صعود الخادمة الفصل 118 — خيط جليّ

اقرأ صعود الخادمة الفصل 118 — خيط جليّ باللغة العربية على مانجا تايم.

وقفت ليرا هناك وهي تطيل النظر إلى مكان لم تره منذ ستة أعوام. لقد تغير كثيراً حتى كادت لا تعرفة. تنهدت. ربما كانت مخطئة. ربما لم يكن هنري قادماً إلى هنا أصلاً. ظنت أنها ألمت بكل الأمور. مع كل الاحترام للرجل، بدا هنري سهل القراءة. قضت أسابيع تشارك المكان نفسه معه، وبفضل تعويذة الفراسة خاصتها، استطاعت ملاحظة تفاصيل في الناس لا يلحظونها عادة. راقبته عن قرب يكفي لتكوين صورة واضحة تماماً عن الرجل الكامن خلف الدرع.

كان هنري صاحب واجب. كان من ذلك النوع الذي يجد فخراً في خدمة من يعلونه عوضاً عن السخط عليهم. أفقر من أغلب النبلاء لكن أغنى من عامة الناس، وصاغت تلك المكانة نظرته إلى العالم. لقد عومل هنري جيداً من قِبل النظام، لذا آمن بعدالته. لم يكن لديه قط سبب حقيقي للشكوى. استطاع تأمل العالم من داخل فجواته المريحة، دون أن يضطر أبداً لرؤية الأهوال التي يواجهها البشر العاديون كل يوم.

ومع ذلك، وبطريقة ما، بدا بغضه أمراً عسيراً. في قرارة نفسه، كان هنري رجلاً صالحاً. حاول بذل قصارى جهده بما أُتيح له، ولم ترَهُ ليرا قط يعامل الخدم بسوء. بل كان يمنحهم وقتاً ليشكرهم حين يُقدم له الغداء. غير أنها تساءلت أحياناً عما كان ليفعله لو وُكِل إلى الأمير كافارد بدل الأمير ليث. أكان يساعد ثادويك في دفن الجثث؟ لا... كان ذلك حكماً مجحفاً بحق طباعه. لم يُظهر هنري قط أي أمارة قسوة.

على العكس، أظهر باستمرار لطفا وودا يشبه الإخوة تجاه ليث. كان الرجل مهتماً حقاً. لم يكن هنري عدوها. حتى وإن بدا ظنه غير ذلك، أو على الأقل، راوده الشك في أمرها. في ذلك الصباح، حين لاحظت ليرا غياب هنري، ظنت أنها تعرف بالتحديد إلى أين سيتجه. تخلت عن أبحاثها الطبية، وأتمت ما تبقى من واجبات قليلة، وشقت طريقها نحو المكان الذي ظنت أنه سيزوره عاجلاً أم آجلاً. حتى إنها ألقت تعويذة الموقع السماوي، وأشارت التعويذة بوضوح مبهم نحو هذه المنطقة، مؤكدة شكوكها.

لذا ها هي تقف فوق مبنى، متمنطقة بكل تعويذات التخفي السحري خاصتها، وتحدق في الشارع أدناه. قبالتها يقف المكان الذي دعته بيتاً فيما مضى، بواجهة تفضي إلى متجر أبيها وطابق علوي طالما سكناه: مخطوطات فيلورا. حدقت ليرا في اللافتة المألوفة مطولاً. لم تكن السنين رحيمة بهذا المكان. الطلاء يتقشر، وأحد النوافذ سُدَّت بصفيحة رقاق قديمة عوضاً عن الزجاج، وبدا الباب بحاجة ماسة لبعض الطلاء الواقي.

بصراحة، بالكاد تعرفت على المبنى بعد الآن. كانت صغيرة جداً حين رأته للمرة الأخيرة. مضت ستة أعوام، وحتى تعويذة الذاكرة خاصتها أظهرت مكاناً أدفأ وأكثر ترحيباً بكثير من هذه الخرابة. تنهدت. أكانت هذه الرحلة تضييعاً للوقت؟ كانت واثقة تماماً من مجيء هنري إلى هنا. حين كشف الجد واكس عن اسمها الحقيقي، أدركت الخطر فوراً. فرجل كهنري لا بد أن يحقق في الأمر. كان محباً للواجب بما يكفي لكي لا يترك جاسوسة محتملة قريبة من محروسه، وأمينة مكتبة تستخدم اسماً زائفاً ولديها إمكانية الوصول إلى اثنين من الأمراء الثلاثة لم تكن بالشيء الذي يترك للصدفة.

لذا ما إن عرف اسم "فلورا"، لم يكن هناك سوى مكان واحد واضح للبدء في البحث.

ربما بالغت في الثقة بفهمها له. بدأت ليرا تتساءل عما إذا كان عليها المغادرة والبدء في البحث عنه في مكان آخر حين رأتْه. كان هنري يحمل ورقة بيد ويبدو شديد الحيرة. توقف عند واجهة متجر، وألقى نظرة على اللافتة، ثم عاد لتأمل الورقة من جديد. واصل السير في الشارع، متفحصاً واجهة كل متجر كمن يعاني في الاهتداء إلى المنطقة. رمشت ليرا. أسبقته إلى هنا حقاً؟ حسناً، بدا ذلك منطقياً.

لعله احتاج لإجراء بعض البحوث قبل العثور على المكان. بضعة أسئلة في برج حسابات هاروين لكانت كفيلة بمنحه فكرة تقريبية عن مكان وجود الأنشطة التجارية التي تحمل اسم فيلورا. وبعدها سيتعين عليه إما التحري عنها واحدة تلو الأخرى بحثاً عن فتاة صغيرة تدعى ليرا، أو تضييق النطاق أكثر بسؤال اتحادات النقابات، أو حرس المدينة، أو مخبري الشوارع. لم تكن عائلتها عائلة فيلورا الوحيدة في المدينة، ولم يكن متجرهم ركيزة من ركائز مجتمع هالر التي يعرفها الجميع.

راقبت بفضول متزايد حتى توقف هنري أخيراً أمام المبنى الصحيح. استرخى وجهه بوضوح. طوى الورقة وطرق الباب. بعد لحظات، انفتح الباب، وتصلبت نظرات ليرا فوراً. وقف عمها هناك. القريب الدموي الوحيد المتبقي لليرا في العالم. راقبته وهو يحيي هنري، محنياً ظهره بعمق وتكرار كالمتملق، بينما ازدادت ملامحها برودة. كان سيرون فلورا نسراً يتظاهر بأنه إنسان. كان هذا الوصف الوحيد الذي يمكنها منحه إياه.

لقد فاته إعدام أخيه لأنه كان مشغولاً بقضم اللحم عن عظام جثته. طالما حاول أبوها، غاريث، حمايتها من الجوانب الأكثر قبحاً في حياتهما. كان شديد الحرص عليها، وربما بصورة مبالغ فيها أحياناً، وبذل كل جهد لمنعها من معرفة الخلافات والصعاب التي ابتليت بها العائلة. لسوء حهظه، كانت ليرا طفلة فضولية دوماً. والأهم من ذلك، كان لديها ميل دائم لقراءة أي شيء مكتوب صدفة. استطاع أبوها إبعاد المحادثات عنها، لكنه لم يستطع إبعادها عن مراسلاته.

حين كانت أصغر سناً، قرأت سرّاً العديد من الرسائل التي تبادلها أبوها مع أخيه. لذا عرفت تماماً ما حدث بينهما. كان عمها كاتباً فاشلاً لم يمتلك يقط أي شغف حقيقي بالحرفة. وحين توفي والداهما ووُرِثَت دار المخطوطات، قُسِّم المتجر بين الأخوين. أراد غاريث إبقاء أعمال العائلة حية، بينما أراد سيرون نصيبه من المال. حين رفض غاريث بيع تجارة الأجداد، هدده أخوه بمقاضاته وجعل قاضياً يجبره على بيع المتجر ليحصل على حصته من المال، وكل طلب تقدم به غاريث لتأجيل الدفع قُوبل بالرفض.

في النهاية، أُجبر أبوها على أخذ قرض ودفع ثمن نصفه لإبقاء المخطوطات داخل العائلة. كاد الأمر يودي به. وماذا فعل عمها بالمال؟ لقد أضاعه. وبعد عام من الاحتفالات والمقامرة، زحف عائداً إلى غاريث، مطالباً بالمزيد... قال إنه لم يكن عدلاً أن يحظى غاريث بتجارة ناجحة ويعيش في منزل العائلة بينما لم يمتلك هو شيئاً. تذكرت ليرا قراءة تلك الرسائل وهي طفلة، جالسة في مكان عرفت أن أباها لن ينظر فيه أبداً.

لم تفهم كل شيء وقتها، لكنها فهمت ما يكفي. لم يكن عمها رجلاً قادراً على بناء أي شيء. كان ببساطة شخصاً يريد سلب ما بناه أبوها. والآن مات غاريث، ووقف سيرون داخل مخطوطات فيلورا وكأن له الحق الكامل في الوجود هناك، وكأن المتجر ظل ملكاً له دائماً وما أبوها إلا شخص أبقى عليه دافئاً من أجله. كرهته ليرا... كرهته بما يكفي لتثق، وهي طفلة، بمجرم مثل بالان أكثر من ثقتها بعمها بالذات، وكان في ذلك ما فيه.

على الأقل أدرك بالان موهبتها منذ البداية وعوضها بسخاء. وشكت في أنها ستقبض فلساً واحداً لو بقيت مع عمها. بينما قيد هنري إلى الداخل، ألقت ليرا تعويذة السمع المركّز.

"بيكا. سيبوس. هيشار. كالدرس. فيلار."

حدّت التعويذة سمعها حتى وصلت كل كلمة من داخل المتجر بوضوح.

"يا سيادي، ماذا يمكنني أن أفعل لك؟ هل تحتاج إلى نسخ كتاب، أو ربما شيء أكثر فنية؟"

"لا. أعتذر، لكني هنا لأستفسر عن شخص يدعى ليرا فلورا. قرأت في مكتبة الماجستير أن حضانتها انتقلت إليك بعد وفاة أبيها."

تغير صوت سيرون فوراً. اختفت نبرة التودد الودودة، ليحل محلها التوتر.

"أعتذر يا سيدي، لكنها ليست هنا. كانت تمر بوقت عصيب بعد إعدام أخي الخائن ورفضت التحدث معي. ثم، ذات يوم، اختفت ببساطة."

لم تصدق ليرا ما تسمعه. كان يدعي ذلك بعد طردها، بالكاد بعد ساعة من وفاة أبيها.

"لا تكذب عليَّ،"

قال هنري، وقد اشتد صوته.

"أستطيع تمييز الكذب."

"يا سيدي، هي... هي رفضت إجابتي، لذا لعلني طردتها من المنزل..."

"فعلت ماذا؟"

استطاعت ليرا سماع هنري وهو يقف.

"ذهبت للبحث عنها بعد فترة قصيرة، صدقني يا سيدي، لكن لم يكن لها أثر."

"ماذا تعني؟"

سأل هنري.

"الطفلة لا تختفي هكذا."

"أظن أنها لم تنجُ. أنت تعرف كيف تجري الأمور في هالر. أطفال الشوارع يموتون طوال الوقت."

"أتلمح إلى أن قيادة المدينة هي المسؤولة عن سوء رعايتك؟"

"أبداً يا سيدي! لم أكن لأفعل! أنا آسي يا سيدي. ارتكبت خطأ وحاولت إصدلاحه بلا جدوى. أنا آسف."

لم يمكث هنري طويلاً بعد ذلك، وحين غادر أخيراً، بدا غاضباً للغاية. حدقت ليرا في عمها وهو يراقب الفارس يبتعد، وبدا وجهه مفعماً بالقلق. للحظة، فكرت في أن تفعل به ما فعلته بثادويك. ثم سمعت صوتاً خافتاً من خلفه.

"أبي، من كان هذا؟"

أطلت فتاة صغيرة، في الرابعة من عمرها ربما، برأسها من المدخل. كان شعرها برتقالياً، يشبه شعر ليرا، ومضفوراً بعشوائية. وتبعتها امرأة ذات شعر بني وملامح طيبة. فقد غضب ليرا دفعة زخمها. نظرت إلى الفتاة الصغيرة، وإلى المرأة، ثم عادت بنظرها إلى عمها. لا... لم يكن يستحق ذلك. كان لديها أمور أهم لتقلق بشأنها. ما زال هنري يبحث عن ليرا فلورا، وتحتاج الآن إلى طريقة تبعده عن اثرها.