يبدو داخل منزل كلو مظلماً ومريحاً، وقد خُفّت الأضواء استعداداً لفيلم السينما. قد يظن المرء أنني لست مولعة بالعتمة، نظراً… كما تعلمون، لقصة العالم المظلم، لكني أجد نفسي متناقضة أفضّل دائماً الابتعاد عن الضوء والشمس. العتمة هي حيز قوتي وسيطرتي. قد تكون العتمة مصدر كل الشرور، لكنها أيضاً… حقيقتي. ومضة نور في قلب العتمة. فما فائدتي إن كان كل ما حولي مضيئاً بالأساس؟ «أنتِ تتقبلين الكلاب، أليس كذلك؟» تسأل كلو. تومض في ذهني صورة لأحد تلك الوحوش الذئبية التي تقاتلتُ معها اليوم، وشدقاه مفتوحان وهو يثب نحو حنجرة أورورا. تبرز بلورات أرجوانية من كافة أنحاء جسده، بينما يحترق الحقد في عينيه. أطلق النار على رأسه، فيموت بانفجار من الأشلاء ويتحول سريعاً إلى غبار. ركّزي. إنها تخاطبني. «أه، نجل،» أقول. «لا مشكلة لدي مع الكلاب.» «رائع!» تتهلل كلو بشاشة. «تعالي لتتعرفي إلى أبي!» «أه، حسناً.» أُقتاد إلى غرفة جلوس صغيرة تضم تلفازاً لائقاً، وكرسياً بذراعين بالياً، وأريكة توشك على الانهيار تدريجياً. كان الكسري محتلاً بالفعل؛ إذ يسترخي عليه رجل في منتصف عمره كأنه صُنِع خصيصاً له، ممسكاً بسعادة بكوب يخرج منه البخار بيد، ويداعب كلباً بالأخرى. وللكلب فراشه الخاص الصغير المجاور للكرسي تماماً، ويبدو في غاية الرضا عن هذا الوضع الإجمالي. يكسو الكلبَ فروٌ يمزج بين ثلاثة أو أربعة ألوان مختلفة، ويهزّ ذيله المنفوش الملتف بسعادة وهو يتربع بقرب سيده. يمنحني والد كلو ابتسامة دافئة ما أن أقترب، وهو ما يساعدني فوراً على ملاحظة الشبه العائلي بينهما. يمتلك يدين كبيرتين خشنتين، ووجهاً يغطيه قشعريرة لحية مع خصلات قليلة من الشيب، ويبدو أن ساقه اليسرى قد بُترت أسفل الركبة مباشرة، لتُستبدل بطرف صناعي معدني. يا له من محظوظ. لو أن البتر كان أعلى بقليل، لكان المشي مشكلة أكبر بكثير. يا للالهول، يكفي تفكيري هذا دلالة عليّ؛ فأول ما يخطر ببالي لدى رؤية شخص مصاب إصابة بالغة هو «محظوظ، كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ». إنه لأمر مريض حقاً. …مهلاً. لم أكن أعني ذلك المعنى. وما كنت لأقوله بصوت عالٍ البتة! «لا بد أنكِ إليزا!» يقول والد كلو، ناهضاً وممدّاً يده للمصافحة. «أنا روب، أو يمكنكِ مناداتي بالسيد ماكنيل، أظن.» «أه، تشرفت بلقائكِ،» أرد وأنا أصافحه. ينهض كلبه ويبدأ في استنشاق رائحتي. «وهذا بوسكو،» يقول السيد ماكنيل. «إنه كلبي العلاجي.» «أه! إذن، ألا أربت عليه؟» أسأل، متراجعة عن محاولة فعل ذلك تماماً. «لا بأس، لا بأس،» يصر السيد ماكنيل. «إنه ولد جيد، ولن تستطيعي تشتيته كثيراً. نحن في البيت على أي حال.» «إليزا!» تنادي كلو من المطبخ، مما يجعلني أرتجف قليلاً. «هل ترغبين في بعض المارشملو داخل شوكولاتتكِ الساخنة؟» ومن أين لي أن أعرف؟ أنا لا أشرب الشوكولاتة الساخنة أبداً. «أه، أي شيء يناسبني!» أرد بصوت عالٍ. «إذن يا إليزا،» يقول السيد ماكنيل. «لقد حدثتني كلو بالكثير عنكِ!» «أرجو أن تكون أموراً حسنة فقط،» أقول. «ربما. لن أخبركِ أبداً،» يغمز لي. «ولكن هيا! اجلسي واشعري بالراحة ما أمكنكِ. ما رأيكِ في فيلم حياة الامبراطور الجديدة؟» «لم أره من قبل،» أجيب. «آه! إذن فأنتِ على موعد مع متعة حقيقية!» «وقت الشوكولاتة!» تعلن كلو عائدة ومعها كوبان آخران. «ها هي! المتعة التي تنتظركِ!» «أليس الفيلم هو المتعة؟» أسأل وأنا أتلقى الكوب الذي يتصاعد منه البخار وأرفعه لآخذ رشمة منه. «حسناً، هذا جي—آه، احذري، إنها… ساخنة؟» أبتلع السائل الساخن، ثم آخذ رشفة أخرى وأحركه في فمي. إنه حلو حقاً! يعجبني. أظنها وضعت تلك القطع من المارشملو. «إنها لذيذة حقاً، شكراً لكِ،» أومئ برأسي. فيصفر والدها إعجاباً. «تمتلكين فماً من حديد حقاً،» يقول. «نعم،» أوافق. لست متأكدة حقاً من السبب، ولكن بعد سنوات طويلة من عملي كحارسة للأرض، تسرّب إليّ القليل من السحر. فحتى في حالتي غير المتحولة، أبدو أقوى وأسرع وأصلب قليلاً مما ينبغي للبشر أن يكونوا عليه. أتساءل إن كانت هذه نسخة مصغرة مما أفسد جسد أنات. لست متأكدة إن كان الأمر يهم كثيراً على أية حال. لقد كانت أوماتاما واضحة للغاية بشأن مدى خطورة فساد العالم المظلم. فمهما يكن ما يحدث لي فهو لا يشبه البتة ما أصاب الساحرات المظلمات؛ فأنا صلبة، لكني واثقة تماماً من أن رصاصة واحدة كفيلة بقتلي لو تلقيتها بلا أي درع واقٍ. أنا لا أقول إنه الأمر ذاته، بل أقول إنه قد يشابهه في المبدأ. وإن كان ممكناً تعزيز جسدي بصفة دائمة دون التلوث بفساد العالم المظلم، فالأمر يستحق البحث. «إليزا؟» «ها؟» أرمش بعينيّ. «سألتُ إن كنتِ ترغبين في الجلوس،» تقول كلو بلطف. «أه،» أقول وأنا أنظر إلى الأريكة. «نعم، شكراً لكِ.» أغوص في تلك الوسائد المنهكة، محاولة إرخاء عضلاتي بلا جدوى. يا للهول، إن مجرد التفكير في أنات يجعلني قلقة من أن تعاود الكرة مع أخي. لا أستطيع تصديق أنها تتعرض لأخي. أخي! ستلحق به أذىً بالغاً ذات يوم. لا، لا تفكري في الأمر. عندما تظهر مرة أخرى، سأسحقها حتى ترتطم بالأرض. وإن آذت أخي فسأقتلها لعينها بيديّ هاتين! تتراءى لي في ذهني آخر معركة خضتها معها، لتذكرني بكل خطأ ارتكبته، وكل أمر كان يجدر بي فعله بشكل أفضل. ولا يقتصر الأمر على تأنيب النفس فحسب؛ فقد تمرنتُ، واستعددتُ. وإن أطلعت وجهها اللعين مرة أخرى، فسأكون مستعدة. مراراً وتكراراً في مخيلتي، أراها تتحرك، أراها تضربني، أراها تكاد ترديني قتيلة. مراراً وتكراراً وتكراراً وتكراراً…! يلامس يدي شيء بارد ورطب فأشهق، مفزوعة بقسوة للحظة. أه، إنه الكلب فحسب. بوسكو. لقد جاء ووضع رأسه على حِجري. يا له من… من أمر لطيف منه. «…إليزا؟ هل أنتِ بخير؟» يقول السيد ماكنيل، ناظراً إليّ بعمق قلق لا أستطيع استيعابه تماماً. «أنا… أنا بخير،» أصرّ. «لقد فزعني بوسكو قليلاً فحسب، هذا كل ما في الأمر.» يواصل الحدّق بي. حتى كلو تبدو مندهشة. «…ماذا؟ ما الأمر؟» أسأل. «لم أرَ بوسكو يفعل ذلك مع أي شخص آخر قط،» يقول السيد ماكنيل. «أه. حسناً، عائلتي كانت دائماً محبوبة من الحيوانات؟» أقول. «…إليزا، إنه كلب علاجي مدرب،» تذكّرني كلو. «هذا ما يفعله حين يصاب أبي بنوبة ذكريات الحرب. لكي… كما تعلمين، يساعده على العودة إلى الحاضر.» أنا… ولكن هذا ليس… «…أه،» أقول. «أه. آسفة. لكنني بخير. أظن أنني كنتُ شاردة الذهن قليلاً اليوم.» «لقد كان الأمر أكثر بكثير من مجرد (قليل)،» تقول كلو. «هل حدث شيء اليوم؟ هل ترغبين في الحديث عنه؟» «أنا… لا شيء اليوم، كلا،» أجيب. «لقد كانت معركة عادية فحسب. لم يصب أحد بأذى. والتقارب قد أُغلق. لقد كان، أه. يوماً جيدا.ً إلى حد ما… يوماً اعتيادياً تماماً.» ينجلي الفهم على وجه السيد ماكنيل، رغم أنه يتحول فوراً إلى قلق مجدد. «أه. أه، يا ابنتي…» يقول بنبرة خفيضة. آه، كان لزاماً عليكِ حقاً أن تأتي على ذكر التقارب. الآن بات يعلم، وهو يشفق عليّ لأجل ذلك اللعين. لست بحاجة إلى شفقته. لا أريد شفقته! لهذا السبب لا أخبر الناس بهذه القاذورات! ظننتُ أن كلو قد أخبرته بالفعل! أغ، أشعر بالسوء الشديد لأن هذا الأمر يطفو على السطح في ليلة سينما عائلية أقحمتُ نفسي فيها. أبدو ضيفة فظيعة بحق. ليس لأحد منهم أن يتحمل مشاكلي. «الأمر على ما يرام،» أصرّ. «حقاً. أنا متحمسة فحسب لمشاهدة هذا الفيلم الذي تريدون إرائي إياه!» يُعمق بوسكو رأسَه في حِجري بينما أُزيل شيئاً من عينيّ. إنهما مبتلتان لسبب ما. «دعنا فقط… نشاهد ذلك،» أصرّ. «حسناً؟ أنا فقط… أود الاستمتاع بقضاء الوقت معكم. أرجوكم.» تتبادل كلو ووالدها نظرة قبل أن يعودا بنظراتهما إليّ. «…حسناً يا ابنتي،» يرضخ السيد ماكنيل. «إنه فيلم جميل حقاً، وأظن أنه سينال إعجابكِ. وإن أراد بوسكو الجلوس معكِ ومع كلو، فاصنعي… معروفاً معي ودعيه يفعل، حسناً؟ إنه كلب طيب حقاً.» أومئ برأسي، غير واثقة بصوتي. وأحرص على استخدام اليَد التي لا تمسك بالشوكولاتة الساخنة لأخدش بوسكو خلف أذنيه. أه نجل، الشوكولاتة الساخنة. آه. صحيح. أنا أُمسك بها بالفعل. أخذتُ رشفة. إنها لذيذة حقاً. نعم. إنها كذلك. يبدأ الفيلم. وبحسب الظاهر، فهو يدور حول إمبراطور أحمق يُحول إلى لاما، ويفترض أنه سيتعلم شيئاً عن الحب والصداقة في رحلته للعودة بشراً. أتمنى أن تموت تلك الساحرة الشريرة اللعينة. أجل، يبدو الأمر قريباً جداً من الواقع، أليس كذلك؟ امرأة شريرة تحول البشر إلى حيوانات. أستطيع الشعور ببوسكو وهو يعمق الاحتكاك بي أكثر كلما ظهرت على الشاشة. إنه لأمر محرج بعض الشيء. ولكن بغض النظر عنها، فأنا معجبة بالفيلم حقاً. إنه مجرد… سخيف بعض الشيء. لست شخصاً سخيفاً بالضبط، لكني أظن أنه من الجميل أخذ استراحة من حين لآخر. كانت الكوميديا خياراً مثالياً حقاً. لقد نسيت كم كنت أحب الضحك. «كان ذلك… رائعاً بحق،» أقول مع بدء ظهور أسماء العاملين. «أليس كذلك؟» تبتسم كلو. «إنه أحد أفلامي المفضلة.» ينطلق فجأة صوت قرقرة من معدتي، مسموعاً فوق الموسيقى المنبعثة من التلفاز. أحمرّ خجلاً. «أجائعة أنتِ؟» يسأل السيد ماكنيل. «قليلاً،» أقرّ. «حسناً، ينبغي أن يكون طبق التِكا مَسالا قد شارف للتو على الانتهاء من التبخير،» تقول كلو، ناهضة مع ابتسامة عريضة. يا لهوي، إنها تبتسم دائماً. أتساءل مم هي مسرورة إلى هذا الحد. «أحب طهيه ببطء. فهذا يجعل كل شيء طرياً ولذيذاً.» تمضي باتجاه ما أظنه المطبخ، بينما أظل في مكاني، لست متأكدة تماماً إن كان هناك ما ينبغي لي فعله سوى خدش بوسكو خلف أذنيه. ينهض والد كلو، مشيراً بي باتجاه غرفة أخرى. وما أن يفعل، حتى ينهض بوسكو ويهرول إلى جانبه. «دعنا ننتظر في غرفة الطعام،» يقول. «تحب كلو إحضار كل شيء كأنه عرض ضخم.» «إنه عرض ضخم بالفعل!» تصرخ كلو من الغرفة الأخرى. «الطعام فن!» يضحك والدها، مهزاً رأسه بابتسامة حانية مرسومة على وجهه وهو يقودني نحو غرفة الطعام. إنها غرفة ضئيلة جداً بالنظر إلى كل شيء، بالكاد تكفي لطاولة طعام تتسع لأربعة أشخاص والكراسي التابعة لها. والقطعة الوحيدة المتبقية من الأثاث هي رف صغير يحمل بعض الأغراض: جرة رماد وصورة لامرأة. «تلك والدتها،» يقول السيد ماكنيل باقتضاب. «أه،» أجيب بصوت خفيض. والفكرة الوحيدة التي تدور في رأسي الآن هي: «هل خذلتها؟» «إليزا؟» أرمش. «ها؟» أسأل. «قلتُ إن السرطان أخذها،» يعيد السيد ماكنيل. «في الوقت الذي كانت فيه كلو صغيرة جداً. لم يكن بوسع أحد فعل أي شيء.» أبتلع ريقي، غير معجبة بالطريقة التي يبدو بها كأنه يحدق من خلالي. «آسفة لخسارتك،» أتمكن من قولها. «كلنا كذلك،» يقول. «لا يزال الأمر صعباً، بعد كل هذه السنين. تبدو المشاكل أسهل بكثير للتعامل معها حين يكون هناك شخص تلومه. حتى لو كنا نحن أنفسنا. ولكن هيا! على الأقل لستُ مضطراً للقلق بشأن ذلك مع هذا الفتى الشقي.» يشير بيده نحو طرفه الصناعي. «هناك بالتأكيد شخص آخر نلومه على هذا!» يقول. «ربما الكثير من الناس.» حسناً، الآن يتوجب عليّ السؤال. «كيف فقدتها؟» «تعرضت عربة النقل التي كنت أستقلها للانفجار في العراق،» يوضح، فأتصلب. «في دقيقة كنت في رحلة شاحنة مملة كالعادة، وفي الدقيقة التالية أجد نفسي في مستشفى أتلقى تسريحاً شرفياً. لقد هزني ذلك، لكني مسرور من نواحٍ عدة لأنه أجبرني على العودة للوطن.» «هل تعرف ما الذي فجركم؟» تفلت مني الكلمات قبل أن أستطيع منع نفسي. «ليس حارسك الأرضي المارق، إن كان هذا ما تسألين عنه،» يقول، مخترقاً لب الموضوع فوراً. «لكني رأيتها أثناء فترة خدمتي العسكرية مع ذلك. لقد كان منظراً مؤلماً بحق.» أقبض على يديّ، عاجزة عن ملاقات نظراته. فحراس الأرض غير مسموح لهم بالقتال في الحروب؛ فقوانُنا مخصصة لمجابهة التهديدات السحرية، لا التدخل في السياسات المحلية. وحماة العالم صارمون للغاية في هذه النقطة. «آسفة لأنك اضطررت لتجربة ذلك،» أقول له. «لا ينبغي لأحد أن يشعر بالتهديد منا. فنحن نوجد لحمايتكم.» «التهديد ليس ما جعل الأمر مؤلماً يا بنيتي،» يقول. «إن مشاهدة طفلة في العاشرة تقاتل حتى الموت، وتصرخ غضباً طوال الوقت، هو ما كان مؤلماً. لم تكن تتعرض لفتياننا حتى حين رأيتها. لقد قتلت أناساً من كل الأطراف.» «دا-دا-دا-داه!» تصرخ كلو فجأة، وهي تمشي داخلة إلى غرفة الطعام وبيدها قدر كبير. «الطعام جاهز! اغرفوا الأرز لأنفسكم. أه، إليزا، هل ترغبين في أي شيء تشربينه؟ لدينا حليب، عصير، صودا، أي شيء.» «أه، العصير جيد،» أجيب، مصابة بدوار خفيف. «قادمة فوراً!» تضع القدر جانباً وأراقب والدها وهو يغرف الأرز الموجود فيه إلى طبقه. أقلده بمجرد أن ينتهي، ثم تعود كلو بقدر آخر يفترض أنه يحتوي على ما سنضعه فوق الأرز. وعندما تغادر وتعود للمرة الثالثة، تكون حاملة مشروبات للجميع، فتضعها على الطاولة لنا قبل أن تجلس وتبدأ في خدمة نفسها. الطعام لذيذ حقاً. إنه لحم في صلصة برتقالية ما بطعم الطماطم والقرفة. أظن أنها أخبرتني بالاسم مسبقاً، لكني نسيته. أحرص على مدح طعامها بصوت عالٍ، وكذلك طلب المزيد، وتبدو سعيدة للغاية حين أفعل. تتبادل هي ووالدها أطراف الحديث كثيراً أثناء العشاء، لكني أركز غالباً على الأكل. فشعور المذاق الجيد هذا يجعلني واعية جداً بمدى جوعي. أنا غالباً لا أتناول ما يكفي من الطعام، أليس كذلك؟ الشعور بالجوع يجعل الغضب والخوف يتسللان بسهولة أكبر. هذا صحيح، لكني ينبغي أن أتحقق مما إذا كان ذلك يؤثر على قوتي أم لا. قد يكون الجوع عكازاً، وإن كان كذلك فأنا لا أحتاجه. الأفضل هو تمرين الساق. يضربني بوسكو بساقه على فخذي مجدداً. أبتلع الطعام الذي في فمي وأمنحه خدشة أخرى. «أهلاً يا بني،» أحييه. «هل فكرتِ يوماً في اقتناء كلب يا إليزا؟» يسأل السيد ماكنيل. «أتمنى ذلك، لكني لا أظن أنني سأملك الوقت الكافي لرعايته،» أقول. «إضافة إلى ذلك، أفترض أنه بإمكانم دائماً زيارة أخي إن رغبت في قضاء بعض الوقت مع الحيوانات. إنه يعشقهم حتى الجنون.» «حسناً، أنتِ مرحب بكِ دائماً للقدوم إلى هنا أيضاً،» يقول السيد ماكنيل. «نعم، إن كان عشاؤكِ يعجبكِ هكذا كثيراً فعليكِ حتماً تجربة المزيد من وصفاتي!» تصرّ كلو. «أبي عديم الذوق. إنه يقول إن أي شيء جيد!» «بصدق، ربما أفعل ذلك أنا أيضاً،» أقرّ. «ولكن إن كانت الوجبات شبيهة بليلة اليوم، فسيكون ذلك لأنه جيد بالفعل.» «آآه،» تتغنج كلو. «حسناً هذا لطييف حقاً. يسعدني أن—» يبدأ هاتفي بالرنين، مقاطعاً كلو بأغنية مألوفة. يتصلب جسدي بأكمله. حقاً؟ مجدداً؟ مرتان في يوم واحد؟ «مرحباً؟» أقول، مجيبة على الاتصال. يا للأسف، كان ينبغي لي الاعتذار أولاً. فمن وقاحة الحديث في الهاتف أثناء العشاء. «إليزا،» يقول صوت أوماتاما من الطرف الآخر. «لقد عادت أنات.» حسناً، لقد وعدتُ. سأقوم بقتل اللعينة. «تباً. يجب أن أذهب،» أُصّر بأسنان مصطكة، مغطيةً سماعة الأذن. «شكراً جزيلاً على العشاء، لقد كان لطيفاً حقاً، وقضيت وقتاً ممتعاً.» «الواجب ينادي؟» يسأل السيد ماكنيل. «حرفياً، أظن ذلك،» أقول، مشيرة بهاتفي. «حظ سيء، أُخمّن.» «حسناً، احرصي على العودة مجدداً!» تصر كلو. «سأفعل،» أعد، معيدة الهاتف إلى أذني. «أين هي؟» «إنها متجهة تماماً إلى حيث تظنين أنها متجهة،» تجيب أوماتاما. «أرجوكِ لا تكوني متهورة يا إليزا. الدعم الذي ذكرته سابقاً يبعد أقل من خمسة عشر دقيقة. سأرسلها في طريقكِ بأسرع ما يمكنني.» «لست بحاجة إلى دعم،» أعبس. «أرجوكِ اقبلي به على أية حال،» تتوسل أوماتاما. «أؤكد لكِ، لن تبطئ من سرعتكِ.» «…حسناً،» أجيب، وأنهي المكالمة. «أ-أنتِ ذاهبة للتحول؟» تسأل كلو. أرمش. أعني، أنا لا أفعَل ذلك عادة بوجود شهود. لكن القطة خرجت من الجراب على أي حال. نعم، ما زلت لا أملك أي فكرة عما كنتُ أفحصه حين فعلتُ ذلك، لكني أظن أن التحول الآن سيصل بي إلى هناك أسرع. «أترغبين في المشاهدة؟» أسأل. «…أرجوكِ نعم.» أومئ. إنه لأمر محرج بعض الشيء، لكني أفترض أنها قالت «أرجوكِ». «לֹא אֶכָּשֵׁל» *(لن أهزم)*. يتدفق التغيير عليّ كما حدث ألف مرة من قبل، فيغمر الطاقة جسدي البشري ليُستبدل بنسخة منه مخصصة للقتال. تلتئم دروعي حولي ويسقط مسدسي في يدي. أضعه في جرابه الجديد بينما يخفت الضوء المحترق حولي. «فـورِيـوس أفِنْجـَر سـَرْفِـيـڤـُور فـُلْـجـُورَا.» *(المنتقمة الغاضبة الناجية فُلجورا)*. «…واو،» تقول كلو. «ابقي بأمان،» أذكّرها، ويبدو صوتي مألوفاً أكثر في أذنيّ. «لدي سنجاب ينبغي اصطياده.» «حظاً سعيداً؟» «لم أحظ به قط،» أجيب، وأتوجه نحو الباب. وما أن أخطو إلى الخارج، حتى أنطلق في الهواء، محلقة كالصاروخ نحو متجر الحيوانات الأليفة الذي يعمل فيه جيم. إنه ليس في مناوبته اليوم، لكن أنات لا تعرف ذلك. إنه المكان الذي ستكون فيه. يبدو التحليق أصعب قليلاً بصفتي فُلجورا مقارنة بكوني مينيرفا. لست متأكدة تماماً من السبب؛ ربما لأن مينيرفا أصغر حجماً وأخف بكثير من هذا الشكل، لكن ثمة جودة مختلفة للطيران لسبب ما. ربما يعتمد على الفئة؟ أسماء الفتيات الساحرات مهمة جداً وفي الوقت ذاته تعسفية تماماً: مينيرفا «أميرة» لأنها تلعب دور القيادة وتقاتل من الخلف. وأنا «منتقمة» لأني أقاتل وحدي ومن الأمام… فضلاً عن أسباب أخرى. هل أدائي سيء في الطيران هكذا لأن شكلي المتجسد غير محسن له كما هو الحال حين أكون مينيرفا؟ ولماذا سيكون الأمر كذلك؟ يُفترض بالشكل المتجسد أن يكون تجسيداً مثالياً لما نكون عليه. فلماذا سيكون لدي مثالان؟ آمل ألا يكون الأمر متعلقاً بكيفية استمرارنا في الحديث مع أنفسنا. أقصد كيف أستمر في الحديث مع نفسي. …صحيح، أجل. لا وقت للتفكير في هذا. ها هي أنات. ترصدني في الوقت ذاته الذي أرصدها فيه، وتزهر على وجهها ابتسامة سعيدة بشكل مقزز ما أن تفعل. «فُلجورا!» تنادي عليّ. «لقد مضى وقت طويل!» أرد بتجسيد سلاحي والهبوط على رأسها. «واو!» تقول، متراجعة للخلف لتفسح المجال. لا أسمح لها، متحركة فوراً لتقليص المسافة ومواصلة هجومي. «يا للبطء! أكنتِ بهذه السرعة من قبل؟» «سـُول فـْلَـاش!» *(وميض الروح)* أصيح، دافعة السحر ليتدفق في أطرافي ويجعلني أتحرك بسرعة أكبر. تبذل أنات قصارى جهدها لتتفادى عصاي وتتلّوى حولها، لكني أفلح في تسديد ضربة ساحقة إلى ضلوعها وأغتنم الفرصة فوراً للمتابعة. «لِـايْـتْـنِـيـنْـغ آرك!» *(قوس البرق)*. تقود الضربة الأولى إلى الثانية، فيطيح انفجار رعدي بأنات عبر الشارع بينما يفر المدنيون الذين أدركت للتو أنهم لم يُخلوا المكان ليهربوا حولنا. تبّاً. يجب أن أكون حذرة في طريقة ضربي لها. نحن لسنا في الفضاء البيني. لقد كنت أحظى بيوم جيد ولأول مرة. كان غريباً، وكان مزعجاً، وظل الناس يستجوبونني ويشفقون عليّ لكوني حارسة أرض. ولكنه ظل يوماً جيداً، اللعنة. كنت مع صديقي! صديقي اللعين الوحيد! ولن أسمح بحدوث هذا مجدداً! تبصق أنات كتلة من الدم، وتكشف ابتسامة مسعورة عن المزيد من أسنانها وهي تحدّق بي بافتتان. «لم تضيعي الشهرين الماضيين سدى، أليس كذلك؟» تسأل. «لم أرَ جيم حتى اليوم، لكني لم أرَ قط غضبكِ بهذا المستوى.» أنا عادة أكثر خوفاً بكثير. خائفة من أن تؤذيه. خائفة من ألا أكون كافية لإيقافك. ورغم أن حجر تحولي صالح تماماً للغرض مثل الغضب، إلا أن إلقاء التعاويذ بالخوف لا يبدو ناجعاً بالقدر نفسه حين أكون فُلجورا. ولكن لا شيء يدعو للخوف اليوم. جيم في المنزل. والتقارب قد تم التعامل معه بالفعل. وهذه العاهرة الغبية لا تعلم حتى بوجود كلو. إنها لا تعلم أنها جعلتني أهرب منها. إنها لا تعلم أنني كنت أحظى بيوم جيد، ولا يوجد وقود للغضب أفضل من حرق ما كان يُعدّ سعادة. «أبْـرِاكْـسِـيـوْن: هِـيڤِـنْـز هـَامْـمِـر!» *(تفريغ مشاعر: مطرقة السماء)*. «واو، تبّاً، مسبقاً؟!*» تصرخ. «پَـاسِـيـوْن سْـتِـيب!» *(خطوة الشغف)*. تثب مبتعدة عن طريق عصاي، لكن سلاحي يصطدم بالطريق وتطالها الصدمة الموجية على أي حال، غامرة دفاعاتها بالطاقة السحرية ودافعة إياها لتتخبط متدحرجة عبر الشارع. إن استخدام تفريغ المشاعر بهذه البكرية يعد خطوة محفوفة بالمخاطر بعض الشيء، لكني أملك فائضاً من الطاقة ويمكنني تحمل إهدار القليل منها لإسقاطها بأسرع ما يمكن. «حسناً! سنلعب بعنف!*» تعلن أنات. «پْـرِيتِـي وَارْرِيُـور پَـاوَر أَب!» *(تعزيز قوة المحاربة الجميلة)*. أنا مستعدة لذلك هذه المرة. كنت أتوقعه. يلتوي جسد أنات ليصبح أكثر شبهاً بالوحوش، بدءاً من الأذنين الطويلتين أعلى رأسها وصولاً إلى الذيل التسعة النامية من عمودها الفقري بدلاً من ذيل واحد، فتكسو الفتاة المتوحشة بالفعل نفسها بكامل قوتها. «رْهَـاپْـسُـودِيك بِـيـسْت كـُونْـسُـومَـاتْـع أنَات!» *(أنات المكتملة ذات الوحشية الإيقاعية)*. دائماً ما يكون الوقت أقل مما تتوقع أثناء التحول، لكني أحرص على عدم إهداره. وبحلول الوقت الذي تنتهي فيه من إعلان اسمها، أكون قد بدأت في التأرجح نحوها مجدداً. تضرب عصاي جسدها وتتبع الضربة بجلجلة رعدية، في ضربة ثنائية فورية تحيل معظم الوحوش إلى عصارة بضربة واحدة. يصد جسد أنات المتجسد الضربة على النفر البلورات النامية من ساعديها، وبالكاد يجعلها ذلك تتراجع خطوة للوراء. «مَـانْـيَـاك بـْلَـوْ!» *(ضربة مهووسة)* تصحر، بينما تتجمع طاقة سحرية صفراء حول قبضتها. أستطيع الشعور بحركة الطاقة. هذا هجوم قوي جداً جداً، لكنها تتخلى عن دفاعاتها لتغذيته. لا داعي للمغامرة. العبي بأمان. كلا اللعين لن أفعل. أخطو للأمام، ضاغطة هجومي حتى وأنا أرى قبضة أنات تطير نحوي. «لِـايْـتْـنِـيـنْـغ آرك!» أصيح، فيتحول العالم إلى اللون الأبيض، وتندلع آلام في كتفي لعدم تمكني من تفادي لكمتها تماماً. أُقذف محلقة في الهواء، متدحرجة ومحتكة عبر الأرض قبل أن استعيد السيطرة على نفسي بذراعي السليمة وأثب واقفة مجدداً، متجاهلة الألم. لقد كان الأمر يستحق. لقد أصبتها. أنات في وضع سيء بقدر سوء حالتي. لقد اتصل هجومي برأسها، وبينما تحاول النهوض، والدم ينزف من جبهتها ويعميها في إحدى عينيها، تتخبط. يشعر كتفي اليسرى وكأنها مكسورة، لكن أنات بالكاد تستطيع الرؤية باستقامة. أندفع نحوها مجدداً. «پَـاسِـيـوْن—» ماذا؟ تستعيد توازنها، ورغم أن عينها العاملة غير مركزة تماماً، إلا أنها تنحني لتطلق نفسها نحوي على أية حال. «—سْـتِـيب!» لقد اندفعت نحوي هكذا آخر مرة تقاتلنا فيها. قاومتها بحاجز العاصفة، لعدم إلمامي التام بتعاويذها وحصول نوبة فلع. لكني أعدت تمثيل المعركة في ذهني مائة مرة الآن، مسترجعة كل ما فعلته والطرق التي كان يمكنني بها فعلها بشكل أفضل. لا داعي لصد هذه التعويذة. أنات مباشرة جداً. إنها تندفع نحوي مباشرة، كما تفعله دائماً. يمكنني أن أجعلها تدفع ثمن ذلك. أثب يساراً، محركة عصاي نحو النقطة التي كنت أقف فيها للتو. «أبْـرِاكْـسِـيـوْن: هِـيڤِـنْـز هـَامْـمِـر!» هذا كل شيء. هذا سينهي المعركة. قوة الزخم لتعويذتها وهي تحطم مباشرة في واحدة من أقوى تعويذاتي؟ إنها لا تمتلك أملاً في—انتظري. إنها تطير نحوي مباشرة. لماذا؟ كيف؟ لا يمكن أبداً أن… لقد كانت دابرة الرأس. أظن أنها قفزت في الاتجاه الخاطئ فتفاديتها لتصطدم بي. لا. لا. لا! لن أسمح لشيء أحمق لعين كهذا بأن يوقفني! «لِـايْـتْـنِـيـنْـغ آرك!» بالكاد بدأت في تأرجح تفريغ مشاعري، لذا فبالقوة المحضة للإرادة أجبر التعويذتين على الاندماج بدلاً من الانفجار في وجهي. تقبل القوة الكاملة لمطرقة السماء سرعة قوس البرق، ويسمح لي التسارع المفاجئ في تأرجحي بوضع قوة الهجوم أمامي بدلاً من الجانب، متصلة بالكاد مع أنات قبل لحظة من اصطدامها بي. أشعر بصوت تحطم العظام المرضي ضد عصاي، وتطيح القوة الانفجارية بها إلى الجانب، عبر واجهة متجر، وعبر الرفوف، وصولاً إلى الجدار الخلفي محطمة الطوب. عفوآ. أتمنى أن يكون لديهم تأمين. أشعر… بالاستنزاف. لست منهكة كلياً، لكن ذلك استنفد الكثير مني بالتأكيد. الغضب المغلي الذي حملني إلى هنا بات وميضاً خافتاً لما كان عليه سابقاً، ذكرى لم تعد تستثير المستوى ذاته من الغضب. إنه… ممتع، من نواحٍ عدة. لكني ما زلت بحاجة للانتهاء من أسر أنات، بافتراض أنها نجت، لذا أستغرق لحظة لأذكر نفسي بمدى غضبي منها قبل التوجه إلى فوضى المتجر الذي طيرتها من خلاله للتو. أستطيع سماع أنفاسها المؤلمة والثقيلة. إذن فهي لا تزال على قائمة الأحياء، على الأقل. لم أعد أشعر بتلك الحاجة الملحة لإعدامها حرفياً، لذا فهذا مبعث راحة نوعاً ما. وحين أراها أخيراً، لا تزال في الانبعاج الذي صنعته في الحائط بجسدها، محطمة وتنزف. ورغم ذلك ومع اقترابي، ترفع رأسها وتبتسم. «تبّاً،» تشتم، مسعلة قليلاً. «أأوقعتكِ في وقت سيء أو شيئاً كهذا؟» «نعم، في الواقع،» أجيب، محاولة تحديد أفضل طريقة لأسرها وتسليمها إلى أوما. تعاويذ التقييد ليست براعتي حقاً، لذا أظن أنه يجب علي فقط إفنائها؟ الارتجاجات لن تلحق ضرراً دائماً بشكل متجسد. على الأرجح. «وليس هذا فحسب،» تقول أنات. «لقد كنتِ تتتدربين بجد حقاً، أليس كذلك؟ أظن أنني أشعلت ناراً تحت مقعدكِ أخيراً. كيهيهي.» «تحاولين نسب الفضل في انتصاري، أฮ؟» أسأل. «أفترض أنه طبيعي أن تكوني خاسرة سيئة.» تضحك قليلاً، مسعلة سائلاً داكناً. أتصلب، مستعدة لهجوم. ضحكة ساحرة صفراء تعني أنها لا تزال في المعركة، مهما بدت مصابة. «أنا سعيدة من أجلكِ،» تصر. تباً. ألوح بسلاحي نحو رأسها، لكن أحد ذراعيها النازفتين تلوح في الهواء وتلتقطه في منتصف الهجوم. «גْـرَسْـپ أُوف ذِى كْـلَـاو.» *(قبضة المخلب)* «تعالي يا فلجي. تحدثي معي قليلاً. لم أتأخر لفترة كافية بعد.» أقاوم الضغط الشديد المحاول سحقي إلى الأرض، محكة بأسناني ضدها. «أتأخرين؟» أسأل. «ما الذي تخططين له؟ ما الذي يجري؟» «بصراحة؟» تسأل أنات. «لست متأكدة تماماً. لقد أُتيحت لي فرصة لتشتيتكِ ولم استطع حتى التفكير في قول لا. لقد كان أمراً رائعاً للغاية كيف أوقعتِني! لقد تفوقتِ عليّ في المهارة بالتأكيد.» «أعلم،» أعبر بأسنان مصطكة، لافّة سلاحي خارج قبضتها ومحطمة إياه في وجهها بحركة نظيفة واحدة. يضعف سحر أنات ضربتي قليلاً، لكنه يظل ضربة نظيفة للجمجمة. يبدأ المزيد من الدم في التدفق من وجهها، وللحظة أظن أن الأمر انتهى. ولكن بعد ذلك، وبالتأكيد، تتسع تلك الابتسامة اللعينة. «يا للشجاعة لأنني ما زلت أتفوق عليكِ في القوة،» تستفزني. إنها تستفزني. أنا. ساحرة حمراء لعينة. ويمكنني أن أرى أنها تعلم تماماً ما تفعله. حسناً إذاً! الثالثة ثابتة أيها العاهرة! «أبْـرِاكْـسِـيـوْن!» أزئر، دافعة بكامل قوتي في أقوى هجوم لي. «هِـيڤِـنْـز هـَامْـمِـر!» *(مطرقة السماء)*. تراقب أنات اقتراب ضربتي، وتتحرك شفتاه بسرعة مستحيلة، ويبدو أن الوقت يبدو بطيئاً وهي تنطق بتعويذة تجعل قلبي يصرخ خوفاً. «كَـاتْـارْسِـيس: لـَافْـتِـير أُوف ذِى بْـلُـود.» *(تطهير: ضحكة الدم)*. تبّاً، تبّاً، تبّاً، اركضي، ألغي، ألغي! يتصل تأرجحي بالنقطة التي كانت فيها أنات للتو، ضارباً الطوب وحده ومفجراً الحائط إلى شظايا. تدوّي قهقهات أنات المسعورة حولي، وكأنها تأتي من كل مكان ولا مكان بينما ترقص ومضات خافتة من الحركة في زوايا رؤيتي. لا أستطيع تصديق أن تلك العاهرة المجنونة تستطيع استخدام تطهير لعين! ستكون مستنزفة تماماً حين ينتهي، ولكن من يدري كم سيستغرق ذلك! إنها على حق، لا يمكنني التغلب على هذا بالقوة. يجب علي الهرب. مندفعة خارج المتجر المنهار، أنطلق في الهواء، باحثة بيأس عن خصمي. كيف يفترض بي معرفة أين أهرب إن لم أكن— «مغادرة بالفعل؟» تسأل أنات، وقد التفّت مخالبها فجأة حول كاحلي. «لا تكوني وقحة! لقد ارتديت أفضل ما لدي لأجلكِ!» تنتزعني من السماء، مستأنفة الضحك المسعور بينما أصطدم بالإسفلت. أتدحرج إلى اليسار غريزياً، ومخالب أنات تكشط جانبي درعي بينما تخترق الأرض بجانبي. أستدير لأرها فتتلاشى لتصير ضباباً، وتبدو تلك الابتسامة كأنها تتدلى لجزء من الثانية بينما ينشق الهواء كالرعد عند مرورها. أثب واقفة، متفادية بالكاد ضربة أخرى تصطدم بالأرض بقوة كافية لجعل قطع الطريق تطير في وجهي، معمية إيَّاي لفترة كافية لتسدد أنات ضربة أخرى. أبذل قصارى جهدي لاستخدام الطيران لإيقاف زخمي، لكني ما زلت أحطم عمود إنارة تماماً وأرتد عن جدار طوبي قبل أن أستيطع السيطرة على نفسي. وما أن أفعل، حتى أرى ابتسامتها وقبضتها. «سْـتُـورْم بَـارْرِيِـر!» *(حاجز العاصفة)* أصيح بذعر، مجسدة درعاً غائماً بالكاد يمتص ضربة أنات، والسحر يكاد ينهار تحت وطأة الضربة. «تِـايْـفُـون بـَرْسْـت!» *(انفجار الإعصار)* أتابع، مفجرة درعي المتعثر في وجه أنات بموجة من البرق. يصيبها بشكل مباشر، مستصْرخاً صراخاً وأنا أطير للخلف لأترك مسافة أكبر. «آه!» تصرخ أنات. «تبّاً! هذه خدعة جديدة!» كلا، إنها مجرد إحدى تعويذات مينيرفا. لماذا أستخدمها في هذا الشكل مجدداً؟ لا يبدو الأمر صحيحاً. كان ينبغي أن أكون أصغر من هذا. لا وقت للتفكير في هذا. ركزي. تطهيرها هو قطعاً من نوع التعزيز. وهي أخبار مريعة، لأن ذلك يعني أنه سيستمر على الأرجح لفترة. ومع ذلك، يجب علينا استنفاد الوقت. لا يمكن مواجهة هذا وجهاً لوجه. إنها أسرع منا! وأقوى منا! لا يمكننا الهرب، فهذا سيتركنا مكشوفين فقط! أعلم، أعلم! ولكن ما الذي أفعله إذن؟ إنها حمقاء! اخدعيها! «فُـلْـمِـيـنَـانْـت—!» أبـدأ، موجهة عصاي مباشرة نحو أنات. تتضباب وتختفي مجدداً، لتضعها تلك السرعة الجنونية بعيداً جداً عن مرمى نيراني. «—پْـرِيزْم!» *(منشور صاعق)* أختم، لافة رميتي لأستهدف الأرض تحت قدمي. تزهر عاصفة متوهجة ونابضة من البرق الهندسي غير الطبيعي على الأرض بينما أبدأ في الوثب مبتعدة مجدداً، وأنات لا يفصلها عن ضربة أخرى سوى لحظات. «ها؟» تقول، ثم ينفجر سحري في وجهها وهي تمر فوقه. أُعلق في الانفجار أيضاً، لكن جسدي مقاوم بطبيعته للبرق ويمكنني ركوب موجة الانفجار لأصنع مسافة أكبر لنفسي على أية حال. تصرخ أنات بألم بينما يسري التيار الكهربائي السحر فيها، مسبباً تشنجها وهي محاولة الوقوف. إنها مذهولة! لا تتوقفي! «فُـلْـمِـيـنَـانْـت ثـَاوْن—!» تتجه عينا أنات نحو وجهي فجأة، وأدرك أن ضحكها لم يتوقف طوال الوقت. ينفدل الألم في بطني بينما تقلص أنات المسافة في رمشة عين، برزت شوكة بلورية من ركبتها فجأة عميقاً داخل جذعي. يحاول عقلي معالجة ما حدث للتو، لكن سحر أنات يتدفق إلى جسدي من البلورة وأُقذف بعيداً عن ركبتها كالمدفع، والدم ينزف من جرحي المفتوح وأنا أدور في الهواء، أتدحرج فوق غطاء سيارة، وأنتهي بالتزحلق متوقفة على الرصيف. إنه مؤلم. مؤلم للغاية. لا يمكنني الفوز هكذا. لا أستطيع. علي الهرب، علي الهرب، علي الهرب، أ—! لا! لن أهرب مجدداً! علي القتال! ليس هناك خيار سوى القتال! أنا… لا أستطيع… إذن سأفعلها بنفسي أيتها اللعينة! متكئة على عصاي، أجاهد للوقوف على قدمي. قريباً. سأضطر للضرب قريباً. لا أستطيع رؤيتها، إنها أسرع من اللازم، لكن ذلك مجرد خطوة شغفها على أي حال، أليس كذلك؟ علي فقط التأرجح. لا داعي لرؤيتها، لا داعي لسماعها، علي فقط التأرجح! إنها… ستندفع… نحوي الآن! «لِـايْـتْـنِـيـنْـغ آرك!» أتأرجح. توقيتّي مثالي. أستطيع رؤيتها وأنا أنطق الكلمات، بسرعة بالكاد تكفي لألمحها وهي تتحرك بمساعدة تعويذتي. إنها تندفع نحوي مباشرة، تماماً كما ظننت أنها ستفعل. أراقب عينيها وهما تتسعان حين تأتي عصاي باتجاهها. إن لحظة الاصطدام، لحظة أن أغلبها أخيرًأ، باتت في متناول يدي. وبينما يتدفق دمي خارج أحشائي، وبينما يتأرجح وعيي على خيط رفيع، وبينما بالكاد أستطيع حشد الغضب لتعويذة أخرى، أحظى بالانتظار أخيراً. تتوقف أنات في جزء من الثانية، ولا يصيب هجومي سوى الهواء. ويعقب ذلك قرقرة رعدية تؤكد الصمت ونحن نحدق في بعضنا البعض. «هه،» تقول. «كدتِ توقعين بي مجدداً. أنا معجبة بكِ حقاً يا فُلجورا.» ردي الوحيد هو صرخات غضب غير مفهومة، متأرجحة نحو رأسها مجدداً. تنحني للخلف لتفاديها، وفي لحظة لاحقة تصبح داخل دفاعي، مستهدفة ضربة لجرحي. يحفر العذاب نفسه داخل جسدي، مزهراً من نقطة التأثير ومكتحماً أفكاري. يخفت غضبي، ثم تطيح بي ضربة تالية للصدغ ممددة إياي عند قدميها. «تملكين مقاومة جيدة للأعتاب!» تثني عليّ. «كنت محقة جداً بشأنكِ. ينبغي أن تأتي معي إلى المنزل. ما رأيكِ؟» ترتفع قدمها لتسحق رأسي. «اذهبي وافعلي كذا بنفسك،» أبصق. «آآه. هذا سيء للغاية.» أغمض عينيّ بينما تسقط قدمها، مستسلمة للخوف تماماً كما فعلت دائماً وسأفعل، مهما حاول بجهد. هل ستجرني إلى العالم المظلم وأنا فاقدة الوعي؟ هل سأستيقظ وحشاً مسجوراً مثلها؟ يثنيني الرعب عن الحركة. ولكن بدلاً من تحطم العظام والسواد، أشعر أن العالم يبدو أبطأ. «سَـانْـرَايْـتُـو هِـينْـشِـين!» *(تحول شروق الشمس)*. ماذا؟! من تكون…؟ أفتح عينيّ، ملاحظة فتاة صغيرة بشعر أسود قصير تقف في الطرف البعيد من الشارع، وابتسامة ساخرة على وجهها ويداهما متقاطعتان على صدرها. بالكاد أحصل على نظرة جيدة لها قبل أن تنفجر إلى ضوء برتقالي ساطع، متجسدة لشكلها المتجسد قطعة قطعة. تصبح أطول قليلاً، بادية وكأنها تجسد زي بحارة الفتاة الساحرة الكلاسيكي كزي لها في البداية، لكنها تنتهي بعد الجزء العلوي المعتاد بمعطف ضيق قصير بدلاً من التنورة، وقدمين حافيتين بدلاً من الجذوع، وقفازات بلا أصابع. تظهر التاج المتلألئ على رأسها كآخر قطعة ملابس لها، لكن التحول يبدو أنه لم ينتهِ بعد. تبرز أذنان حادتان مدببتان من أعلى رأسها بينما يبرز ذيل ذئب رمادي من مؤخرة عمودها الفقري. وما كان بداية للأمل يتحول إلى رعب إذ تنمو المخالب من أصابع يديها وقدميها. أهي أخرى… كلا. لا يمكن أن يكون، أحياناً؟ حتى مع السمات الحيوانية، لا تبدو كوحش بالطريقة التي تبدو بها أنات وأمثالها. لا توجد بلورات تنمو من لحشها، ورغم مجموعة الأجزاء الإضافية فهي بشرية أكثر بكثير من كونها وحشاً، وفتاة أكثر من كونها ذئباً. والجزء الأخير من تحولها هو تجسد أسلحتها المتجسدة: زوج من الخناجر الطويلة، واحدة في كل يد. ترصدني أداوم التحديق فتغمز لي. «يِـيرْنِـينْـغ فْـلَـاش لِـايْـتْـسْـپِـيد أَمَـاتَـارَاسُـو!» *(وميض الشوق بسرعة الضوء أماتاراسو)* تعلن للعالم، بينما يلمع حجر تحولها البرتقالي على ظهر يدها اليمنى. «من اللعين الذي—» تبدأ أنات، لكنها تقاطع بسبب تشقق الرصيف حول حارسة الأرض المجهولة بينما تنطلق نحونا، بسرعة تفوق قدرتي على الرؤية مجدداً. أسمع فقط صوت الاصطدام بينما تصد أنات ضربة من خنجر الفتاة الأخرى بشفرة البلورة على ساعدها، مغلصة المسافة بيننا في طرفة عين. تتلاشى انزعاج أنات من مقاطعتها، وتزهر تلك الابتسامة المجنونة مجدداً على وجهها. تطابق أماتاراسو التعبير، وتضغط الاثنتان أسلحتهما معاً، والشفرات مقفلة. «غشاشة،» تتهمها أماتاراسو، رغم أنها لا تبدو منزعجة بأقل قدر. «هاها، ماذا؟» ترمش أنات، وينكسر القفل، وتصدح تبادلات سريعة للضربات فوقي. لا أستطيع حشد القوة للتحرك. «بلوراتكِ ثمينة للغاية!» تنادي القادمة الجديدة فوق ضجيج الشفرات المتضاربة. لهجتها كثيفة إلى حد ما، رغم أنني غائبة الوعي تماماً لأحاول معرفة نوع تلك اللهجة. «تحتوي الكثير من الطاقة! كم منها يخصكِ؟» «تقريباً… كله!» تزمجر أنات، دافعة أماتاراسو بعيداً وصانعة مسافة لمجرد أن تندفع الاثنتان نحو بعضهما بأقصى سرعة. حركة بحركة، تتطابق أنات في القوة، وتتلاشى قوتها بينما تظل أماتاراسو منتعشة. وحتى مع خفوت ضحكة تطهير أنات، فإنهما تواصلان القتال. أظل على الأرض طوال ذلك كله، عالمة أنه يجب علي العودة للشكل البشري لكي أتوقف عن النزف لكني عنيدة للغاية لدرجة عدم المضي في ذلك. ببطء وثبات، تنهي حارسة الأرض الجديدة المعركة التي بدأتها، ويبدو وكأنها لم تكن بحاجة لمساعدتي أصلاً. تبطئ أصوات المعركة ثم تتوقف، وسرعان ما يُلقى بجسد أنات فاقد الوعي بجانبي. «نجح الأسر!» تتهلل أماتاراسو. «أنتِ فُلجورا، أليس كذلك؟ مرحباً!» «…مرحباً،» أنطق بصعوبة. «أأنتِ حارسة أرض؟» «نعم…؟» تؤكد، بادية وكأنها في حيرة من سبب اضطراري للسؤال. أرتجف بينما يتحرك ذيلها من خلفها. «أخبرتكِ أوماتama بشأن الدعم، أليس كذلك؟ أرجوكِ ناديني سو-سان!» «أه، حسناً سوزان،» أمتم. «سردت بلقائكِ.» «سو-سان،» تعيد، مؤكدة على كل مقطع لسبب ما. «نعم، حسناً. ممم. رائع جداً أنكِ هزمتِها،» أقول، دافعة الغضب المغلي بداخلي إلى الأسفل. «لكنها قالت إنها كانت تحاول تشتيتنا.» «أه،» تقول سوزان، وتتراجع ابتسامتها. «تشتيتنا عن ماذا؟» «لا أعلم،» أجيب. «لذا أظن أنها نجحت.» تعبس متفكرة للحظة ثم تهز كتفيها، رافعة جسد أنات فاقد الوعي بذراع واحدة ومرمية إياه على كتفها. إنه لأمر كوميدي نوعاً ما، فرغم أنها تبدو في عمري تقريباً وقد اكتسب شكلها المتجسد طولاً أثناء التحول، إلا أنها لا تزال قصيرة للغاية. «حسناً، سنؤمن هذه بدلاً من مطاردة أرنبين،» تقرر. «أأنتِ قادرة على المشي؟» أفترض أنها تعني «أأنتِ قادرة على المشي»، ولكن على أية حال أظن أنني أقدم لها إجابة واضحة تماماً بفقدان وعيي.
الفتاة السحرية والقلب الآلي الفصل 17 — حسن التدريب
اقرأ الفتاة السحرية والقلب الآلي الفصل 17 — حسن التدريب باللغة العربية على مانجا تايم.