة واحدة، ثم تدفعه لتفتحه.
كانت لوكسيا واقفة في منتصف الغرفة بثوب بلون سماء المساء الصافية، عميق لدرجة تكفي لتجاوز الياقوت دون الانزلاق تماماً نحو الكحليّ، والقماش يلتقط الضوء كلّما استدارت. جلست والدتها بالقرب في ملابس صباحيّة بسيطة، إبرة وشريط منسيّان في حجرها، وتراقب ابنتها بنظرة فخر. وهو أمر مفهوم؛ الفتاة تبدو مذهلة.
"ليرا!"
استدارت لوكسيا مرّة، وتطايرت التنّورات.
"هذا هو. هذا ما سأرتديه في ظهوري الأوّل. ما رأيك؟"
قالت ليرا بصدق: "إنّه جميل. حقّاً، سيدتي".
سقط وجه لوكسيا فوراً.
"أمتأكدة أنت؟ ألن يبدو أفضل بالبنفسجيّ؟"
تنهّدت والدتها، وضعت الشريط جانباً: "ليس هذا مجدّداً".
قالت لوكسيا بتذمّر: "كل فتاة تظهر لأوّل مرة هذا الموسم ترتدي البنفسجيّ".
قالت البارونة فاليس، ويبدو كأنّها قالت الشيء نفسه تماماً عدّة مرات هذا الأسبوع وحدَه: "ثوب بنفسجيّ سيكلف ثلاثة أضعاف تكلفة هذا. لا يمكننا تحمّل ذلك يا لوكسيا. لقد ناقشنا هذا".
حافِظت ليرا على تعابير وجهها محايدة بعناية. أه. بالطبع. لقد سلّمت بالان المعلومات حول اتجاهات الموضة لهذا الموسم بنفسها، على الشاي، قبل أشهر. وكما هو متوقّع، كان قد احتلّ سوق الأصباغ بالفعل بحلول الوقت الذي وصل فيه موسم الظهور حقّاً. آسفة، لوكسيا.
بدل ذلك، قالت ليرا: "حسناً، الأزرق يناسبك بشكل أفضل على أي حال".
بدت لوكسيا غير مقتنعة.
تابعت ليرا: "أنا أعني ذلك. إنّه يطابق عينيك، وهو ما لن يفعله البنفسجيّ أبداً. ولدي مصدر موثوق بأن الأزرق مصادفة هو اللون المفضّل للأمير أريك".
نال ذلك كامل انتباهها.
"أتظنين ذلك؟"
فعلت ليرا أكثر من مجرد الظنّ. لقد أمضت شهوراً في مراقبة أريك يتجوّل في مكتبتها بمساعدة تعويذة الإدراك المحسّن الخاصة بها. بدت سترات بلاطه الزرقاء أكثر من أي لون آخر؛ وعندما تدخل مجموعة من الناس غرفة ما، غالباً ما تقع عيناه على من يرتدي الأزرق أولاً. وعندما مُنح الاختيار بين يوميّتي سفر متطابقتين تقريباً، وكلاهما يفترض أنهما عن ألمارا، التقط ذات الغلاف الأزرق أولاً دون أن يبدو وكأنه لاحظ.
كانت تفاصيل صغيرة وعديمة الفائدة، النوع الذي لم تكن ليرا لتلتقطه أبداً لولا التعزيز السحريّ.
قالت ليرا: "أنا واثقة تماماً. الأزرق هو لونه المفضّل".
أطلقت لوكسيا صوتاً صغيراً مبتهجاً واستدارت مرّة أخرى، وتطايرت التنّورات من حولها، ضاحكة بنغمة على حظّها الجيد. عبر الغرفة، التقطت والدتها نظرة ليرا وأعطتها إيماءة صغيرة وممتنة. عندما توقّفت لوكسيا أخيراً عن الدوران، عبرت الغرفة وأخذت يدي ليرا بين يديها، جادّة فجأة.
"ليرا. أترفقين بي في ظهوري الأوّل؟ ليوم واحد فقط. لتعملي كخادمتي الشخصيّة، إذ ليس لديّ واحدة بعد، وستكون تاليا غارقة في الحفاظ على مظهري ومظهر أمّي".
كانت عيناها واسعتين، متألّفتين، وخاليتين تماماً من الحيلة.
"أرجوك؟"
نظرت إليها ليرا لبرهة. إلى الصدق في وجهها... نفس الصدق الذي كاد يجعل شقيقها يُقتل في مبارزة من أجل شرف الأخت. بالنسبة لعائلة من النبلاء، لم ينظروا إليها قط كأداة... وهي نفسها لم تستطيع قول الشيء ذاته، إذ استخدمت أحدهما طعماً والآخر سيفاً للجلّاد. فكّرت، لفترة وجيزة، في كل سبب للرفض. كان مفترضاً بها البقاء في الظل، وقاعة احتفالات مليئة بالنبلاء هي عكس ذلك تماماً.
وجدت ليرا نفسها تقول بدل ذلك: "يسعدني فعل ذلك".