ليس صعباً العثور على موقع الكمين. يشتعل غضب نانايا (Nanaya) كمنارة تخترق المنطقة الحدوديّة، ولا يواجه جسدي المعدنيّ أيّ صعوبة في الاندفاع للقائها قبل الموعد المحدّد. لست متأكدةً كيف تنوي نصب كمين لأحد، نظراً لكونها لا تملك —على حد علمي— قدرة ميلبوميني (Melpomene) على إخفاء سحرها الخاصّ بدرجة تكاد تكون مثالية، لكنني أفترض أنني على وشك اكتشاف ذلك قريباً. أجدها متخفّية داخل أحد مباني الفضاء المتكررة بلا نهاية، متقرفصة قرب نافذة يمكنها المطلّ منها بسهولة لرصد أهدافها القادمة. أدخل الغرفة، وأتفاجأ بكونها الوحيدة فيها. الوحيدة الظاهرة، على أيّ حال. يبقى احتمال اختباء ميلبوميني في مكان ما لا أستطيع استشعاره واردآً دائماً. «هل وصلتُ مبكرةً؟» أسأل بينما تلتفت لتنظر في اتجاهي. «لا،» تقول نانايا: «لن نكون سوى أنا وأنتِ». آه. هاه. «ألن تأتي ميلبوميني حتى؟» أسأل. «صحيح،» تقول نانايا: «هي في مكان آخر، تستكشف المزيد من الشظايا. كعادتها. لكنني هنا بناءً على تعليماتها». «أرى ذلك،» أقول، خطو إلى الطرف الآخر من النافذة وأجلس مقابلةً لها. تمنيت لو بوسعي التحديق بغضب، لكن وجهي لا يتحرك بهذه الطريقة. «أخبرتني ميلبوميني بأنكِ تعلمين». يحرق شعور بارد بالخيانة صدري، بما يكفي لمواصلة تصاعد قوتي لكن ليس بما يكفي لأكفّ عن الإحساس به. أريد أن أشعر به. أفتح لوحة دروع فقط لكي تتمكن نانايا من معرفة مقدار الكراهية التي أكنّها بدقة. «أنا أعلم حقاً،» تؤكد: «منذ بعض الوقت». «إذن لماذا لم تقولي شيئاً لأحد؟» أطالبها: «لماذا لم تساعديني؟ ظننتُ أنكِ في صفّي. ظننتُ أننا صديقتان!» «نحن صديقتان طالما قررتِ أننا كذلك،» تقول نانايا: «إن كنتِ ترغبين في إلغاء هذا التوصيف، فلن ألومك البتّة». «إذن لماذا، نانايا!؟» أطالبها: «لماذا تدعينها تفعل بي هذا؟» تلتفت لتحدق بي، فيخلق فراغ في عينيها هوة شاسعة بيني وبين نواة الغضب المشتعل التي تؤلف روحها. «لماذا تعتقدين ذلك، لونا (Luna)؟» تتحداني: «لن أقول شيئاً تافهاً مثل "يؤلمني فعل هذا"، أو "الأمر من أجل الصالح العام". قد لا تعرفينني بالقدر الذي تعتقدين، لكنكِ تعلمين أنني لستُ كذلك. أكثر من أيّ شخص آخر في مجموعتنا، أدرك أنني وحش. يجب أن يعاني الحراس (Preservers). أنتِ مجرد أداة لتحقيق تلك الغايات. هذا كل ما في الأمر». كراهية، كراهية، كراهية. بغضاء. تفور منها، والبخار حارق لا يُطاق. «أنتِ مجنونة،» أقول لها بفظاظة. «ممم. على الأرجح،» توافق نانايا. «لكن ما الواقع الذي يمكنني أن أبتني حياتي عليه إن لم يكن ذلك الذي أدركه؟» «تغيرت ميلبوميني بغتة،» أقول. «بسرعة فائقة. وكأنها انتقلت من الصفر إلى التعذيب الفائق في ومضة بصر». «لا،» تهز نانايا رأسها: «كانت تسوء منذ بعض الوقت. وكل ما في الأمر أنها كانت تخفي ذلك بأفضل ما يمكنها. بصراحة، تفاجأتُ بأن الأمر استغرق منها كل هذا الوقت فرض سيطرة كاملة عليكِ». «...أجنون العالم المظلم حقيقي؟» أسأل. «أهذا ما يجري حقاً؟ هل تتعرضون جميعاً لل"فساد" حقاً؟» ترفع نانايا حاجبها في وجهي. «تسألين المجنون ليصف جنونه؟» تقول: «لا أستطيع إعطاءكِ إجابة حقيقية عن سؤالك. لكن إن كنتِ ترغبين في معرفة رأيي... نعم. إنه حقيقي. ولا أهتم». «ألا تهتمين!؟ كيف لا تهتمين؟» أضغط عليها: «هناك شيء يعبث بعقلك! حتى وإن بدا ذلك طبيعياً بالنسبة لكِ، فما بالكِ إن أصاب الباقيات بالعدوى؟ ماذا لو أذى أناث (Anath)!؟» تضحك نانايا. بدا ضحكها في غير محله بشكل مزعج لدرجة جعلت أفكاري تندفع للحظة وجيزة نحو وضع القتال، ممطّطة ثواني الصوت إلى عصور. «أنات هي نقطة مرجعيّتي،» تقول: «لا يمكن للمرء تشخيص جنونه بنفسه. لكن فيها؟ أنا أرى ذلك. أو أرى احتمال حدوثه على الأقل. ولكن إذا وُجد الفساد في عقلها —أو في عقولنا جميعا، على ما أظن— فهو خفيّ. يغخز، يقترح، يغوي. لكنه لا يقهر إرادتنا، ولا يمكنه ذلك. الخيار يبقى خيارنا دائماً لنصنعه. تخبرها إرادة البغضاء، نعم، القتال هو ما يمنحك الغاية. تخبرها نعم، لن تكوني صديقتها أبداً. لكنّ أيّاً من هاتين الفكرتين لم تُولد منه. بل كانت ملكاً لها منذ البداية... هو ببساطة... يجعلها تبدو أكثر واقعية». تخلق نانايا ابتسامة. ومن جديد، يمثّل هذا مشهداً نادراً منها، وفي هذه الحالة لم يكن لطيفاً على الإطلاق. «وأؤكد لكِ، بدا حاقدي واقعياً للغاية بالفعل قبل أن أقع حبيسة لعناق البغضاء لأشهر متوالية. فهل قادني الفساد إذن إلى الجنون؟ أم كان العزلة؟ أو ربما، ألستُ مجنونة على الإطلاق؟ بالنسبة لي، لا يهمّ الأمر. فالمهمة واحدة بغض النظر عن ذلك، وأخيراً، بعد كل هذا الوقت، باتت قريبة المتناول. تحقيقاً لتلك الغاية إذن، دعيني نناقش استراتيجيتنا». يا للهول. أشعر فقط... بالخدر. لا يبدو الأمر حقيقياً. ظننتُ أنني ونانايا متوافقتان بشكل جيد للغاية. أعني، كانت البلايا واضحة، ولا يمكنني إنكار ذلك، لكن... يؤلم. يؤلم كثيراً أن تختار من ظننتُ أنني قريبة منها أن تفعل بي هذا. بالكاد أستطيع استيعابه. «أهل أهتمبتِ لأمري يوماً؟» أسأل. «أكان كل ذلك كذبة؟» تضيّق نانايا عينيها نحوي. «...سؤال غير ذي صلة،» تصرّ. «سواء أهتممتُ للأمر أم لا، فأنا مستعدة للتضحية بأي شيء وكل شيء من أجل أهدافي. أيّ مودّة قد أكون طوّرتها تجاهك يمكن تحويلها ببساطة إلى المزيد من الغضب الآن وقد حان الأوان. حسن إذن. الخطة. على الأرجح، ستكون مينيرفا (Minerva)، وأورورا (Aurora)، وفيريتاس (Veritas) هنّ من يستجبن للبوابة التي ستتكون وشيكاً. ستتولين أمر أورورا وفيريتاس. وسأواجه مينيرفا وحدي». يجبرني التغيّر في الحديث عقلي على تبديل تروس تفكيره. لن ترغب ميلبوميني في أن نُهزم في هذه المعركة. علينا محاولة الفوز بها. لكنني لا أريد إيذاء هؤلاء الأطفال! «ألم تكدي تخسرين أمام مينيرفا في المرة الأخيرة التي تقاتلتما فيها؟» أسأل. «ما الذي يجعلكِ تعتقدين أن بمقدورك مواجهتها وحدكِ هذه المرة؟» «بصراحة شديدة، استخففتُ بها بشكل خطير،» تقول نانايا: «أثناء قتالي معها، كنتُ مسرفةً، متكبرةً، وغير كفؤة. يجب أن تكون معرفة أنني لا أستطيع تحمّل فعل ذلك مرة أخرى كافيةً وأكثر لتعويض الفارق، لكنني أنوي المبالغة في الاحتياط. لا أحب ارتكاب الخطأ نفسه مرتين». تسحب حقيبة صغيرة من عباءتها وتناولها إليّ. أفتحها. إنها مليئة بالمعززات القتالية المزودة بقوارير زرقاء. طاقة خام وقابلة للحقن. «لديها هذه أيضاً، كما تعلمين،» أشير إلى ذلك. «ولن تكون ساحة المعركة في صالحها بسبب ذلك إذن،» تقول نانايا: «على العكس تماماً، إنها ساحة معركتنا نحن بدرجة كبيرة هذه المرة. فبعد كل شيء، سيكون التقارب الوشيك حدوثه كبيراً للغاية، وعلى عكس حراس الأرض، لنهاجمنا الوحوش إن لم نهاجمها أولاً». «إذن في الحرب ضد الوحوش... نحن نقاتل برفقة الوحوش،» أقول وأنا فارغة الجوف. «أيّ جانب آخر يمكننا القتال في صفّه؟» تسأل نانايا. «ضد قوة متفوقة عددياً، كل ميزة ممكنة ضرورية». «أشعر أن هذا ينتهك اتفاقيات جنيف بطريقة ما،» أقول لها. «الحراس ليسوا موقعين،» تعترض نانايا، «ولستُ أنا كذلك». لكنتُ ارتجفتُ لو كنتُ ما زلت أرتدي لحمي، لكن السلاح لا يفعل أموراً كهذه. فعقلي يخفق ويتقلب ويخطط وينظم بالفعل. إنه مستعد بالفعل للقتال والفوز. لأنني لا أملك خياراً. لا أملك خياراً! «نانايا،» أقول بنعومة. «ممم». «أرجوكِ،» أهمس. «أرجوكِ اخبريني أنكِ لن تجعليني أقتل أطفالاً». تحدق فيّ لحظة، ثم تشيح ببوصلة نظرها. «...هدفنا اليوم هو جمع ثلاثة أحجار تحول،» تقول: «ما يحدث بعد ذلك لا يقع ضمن حدود أوالكِ». «ألا تعتقدين أن سرقة حجار تحول تخص حارسة أرض في خضم هجوم وحوش قد تقتلهن!؟» أطالب. «أعتقد،» تقول نانايا بنبرة مستوية: «أن الرحمة هي حصرياً امتياز من يتفوق أكثر في العنف. قومي بعملكِ. وإن كنتِ ترغبين في المزيد، فأنجزيه بشكل جيد». تبّاً. تبّاً! سأضطر لإيجاد سبي إذن. سأضطر! «أنتِ وحش حقاً،» أقول لها. «أعلم،» تردّ نانايا. «لقد قلتُ ذلك للتو». حسناً. أظن أنه لم يعد هناك ما يُناقش حول الأمر إذن. لا مجال للنقاش مع شخص يعرف تماماً مدى خطأ أفعاله ويختار ارتكابها على أي حال. ليس لدي سوى سؤال واحد أخير. «لماذا أنا؟» أسأل. «لماذا تجعلينني أقاتلهن؟ كان بإمكانكِ ببساطة شنّ هذا الكمين في أي وقت تكون فيه ميلبوميني متفرغة، وكان ليكون أكثر نجاحاً بكثير على الأرجح». «ستصل أفعالنا إلى ذروتها قريباً جداً،» تقول نانايا. «سيكون هناك رد فعل. وستكون هناك عواقب. وعندما يحدث ذلك، فمن الأفضل أن تكوني بكامل قوتك». تحدق في عيني مباشرة. «لذا أحرص على أن تقاتلي الأطفال». حسناً. استراتيجيتها تعمل بالفعل. لقد ارتفعت احتياطيات طاقتي إلى 61%. «حسناً إذن،» أنفض، مبطّئة أفكاري ليمضي الوقت سريعاً قبل المعركة. ليس عليّ فعل شيء للتحضير حقاً. بجانبي، أستطيع الشعور بنانايا تتأمل لتبريد نيران غضبها وجعل نفسها أقل سهولة في الاكتشاف، لكنها تبدو ناجحة جزئياً فحسب، في أفضل الأحوال. لم أعهد منها هذا القدر من القوة المتدفقة خارج شكلها المتجسد من قبل. إنه أمر مرعب بعضزو قليل. وبسرعة، أستشعر ثلاثة تواقيع سحرية إضافية أيضاً. مينيرفا، أورورا، وفيريتاس. ثلاث فتيات لا يستحقلن أي شيء أنا على وشك فعله بهن. «سنضرب بقوة وبسرعة، عند أول فرصة تسنح لنا،» تقول نانايا: «لا مغزى من إطالة هذا». «تم العلم،» أؤكد. «أدخل في الصمت». تومئ برأسها. لا يمكنني إبقاء لوحات دروعي مفتوحة أو التحدث مع أي شخص خارج التمرد المظلم ربما يقترب بالقدر الكافي للملاحظة. «سأبذل قصارى جهدي لإبعاد مينيرفا عن الأخريين،» تقول نانايا: «سنتعامل كلٌّ منا مع واجباتها الخاصة. ولن تتراجعي». لا أتفاعل ولا أرد، لكنني أصغي. قالت ميلبوميني إن نانايا كانت معها في هذا، لذا فإن كلماتها تكاد تتطابق مع أوامر سيدتي. الواحدة تلو الأخرى، سنجعل حراس الأرض يسقطن. سنكشف أوراق الحراس. وسنلعن العواقب. ما أهمية العواقب بالنسبة لالمجنانين والعبيد؟ بدون كلام، نتحضّر نانايا وأنا للقفز. تفضل كلتا منا اشتباكات المدى القريب، بعد كل شيء. نحن نقاتل لنفوز. لن أتراجع. لن أتراجع. لن أتراجع. وها هنّ ذهن. أهدافي في نطاق الرؤية. تطفو عالياً فوق المدينة الزائفة، رؤوسهن تدور كالمراوح، تتدلين من أذرع هدفي غير المستهدف بينما يبحثن عنا. سيجدننا قريباً. تتمدد ساقا نانايا بالقوة بينما تبدأ في التمتمة بالتعويذة. «لـن أتـحـمـل هـذا،» تقمقم، بينما يجتاح التحول جسدها ويستبدل بعباءتها المعتادة بذلة شكلها المتجسد. «ثـائـرة الـمـنـقـذ الـغـاضـب نـانـايـا!» وحينها تقفز، في حركة بصوت يعادل دوي طلقة نارية وسريعة على الأرجح بالقدر ذاته. مع ذلك، كانت مينيرفا مستعدة. إذ قذفت بفريقها في الهواء، استدعت سلاحها المتجسد وصدّت ضربة نانايا بعصا بندقيتها. أطاحت قوة الارتطام بها رغم التصدي، وكانت نانايا تتبعها كعقاب أثيم. أعادت كل من أورورا وفيريتاس توجيه أنفسهما في الهواء لتقديم نيران داعمة، لتبدأ كل منهما تعويذاتها الخاصة فوراً تقريباً. لكنني لا أتراجع. «[لـاغـريـسـوه]» أتلو، لتنقلني كلمة البغضاء الخاصة بـ'التبديل' آنياً إلى الهواء مباشرة فوق كلتيهما قبل أن تتمكنا من إتمام جمع الطاقة لتعويذتيْهما المتبادلتين. ومع نشر الدافعات، أطلقت نفسي بشكل مستقيم نحو الأسفل، لتلتقط إحدى يدي رأس كل هدف بينما أندفع بهما نحو سطح المبنى أدناه ثم أخترقه. تتكسر الأرض، وينفجر المبنى متناثراً من كل جانب، فأرفعهما معاً لأهوي بهما مجدداً. ارتفعت احتياطيات طاقتي إلى 62%. تصرخ فيريتاس، مناصفة بين الخوف والغضب بينما تلوح بجانب درعها نحوي. لا يمكنني تفادي ذلك حقاً، لكنني لست بحاجة إليه حقاً. تلتهم دروعي الضربة بينما أسحق كلا هدفيّ على الأرض مجدداً، لتعمل الطاقة السحرية من يدي على تعطيل دفاعاتهما وجعل الضربات العادية جداً تحدث ضرراً أكبر بكثير مما تفعل عادةً للمحاربات المتجسدات. وبما أنهما في يدي بالفعل، حسناً... «[ضـربـة مـيـغـا مـزدوجـة]» تبدأ الطاقة في التجمع في راحتيّ، ويكفي مجرد الشحن لحرق جلد هدفيّ، لكن لسوء الحظ— لحسن الحظ؟ —تعويذتي بطيئة للغاية. «درع الحبّ!» تصرخ أورورا، ليلف نور ذهبي كلتا هدفيّ قبل اكتمال شحن تعويذتي تماماً، مفجراً كلتيهما من مسافة قريبة. تتدفق الطاقة من هجومي خارج راحتيّ، لتكشط الحواجز المتشكّلة حديثاً، وترتد في نهاية المطاف، لتتطاير الطاقة في كل اتجاه بين أصابعي كما لو كنت أضع يدي على خرطوم حديقة. يكسر الارتداد العكسي قبضتي أخيرًا، لنندفع أنا وأهدافي قسراً بعيداً عن بعضنا البعض بينما يتصدع درعهم الواقي ويتحطم. على الرغم من الخسائر الناجمة عن الضرر المتلقّى والتعويذات المُلقاة، فقد ارتفعت احتياطيات طاقتي إلى 63%. تأخذ الاثنتان جزءاً من الثانية للتعافي من الصدمة، لكنني أستجيب فوراً، متحركةً لتقليص المسافة. لست سريعة تماماً رغم ذلك، وتستدعي كلتاهما أسلحتهما المتجسدة، لتقفز أورورا إلى الخلف وتتقدم فيريتاس إلى الأمام، مشكلتين برمحها ودرعها جداراً لا يقتصر على صدّ أي هجوم قد أوجّهه نحو أورورا، بل يحجب أيضاً معظم قدرتي على رؤيتها. ليس كأنني بحاجة لرؤية أهدافي بالعين لنعرف أين تقعان. لن يفيدها ذلك كثيراً. في المرة الأولى التي تقاتلنا فيها أنا وفيريتاس، كانت مجرد غضب غير موجه، مسددة ضربات عشوائية وهجمات طائشة في محاولة عبثية للسيطرة عليّ. إنها مختلفة الآن. حذرة، مسيطرة. متدربة. تلوح برمحها ودرعها بهدف، عاقدة العزم على البقاء كجدار بيني وبين شريكتها. لقد نمت كثيراً في غضون بضعة أشهر قصيرة فحسب، تقاتل وتتدرب وتتعلم كيف تتجاوز حدودها. لكنني سأنزع ذلك منها. أنا، الشخص الذي جلس أساساً على مؤخرته ودعا ألا يحين هذا اليوم قط، متخذةً أي خطوات لتجنب ذلك حقاً. لكن فيريتاس طفلة، وأنا آلة بُنيت للحرب. أتقدم إلى الأمام، أراقب عضلاتها وهي تتحرك، أرى كل رعشة في جسدها، وأعلم تماماً أين سيستقر ذلك الرمح قبل أن تبدأ في الطعن به أصلاً. تقود الحسابات إلى نتيجة حتمية، وأطيعها كأمر سماوي صادر عن ملك. يمر الرمح على بعد أقل من بوصة من جانبي، وألوّي جسدي لأركل الذراع التي تحمله، لتنبثق الدافعات من ساقي وقدمي قبيل تماسي بمرفقها. يطلق دفق كامل من الدفع إلى الخلف، ليدور جسدي في الهواء متمركناً بين الكرات التي كانت أورورا تحاول ضربي بها من الخلف، ويتبع الطقطقة المقززة لمفصل مكسور صراخ طفلة من الألم بسرعة. ارتفعت احتياطيات طاقتي إلى 65%. أنا آسفة. أنا آسفة، آسفة حقاً. تتحرك أورورا فوراً لمعالجة شريكتها، لكن نبضة طاقة مجلجلة تجتاح ساحة المعركة بأكملها، لتفتح بوابة العالم المظلم مقذفةً بدزينات من الوحوش على الفور تقريباً. تحاول كل من الوحوش دفع الأخرى لتكون الأولى في طاولة الطعام. يغمر الخوف كلتا هدفيّ عندما تدركان حجم الخطر الهائل الذي تقعان فيه، وبما أن أيّاً منهما ليست ساحرة شرقية في الأساس، فهذا ليس سوى ميزة أخرى لي. أمدّ يدي نحوهما معاً، ويتجمع النور في راحتي. لا تزال أورورا تحاول إلقاء تعويذة الشفاء الخاصة بها، لذا تحتمي فيريتاس خلف درعها لحماية الاثنتين معاً من هجومي. لكن النور لم يكن سوى خداع، تلاعب أساسي بالسحر بينما تكتمل تعويذتي الحقيقية. ومع حجب رؤيتها، لا تلاحظ حتى فوات الأوان. «[لـاغـريـسـوه]» أنتقل آنياً مجدداً، ظاهرة مباشرة خلف الاثنتين. لم يبقَ شيء لحماية المعالجة. كافية خطوة معززة بالدفع نحو الساق لكسر طرف آخر. فجزء كبير من طريقتي في القتال مبني حول توقع واستباق تحركات خصمي، بعد كل شيء. وكلما حددت حركتهما، كلما أصبحت قدرتي على فعل ذلك قمعية أكثر. نظراً لأن خصمي ساحرة صفراء، فإن الحرب النفسية مهمة أيضاً. وبينما لا تزال قدمي تثبت ساقها المكسورة، أوجّه راحتي نحوها. «[الـبـرق الـصـاعـق]» تتّسع عيناها، لكن فيريتاس تنجح في الالتفاف والاعتراض في اللحظة الأخيرة، دافعة إياي بعيداً عن أورورا بكتفها لكنها تتلقى الضربة بدلاً منها. تعبر الصواعق عبرها، منتزعة صرخة أخرى. يزدهر الخوف والغضب خلفي بمستويات غير مسبوقة. «تفجير كاثارسيس: رفض الجنة». ألتفت برأسي في الوقت المناسب تماماً لرؤية مصدر الدوائر السحرية وهي تتفتح وتتجسد حولي. تحلق مينيرفا عالية في السماء، وموجهة عصاها نحو سحابة العاصفة التي تتفتح بسرعة فوق رأسي. وجهها ملتف إلى أقصى... والأكثر استحقاقاً. —تعبير عن الكراهية رأيته في حياتي. وحينها، يسقط البرق. بسرعة تعجز عن تفاديها. لم أكن مستعدة لذلك، نظراً لأن أوامري كانت التركيز على أهدافي، وافترضت أن نانايا ستكون قادرة على إبعاد مينيرفا عني. يرتطم التفجير بدروعي، دافعاً إياي هبوطاً إلى ركبة واحدة بينما يلتهم ما يقرب من خمسة وعشرين بالمائة من احتياطيات طاقتي في ضربة واحدة. لو استطعت الشعور بالألم، لكان ذلك مؤلماً حقاً. تبدو مينيرفا وكأنها على وشك المتابعة، لكن صوتاً لحنياً صاخباً يجلجل عبر ساحة المعركة، وتنطلق موجة صدمة حمراء من الأرض لتطيح بمينيرفا رأساً على عقب خارج السماء. تحاول تعديل وضعها، لكن أغنية أخرى تتبع الأولى، ويكاد أستطيع الشعور بالعذاب عبر لوحات دروعي المغلقة. تصرخ حارسات الأرض الثلاث من الألم، وتضطر مينيرفا لتحويل انتباهها مرة أخرى إلى نانايا... في الوقت المناسب تماماً لرؤية المرأة تقفز في الهواء وتلوح بفيولا نحو جمجمتها. يتناثر الدم ويذوب في ذرات سحرية بينما تهبط نانايا بضربة حاسمة على مينيرفا، لتتهاوى الفتاة ساقطة من السماء، فاقدة للوعي تماماً. أعلم أن هذا لا يعني أن إليزا (Eliza) خرجت من المعركة نهائياً، رغم ذلك. لم تُنجز المهمة إلا بنصفها. «تـحـريـر: شـفـاء ذهـبـي!» يغلف النور الذهبي حارسات الأرض، لتلتئم العظام المكسورة وحتى الجماجم المتصدعة بنفسها. لا تستيقظ مينيرفا، مصطدمة بقوة بالأرض، لكن شكلها المتجسد ينجح في الحفاظ على التماسك لفترة كافية لمنع إليزا من الموت عند الاصطدام. ما ينبغي عليّ القلق بشأنه هو حقيقة أن كل الضرر الذي ألحقته قد تراجع للتو. اللعنة، اللعنة، اللعنة! لا أريد الاستمرار في إيذائكِ! «حسناً، إنها سريعة،» تقول أورورا، متأوهة وهي تقف على ساقها المكسورة سابقاً. «لكننا لن نتفاجأ بمثل ذلك مرة أخرى، أليس كذلك؟» «بلى،» تقمقم فيريتاس، مستدعمة رمحها مجدداً. يرغب جزء مني في مهاجمتهن بينما يتجاذبن أطراف الحديث، لكن لدي حركة أكثر حكمة بكثير لأقوم بها. إنها اليد العليا؛ يجب ألا أسمح لدفقة شفاء بسلب أي مزايا مني. أفتح لوحات دروعي، ليتصاعد بخار أزرق وفيروزي في الهواء بكثافة تكاد تجعل أورورا تختنق رعباً. أستدعي أحد المعززات القتالية التي وضعتها سابقاً في مخزني السحر، دافعة إياه في المنفذ الموجود على فخذي وضاغطة على الحقن. تبدو فيريتاس وكأنها على وشك مهاجمتي، لكنها تلقي نظرة واحدة إلى الخلف نحو أورورا وتثبت مكانها بدلاً من ذلك. أنا فخورة بها بشكل غريب، رغم أنها فكرة دُفعت عميقاً في محركي العاطفي بمجرد ظهورها. لا أستحق الشعور بشيء كهذا. وعلاوة على ذلك، لن يفيدهن ذلك على أي حال. - - - كل شيء يدور. كل شيء يؤلم. لا تفشلي! أم... ماذا؟ لا تفشلي! أه! آه! «لـن أفـشـل!» أسمع طقطقة انزعاج من فوقي، لتلاحظ رؤيتي المموجة نانايا تجهض هجومها وتقفز بعيداً قبل أن تُجبر موجة صدمة تحولي الأمر على غير ذلك. يدفعني السحر للارتفاع في الهواء بينما يتغير جسدي، وهو أمر مفيد للحصول على نظرة على الأرض ولكنه لطيف أيضاً حتى لا أعود مستلقية ومنكمشة في التراب. «مـنـتـقـم غـاضـب نـاجٍ فـلـغـورا!» ويعود كل شيء دفعة واحدة. رؤيتي، قوتي، ذاكرتي عن المعركة. يا للاله، تلقت مينيرفا ضربة قوية. أندهش من أنها لا تزال واعية في مؤخرة رأسي على الإطلاق. ليس هناك وقت للراحة. علينا مساعدة فيريتاس وأورورا! عليهما التدبر بأنفسهما لبعض الوقت! إن منحنا نانايا المساحة لعزف الموسيقى، فسوف تسحق القطعة اللعينة الأرض بهن، بمساعدتنا أو بدونها. لا يمكنهن مقاومتها! الوحوش القادمة! تبّاً! تبّاً، تبّاً، تبّاً! البوابة مفتوحة، لا يمكنني تجاهل ذلك. نانايا تجبرني على الاشتباك معها، لا يمكنني تجاهل ذلك. لكن القطعة رفعت رسمياً قفازاتها عن الأطفال وكانت تؤذي فريقي، ولا يمكنني تجاهل ذلك أيضاً! عليّ بطريقة ما التعامل مع... ساحة المعركة بأكملها دفعة واحدة. العنة. كاثارسيس؟ الآن؟ بالفعل؟ ليس لدينا خيار. أطلقيها يا مينيرفا! سخافة! حسناً! «كاثارسيس!» نئيرنا. «عاصفة عارمة متجاورة!» تضطرب الأجواء بالطاقة، ويزأر سحري عبر الهواء. إلى يمين، يتعرض تيار الوحوش القافزة نحو فريقي للصعق بالبرق. إلى أمامي، تُحبط محاولات نانايا لعزف آلتها الدقيقة برياح عاتية. إلى خلفي، تعوي طاقتي، جاهزة لدفعي إلى المعركة في أجزاء من الثانية. بثلاث كلمات، قلبت الموازين. لكنني الآن، تحت حد زمني. عليّ إسقاط نانايا بشدة، وعليّ إسقاطها الآن. أتقدم إلى الأمام، ملقية نظرة عابرة صغيرة فقط على فريقي بينما تتصدى فيريتاس بيأس لهجوم من تلك القطعة اللعينة. سأحولها إلى خردة لعينها! كيف تجرأت على إيذائهن! سأمزق التمرد بأسره إرباً! «تفجير كاثارسيس: مطرقة الجنة!» غير آبهة بتكلفة الطاقة الهائلة على وقتي النزف بالفعل، ألوّح بعصاي نحو نانايا في اللحظة التي أصفعها فيها من الخلف بدفق من ضغط الرياح. في المرة الأخيرة التي استخدمنا فيها الكاثارسيس ضدها، أُجبرنا على فعل ذلك بطريقة دفاعية في الغالب، لكننا لن نملك حتى هذا الخيار الآن لو أردناه. خيارنا الوحيد هو الهجوم الشامل الذي لا يلين، وإنهاء المعركة بأقصى وأسرع ما يمكننا. تتصدى نانايا لضربتي، بالكاد فقط، لتفجر قوة الضربة سلاحها المتجسد. لا مزيد من الأغاني، على الأقل حتى تتمكن من إعادة تشكيله. «فلاش الروح!» ألقي، مسرعة أكثر بينما أُمطرها بضربات لا توقف ولا تراجع. لا مناورات خادعة، لا تردد، مجرد عنف خام. تتصدى نانايا لأول ضربتين وتنحني تحت الثالثة، مترددة بلكمة صاعدة وحشية على ذقني تطير بي بعيداً عنها. لا أحاول حتى تفاديها. ليس لدينا وقت! لذا أتلقى الضربة وأعكس زخمهم بمجرد أن تطردني بعيداً، لتدفعني كاثارسيس الخاصة بي إلى نطاق الاشتباك لاستئناف الهجوم. لا تتوقع نانايا ذلك، لذا أجعل ضربتي تُحسب. «قوس البرق!» أزأر، مسددة ضربة معززة إلى جانبي رأسها، الواحدة تلو الأخرى. يتطاير الدم ويتناثر، لكن الجوانح تلتئم بسرعة، لتستعير نانايا صفحة من كتاب لعبي وترد فوراً. لم تعد هذه معركة. بل إنها عراك وحشي لا يرحم، كل منا عازمة على ذبح الأخرى بأي ثمن لأنفسنا. لا أهتم حتى لكوني الوحيدة بيننا التي لا تستطيع الشفاء. سأتحمل ذلك، وسأفوز. «صدمة هرمجدون!» تتلو نانايا، مسددة ضربة إلى معدتي ودافعة بي بعيداً بسرعة أكبر من أن تستطيع كاثارسيس إيقافها. «تفجير كاثارسيس: ضربة دقيقة تكتيكية». تطلق طلقة في الهواء وتقفز خلفي، لذا أصوب عصاها وأطلق النار على وجهها مباشرة. «برق صاعق مزدوج!» شعبتان لولبيتان من البرق الأحمر والأخضر تضربانها في منتصف الهواء وتسقطانها على مؤخرتها. «خطوة صاعقة!» أظهر خلفها بينما يمر البرق عبرها، لاوية يدي نحو ظهرها مسبقاً. «تفجير كاثارسيس: مطرقة الجنة!» أشعر بتصدع عمودها الفقري بينما أرسلها متدحرجة عبر جدار من الطوب، آمرة جسدي بالقفز خلفها والمتابعة لكنني أجد نفسي أترنح خطوة واحدة فقط. أُسعل، ليتبرّز دم مُتشكّل سحرياً من حلقي ليذوب على الأرض. بالفعل؟ أتكاد تنفد طاقتي بالفعل؟ لا يمكن ذلك. أين غضبي؟ أشعر بجمار اللهب، لكنها تومض بضعف في ظلام الإرهاق. هيا، أشعله أكثر. أشعله قليلاً أكثر! تذكّر صوت صراخهن. من أجلهن، من أجلهن! من أجل الفتيات اللاتي نحن فخورات بهن جداً! أخطو خطوة أخرى، وتعود القوة شيئاً فشيئاً، لكن أمامي، تدفع نانايا الأنقاض التي تدفنها وتنهض على قدميها. وتلتئم جروحها. كانت هذه فكرة سيئة منذ البداية. لماذا... انتظر. ماذا تفعل؟ تخرج نانايا قُنينة مليئة بسائل أحمر، وتنزع الغطاء عن الإبرة، وتحقنها مباشرة في رقبتها. ما اللعنة التي... انتظر. المحاقن. الأشياء التي أعطتنا إياها أواماتا (Uma'tama) لنستخدمها في حالات الطوارئ. لقد... لقد نسيت تماماً أننا نملك تلك. دافعة يدي في إحدى الجيوب العديدة على ملابس شكلي المتجسد، أسترجع علبة المعززات القتالية الحمراء والخضراء التي أودعتها إياها أواماتا. واو، هناك الكثير هنا. اثنتان من كل نوع ستكونان جيدتين. انتظر، ماذا؟ ليس لدينا متسع من الوقت للتردد، مينيرفا. أجمع المحاقن الأربعة جميعها في قبضتي، أجهزها كلها، وأطعن نفسي في رقبتي أيضاً. يؤلم كالجحيم، لكنني أضغط على الأزرار الموجودة في الأعلى وأترك السحر يتدفق. سيموت فريقي. وسأقتل كل مسؤول. مطلقة زئيراً بلا كلمات، أسقط البرق على ساحة المعركة بأكملها تقريباً دفعة واحدة، ذابحة جموع الوحوش بينما أطرق على نانايا والقطعة بالحكم السحر. ومع صراخ مينيرفا بلا كلام في مؤخرة رأسي، أقفز نحو نانايا بكل ما أوتيت من قوة. تنحني تفادياً للتلويحة الطائشة المستهدفة جمجمتها وتحاول تسديدكمة صاعدة لي مجدداً، لكني أنثني متفادية في منتصف الهواء، فالرياح دائماً في صفّي. «قوس البرق!» أصيح. «قوس البرق! قوس البرق! قوس البرق! تفجير كاثارسيس: مطرقة الجنة!» «انفجار الانتقام!» تخنقه نانايا في الوقت المناسب تماماً لإبعادي قبل ضربتي القاضية، ليتشنّج جسدها بألم بينما ترقص صدمات ثانوية عبر عضلاتها. «تفجير كاثارسيس: شتات صامت!» يغمر الظلام ساحة المعركة، قاطعاً حواسي. أندفع فوراً إلى آخر مكان رأيت فيه نانايا، ولكن كما كان متوقعاً لم تعد هناك. «أيتها الجبانة!» أبصق. «حمقاء،» ترد من هناك. من أين؟ أضرب نحو الصوت فلا أصيب شيئاً. «رغم أنني ربما لا ينبغي لي رمي الحجارة. هذه هي المرة الثانية التي استخففتُ فيها بكِ». كل ثانية أهدرها في الاستماع لثرثرتها هي ثانية أخرى تكتسبها للشفاء. أسقط البرق في كل مكان حولي دفعة واحدة، كاسبة لنفسي تأوهاً من الألم. أقفز نحوه، ألوّي على نطاق واسع، و... لا شيء. مجدداً. تجري كفأر صغير. «دراسة جندي،» تتلو نانايا، لتصدح أغنية حزينة وبسيطة تملأني بمزيد من الغضب. خلفي، يفرغ خط إطلاق من الظلال رصاصات سحرية في ظهري. «يؤلمني الاعتراف بأنكِ تتفوقين عليّ في معركة وجهاً لوجه، لكن براعتي لم تكن يوماً في الهجمات المباشرة على أي حال. الوقت ليس في صالحك. ستنزفك كاثارسيس الخاصة بكِ جافة في النهاية، وعليّ ببساطة الصمود طويلاً بما يكفي». أزأر وأضرب مجدداً، لكن لا شيء. لا شيء! في كل مرة، ركض ركض وركض عندما أحتاج إلى— اهدئي. اهدئي اهدئي اهدئي! سأقتلها حقاً! ركّزي! لقد تغلبنا على ظلامها من قبل. شعري بالرياح. لم يعد بإمكاني استخدام جسدي، لكن لا يزال بإمكاننا مساعدتنا في الفوز بهذه المعركة. الـ... رياح؟ الرياح. تذكّري. فعلنا هذا معاً. كاثارسيس الخاصة بنا تتغلب على تفجيرها. إنها يائسة. نحتاج فقط إلى التركيز. ركّزي... صحيح. صحيح! تحسسي الأمر بالرياح، واحتضني تياراتها. يبدو الميازما السميك لخارج تفجيرها مختلفاً عن باقي الهواء، وهو يتبعني بينما يتحرك. إنها ليست هنا، أليس كذلك؟ إنها مختبئة في مكان ما في الخارج، في مبنى، بعيداً عن القتال تماماً بينما تلحس جروحها. لكن عاصفتي لا تبالي بالداخل والخارج. كل هواء في نطاقي هو رياح، متى وكيفما شئتُ. وبسرعة، أجدها. متكتلة في الظلام. أريه الآن من هي الساحرة الأفضل. «خطوة صاعقة!» أنتقل آنياً خارج تعويذتها، بعيداً عن الظلال التي تطلق النار عليّ من كل جانب، ومباشرة بجانب عدوتي، بينما العصا تلوح بالفعل. هذا هو الأمر. الضربة الحاسمة. ترتطم عصاي بها، متكتلة في الزاوية كجبانة، و... ماذا؟ تضرب عصاي الظلام وحده. أمامي ليست نانايا على الإطلاق، بل أحد استدعاءاتها المظلمة المصنوعة بدقة لتشكلها تماماً والصلبة بالقدر الكافي لخداع رياحي. تشق عصاي حلقها، لكن الرأس يظل في مكانه تماماً، مبتسماً بانتظار الظفر. تتسرب خيوط من الظل من متفجرات بلاستيكية ظلالية مربوطة في كل مكان عبر صدرها. يُسمع صوت نقرة، وينفجر الظل. ينفجر المبنى بأكمله، وقد جُهز بالكامل للانفجار كقناصة انتحارية غامضة. أُقذف طائرة رأساً على عقب عبر الهواء، متدحرجة عبر عدة مبانٍ أخرى قبل أن أتمكن من الاستقرار متدحرجة إلى توقف. رأسي يدور، جسدي يؤلمني، وحين تومض عيناك وتفتحان، تلمحان صوتاً أحمراً من السحر القاتل يهبط نحوي بسرعة فائقة. الضربة الدقيقة التي أطلقتها نانايا في وقت سابق. لقد وجدت لحظتها. تحركي! أجبر جسدي المكسور على القفز، وما زال الألم غير كافٍ لإبقائي أسفل. لدي فريق أحميه! سأفوز بهذه المعركة! سأفعل! تنفجر الأرض خلفي، ليفخر انفجار أحمر ساطع المكان الذي هبطت فيه قبل جزء من الثانية. أنهض بسرعة على قدمي و— «أرماغيدون...» لا. «إمباكت!» يلتفت رأسي في الوقت المناسب تماماً لرؤية قبضة نانايا تتصل به، لتنتفض المرأة من مخبئها في اللحظة الأخيرة لهجوم حاسم بينما ما زلت مهتزة جداً بحيث لا يمكنني استشعارها. يتدفق الألم عبري بينما أُقذف مرة أخرى متدحرجة عبر الهواء، وهذه المرة عندما أصطدم بجدار فإنه يؤلمني، مرسلاً عذاباً عبر جسدي يضاهي في شدته تقريبا الضربة السحرية المباشرة. تتبخر كاثارسيس الخاصة بي إلى لا شيء من حولي. طاقتي السحرية مستنفدة تماماً. أكاد، أكاد أملك الحضور الذهني للتمسك بيأس بشكلي المتجسد حتى لحظة توقفي عن الحركة. ولكن بعد ذلك... هذا كل شيء. لقد انتهيت. أعود إلى بشريتي، وألم أشكالي المتجسدة المهشمة شديد لدرجة تمنعني من التحرك. لقد خسرنا. لا. يا للهول، أرجوك لا. إن شوكة الخوف الضئيلة لدى مينيرفا ليست كافية لإبقائنا مستمرات، وتتلاشى إلى لا شيء بمجرد أن تبدأ. النهاية هنا. لقد خسرنا. سنموت. وستموت الفتيات. ورغم أنني أعلم أنني بحاجة لذلك، فمن الصعب جداً، جداً أن أهتم. علينا... علينا... أغ. إنه يؤلم. إنه يؤلم. «ها أنتِ ههنا،» تقول نانايا، مقتربة منا مباشرة. هنا لإتمام القضاء علينا. وما إن تصل إلينا، حتى تخطو على صدرنا بأحد قدميها الضخمتين والوحشيتين، لالفّ المخالب الشبيهة بالأصابع حولنا وتثبت أذرعنا ضد جذعنا. لن نتحرك إلى أي مكان. ليس كأننا كنا سنفعل من قبل. ولكن ما يحدث بعد ذلك هو... غريب. تنحني نانايا، تقبض على مقدمة قميصي، وتمزقه بعيداً. أشعر بالحيرة أكثر من القليل في البداية، لكن بعد ذلك تمتد أصابعها المخالب لالتفاف حول القلادة التي أخفيها تحت ثيابي. حجر تحولّي. إنها تريد... حجر تحولي. لا. الشدّ البسيط ليس كافياً لتحريره من رقبتي، لذا تفصل ذراعها وتبدأ في رفع رأسي بيد ذات ثلاثة أصابع حتى تتمكن من سحب السلسلة صعوداً وإلى الخارج. لا! لا أختلف معها، لكن لا شيء يمكننا فعله. حتى مع نجاح الخوف في شق طريقه عبر الضباب، فإن كلا شكلينا المتجسدين مكسوران ومحطمان. لا يمكننا التحول. سنموت. نحن أفضل من هذا. لأجل ماذا تدربنا، إن لم يكن من أجل هذا!؟ لا شيء. هذا هو. هذه هي اللحظة. فريقنا يخسر. فريقنا يموت. لكن على الأقل هذه المرة، سنذهب معهن. لم نهرب. التباً لذلك. لا، في الواقع، تباً لذلك! لا يحق لها أخذ ذلك. لا يحق لها أخذ كل ما نكونه! انتظر! مينيرفا، توقفي! لقد حطمت جمجمتكِ! لا يمكننا استخدام شكلك المتجسد! أنا! لا! أهتم! نحن أفضل منها. فريقنا أفضل منها! ولن أدع أي وحش يتصرف بخلاف ذلك لفترة أطول. هذه مدينتنا، وليست مدينتهم! نحن حُماتها. ولن نسقط هنا! ينطلق ذراعي فجأة ويقبض على معصم نانايا، مانعاً إياها من أخذ الحجر في اللحظة الأخيرة. تتوتّر. «الجولة الثالثة، أيتها العاهرة،» أشُّ عليها. «لـن نـهـرب مـرّة أخـرى!» الخوف والغضب. لقد دفعنا حدود كل منهما، وما زلنا لم ننجح. لكن هذا لا يعني أننا نخسر. وبما أننا لن نخسر، فما الذي يدعو للخوف إذن؟ يهبط النور ويتقلص جسدي، ليغلف وهج أخضر شكلنا بينما أصبح شيئاً صائباً. لكن هذا الأخضر أفتح، بمسحة صفراء تميزه كلوون مختلف بشكل مجدٍ عما سبق. تتشكل ملابسي، ولكن بدلاً من قميص وتنورة بطول الركبة، يصبح فستاناً كاملاً من الأخضر الاصفر والأبيض، وصولاً إلى الكاحلين. ترتفع قفازاتي لتتجاوز مرفقي، والتيارا التي تستقر عادة على رأسي تنمو لتصبح تاجاً كاملاً. يبدو مثالياً. والآن، لم يبقَ شيء للقيام به سوى تلبية تلك الرغبة العارمة في الصراخ باسمي. «الـمـلـكـة الـفـخـورة الـمـتـشـابـكـة مـيـنـروا!» آه، يبدو ذلك رائعاً. لقد طال انتظار هذا. تملك نانايا من الحضور الذهني ما يجعلها تقفز بعيداً قبل أن يفجرها تحولي، لكن المسافة جيدة بالنسبة لي. باستعراض أنيق، استدعي صولجاني، الأثخن من بندقيتي القديمة والمكلل بجوهر أخضر-أصفر شائك بوحشية بحجم ضعف قبضتي. أُصوبه نحو هدفي، لتتدفق الطاقة فيّ كما لم يحدث من قبل. «وابل صاعق!» تتفتّح الدوائر السحرية في الهواء في كل مكان حول نانايا، لتلتقي صواعق البرق الملتوية عليها من كل جانب. أطير أعلى في الهواء، متجمعة بالطاقة من حولي. العاصفة لا تزال ملكي. لقد كانت ملكي دائماً. لا أحتاج إلى كاثارسيس لترويضها. تبّاً مقدّساً. كفّي عن التحديق وساعدي! «روح العاصفة!» واو! هاهها! يمكنني الشعور بذلك. أنا الرياح والمطر. بالكاد أشعر أنني جزء من جسد مينيرفا بعد الآن، متفرعة بدلاً من ذلك عبر الحقل بأكمله، ونانايا بالفعل في قبضتي. أُكثّف الهواء خلفها بما يكفي ليكون قبضة، مطلقاً إياها على مؤخرة رأسها بينما تحاول شفاء الحروق الكهربائية. ترتجف دماغها من الضربة، لكنها لا تزال تلتقط ما يجري، مكافحة محاولتي الثانية والثالثة لإسقاطها. لكن في مؤخرة رأسي، أستطيع الشعور بأن مينيرفا لم تكن خاملة. «رفض الجنة!» ما كان تفجيري سابقاً، يُطلق الآن كتعويذة أساسية ومع ذلك ليست أقل ضعفاً منها. صاعقة برق هائلة بعرض شارع في المدينة تهبط على نانايا من الأعلى، تاركة إياها بلا وقت أو أمل للهروب. يمكنني سماع صراخها من هنا. لا يمكنني القول إنني أشعر بالسوء إزاء ذلك ولو قليلاً. ولكن مع ذلك، رغم كل ذلك العقاب، لم تخرج من المعركة. تدفع نفسها صعوداً نحوي، مكافحة ضربات فلغورا الأثيرية وحاقنة معززاً قتتالياً آخر في رقبتها. «كاثارسيس: غضب مهلك!» يشتعل الهواء. يزأر السحر الأحمر بغضب بينما يبدأ زيّ الجديد كلياً في الاحتراق. لكن بصراحة؟ لا أهتم. أنا أفضل منها الآن. لقد كنت أفضل منها لفترة طويلة. كان عليّ فقط التوقف عن الخوف وقبوله. أُصوب طول صولجاني، مصوبة نظري مباشرة نحو أسنانها المزمجرة. «تفجير كاثارسيس: إبادة صاعقة.» ينشطر الهواء المحترق، شاقاً شعاعاً رقيقاً من الضوء الأصفر والأخضر طريقه عبر السحر في الهواء والمرأة في طريقه بقوة متساوية. يجتاح النور نانايا، لانسجاً ثقباً من ذقنها وصولاً إلى الأسفل وخارج فخذها. تنفجر النيران الهادرة من حولها، دافعة جسدها النازف عبر الهواء ومسقطة إياها نظيفة خارج تحولها المتجسد. إلا أن الفاسدين يمكنهم الإلقاء بدون تحولاتهم. يبدو ذلك. الأفضل المتابعة. «مطرقة إعصارية.» تتجمع سحب العاصفة فوق وأمام مسار نانايا، نامية، متكثفة أكثر، ونامية مرة أخرى. مرّة تلو الأخرى، يتبنى المزيد والمزيد من الضغط في سحابة الرعد الهائجة حتى تصبح السحابة كثيفة بما يكفي لكسر الحجر. أه، سأحب هذا الجزء. ترفع إرادة فلغورا البناء بأكمله، وما إن تصبح نانايا في النطاق حتى تهوي به كله. يُسحق جسد نانايا غير المتحول إلى الأرض بقوة تكاد تكون حفرة، وألوّي جسدي وأطلق نفسي مباشرة نحوها وهي تهبط. أصل هناك لحظات بعد هبوطها، مطيرة بوصولي سحابة الغبار التي شكلها الاصطدام. ملوية في الهواء، أضغط بقدمي الأصغر بكثير على صدرها وأصوب صولجاني نحو رأسها. «أنتِ—» تبدأ نانايا في الكلام، لكنني لا أرى أي سبب إطلاقاً للسماح لها. «البرق الصاعق.» بطقطقة ووميض، تفقد وعيها وبالكاد تتنفس. أنحني نحو كاحلها وأنزع حجر تحولها، لأنه على ما يبدو أننا نصعّد الأمر إلى هذا الحد الآن، وأنا ببساطة لم يعد يهمني على الإطلاق. لا يزال لدي معركة لأفوز بها. سأعتني بالوحوش. خذي الأطفال أنتِ! فريقي. وبمجرد تلويح خام للقوة السحرية، أدفن نانايا حتى رأسها في الأنقاض وأندفع نحو حيث أشعر بوجود فيريتاس وأورورا. إنهن على قيد الحياة. يمكنني الشعور بأنهن على قيد الحياة، وهذا يمنحني مثل هذا الإزهار من القوة لدرجة أشعر معها أنني أستطيع القتال إلى الأبد. فبعد كل شيء، أنا فخورة بهن جداً. عندما أصل إلى وجهتي فعلياً، ومع ذلك، فإن ما أجد ليس بممكّن كثيراً. القطعة تنتظرني، مطقة النظر مباشرة نحو المكان الذي أصل إليه قبل أن أصل حتى. وفتياتي... يا للهول، فتياتي. فيريتاس فاقدة للوعي عند قدمي الآلة الوحشية، وأورورا في ذراعيها، واعية ولكن مهزومة تماماً. إنهن جميعا في شكل بشري، وتستقر القطعة بقدم واحدة بتهديد على رقبة فيريتاس بينما تحمل أورورا في وضع يبدو وكأنه على وشك كسر ذراعها في أي رعشة. أتوقف مكاني، والكراهية تملأ كل ألياف كياني. «سأحولاكِ إلى خردة،» أهدد، عازمة على كل كلمة. لكن رداً على ذلك، يعدل الشيء بلا رحمة قبضته بما يكفي لانتزاع أنة ألم من أورورا. وأعلم أن الفتاة تحاول كبح ذلك، محاولة عدم إعطائي سبباً للاستسلام، لذا يجب أن يكون كل ما يفعله بها عذاباً. «أعطهن لي،» أزمجر، ولدهشتي القصوى يرد الروبوت فعلياً. «نـا-نـا-يـا،» يقول، بصوت مسطح ومصطنع، مقطعاً غير طبيعي تلو الآخر. «ماذا، تريدين المقايضة؟» أسأل، فتومئ. تبّاً. تبّاً لكل شيء! أيمكنني إطاحتها قبل أن... لا. لا أستطيع. إنها تحمل كلتيهما. وهنّ ضعيفات للغاية الآن، فارغات تماماً من السحر لدرجة أن حتى هواء المنطقة الحدوديّة قد يؤذيهن بينما نتحدث. «حسناً،» أوافق، ممددة يدي وسحري طوال الطريق إلى حيث دفنت ذلك الوحش اللعين، ناشلة إياها من الأنقاض التي دفنتها فيها ومجتذبة إياها طوال الطريق إلى قبضتي. «ها هي ذي. دعيهنّ الآن». تشير إلى الأرض عند قدميها. گرر. أيمكنني محاولة صفّعها بعيداً عنهنّ؟ لا. ستشعر بكِ. فنعاساتها مجنونة، أتذكرين؟ تبّاً وتبّاً اللعنة! لا أصدق أنكِ تصبحين بهذه القوة، ثم ينتهي بنا المطاف خاسرين أمام موقف رهائن! ليست خسارة تامة. لا زلنا نملك حجر نانايا. أرمي بها إلى قدمي الروبوت، وفي تلك اللحظة تطلق سراح أورورا، دافعة بها نحوي....لكنها لا تعطيني فيريتاس. بدلاً من ذلك، تركع، وتبدأ في التفتيش حول عباءة نانايا، مسحبة آلة مألوفة. «من الأفضل ألا—» أبدأ، لكنها تضغط على الزر الموجود في جهاز التحكم عن بعد على أي حال، لتفتح بوابة العالم المظلم خلفها. قابضة على نانايا، تقفز فيها، ثم تغلق البوابة. لكن... تترك فيريتاس خلفها. إذن يكفي ذلك، أظن. على الأقل في الوقت الحالي. «هل أنتِ مصابة؟» أسأل أورورا. «نحن بخير،» تكذب. «لكنها أخذت أحجارنا!» آه. صحيح. واحدة صعود، اثنتان نزول. اللعنة. لقد خرجن في القمة بعد كل شيء. ولكن لماذا هنّ راغبات في الأحجار حتى؟ أهنّ يجندن المزيد من الأعضاء؟ أهنّ على وشك تحويل المزيد من البشر إلى وحوش مثلهن؟ «أنا آسفة،» تقول أورورا بلطف. «لا،» أقول لها. «لقد أبليتِ بلاءً حسناً. بل وبلبلتِ بلاءً رائعاً. لقد بقيتِ على قيد الحياة. في نهاية اليوم، هذا هو ما يهم. يمكن استبدال أحجار التحول». «لكن—» «لا بأس،» أصرّ بحزم. «لن ندع هذا يتكرر مرة أخرى. في المرة القادمة التي نرى فيها التمرد، ستكون نهايتها». سأهزمهن جميعاً بنفسي إن اضطررت، لكن هذا؟ كانت هذه القطرة التي أفاضت الكأس. لقد تجاوز هذا الحد. والآن، أعلم أن لدي أشياء أفضل للقيام بها بزهوي بدلاً من الإصرار على أنني بحاجة لفعل كل شيء بنفسي. في المرة القادمة التي يظهر فيها الفاسدون وجوههم؟ سأستدعي الجميع. بما في ذلك كاستاليا (Castalia).
الفتاة السحرية والقلب الآلي الفصل 53 — وحش
اقرأ الفتاة السحرية والقلب الآلي الفصل 53 — وحش باللغة العربية على مانجا تايم.