"ما الذي تفكّرين فيه يا إليزا؟" أرمش. يتبدد الجواب عن سؤال كلو مؤقتاً ويتركني في حيرة بينما تدفعني كلماتها للخروج من شرودي. يعود قطار أفكاري إلى سدته بالسرعة الكافية لأتبين ما أقوله. أقول لها: "عائلة أورورا دعوتني إلى العشاء اليوم". تسأل: "أه! هذا لطيف منهم. أتعرفينهم جيداً؟" ننقضي أنا وهي وقتاً معاً، تماماً كما فعلنا طوال الصيف تقريباً. لكننا نجوب الشوارع اليوم سيراً على الأقدام غالباً. نتسكع. الجو هادئ، لكنه جميل. أوضح لها: "حسناً، أعرف أورورا جيداً، نوعاً ما. لكنني لم ألتقِ بعائلتها قط. لا يُطرح الأمر كثيراً عادة. نفضّل بصورة عامة إبعاد عائلاتنا عن عملنا قدر الإمكان". تومئ كلو: "أه، أرى ذلك. أورورا إحدى الفتيات في فريقك، أليس كذلك؟ أظنه أمراً رائعاً أنها تريد منكِ لقاء عائلتها". أومئ: "نجل، هذا صحيح. لست متأكدة فحسب من كيفية لقائهم". كيف لا يكون هذا واضحاً؟ إنهم بشر. نلتقي بهم كبشر. وانتهى النقاش. تسأل كلو: "ماذا تقصدين؟" أعترف: "يبدو الأمر غريباً بعض الشيء عندما أتسكع مع أورورا بصفتي... كما تعلمين، راشدة". ذلك لأنه غريب حقاً! لكنكِ تظلين راشدة حين تبدين طفلة، لذا فهو ليس أقل غرابة بأي حال! تسأل كلو: "أتقولين إنكِ تريدين الظهور بصفتي مينيرفا؟" أهز كتفي باسترخاء: "حسناً... أجل، أعتقد ذلك. أعني، أنا مينيرفا. ولكني قلقة من أن يبدو الأمر... مخيفاً؟ لا أعرف حتى لماذا أتحول إلى طفلة عندما أتحول. لا أتصرف كالأطفال أبداً. إنه أمر مخيف تماماً، أليس كذلك؟" تجيب كلو ببطء: "...حسناً، أظن أنه لا يكون مخيفاً إلا إذا جعلتِه مخيفاً. أعني، حسناً، لا توجد طريقة جيدة لطرح هذا، لذا سأقولها بلا طي كلام... ليس الأمر متعلقاً بالجنس، أصحيبح؟" أرتجف: "لا! ألف مليون مرة لا. أكسر ذراعي أي شخص يحاول شيئاً كهذا". حين أفكر في الأمر الآن، قد تكون حقيقة أن هيئتي الطفولية شيء يرفضه المجتمع جماعياً من الناحية الجنسية إحدى أكثر الأشياء التي أحبها فيها؟ أنا... لا أريد أن يرانِ الناس على تلك النحو. أبداً. ولا في أي وقت. يا له من شعور. لم أدرك أن الأمر كان بهذه الحدة بالنسبة لكِ. لا أعتقد أنني أدركت ذلك أيضاً؟ أتعمد عادة تجنب التفكير في أمور كهذه، وأنتِ لا تفكرين فيها كثيراً أنتِ الأخرى. نعم، أعتقد أنني لا أفعل. تومئ كلو: "هذا ما كنت أظنه تقريباً. أتعرف عائلة أورورا كم عمرك؟" أعترف: "أنا... ليس لدي فكرة. أورورا تعلم، لكنني لا أعرف ما أخبرتهم به". "إذن هناك احتمال ألا يروكِ راشدة في جسد طفلة. قد يروكِ طفلة حقيقية. أهذا ما تريدينه؟" أقطب حاجباي، وأقلّب السؤال في عقلي بضع مرات ونحن نمشي في الشارع. أعترف: "ليس لدي فكرة. يعجبني ألا يعاملني فريقي كأنني أكبر من ضعف أعمارهم تقريباً، لكنني لا أعرف إن كان سيعجبني أن يعاملني أشخاص آخرون كأنني نصف أعمارهم؟ لم يحدث هذا قط من قبل. لا أحادث أحداً سوى فريقي وأوماتاما عندما أكون في جسدي الحقيقي". تتوقف كلو عن المشي فجأة. أتوقف أنا أيضاً، وألتفت إليها بتوتر لتجفل عيناها نحوي وترافق ذلك برفع حاجبها. تسأل: "جسدكِ الحقيقي؟" أراوغ: "...نعم؟ أعني، إنه جسدي المجسَّد. إنه تجسيد حرفي... لي". تقول كلو: "أه. حسناً، هذا يحسم الأمر إذن. اذهبي بصفتكِ مينيرفا". يا للهول لا. ألجلجل: "ح-حقاً؟" تشجعني كلو بابتسامة: "نعم، بالطبع!" أتراجع في قراري: "حسناً، أنا قلقة أيضاً من أن أبدو... غير شخصية للغاية. كأن تظهر إحداهن في عشاء عائلي بكامل عتادها القتالي؟" تسأل كلو: "أهو حقاً عتاد قتالي إن كان يتضمن التنورة؟" أجيب: "أعني، أجل؟ قد لا يبدو عملياً، لكنه ما زال الزي الذي أقتل الوحوش به. إنه اللباس الذي يربطه الجميع... كما تعلمين، بحارسة الأرض المحلية. بناءً على ما أخبرتِني به، قد يكون ذلك مزعجاً بعض الشيء للبش—أه، للناس العاديين، ولن يكون عادياً جداً لأورورا على الأرجح إن كانت تراني طوال الوقت في وضع العمل". تزحف كتفا كلو باسترخاء: "إذن ارتدِي شيئاً آخر وحسب. ليس الأمر كأن هناك ما يمنعكِ، أليس كذلك؟" أخبرها: "أنا لا... أملك ملابس بحجم الأطفال. لماذا قد أملكها؟" تصرّ كلو وهي ترمي بيدها في الهواء: "لكل الأسباب التي تحدثنا عنها للتو حرفياً! هذا هو، انتهى الأمر. سنذهب للتسوق". أرمش: "ماذا؟" تهتف كلو: "سنذهب للتسوق! لنشتري ملابس يمكنكِ ارتدائها أثناء التسكع المريح في ما تسمينه «جسدك الحقيقي»! يا للهول، سيكون هذا رائعاً! طالما رغبت في أخت صغرى يمكنني تلبيسها". "أم. هاه؟" تباً لهذا سيكون محرجا للغاية! قولي لها لا! ملابس خاصة بي...؟ قلتُ لها لا اللعنة! أندفع قائلة: "ل-ليس معي أي مال. لا أستطيع..." تقول كلو: "على حسابي". "لا يمكنني أبداً—" "على. حسابي". أتردد، وأحاول التفكير في مخرج، لكن كلو تندفع إلى الأمام قبل أن أتمكن من قول أي شيء. "لا توجد طريقة تفلتين بها من هذا الآن يا مينيرفا. لقد جعلتِني متحمسة أكثر من اللازم!" اللعنة ثم اللعنة. أتدبر أمري قائلة: "ح-حسناً". لا أستطيع تصديق أنكِ تسمحين بحدوث هذا. تكاد كلو تجرني في الشارع، وتسرع عبر البلدة حتى نعثر على متجر كبير قريب. وما إن نصير بالداخل حتى أُعجز عن فعل أي شيء سوى الذعر بهدوء وأنا أراها تمشط الأرفف بحثاً عن أشياء لنجربها. ليست لدي أي فكرة عن مقاسات ملابسي في جسدي المجسّد، لذا تلتقط عدة قطع من الزي نفسه من على الحوامل قبل أن تدفعني باتجاه غرف القييس. أتحسر: "ألن يكون الأمر غريباً حقاً عندما أدخل مقصورة كراشدة وأخرج كطفلة؟" تقول كلو: "أعني، ليس بغرابة أداء تحولك المبرق بأكمله في العراء. والأمر بخير! لا أحد ينظر حتى. لن يلاحظوا". أتمتم ببضع احتجاجات أخرى بلا كلام قبل أن أُدفع داخل مقصورة، والملابس في يدي. هل سأفعل هذا بجدية؟ لا تفعليه. لا تفعليه إطلاقاً. عودي أدراجكِ إلى خارج المقصورة وأعيدي الملابس. ولكن لماذا؟ أنتِ تعرفين لماذا! هذا كله غريب كالجحيم! لكنه ليس عادلاً. ماذا تعنين بأنه ليس عادلاً؟ الحياة ليست عادلة. تحصلين على تلبيسنا بأي ملابس تريدينها. حتى حين نكون في هيئة بشرية، نبدو مثلكِ إلى حد كبير أو أقل. يشعر جسدنا بأنه جسدكِ. لا أنال فرصة لكي أكون نفسي أبداً إلا حين نقاتل. إنه... إنه ليس عادلاً. أتريدين بجدية التسكع في المدينة كطفلة عادية؟ أريدين قضاء اليوم كله مع كلو وأنتِ تبدين في العاشرة؟ لا أعرف! ربما؟ أجل؟ أعرف أنه أمر غريب ومخيف، أنا فقط... لم أختر هذا، حسناً؟! لم أقرر أبداً أن أعيش بهذه الطريقة. إنه ليس أمراً عادياً، لكننا لسنا عاديين. ليس أي شيء فينا عادياً! أسيُعتبر هذا سيئاً إلى هذا الحد؟ أليس مقبولاً أن أتسكع مع صديقتي بصفتي نفسي لمرة واحدة؟ ... إذن؟ افعلِي ما ترين. أخذ نفساً عميقاً، وأدعها تخرج ببطء. دخولا وخروجاً. دخولا وخروجاً. تماماً مثلما علمتني كاستاليا، حين أظن أن غضبي بالغ، أو خوفي بالغ، أو أنني عاطفية جداً حيال كل الأمور الخاطئة. لا تغادر كاستاليا جسدها المجسّد أبداً. ربما كانت ستود مني فعل هذا أيضاً، أما كلو... فمن الواضح أنها كانت مصرّة تماماً. إذن، حقاً، ما الذي أنتظره؟ "أعيد القتال، مرة أخرى." لحسن الحظ، لا يوجد أحد آخر في غرف القياس ليلاحظ العرض الضوئي المنبعث من تحت المقصورة. أغير هيئتي بالطريقة ذاتها التي غيرتها بها مئات المرات، وكما هي العادة، حين ينتهي الأمر، أشعر بتحسن كبير. "الأميرة الباسلة المطيعة مينيرفا." يظهر زيي المعتاد من حولي كعادته، لكنني أستطيع جعله يختفي بالسهولة ذاتها، مفسخة استدعاء معظمه بفعل إرادة. أضع الملابس التي ناولَتني إيّاها كلو فوق الملابس الداخلية المتبقية، مجربة المقاسات المختلفة حتى أعثر على ما يناسبني تماماً قبل أن أخرج بارتباك من غرفة القياس، وبداخلي خوف ينبض بقوة كافية لدعم جسدي المجسّد لبقية اليوم. أراوغ بهدوء وأنا أطل برأسي مجدداً على المنطقة الرئيسية للمتجر: "أم... أهلا يا كلو." يبدو وجه كلو بأكمله كأنه يتمدد قليلاً بينما تتسع عيناها وتسقط فكها نحو الأرض. ترتفع يداها لتضغطا على وجنتيها، وتبدأ بإطلاق صرير حاد من الحماس. إنه لأمر محرج. ومن الغريب أيضاً أن أضطر إلى مد رقبتي للأعلى لأراها، لكن هذا، على الأقل، يبدو صحيحاً. تصرخ كلو: "إيييه! يا للهول، أنتِ رائعة الجمال! أههه، أنتِ ألطف بكثير مما تخيلت! أهذي أنتِ حقاً؟" أؤكد وأنا أغير وزني بارتباك: "إ-إنه أنا". من الأسهل بكثير استشعار عواطفها على هذا النحو، ولا يسعني إلا أن أتفاجأ لعدم شعوري بذرة واحدة من الاشمئزاز. يبدو أنه كان ينبغي أن يكون هناك بعض منها. "حسناً، حسناً، هل عرفتِ مقاساتكِ الآن؟ يجب أن نجرب المزيد من الازياء. أه! ينبغي لي أن ألتقط صوراً لكِ لترَي كيف تبدين!" "أعني... توجد مرايا في غرفة القياس، لذا—" "ينبغي لي أن ألتقط صوراً لكِ". يتبع ذلك زوبعة من الملابس والإحراج. يبدو أن كلو لا تنفد أزياؤها التي تريد مني تجربتها، وما لي إلا أن أساير التيار بينما تواصل تلبيستها لي كدمية. إنها تجربة غريبة من نواحٍ عديدة. لم أقم بهذا من قبل قط، ولم أستكشف حقاً ما أحب ارتدائه. أظن أنني ما زلت غير متأكدة حقاً. يشبه الكثير من تفضيلاتي ما تفضله فولغورا، لكن أذلك لأنني أستمتع فعلاً بارتداء بالطريقة ذاتها أم فقط لأنني أستطيع استشعار استيائها يتسرب إليَّ متى ما ارتديتُ شيئاً أنثوياً أكثر من اللازم؟ يحتوي زيي المجسّد على تنورة، لذا أشعر أنه ينبغي ألا تمانع التنانير حقاً؟ وأنا لا أمانعها، على ما أعتقد، لكنني لا أطيق فكرة ارتداء واحدة للقاء عائلة أورورا. التنانير جزء من زيّي المخصص لصفع المؤخرات. أريد ملابس تذكرني بأن هذا ليس قتالاً. إذن لا تنانير. ولا لون أخضر. هذه فرصتي لتجربة شيء جديد، أليس كذلك؟ شيئاً عادياً. تسأل كلو: "ماذا عن السراويل القصيرة وحدها؟ الجو حار نوعاً ما". أراوغ: "السراويل القصيرة عادية أكثر من اللازم". لا يبدو الأمر صحيحاً. "أنا منيعة ضد الحرارة على هذه الهيئة على أي حال". "ممم..." ماذا عن تلك السراويل؟ أرفع كلفة من سراويل البضائع، ولكنها ليست رسمية أكثر من اللازم. لست متأكدة من إعجابي باللون... ما العيب في الأسود؟ لا أعرف، إنه... يشبهكِ جداً. أنا أنتِ. حسناً، لدينا آراء مختلفة حول الأسود. أزرق داكن، ربما؟ لا! لا أريد أن أبدو حزينة. تحضني كلو: "مينيرفا؟" مما يدفعني إلى رفع بصري إليها. "مم؟" "ما الذي تفكّرين فيه؟" أجيب: "الألوان. لا أريد ارتداء الأخضر. ولا الأسود. ولا الأزرق. ولا الأحمر. والبنفسجي قطعاً لا". تقول كلو: "أم، قد يكون الأصفر لوناً لطيفاً للقميص". "...هذا لون أورورا مع ذلك. أسيُعتبر هذا غريباً؟" تقدر كلو مقترحة، وتبدو كمن تريد طرح سؤال لكنها لا تظن أنه يجب عليها: "حسناً، أم، ماذا عن البني؟ مثل حجركِ". يبدو رخيصاً نوعاً ما. أعترف: "أعجبني هذه الفكرة نوعاً ما". حقاً؟ البني يجمعني بكِ معاً. التعاون، واكتشاف الذات. الأمور التي سعينا نحوها منذ بدأنا التدرب مع كاستاليا. البني هو اللون الذي يمثل ما نريد أن نكونه. مم. حسناً، أستطيع تخيل ذلك. "حسناً، ما رأيكِ بالبني للسراويل و... أم، يا للهول، ليس هناك الكثير من الألوان الأخرى. الأبيض والوردي؟ للقميص؟ أسيناسب هذا البني؟ ربما إن لم يكن الوردي كثيراً..." يستغرق الأمر وقتاً، لكن كلو تنجح في تجميع زي أنا راضية عنه تماماً. يمنحني السروال البني الفاتح اللون الذي أريده مع احتفاظه بكونه لوناً عادياً للسراويل، ويمنع القميص الأبيض في الغالب كل شيء من أن يبدو مبرمجاً عاطفياً أكثر من اللازم. حتى اللمسات الوردية ليست في الحقيقة تمثيلاً للأحمر؛ تميل الألوان العاطفية لأن تكون مشبعة جداً. وللوهلة الأولى، ربما لن يكون الأزرق الباستيلي سيئاً للغاية أيضاً. أعتقد أنه يمكنني شراء شيء كهذا لاحقاً. ...لاحقاً؟ لا تقولي لي هذا. أنا أستمتع فعلاً! كلو لا تمانع على ما يبدو! أستمتع بهذا كثيراً، وأريد قطعاً فعله أكثر. ربما تكون كلو لطيفة وحسب. أنتِ تعرفين كيف تكون. أنا... ربما، قد تكون كذلك. لكنها على الأقل ليست منزعجة من الأمر! إنها صديقة جيدة، صديقة جيدة بحق. كأنها كانت تعرف مسبقاً كم سيُعجبني هذا. ...نجل. أجل، ربما كانت تعرف. أنا فقط... لا نملك سيطرة تذكر على من يتحكم بالأمر. وكلما أمضينا وقتاً أطول ونحن نبدو هكذا، زاد احتمال انتهاء بي الحال وأنا أرتدي زيّك المجسد. لست مرتاحة حقاً لذلك؟ لا يمكنني إنهاء التحول بدقة إن كنا نرتدي ملابساً حقيقية. لا أظن أنه يعمل بشكل عكسي. يمكنكِ العودة لهيئتك في حمام أو ما شابه. هيا، عليَّ أن أكون كبيرة طوال الوقت! يمكنكِ تحمل كونكِ صغيرة بعض الشيء. علينا تقديم تنازلات بما أننا نتشارك. أغ. أعتقد أنكِ على حق. آسفة. أعرف كم أنتِ متحمسة لهذا. سأحاول ألا أتذمر. شكراً لكِ يا فولغورا. تصرخ كلو فرحاً: "أنتِ. تبدين. مثالية". "يا للهول، أنتِ ألطف شيء رأيته قط! لا أستطيع تصديق أنكِ لم تفعلي هذا عاجلاً!" أعترف ولا أستطيع منع احمرار وجهي من تسخين وجنتي: "أ-أعني، لم أكن أعرف حقاً أنني... أنا؟" كيف كان لي أن أعرف أن الأفكار الدخيلة في رأسي كانت شخصاً آخر بأكمله؟ كيف كان لها أن تعرف أن أفكارها الدخيلة كانت أنا؟ نتبادل الذكريات، ونتبادل الأماكن دون سبب واضح أو منطقي. عقولنا واضحة الانفصال أحياناً، لكنها مزيج سلس أحياناً أخرى، بلا خط فاصل واضح بيننا. تقول كلو، وأدرك أنها كانت تحدق بي بابتسامة حزينة: "لا يمكنني القول حقاً إنني أفهم ذلك. يبدو الأمر معقداً بطرق لا أملك سياقاً لها على الأرجح. لكني سعيدة لأنكِ تعرفين من أنتِ الآن يا إليزا....لا، آسفة. مينيرفا. أنا سعيدة حقاً، حقاً لرؤيتكِ ترتسم الابتسامة على وجهكِ". هـ-هاه؟ لكنني لم أكن... أه. أعتقد أنني ابتسمت كثيراً اليوم. كان جرّي بواسطة كلو أمراً ساحقاً، لكنه... ممتع. يعجبني حقاً أن أرى نفسي في المرآة وأنا أجرب ملابس جديدة. لم أعرف قط كم كنت أود هذا. ولست وحدي من يشعر بذلك. لقد كانت كلو سعيدة. في بعض الأحيان، يراقبنا غرباء عشوائيون لفترة قصيرة فأشعر بهم سعداء، مستمتعين بالنيابة بما يبدو لحظة مبهجة بين شقيقتين. لا ينظر إليَّ الناس بقلق أو خوف أو شفقة. مرتديةً هذا، لا أحد يرى الأميرة الباسلة المطيعة مينيرفا. إنها مينيرفا فحسب. ولم أعرف كيف يبدو هذا الشعور إلا الآن. حتى أنا يجب أن أعترف بذلك. إنه... لطيف. على غرابته، فهو لطيف حقاً. أشعر بالدموع تتجمع وتبدأ بالسقوط دفعة واحدة، فأحرك يدي بسرعة لأمسحها من زاويتي عينيّ. تتصاعد طفرة من الذعر من كلو فوراً، لذا أبادر بالكلام بسرعة قبل أن تقول شيئاً. أؤكد لها: "د-دموع جيدة! هذه دموع جيدة. أنا سعيدة حقاً. شكراً لكِ يا كلو. أنتِ صديقة جيدة، جيدة، جيدة، جيدة جداً". تسترخي، ويعود المرح إلى وجهها ويزهر في الهواء حولها. وتقول: "يسعدني أنكِ تظنين ذلك. أنتِ تستحقين واحدة". لا أعرف ما فعلته لأستحق شخصاً مثلها، لكنني لا أستطيع حمل نفسي على الاحتجاج. ومع استقرار أمري على زي العشاء، تبدأ أنا وكلو المشي نحو منزل أورورا. يتوجب عليَّ استدعاء هاتفي من جيب جسدي البشري للتحقق من عنوانها مرة أخرى، مما يترك كلو فاغرة فاهها. تشير إليَّ: "سحر!" أؤكد: "أه. أجل؟ بالكاد يكون سحراً. إنه وظيفة لحجر التحول أكثر من أي شيء آخر". تسأل كلو: "أليست... أليست تلك سحراً؟" أوافقها: "حسناً نعم. لكنني لا أؤدي تعويذة حقاً. ليس بالطريقة التي أعتاد عليها. أنا فقط... أستخدم أداة لأحد أغراضها المقصودة". تسأل بفضول: "ما الفرق؟" أتردد، وأحاول معرفة كيفية الإجابة بالضبط. إنه أمر متعلق بالإرادة والتركيز. القصد. والسيطرة. نعم. مم... أخبرها: "الأمر يشبه... ركوب الحافلة مقابل ركوب الدراجة. لركوب الحافلة يكفي أن تدفع الأجرة، وتصعد، وتدعها تأخذك إلى حيث تريد الذهاب. هذا استخدام للوظائف الأساسية للحجر. أما لركوب الدراجة، فيتوجب عليك البدء بالبدال باستمرار، لكنك تقرر كل شيء عن رحلتك. تتحكم في سرعتك، ومتى تنعطف، وما إذا كنت تريد الخروج عن الطريق تماماً أم لا. وطبعاً، إذا وقع حادث فذلك ذنبك بالكامل. هذا هو السحر الحقيقي. يساعد حجر التحول في ذلك أيضاً، ويجعله أسهل، ويهدئ الحواف. مثل... القيادة على طريق ممهد. لكنني ما زلت أنا من أقبض على المقود. أيعقل أن يكون هذا مفهوماً؟" تومئ كلو: "نوعاً ما. مع أنه كله مجرد سحر بالنسبة لي، هاها. أعني، بغض النظر عن طريقة فعلك له، فهو رائع بشكل مستحيل بالنسبة لنا نحن البشر العاديين. لن نتمكن أبداً من فعل أمور كهذه". أخبرها بصراحة: "هذا غير صحيح على الإطلاق. لقد أخبرتكِ بهذا، أليس كذلك؟ لا توجد أسباب تمنعكِ من استخدام السحر. ربما تفعلين ذلك غالباً ودون أن تلاحظي....مع أنني أظن أن السبب في ذلك هو أن الآثار ستكون مستحيلة الملاحظة أساساً". تقول كلو: "أخبرتِني قليلاً، لكنني ما زلت لا أكاد أعرف شيئاً. لقد رفض الحفظة تماماً إخبار البشر بأي شيء عن السحر، لذا فكل ما أعرفه مستمد من أي تعليقات طفيفة تردين بها على الموضوع". أقول: "أه". صحيح، كنت أعرف ذلك. لست متأكدة مما كنت أفكر فيه حقاً. "أعتقد... أنني ربما ما كان ينبغي لي الاستمرار في الشرح إذن". تتوسل كلو: "م... أه لا! أنسي ما قلته! أرجوكِ أخبريني بالمزيد!" أرمش، وتفاجئني حقاً كثرة السحر البرتقالي المنبعث منها وهي تقول ذلك. هل تريد معرفة الأمر إلى هذا الحد حقاً...؟ "لماذا لم تسأليني عن هذا من قبل قط؟" تعترف كلو: "حسناً، ظننت أنه سيكون وقاحة. أعني، لم تكوني ترغبين حتى في الاعتراف بأنكِ فتاة سحرية طوال معظم الوقت الذي عرفتكِ فيه. توقعت أن سؤالكِ عن السحر سيشعركِ عدم الارتياح، ولم أرد منكِ أن تظني أنني أتقرب منكِ لمجرد أنكِ تمتلكين قوى". أقطب حاجباي: "لم أكن لأفكر فيكِ هكذا أبداً". تضغط كلو: "أعني أنكِ لن تفعلي الآن، لأننا صديقتان مقربتان تماماً، ولكن حتى وقت قريب؟" و... أجل، حسناً، هذا عادل. ما كنت لأرغب في الحديث عن هذا على الإطلاق. أستسلم: "حسناً، معاكِ حق على ما أظن. لكن... ظننت أنكِ أخبرتِني للتو أنكِ تشعرين بالخجل من حارسات الأرض. لقد قلتِ أساساً إنكِ تتمنين لو أننا لم نكن موجودات. فلماذا قد ترغبين في السحر؟" تصرخ كلو رامية بيديها في الهواء: "لأنه سحر، يا غبية! كأن، حقيقة أن جنوداً أطفال حرفيين هم الشيء الوحيد الذي يمسك بالمجتمع معاً الآن هو أمر مرعب إلى ما لا نهاية، ولكن لو استابح للمزيد من البشر استخدام السحر لكانت المشكلة أقل، لا أكثر. لكان بوسعنا جعل راشدين حقيقيين يقومون بهذه الأمور!" لا يسعني إلا أن أقطب جبيني حيال ذلك. أسأل بانزعاج طفيف: "ما سر هذا الإصرار على ألا يفعل الأطفال أي شيء مهم؟ أدرك أن أحدا لا يريد رؤيتنا نتأذى، لكن الأمر مزعج حين يتصرف الناس وكأننا يجب ألا نقوم بعملنا". "أنا... الأطفال يموتون يا مينيرفا، نحن—" أرد عليها بحدة: "أترينني لا أعرف ذلك!؟ أنا أعيش ذلك. لكن هذا خيارنا لنتخذه نحن. ليس أنتم. لا تتصرفي وكأنكِ تعرفين الأفضل. لو أردنا الاستقالة، لفعلنا". مع أن ذلك، بطبيعة الحال، سيكون أمراً لا يُتصور. مجرد الاستسلام، بعد كل ما كرست نفسي له، وبعد كل من فشلت في إنقاذهم، والعودة إلى المنزل لمجرد كون فتاة مكسورة ومجنونة؟ لا. سأظل حارسة أرض حتى أموت. أعرف ذلك أفضل من أي شخص آخر. بالضبط. تقول كلو بصوت خافت وهي تعبث بيديها بتوتر: "أنا... آسفة. أنا فقط... لا. أنا آسفة". أقول ولست متأكدة تماماً إن كان الأمر كذلك لكنني لا أريد ترك هذا معلقاً فوقنا: "لا بأس. لا نريد منكِ سوى ألا تشفقي علينا، أو تخجلي منا. وكل ما في الأمر هو أننا لا نريد لأي شيء أن يؤذيكِ". تومئ كلو دون أن تنظر إليَّ حقاً. أستطيع معرفة أنها تشعر بسوء بالغ، لكنني لا أعرف ما إذا كان ذلك لأنني نجحت في إقناعها أم لأنني لم أفعل. على أية حال، لقد اقتربنا من منزل أورورا. لا أريد إنهاء اليوم بمثل هذه النبرة الحامضة. أفرض الموضوع مجدداً: "شكراً لكِ مرة أخرى على شراء الملابس لي، والذهاب للتسوق معي. لقد استمتعت بكثير من الوقت أكثر مما تخيلت يوماً". تقول كلو ويعود بعض مرحها السابق: "يسعدني ذلك. أعتقد أن هذا هو كل ما نتمناه في النهاية أيضاً. أن تكونوا سعداء أنتم يا رفاق". يتمنى جزء مني لو أنها لا تقلق حيال ذلك، لكن الجزء الآخر سعيد جداً لأنها تفعل. أخبره بما أنه حقيقي على أية حال: "حسناً، أنتِ بارعة جداً في ذلك. على أية حال، لقد اقتربنا من منزل أورورا، لذا أعتقد أن هذا هو المكان الذي ينبغي أن نفترق فيه". تتردد كلو. تسأل: "...أيمكنني عناقكِ؟" أرمش: "أم، بالطبع؟" لست شخصاً معتاداً على العناق كثيراً، لكنني أظن أنه لا بأس إن كانت كلو—آه! تخبط كلو بسرعة، وتحملني من تحت إبطي، وترفعني في الهواء. أستشعر سحر الطيران غريزيياً، مع أن هذا لا يفيد إلا في جعلي أخف وزناً وأسهل حملًا. وقبل أن أعلم بأمر، أجد نفسي محتضنة بقوة إلى صدرها، وتتدلى قدماي بارتباك وهي تمنحني ما قد يكون عناقاً مسحقاً لمعظم الناس. وبتردد، أحيط ذراعي حولها وأبادلها الضغط بخفة. وأثناء تعانقنا، تفشل كلو في إخفاء اليد التي ترفعها لمسح دموعها. تقول وهي تزلني للأسفل، ومرحها المعتاد أسهل بكثير في اعتباره مزيفاً وأنا في جسدي المجسّد: "أتحدث معكِ قريباً، أليس كذلك؟" أوافق: "نجل. سأراكِ قريباً". تلويح لي مودعة بينما ألتفت لأمشي بقية المسافة إلى منزل أورورا. إنه منزل متواضع صغير، مسطح وواسع وملتصق بالمنازل على الجانبين. الفناء صغير لكنه مرتب، وتقع رقعة حديقة بين الشرفة والعشب. طلاء المنزل الرمادي قديم ومتآكل، لكنه لا يزال يبدو أحد الأماكن الأفضل صيانتها في هذا الجزء من المدينة. أتوجه نحو الشرفة الأمامية وأضغط على جرس الباب، لكنني بعد سماع أي صوت وعدم رصد أي حركة من الداخل أختار الطرق على الباب بعد قليل أيضاً. يحرك ذلك داخل البيت، وما هي إلا لحظات حتى أسمع فتح قفل الباب من الداخل ليفتح كاشفاً عن امرأة لاتينية ضخمة ذات شعر مجعد داكن وترتدي مئزراً ملطخاً بألوان عديدة مختلفة، بعضها لا يزال رطباً. تبدو وكأنها تفاجأت للحظة، وتتسع عيناها قليلاً وهي تنظر إليَّ. وإذ لا أعرف أي طريقة أخرى للتعامل مع هذا الوضع، أرفع يدي لأصافحها. أحييها: "مرحباً يا سيدتي. أنا مينيرفا". يشرق وجهها بالتعرف، وفجأة تصبح كلها ابتسامات، مبتعدة عن الباب ومشيرة بحماس لي بالدخول. "مينيرفا! من الرائع حقاً لقاؤكِ أخيراً. تفضلي بالدخول، تفضلي!" جعلت لهجتها المكسيكية الثقيلة من الصعب بعض الشيء تبين كلماتها، لكن القصد الكامن وراءها واضح وابتسامتها حقيقية. أشكرها، وأهز رأسي وأخطو للداخل لأرى غرفة معيشة صغيرة، مع ممر ضيق يؤدي إلى ما أظنه المطبخ. وفي الطرف الآخر، يطل وجه مألوف من الزاوية: هيئة أورورا البشرية. تبدو متفاجئة للغاية هي الأخرى، لكنني أبتسم وألوح لها. أظن أن كليهما كانتا تتوقعان ظهوري كراشدة. ربما كان ينبغي عليَّ ذلك، لكن الأوان قد فات الآن. آمل ألا يجعل هذا الأمور محرجة...؟ ترحب بي أورورا بسعادة ودون إبطاء: "مينيرفا! أنا سعيدة جداً لأنكِ حضرتِ! أتمنى أن تكوني جائعة بشكل إضافي ضخم، لأن أمي جنت بعض الشيء!" تقطع والدة أورورا كلامها: "إيزابيلا!" وتتبع ذلك بتدفق سريع للغة الإسبانية التي لا أمل في متابعتها. إيزابيلا، هاه؟ أذلك اسم أورورا الحقيقي؟ ترد على والدتها بما أفترض أنه اعتذار ثم تلوح لي بالمزيد نحو الداخل. تصر: "تعالي! دعيني أُعرفكِ على عائلتي". عائلتها، كما يتبين، كبيرة جداً. فلديها أخت كبرى، وأخ أكبر، واثنان من الإخوة الأصغر سناً، وطبعاً أمها وأبوها. إنه أمر ساحق بعض الشيء، لكنهم يحيطونني جميعاً بأدب شديد وأبذل قصارى جهدي لتذكر أسمائهم. مع الحديث عن الأسماء... أهمس لأورورا حين نحظى بلحظة بعيدة عن دائرة الضوء: "أينبغي أن أناديكِ إيزابيلا ونحن هنا؟" تستفسر متبعة: "لماذا أنتِ في جسدكِ المجسّد؟" أراوغ: "أنا... أه، أردت ذلك؟ لا أعرف، لا يعجبني أن أكون أطول منكِ. إنه أمر غريب". تضحك بقهقهة. توافق: "إنه أمر غريب نوعاً ما. أجل، أنتِ تعجبينني بهذه الطريقة أكثر. يمكنكِ مناداتي أورورا إن أردتِ. لست متأكدة من أن ماما ستقدر التذكير، لكنني أظن أحياناً أنها بحاجة إلى تذكير أكثر تكراراً". من المضحك حقاً كيف أن أورورا، حتى مع وجه مختلف تماماً، تظل أورورا بلا شك. أظن أنني معتادة على رؤية هيئتها البشرية، نظراً لأننا ما زلنا بحاجة إلى الانتشار في معظم القتالات على تلك الهيئة، لكن لا يزال من الصعب التفكير في ذلك الوجه والصوت على أنهما لها إلى أن أرى تلك الابتسامة الطفولية المبكرة. إنها عبقرية، بصراحة. لا تزال ضعيفة نسبياً، ولكن بالنسبة لعمرها؟ مذهلة للغاية. وخارج نطاق كونها حارسة أرض، لن أتفاجأ إن كانت تفوقني في كل شيء تقريباً. إنها مجرد طفلة، لكنها ما زالت تفهم الناس أفضل مني. أومئ لها: "إذن سأفعل ذلك"، وتمنحني ابتسامة سعيدة. وقبل أن أنتبه نصير على مائدة العشاء، وأنا سعيدة لأنني امتلكت إحساساً كافياً بانتظار شخص آخر ليبدأ الأكل لأنني فوجئت تماماً حين بدأت العائلة بذكر البركة. لم أكن أعرف أن أورورا مسيحية، لذا فهذا يربكني، لكن بضع ذكريات ضبابية من العيش مع والديَّ تساعدني في ألا أفسد الأمر تماماً. ثم يبدأ العشاء، ومعه الحديث. أجامل الوجبة بما أنني لست خالية تماماً من المهارات الاجتماعية: "هذا جيد بشكل استثنائي". تومئ والدة أورورا بالمقابل: "شكراً لكِ. إنه دائماً لأمر رائع استضافة إحدى صديقات ابنتي. أخبريني، ما الذي تفعلينه بالضبط؟" أرمش. أجيب: "هجوم عن بُعد وقيادة تكتيكية، أظن". وعلى الفور، يتولد لدي انطباع بأن هذه لم تكن الإجابة التي تبحث عنها. "أه، آسفة، لست متأكدة حقاً من مدى ما..." أتلاشى ببطء في الكلام بارتباك. تتنحنح أورورا. تقول: "لا نتحدث عن الأمر كثيراً. لكنهم يعرفون ما نفعله، وأنكِ قائدة فريقي وما إلى ذلك". صحيح، إنهم يعرفون بالطبع. لقد استضافوا أماتيراسو هنا بينما كان الحفظة يصلحون القاعدة، ألم يفعلوا؟ يفلت طفل من إخوتها الصغار: "أقتلونا الوحوش؟" أرماندو، على ما أظن؟ لا يبدو أكبر من ست سنوات. أؤكد: "نفعل ذلك. أختكِ بارعة جداً في ذلك". ينفي فوراً: "مستحيل". أصر: "أه، حقاً رغم ذلك. لا يمكنني أن أكون أكثر فخر إنني أراها هكذا. إنها ذكية، وقوية، ولطيفة. إنها تماسك الفريق معاً". لا يبدو أن أرماندو يعرف ما يقوله حيال ذلك، فرمش نحوي بعينين واسعتين. أفترض أنه يكتسب مستوى جديداً من الاحترام لأختها، وهو... جيد، أบน ما أظن. مع ذلك، لا يتدخل أي شخص آخر لمواصلة ذلك الحوار الخاص، لذا أعود لتناول الطعام المعد. إنه لذيذ حقاً، وحار بما يكفي لأتمكن من تذوقه حقاً في جسدي المجسّد، لذا فإنه سيقتل أخي في مكانه على الأرجح. أنا أحبه. يسأل والد أورورا: "هل لديكِ... هوايات؟" "حسناً، أتسكع كثيراً مع صديقتي كلو، وأقضي جزءاً جيداً من الوقت في الاستعداد للعودة إلى المدرسة". كدت أقول «الاستعداد للذهاب إلى الكلية»، لكنني أعتقد أن هذا قد يكون أمراً غريباً قوله نظراً لحجمي الحالي. تقول أخت أورورا الكبرى: "المدرسة ليست هواية حقاً". لست متأكدة حقاً مما أقوله حيال ذلك. إنها كذلك بالنسبة لي. أهز كتفي بارتباك: "...أعتقد أنني مشغولة قليلاً عن أي شيء آخر. حين لا أعمل مع الفريق، أقوم بالكثير من الدوريات الفردية. لا أريد أخذ وقت أورورا إن لم أكن بحاجة إلى ذلك". وبشكل أدق، تقوم فولغورا بالدوريات الفردية، لكنني لا أود الخوض في هذا التمييز قطعاً خلال هذا العشاء. إن فعلتِ، أقسم أقسم أنني سأجد طريقة ما لقتلِك. لن أُفعل! لقد قلت للتو إنني لن أفعل! تمنحني فولغورا ما يعادل عقلياً إيماءة «أنا أراقبكِ» بينما يتنحنح أخ أورورا الأكبر لتلفظ بالكلام. يقول ببساطة: "شكراً لكِ على الاعتناء بأختي". أومئ له بحزم. أقول: "بالطبع. لن أسمح لأي شيء بأن يحدث لها. لكِ كلمتي". تتدخل والدة أورورا: "إيزابيلا. لمَ لا تتحدثين عن مشروع العلوم الذي كنتِ تعملين عليه؟" يتغير الموضوع بارتباك شديد لدرجة تجعلني أظن أنني كنت من فعل ذلك، لكن أورورا تتعامل مع الأمر بهدوء، مستقيمة بقليل ومرسومة على وجهها ابتسامة مشرقة وهي تبدأ بالحديث. تجاوب بحماس: "أقوم بمشروع معرض العلوم الخاص بي حول الدفع الصاروخي! لقد حصلت على إذن خاص لتقديم عرضي في الخارج! هناك هذا الأمر بأسره يتعلق بسفن الفضاء حيث يكون الوقود الذي تحمله ثقيلاً حقاً، لذا فهي بحاجة إلى الوقود للارتفاع، ولكن كلما زاد الوقود كلما صعُب عليها الارتفاع، لذا فأنا أستخدم شيئ الأطفال والكوكاكولا والمنتوس مع زجاجات ذات أحجام مختلفة لكي..." أومئ أنا وعائلتها بتوافق وهي تتابع شرحها بسعادة، وتسترخي والدتها بشكل واضح بينما يبدأ الفخر بالتغلب على خوفها. يبدو كإعداد معقد للغاية، لكنها تعرف ما تفعله بوضوح. ما هي، في الصف الخامس؟ أنا متأكدة تماماً أنه حين كنت في المدرسة الابتدائية، كانت أمي تصنع مشاريع العلوم الخاصة بي بدلاً مني. بدت مثيرة للإعجاب، لكن متى ما جاء القضاة للحديث معي حولها لم تكن لدي أي فكرة عما أقوله. ينبغي لي قضاء المزيد من الوقت في أداء الدوريات الفردية. إنه لأمر جنوني أن تتمكن من تدبر كل هذا فوق مدى صعوبة عملنا لها. موافق. موافق مئة بالمئة. لديها مستقبل أفضل مما سيكون لنا قط. يستمر العشاء، وبينما لم تكن أورورا تمزح بشأن صنع أمها لكمية سخيفة حقاً من الطعام، فإن الطريقة التي يبتلع بها جسدي المجسّد الطعام تجعل من الصعب جداً عليَّ الشعور بالشبع. يقول أخي إن طلب المزيد هو إحدى أفضل الطرق لمجاملة الطبخ المنزلي لشخص ما، لذا أحرص على تناول الكثير من الطعام. وكما هو متوقع، تبدو والدة أورورا سعيدة للغاية بكيفية تلقي الوجبة. بعد العشاء، أحرص على شكرها على الطعام مرة أخرى، لأنني لست متأكدة حقاً من عدد المرات التي يفترض بي فيها شكر شخص على استضافتي وأظن أنني أفضل فعل ذلك مرات كثيرة بدلاً من مرات قليلة للغاية. تمنحني ابتسامة مهذبة وتطلق بسرعة نيران إسبانية على أطفالها، الذين ينهضون جميعاً فوراً ويبدأون في تنظيف المائدة وغسل الأطباق. أقف بالقرب بارتباك، لأنني آخذ انطباعاً بأنها تريد التحدث معي. وكما توقعت، حين يبدأ الصنبور بالجريان ويصبح طقطقة الأطباق عالية بالقدر الذي يعجز معه معظم الناس عن التنصت، تلتفت لمخاطبتي. تقول: "شكراً لكِ على الاعتناء بابنتي"، لكنني أستطيع معرفة أنها لا تعني ذلك حقاً. إنها مرعوبة. أعلق ولسست متأكدة حقاً مما أقوله: "أتساءل أحياناً لماذا وافقت". تقطب والدة أورورا جبينها: "وافقت على ماذا؟" "على العرض. على كونها حارسة أرض. ليس لدى معظمنا أي مكان آخر نذهب إليه. لكن أورورا؟ كان بإمكانها الذهاب إلى أي مكان. وفعل أي شيء. ومع ذلك بغض النظر عن مدى صعوبة الأمر، فهي سعيدة دائماً بكونها إحدى فتياننا". تصر والدتها: "اسمها إيزابيلا". أقول: "أحياناً فقط. أورورا اسم حقيقي كأي اسم آخر". تضم المرأة شفتيها، منزعجة قليلاً لأنني تراجعت. لكن بصفتي حارسة أرض، فإن إنكار جسد شخص مجسّد ليس شيئاً يمكنني التغاضي عنه. تخبرها والدتها بصراحة: "أريد إجبارها على الاستقالة. حاولت، ذات مرة. لكن كيف لي أن أحرم فتاة قادرة على الطيران؟" أصحح: "إنها لا تزال تعمل على الطيران، في الواقع". تمنحني والدتها نظرة، وأستشف أن ربما لم يكن هذا هو الكلام الصحيح لقوله. توضح: "أعني أنني أخشى أن تهرب وتعيش معكِ ببساطة. «حفظتكم». إن حاولت إيقافها، فسأفقدها. لكني سأفقدها إن لم تتوقف أيضاً، أليس كذلك؟" أخبرها بحزم: "سأموت قبل أن أسمح بحدوث ذلك". تضييق عينيها نحوي قائلة: "هذا لن ينجح إلا مرة واحدة فقط. أستخاطر بالموت مرة واحدة؟" أكسر التواصل البصري. لا أستطيع تحمل نظرتها. تطرح أمها سؤالاً يبدو وكأنه يغير الموضوع: "أنتِ أكبر سناً مما تبدين، أليس كذلك؟ قالت إيزابيلا إنكِ ستكونين أطول". أؤكد: "أه، نعم يا سيدتي، عمري ثمانية عشر عاماً". هذا صحيح، بغض النظر عن هيئتي. "ما هي احتمالات ألا تكبر طفلتي أبداً؟" "أه، أم، لا ينبغي أن يتأثر نموها، وضعي أنا هو..." إنها تحدق بي مجدداً. إنها لا تسأل عن طولي. أنتِ غبية تافهة. أه. أه، بالطبع. أصر: "...سأحميها. سأفعل". "لا أريد وعودك الفارغة. لم أستطع العثور عليها عبر الإنترنت، لذا أخبريني. ما هي احتمالاتها؟" أسأل: "للوصول إلى عمري؟ حسناً، ليست سيئة للغاية، خاصة وأنها تتمتع بميزة وجود عدد غير طبيعي من الفتيات الأكبر سناً معها". تطالب قائلة: "لا. ما هي احتمالاتها لتجاوز الأمر كله حتى النهاية؟ لتعيش حياتها. ما هي احتمالات ألا أضطر إلى دفن طفلتي الصغيرة؟" "ح-حسناً، أعتقد أنني لا أعرف حقاً، لست متأكدة من أن... أعني، لم نكن موجودين إلا لـ—" تقول أورورا وتجعلني أنط: "أربعة بالمئة". إنها تحدق بنا، وتجفف يديها بمنشفة مطبخ. أدرك أن بقية العائلة تحدق بنا أيضاً. تتابع أورورا: "زيادة أو نقصان قليل. لقد سألت أوماتاما حين قدموا لي العرض. مينيرفا على حق، بالطبع. ليس لدينا بيانات رائعة حول هذا الأمر، لأن المنظمة لم تكن موجودة لفترة طويلة تكفي ليصل معظم الأعضاء إلى سن الرشد. لكن من المختارين الأوائل، لا يوجد سوى اثنين لا يزالان على قيد الحياة اليوم. أربعة بالمئة". "إيزابيلا، أنا..." تتابع أورورا: "وسأكون ممتنة لو لم تضايقي مينيرفا حيال الأمر يا ماما. إنها قائدتي، ومرشدتي، لكنها لا تقرر ما إذا كنت سأستمر في كون حارسة أرض أم لا. أنا وحدي من يفعل. حتى لو رفضت السماح لي بالبقاء في الفريق، فستجد أوماتاما لي طرقاً للمساعدة". "ولكن لماذا؟ لماذا أنتِ بالذات؟" "لأنني أحبكِ يا ماما. أحبكم كلكم. لذا لن أسمح للوحوش بالتسلل إلى المدينة مرة أخرى أبداً. لقد انتهينا من تنظيف العشاء. أيمكننا لعب لعبة لوحية أو ما شابه؟" نلعب بعض الألعاب اللوحية. يسود هدوء وغرابة بعض الشيء، خاصة في البداية، لكن ابتسامة أورورا تبذل قصارى جهدها لتفتيح المزاج بالقوة، ولا يبدو أن أصغر إخوتها يفهم ما يكفي مما كان يتحدث عنه الجميع ليرتدع بشكل خاص. ومعاً، تنجحان بطريقة ما في جعلنا نقضي وقتاً ممتعاً، وقبل أن أنتبه تعود عائلتها للابتسام، وتوديعي، وتمني ليلة سعيدة لي. تعرض والدة أورورا: "أتحتاجين إلى توصيلة للمنزل؟" أرفض بأدب: "سأكون بخير يا سيدتي. شكراً لكِ مرة أخرى على العشاء الرائع". تومئ: "وشكراً لكِ مرة أخرى على الاعتناء بابنتي"، وهذه المرة أكثر صدقاً بقليل. أومئ بالمقابل، مترددة قليلاً. هناك شيء أريد قوله، لكنني لست متأكدة من أنني أتجاوز حدودي. افعلي ذلك فحسب. أقول: "لن أطلب منكِ أبداً ألا تخافي مما تفعله ابنتكِ، لكنني أتمنى أن تستطيعي الفخر أيضاً. لا يوجد أحد أعرفه يستحق الفخر أكثر منها". تمر المرأة بسرعة عبر سلسلة من العمشاعر المختلفة قبل أن تطلق نفساً مهتزاً وتنظر إليَّ في عينَيّ. تقول: "أنا كذلك. أنا فخورة جداً". بابتسامة وإيماءة أخيرة، أودعها وأغادر المنزل. إنها مسافة طويلة سيراً على الأقدام نحو المنزل، لكنني أفضل المشي على الطيران نحو مكان عيشي، خاصة وأنني لست بزيي الرسمي. وبشكل عام، لم يسر الأمر بسوء ما كنت أخشاه. ويسعدني أنني لا أضطر للغضب من أي أحد. حسناً يا فتاة، هذا جديد منكِ. أجل، أجل، اضحكي يا جبانة. لكن بجدية لم يسر الأمر بشكل سيء للغاية. لقد كنا نستمتع لبعض الوقت هناك أيضاً. أظن أنها لم تكن فكرة فظيعة أن أظهر بوضع الهيئة المصغرة. أخبرتكِ بذلك! أعتقد أن الأمر يعمل بشكل أفضل حين يُترك لمن يتحكم بزمام الأمور أن يكونوا على طبيعتهم. أعني، يبدو هذا واضحاً نوعاً ما بأثر رجعي، ولكن حتى لو كنتِ تكرهين عادة الظهور هكذا، فليس بالأمر الجلل حين تستطيعين الشعور بمدى إعجابي بالأمر، أليس كذلك؟ أظن ذلك. لقد تراجعتُ إلى الخلفية طوال معظم الليل. وهو ما يبدو مرعباً نوعاً ما، لكنني أظن أن هذه هي طريقتنا في العمل. أظن ذلك. ومن الجيد أننا نكتشف هذا، لأننا سنضطر إلى العمل معاً لنصبح أقوياء قدر الإمكان. اللعنة نعم وبقوة. أنا متحمسة أكثر الآن. سنمنح ذلك الطفل مستقبلاً. سنحطم كل وحش أخير في العالم المظلم بأسره! القطار في طريق العودة؟ الجحيم نعم. لنفعلها.
الفتاة السحرية والقلب الآلي الفصل 27 — 27. الحارس
اقرأ الفتاة السحرية والقلب الآلي الفصل 27 — 27. الحارس باللغة العربية على مانجا تايم.