قال غارغلي: "تصنع الكثير من الوصفات في قدر". كان هذا جيداً. أحبّت ليمون الكيمياء. بل وكانت مساعدة بارعة. لعلّها تحدث ساحرة المستنقع في الأمر، ولن تضطر خوض عراك. لعلّ الكائنات القاطنة في المستنقع لم تفهمها فحسب. وقال: "وتعلم الهاربيات فنون الاستحعاض. هن على وشك استحضار شيطان لأجلها". حسناً، لعلّ الكلام لن يفيد. كان استحضار شيطان أمراً سيئاً. إن كانت نساء الطيور، أو الهاربيات عذرا، يحاولن فعل ذلك، فقد سرّ ليمون أنها أفسدت طقوسهن. عدا أنها كانت مسرورة أصلاً. لعلّها كان يجب أن ترميهن بحجارة أكبر. "أهناك غير ذلك؟ أيمكنها استدعاء النار أو الأسيد أو البرق؟" تلك كانت تعويذات هوغارث المفضلة عندما يريد تدمير شيء ما. تصدر أضواء ساطعة وأصواتاً عالية، عدا عن الروائح النفاذة. ليست كريهة بالضرورة، باستثناء الأسيد، لكنها نفاذة بكل تأكيد، تماماً مثلما يشرع في إعداد الفطور وقراءة الكتب في الوقت ذاته. قال غارغلي: "لا نار ولا برق". لاحظت ليمون أنه لم يجب عن الأسيد. خمنت أن الإجابة كانت "نعم" إذن. "وماذا عن وصفاتها؟ ماذا تفعل؟" "أشياء كثيرة. تصنع حفنة من الوصفات لمساعدة صغار الهاربيات على الطيران. وتلك التي تستخدم ضفادعي من أجلها. وتسكب بعضاً منها في الماء فينتشر، قاتلاً الأشجار وما شابه". كان هذا شريراً بحتة! ثم عقدت ليمون العزم ألا تشرب شيئاً من الماء طالما هي في المستنقع، هذا إن كانت ترغب في ذلك أصلاً. هبط غارغلي في بركة أمامها محدثاً صطاماً هائلاً، ثم انطلق مجدداً. مهما يكن العطب الذي يصيب الماء، فإنه لا يؤثر على زعيم الضفادع على ما يبدو. قاد غارغلي ليمون في عمق المستنقع، في اتجاه يأمل أن يخرجها من الجهة الأخرى. تبعته بحذر، ولا تزال الريبة تحيط بها تجاه الضفادع. رغم أنه (أهو ذكر؟ بدا صوت غارغلي كذكر) أخبرها بما يريد، إلا أنها لم تكن تأمنه. عندما بلغا ضفة بحيرة صغيرة ذات مياه بنية داكنة، ترددت ليمون. قفز غارغلي مباشرة وبدأ يحرك ساقيه، ولم يلتفت إلا عندما ابتعد كفاية ليدير جسده القصير. وقال: "والآن ماذا؟" "الأمر فقط... أهو آمن؟" "ماذا، الماء؟ حسناً، أنا فيه، أليس كذلك؟" كان هذا صحيحاً، لكنه قال للتو إن ساحرة المستنقع تسكب وصفات سحرية في الماء تقتل النباتات جميعها. وإن كان يمرض الأشجار، فبإمكانه إمراضها أيضاً. لم يكن جلدها قاسياً وخشناً كجلد غارغلي. "سألتف حوله فحسب. لن يكون الطريق أطول بكثير". "لا عجب أنك ضللت طريقك. لن تخرجي من هنا أبداً إن كنت تخشين البلل قليلاً". تجاهلت ليمون كلامه وهرولت حول البحيرة. كان غارغلي ينتظرها في الجهة الأخرى، مغموراً بنصفه في الطين وقد تقطب حاجواه في عبوس. أو ربما ابتسامة خبيثة. ربما. يصعب قراءة تعابير وجوه الضفادع! تركها غارغلي تسير غالباً في الاتجاه الذي تريده، بل وقادها متجنباً البحيرات الكبيرة جداً، رغم أنه كان عليها سباحة جدولين إضافيين. بعد كل واحد منهما، كانت تفقد نفسها بحذر ممشية في دوائر لتلقي نظرة فاحصة، وهو أمر وجده زعيم الضفادع مضحكاً لسبب ما. قال حين وصلا وتوقفا قرب ثلاثة أشجار هيكلية بلا لحاء: "نحن وشيكو الوصول. انظري هنا". تطلّعت ليمون عبرها لترى ما يشبه كوخاً صغيراً يقبع على جزيرة في وسط بحيرة كبيرة. كان الكوخ مبنياً بأكمله من خشب متفنٍ وفيه فجوات كثيرة في السقف والجدران. كادت ليمون تخشى وضع قدمها فيه، لمجرد أنه كان مرشحاً للانهيار في أي ثانية. "أسريّة المستنقع تعيش في ذاك؟" "نعم". سألت ليمون: "كيف يُفترض بنا بلوغه؟" "حاولي السباحة، إلا إن كنت تستطيعين الطيران". "لو استطعت الطيران، لما كنت عالقة هنا". نُقّ غارغلي: "أظنك ستسبحين إذن". راحت ليمون تطوف في دوائر ضيقة بينما توازن ما ينبغي لها فعله. لن تكون السباحة عبر البحيرة ممتعة، والأهم من ذلك، لن تكون سريعة. لم تكن ضفدعاً، ولا تملك سحراً يجعلها تسبح أسرع أو بهدوء أكبر. إن كانت ساحرة المستنقع تعلم بقدومهما، فيمكنها مهاجمة ليمون مستخدمة العف... الإم... الدو... دون أن تستطيع ليمون فعل أي شيء لإيقافها. سألت ليمون: "أهناك شيء آخر لم تخبرني به عن ساحرة المستنقع؟" بدا أن غارغلي فكر في الأمر لحظة قبل أن يردف: "اسمها أغورغ". لم يكن هذا ما يدور في ذهن ليمون. "كنت أقصد ما إذا كانت ستشرع في رمي التعويذات عليّ وأنا في الماء؟ ألدياها حيوانات أليفة تسبح؟ تدرك أن تمساحاً بالغاً قد يبتلع كلباً في لقمة واحدة!" سأل غارغلي: "ما هو التمساح؟" "إنه سحليّة كبيرة جداً ولها الكثير من الأسنان الحادة. تشبهك إلى حد ما، لكن بطول أكبر، مع ذيل، وفم يبرز من وجهها". على الأقل، هكذا بدا الكائن في الصورة من الكتاب الذي استستخدمه هوغارث ليعلمها الحروف. لم ترَ واحداً قط في الحقيقة، لكن هوغارث قال إنه يعيش في أماكن كثيرة المياه وينمو حجماً حتى يكاد الكلب فيه لا يعدو وجبة خفيفة. "أنا أكبر سحليّة ستجدينها هنا". قالت ليمون: "أنت لست سحليّة". "أياً يكن. أنا زعيم الضفادع. الكل يطيعني". "ساحرة المستنقع لا تفعل". تحرك حلق غارغلي بسرعة وانطلقت لسانة لتصطدم بالشجرة. "تحركي، أيتها السحليّة ذات الفراء". "أنا كلبة". "لا أبالي". سألت ليمون: "كيف تتوقع مني قهر ساحرة المستنقع هذه إن كنت لا تستطيع فعل ذلك؟" "لا أتوقع. أظن أنها ستأكلك. لكن إن قهرت أغورغ حقاً، فرائع. لا ساحرة مستنقع بعدها، وسأريك كيف تخرجين من مستنقعي". لم تلاحظ ليمون ذلك من قبل، لكن الضفادع كثرت حولها الآن. كانت مختبئة في الطين بمعظمها، وبحجم طبيعي غالباً، لكن بضعة منها بحجم رأسها تقريباً كانت تحوم بالجوار وتراقب. لم يكن للضفادع الحق في أن تبدو بهذه الشراسة. قالت: "أظنني فاعلة هذا". وتطلّعت إلى الكوخ المتهالك مجدداً. "أ... أهي في البيت الآن أصلاً؟" نُقّ غارغلي مرة واحدة وقفز في الماء بدل الإجابة. لاحظت ليمون أن رذاذه كان أهدأ بكثير من المعتاد. لم يرغب هو الآخر في لفت انتباه ساحرة المستنقع. خاضت ليمون في الماء وبدأت تجدف خلف الضفادع العملاق بالكاد الظاهر فوق السطح. كان الماء عكراً جداً لدرجة أنها لم ترَ شيئاً يتحرك فيه، ولا حتى مخالبها. وكان دافئاً بصورة غريبة، ليس وأن مياه المستنقع كانت باردة أصلاً، لكن البحيرة بدت لطيفة نوعاً ما، إن تجاهلت لونها واحتمالية وجود تماسيح. أطلّ غارغلي برأسه في الطرف الآخر عندما كانت في منتصف الطريق تقريباً وانتظرت لتلحق به. سحبت ليمون نفسها خارج الماء، ونفضت جسدها جيداً، والتفتت إلى زعيم الضفادع. نُّق وهو لا يزال مغموراً في الماء بمعظمه: "مضيّاً". تتبعت عيناه خطواتها حين تقدمت نحو جدار الكوخ، حيث توقفت لتستنشق الهواء بعمق. كانت رائحة الوحل والتعفن التي تمتلئ بها أرجاء المستنقع أسوأ بكثير هنا. لم تظن ليمون أن لها معدة ضعيفة، لكنها استفرغت كل ما في وسعها لتكبح نفسها حين ضربت النتن أنفها على تلك الجزيرة. والأدمى من ذلك، كانت تنبعث منها رائحة سحر سيء، أسوأ حتى مما فعلته الهاربيات الليلة الماضية. لم يكن السحر السيء يحدث الآن، لكن ليمون استطاعت شمّ بقاياه العالقة في الهواء. لقد أُنجز مؤخراً وبشكل متكرر، وربما سيُعاد قريباً. مهما تكن ساحرة المستنقع فاعلة، فلم يكن شيئاً يرضى عنه سيدها. الآن وقد اقتربت، تمكنت من سماع شيء يتحرك بالداخل، نوع من أصوات الكشط الخافتة التي لم تعتدها. يبدأ ويتوقف بلا نظام، كحجر يُكشط ضد حجر. بحذر، تسللت ليمون حول حافة البناء. التفتت لتتفقد غارغلي خلف خصرها، فلم يبدُ منه أي تحرك لمغادرة الماء. إذن فلن يكون عوناً في شيء. يعود الأمر بأسره لليمون لتعالجه، وهو ما ستفعله. كانت ساحرة المستنقع تمارس سحراً سيئاً، ولم تستطع ليمون السماح لها بذلك. حتى لو لم يهدد غارغلي بحجب مساعدته ما لم تقهر أغورغ، لحاولت ليمون منعها من فعل أياً كان ما تفعله. كان للكوخ مدخل في الطرف الآخر، ورغم عثور ليمون عليه، إلا أنها لم تستطع الدخول. نمت شجيرة وسط الطين وتفرعت أغصانها مجردة من الأوراق لتمتد وتملأ الإطار بأسره. لم تكن هناك أي سبل لدخول ليمون من هناك، لكنها أتاحت لها أول نظرة واضحة على أغورغ. كانت ساحرة المستنقع تجلس على الأرض، المكونة من مزيج ألواح متفنية وبقع موحلة، ممسكة بساطور في يد وحجر كبير في الأخرى. بين الحين والآخر، كانت تمرر الحجر على حد السلاح بضع مرات، ثم تتوقف لتتأمل صنيعها قبل أن تعيد الكرة. كما أخبر غارغلي، كان جلدها أخضر (على الأرجح؛ لم تكن ليمون ترتدي نظارتها، وكانت الألوان الخضراء والرمادية والبنية تميل للامتزاز)، وكان شعرها أسود ومجدولاً، وبدا أسنانها كأسن الأسنان، إبر صغيرة ومعوجة ومسننة تخفيها جزئيّاً شفاه رقيقة ومتشققة. والرائحة. إن ظنت ليمون أنها كانت سيئة من قبل، فقد منحها الوقوف في إطار الباب هذا نشقة حقيقية منها. ما يكفي لانتزاع أنين قهري منها، ما جعل أذنيها وذيلها يتدليان. وثب رأس أغورغ عند الصوت، وجالت بنظراتها في كوخها بحثاً عن المصدر. قالت شيئاً لم تفهمه ليمون، لكنه ذكرها بصرخات الصفير التي تستخدمها الهاربيات للتواصل. وحين لم تتلقَ رداً، تكلمت أغورغ ثانية بلغة مختلفة. وفي المحاولة الثالثة، نطقت بلسان عاميّ أجش ومائي: "من هناك؟ اقتربي الآن. لن أؤذيك". ربما بدا هذا مقنعاً أكثر لولا الساطور الصدئ الذي تمسكه في يدها والابتسامة الماكرة على وجهها وهي تتكلم. اتخذت ليمون خطوة قهرية للوراء، وثبتت عينا ساحرة المستنقع عليها. "ما هذا؟ أأنت يا غارغلي؟ أأنت ذاك؟ اخرق يا جبان يا منقّ". بدأت أغصان الشجيرة تنثني على نفسها، متخلية عن قبضتها لإطار الباب وتاركة مساحة وافرة لتتسلل ليمون عبر الجذع. إن أرادت، فيمكنها الدخول ولقاء ساحرة المستنقع. لم تشأ ليمون ذلك. لكنها ستفعل، لأنها كانت فتاة طيبة. والفتيات الطيبات لا يسمحن بحدوث سحر سيء. أخبرها هوغارث بذلك. حتى منتصف الليل وافقت، وهي التي لم توافق أبداً على أي شيء فعلته ليمون. إن كانت أغورغ تمارس سحراً سيئاً، وكل ما شاهدته ليمون يشير إليها كمصدر له في المستنقع، فلا مناص لها من العبور عبر الباب. انزلقت ليمون متجاوزة الأغصان المرتدة لداخل كوخ أغورغ.
ليمون الفصل 7
اقرأ ليمون الفصل 7 باللغة العربية على مانجا تايم.