ليمون الفصل 5

اقرأ ليمون الفصل 5 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم تكن يد الساحر يداً حقاً. هكذا سمّاها هوغارث وحسب. استطاعت ليمون التقاط أشياء كثيرة دفعة واحدة، بشرط ألا يكون الوزن الإجمالي ثقيلاً للغاية. شيئاً ثقيلاً واحداً، أو أشياء خفيفة عديدة. واعتمد عدد الأشياء الخفيفة التي تستطيع حملها على مدى قدرتها على رصّها معاً في حزمة واحدة. جعلت الحاجة إلى التصويب في هذه الحالة أمراً أصعب عند محاولة التقاط حجارة كثيرة معاً. بالطبع، استطاعت ليمون رمي خمسة أو ستة أحجار في المرة الواحدة، لكنها لن تصيب شيئاً، وهي لم تكن تلعب لعبة الجلب، فما الفائدة إذن؟

استهدفت عوضاً عن ذلك الشعلة الأقرب، وانتزعتها من الوحل المغروسة فيه، وبذلت قصارى جهدها لقلبها رأساً على عقب لدفنها في الأرض. إن كانت سريعة بما يكفي، فلربما تنطفئ النار تماماً. لم يحدث ذلك بالطبع. لكان الأمر أسهل من اللازم. لكنه لفت انتباه أصحاب الرؤوس الطائرة. غادر أحدُهم، وهو من أنهى دوره للتو، الحلقة متجهاً نحو الشعلة، وعندها رجمته ليمون بحجر في رأسه. استطاعت يد الساحر جعله يتحرك بسرعة لا باس بها، وسقط ذو الرأس الطيراني على الأرض في اللحظة التي ملأ فيها صوت ارتطام الحجر القاسي بالجمجمة أرجاء المكان.

لفت ذلك انتباه البقية، فقطع ذو رأس طيراني ثانٍ المسافة بثلاث وثبات خفقان صغيرة. قال شيئاً بلغة الطيور تلك التي يستخدمونها، والتي بدت كغرابين يتشاجران على كعكة يابسة، فضربت ليمون من جديد. انطلق حجر ثاني من الظلام على بعد عشرة أقدام إلى يمين ليمون، وأصاب ذا الرأس الطيراني في فمه مباشرة. تطايرت الأسنان وأطلق صرخة ألم عويلية. بات طقسهم مقاطعاً تماماً، أو هكذا ظنت ليمون على الأقل.

لم يعد أيٌّ من ذوي الرؤوس الطائرة يرمي العظام في المركز، لكن ذلك الذي كان ينشد لم يتوقف أو حتى يبطئ. ظل السحر الخبيث مخيماً في الجو، لم يعد يتصاعد، لكنه لم يتراجع أيضاً. عرفت ليمون عن السحر أكثر مما يعرفه أي كلب عادي، وعرفت مرساة الطقوس عندما تراه. أحياناً تتسبب أدنى دفعة في انهيار الأمر برمّته. وأحياناً أخرى، طالما استمرت القاعدة، يستطيع الطقس احتمال شتى أنواع التداخل.

لقد كان من حسن حظها البحت أن عالقة بمحاولة إحباط هذا النوع. كان ذوو الرؤوس الطائرة يقتربون منها الآن، لكن على نحو يوحي بأن لديهم فكرة غامضة فحسب عن مكان وجودها ولا يستطيعون رؤيتها حقاً. كان ذلك ممتازاً ليمون، إذ كانت على بعد خمسة عشر قدمًا من كومة حجارتها، وهو المكان الذي كانوا ينظرون إليه. التقطت حجراً آخر وقذفته نحو سيدة طيور عشوائية، تفادته للأسف في عرض من الألعاب الهوائية الريشية تركها على ظهرها على الأرض بينما أطلقت سيدات الطيور الأخريات ضحكات شريرة ومخيفة.

بدت تلك اللقطة مخيفة بحق، وقررت ليمون أن أفضل طريقة لإيقافها هي المزيد من الحجارة. أطلقت ثلاثة حجارة أخرى، الواحد تلو الآخر، وكانت النتيجة إصابة اثنين منهما في الوجه وواحدة في البطن عندما فزعت وحاولت الطيران نحو الأعلى مباشرة. محبطة من تقدمها، قررت ليمون أنها بحاجة إلى إعادة تقييم استراتيجيتها. لن يؤدي ضرب أصحاب الرؤوس الطائرة هؤلاء إلى كسر الطقس، ولم تملك ما يكفي من الحجارة لضربهم جميعاً.

كانت تلك التي ضربتها أولاً قد استيقظت مرة أخرى وارتسم على وجهها تعبير يشبه إلى حد كبير تعبير سيدة الطعام عندما ضبطت ليمون متلبسة بالشرائح. تسلتل ليمون خفية عبر الظلام، حريصة على البقاء بعيداً عن نور المشاعل الكاشف. تخلت عن كومة حجارتها مفضلة الالتفاف حول موقع الطقس للوصول إلى العظام عوضاً عن ذلك. تطلب منها ذلك الاقتراب أكثر قليلاً مما تحب، لكن جميع أصحاب الرؤوس الطائرة كانوا ينظرون في الاتجاه الخاطئ على أي حال.

التقطت ليمون أكبر عظمة من الكومة، عظمة بالغة الكبر لدرجة أنها كانت ستعاني لإمساكها بفكيهما، وهشمت بها وجه سيدة الطيور المنشدة. انفتحت عيناها على مصراعيها، ومقاطعة نشيدها، أطلقت صرخة غضب عارمة. في الحال، استدارت جميع سيدات الطيور الأخريات في أماكنهن وتجمعن طائرات عائدات نحو منشدتهن. انتظرت ليمون حتى اقتربن من كومة العظام، ثم رمت قطعا عشوائية في كل اتجاه قبل أن تطيح بشعلتين أخريين وتلوذ بالفرار إلى داخل الليل.

انطلقت سيدات الطيور نحو السماء في كل اتجاه، وترددت أصداء صرخاتهن عبر غابات هارب إي منبهة المزيد والمزيد منهن بوجود الدخيل بين ظهرانيهم. هرولت ليمون عائدة إلى جذعها المجوف لتفكر في خطوتها التالية. انكسر السحر الخبيث عندما أبرحت سيدة الطيور المنشدة ضرباً، لذا أولاً وقبل كل شيء، تمت المهمة بنجاح. كانت ليمون فتاة صالحة حقاً. لم تقتل في الواقع أيّاً من سيدات الطيور، وكان ذلك جيداً.

عرفت ليمون قصصاً كثيرة عن صيادي الوحوش، لكنهم عادة ما يمتلكون أسلحة سحرية أو تعاويذ. وكل ما امتلكته هي طوق سحرها. بالنظر إلى ما تملكه للعمل به، اعتقدت ليمون أنها أدت بلاء حسناً. غير أنه الآن وقد زال السحر الخبيث، فقد حان وقت الفرار. كان عليها فقط تدبير هروب نظيف، مثل تلك المرة التي سرقت فيها بيض هوغارث وتوست بينما كان ينهي طهي البطاطس المقطعة. لم يراها أحد وهي تفعل ذلك، ولا حتى ميدنايت!

بطريقة ما، عرفا أنها هي على أي حال، لكنهما لم يرياها. كانت متأكدة من ذلك. لن يساعدها أيّ من سحرها في البقاء متخفية. أقصى ما استطاعته هو إبقاء المقود نشطاً لمساعدتها على الركض بشكل أسرع، لكن ليمون لم تعتقد أنها في ورطة كبيرة إلى هذا الحد. لم تكن سيدات الطيور ترين جيداً في الظلام، لذا ينبغي أن يكون التسلل هاربة منهن أسهل بكثير من التسلل متجاوزة ميدنايت. أكلت ليمون نقانقة لجلب الحظ، وأطلقت نظرة خاطفة من مخبأها، وانطلقت في الظلام.

وجدت أن الأرض الرخوة ساعدت في الواقع في الحفاظ على هدوء ركضها وحاولت الاستمرار في الاتجاه الذي تبقى فيه الأشياء رخوة. بين الحين والآخر، كانت تسمع رفرفة أجنحة في السماء، وكلما حدث ذلك كانت تحاول الاحتماء أقرب شجرة إن استطعت. لم تهبط أيّ من سيدات الطيور لتهاجمها، وعلى الرغم من أن ليمون كانت متعبة، فقد ركضت لساعات في الظلام. في النهاية، أدركت أنه قد مضى وقت طويل منذ أن طارت آخر سيدة طيور بالقرب منها، ومنهكة، استقرت للراحة.

كانت عطشى جداً جداً، ورغم أن البرك المتفرقة التي وجدتها كانت رائحتها ومذاقها سيئين، فقد لحست بضع جرعات على أي حال. ثم كافأت نفسها بنقانقة النصر (فقط لإزالة طعم الماء المقرف من فمها) وخلدت إلى النوم. لقد كان يوماً حافلاً بالنسبة لها بعد كل شيء، ولم تكن قد قطعت حتى نصف الطريق إلى المؤتمر بعد. ستتفقد خريطتها في الصباح وتعرف مدى المسافة المتبقية لها.

* * *

نهبت ليمون مع الفجر لتفاجأ تماماً بوجودها في مكان لا يشبه غابات هارب إي بأي شكل من الأشكال. كان هناك الكثير من المياه الراكدة، والكثير من الوحل، والقليل من الأشجار. ما زالت هناك بعض الأشجار، لكن هنا وهناك فقط. عنى ذلك، لحسن الحظ، عدم وجود أعشاش ولا بيض، وهو ما لا مانع لديها منه البتة. تمثل خطط ليمون المستقبلية المتعلقة بسيدات الطيور في إخبار شخص آخر وترك الأمر ليكون مشكلتهم هم، وهو ما يختلف بوضوح عن مشاكلها هي.

لقد قامت بدورها في إحباط بعض السحر الخبيث، والذي لم تشعر بأي منه مسؤوليتها في المقام الأول. فعلت ذلك فقط لأن هذا ما تفعله الفتيات الصالحات. وكذلك لأن رمي الحجارة كان ممتعاً نوعاً ما، حتى لو كان شريراً نوعاً ما أيضاً. لكن سيدات الطيور استحقلن ذلك، لذا لم تشعر بالسوء حيال ذلك على الإطلاق. الآن وقد فكرت في الأمر، كان عليها الاحتفاظ ببعض تلك الحجارة في حقيبتها. حسناً لا بأس.

لم يكن الأمر كأن الحجارة صعيبة الإيجاد. أخرجت ليمون خريطتها وشرعت تملّق فيها، بينما كان ذيلها يمسح ببطء ذهاباً وإياباً على التراب وهي تفعل. عرفت أنها لم تعد في غابات هارب إي بعد الآن، على الأرجح. لم تشبه أي غابة تواجدت فيها من قبل. واعتقدت أنها كانت ترض بشكل رئيسي نحو اليسار على الخريطة، مما يعني أنها يجب أن تكون في مكان واسع ومفتوح مع الكثير من العشب الأخضر والناس.

التفتت حولها. لم يكن هناك ناس. لم يكن هناك عشب. كان هناك بعض الطحالب مع ذلك. لعلها أخطأت في اللون. أخرجت ليمون بسرعة سحر نظاراتها من حقيبتها وبدلت سحر مقودها. ثم التفتت حولها مرة أخرى لتؤكد أن كل شيء ما زال رمادياً وموحلاً وأخضر طحلبياً. لا عشب، وهو ما قالت الخريطة إنه يجب أن يكون موجوداً. مما يعني...

قالت: "أعتقد أنني ضللت الطريق".

إن لم تكن قد اتجهت يساراً، فلربما اتجهت للأعلى. قالت الخريطة إن فوق غابات هارب إي الكثير من الجبال. نظرت ليمون حولها مرة أخرى ولمحت الجبال بعيداً جداً جداً. لذا فهي بالتأكيد ليست في الجبال إذن. ولكن إن لم تكن في منطقة العشب، ولم تكن في منطقة الجبال، فالشيء الوحيد المتبقي هو منطقة الغابات. أم كانت كذلك؟ حدقت ليمون في الخريطة، عن قرب شديد لدرجة أن خطمها لمسها. كانت هناك رقعة صغيرة جداً في أعلى غابات هارب إي، قبل أن تتحول إلى الجبال.

على عكس بقية الغابة، كانت ملونة بالرمادي، نفس الوحل والماء الرماديين اللذين كانت تراهما حولها. لابد أن هذا هو مكان تواجدها! بدأ ذيلها ينبض بسرعة وهي تتقافز وتنظر حولها. حسناً، لقد عرفت مكانها، وكانت... منحرفة قليلاً عن مسارها، لكن ذلك يعني فقط أنها بحاجة إلى الاستمرار نحو الشمس للعودة إلى الطريق. أو، انتظر، لم يكن ذلك إلا بعد الظهر، وبما أنه لم يكن ظهراً بعد، فقد احتجت إلى الابتعاد عن اتجاه الشمس، أياً كان ما يسمى ذلك.

حشت ليمون الخريطة مجدداً في حقيبتها، واستبدلت سحر مقودها مرة أخرى، وبدأت تمشي مبتعدة عن الشمس. كانت تطارد ظلها، وطالما استمرت في فعل ذلك، فلا بد أنها ستصطدم بالطريق عاجلاً أم آجلاً. لقد كانت استراتيجية صسلبة، ولا توجد طريقة لتضيع فيها. إلا أنه سرعان ما نفدت منها الأرض. واصلت الأشياء الازدداد بللاً ووحل حتى أصبحت مياه تصل إلى بطنها، مع عدم وجود ما ينبئ بمدى عمقها.

استطاعت السباحة إن اضطرت، لكن السباحة أبطأ بكثير من الركض. قد يكون المشي حولها أسرع، ناهيك عن أنه أسرع. وأنظف بالتأكيد. احتجت سحر مشي على الماء. استطاع هوغارث صنع ذلك من أجلها، كانت متأكدة. عندما تصل أخيراً إلى مؤتمر السحرة، ستطلب منه واحداً. حتى تحصل على ذلك مع ذلك، لم ترغب حقاً في السباحة في الماء الموحل المقرف الذي ربما يعيش فيه أحدهم. كلا. لا شكراً. دارت ليمون حول البحيرة والتزمت بالأرض الجافة نسبياً، والتي لم تدم سوى دقائق معدودة أخرى قبل أن تجد نفسها محاصرة بنهر طيني.

لم يكن عريضاً للغاية، لكن لم تكن له نهاية في الأفق. لم يكن الالتفاف حول النهر خياراً. لم يكن أمامها خيار سوى السباحة. بحرص، تقدمت ليمون بخطوات خفيفة حتى بلغ الماء بطنها، ثم كتفيها. ثم دفعت القاع الموحل بقدميها وجدفت في طريقها نحو الشاطئ المقابل. ظلت تخبر نفسها فقط أنه لا يوجد شيء هناك، وأن الأمر سيستغرق دقيقة واحدة فقط للعبور. لم يكن هناك شيء هناك. لا شيء على الإطلاق.

فرك شيء ما ساقها. كان هناك شيء ما هناك! لم تكن ليمون تحب هذا! احتجت إلى التجديف بشكل أسرع!