ظهر الثلاثة داخل دائرة منقوشة بالتعاويذ على أرضية تبدو كأنها من زجاج. لم تكن كذلك بطبيعة الحال، لكن ليمون استطاعت أن ترى المدينة تحتها من مكان جلوسها داخل الدائرة. نظر بون أسفلَه هو الآخر، فأطلق صرخة مختنقة، وابتعد مهرولاً عن الجزء غير الزجاجي من الأرضية.
مرّت ميدنايت بجانبه متبخترة وقالت: "هيا بنا. لدينا بضعة أشخاص عليك مقابلتهم، وإن لم ينجح أي منهم، فسيتعين علينا البحث في مكان أبعد. أفترض أنك تفضل معلماً يعيش قرب المدينة إلى حد ما لتتمكن من العودة بسهولة لرؤية عائلتك".
قال بون: "أظن ذلك".
قالت: "إذن من الأفضل أن نرى هؤلاء أولاً".
اتبعت ليمون وبون الهرّة خارج الغرفة ذات الأرضية غير الزجاجية وإلى القاعة الرئيسية للمؤتمر. كان جمع من أعضاء طاقم العمل بالقرب، بعضهم يتولى الأمن على الأرضية والبعض الآخر يتموضع خلف منصات إرشادية.
اقتربت ميدنايت من الطراز الثاني، واثبة فوق المكتب، وقالت: "عذراً. أبحث عن بضعة سحرة وكنت أتسااءل عما إن كان بإمكانك إخباري عما إن حجزوا أماكن في أي عروض أو محاضرات معينة الآن ام لا".
"امم، لا أعتقد أنه يمكننا إخباركم عما إن كانوا بين الحضور في أي فعالية، لكن يمكنني بالتأكيد إعلامكم عما إن كانوا يقدمون أي شيء. عمن تبحثون؟"
حاولت ليمون الانتباه. حاولت حقاً. كانت تعلم أن هذا مهم لبون. لكنه كان مُملاً أيضاً. معظم ما تفعله ميدنايت كان مُملاً، الآن بعد أن تفكرت في الأمر. لماذا قد يقضي أي شخص وقتاً في الحديث عن المواعيد والجداول بينما كان هناك رجل هناك فقط يقذف النار حرفياً في دائرة ملتهبة عملاقة بينما كان رجل آخر يطلق دفعات من الماء محاولاً إخماد النيران في الهواء؟ لا بد أن بون وافقها الرأي، لأنه كان يحدق فاغراً فاه في أرضية المؤتمر، حيث كانت هناك أمثلة على السحر تجري أكثر مما تستطيع ليمون حتى إحصاءه.
استدعى السحرة أجهزة خيالية، أشياء مصنوعة من النحاس والفولاذ، والزجاج والحجر، ولها أغراض لم تستطع ليمون حتى تخمينها. أظهر سحرة آخرون سيطرتهم على العناصر، أو تنافسوا في مهام. شغله زاوية كاملة زوجان من السحرة كانا يصنعان غولاً أمام جمهور حي. انفجر شيء بالقرب، باعثاً سحابة ضخمة من الأبخرة الأرجوانية وهي تتدحرج عبر الهواء. على الفور، بدأ عدة سحرة يرتدون قمصان طاقم العمل بالهتاف بتعويذات لاحتواء الدخان وتوجيهه بعيداً عن الحشود.
اقترب عنصر أمن من السحر الذي سبب الانفجار وكان مستلقياً على ظهره الآن، وتصاعدت خصلة دخان من لحيته وقدماه المنعلتان بالجوارب بعيدتان كل البعد عن حذائه. توقف ميدنايت لفترة قصيرة لتأمل الانفجار، فهزت رأسها، وعادت لتتحدث إلى السيدة في المنصة الإرشادية. لم تستطع ليمون إلا أن تشعر بقليل من الحزن بالنيابة عن الهرّة لافتقارها إلى روح المغامرة. كانت هناك أشياء كثيرة ممتعة ومثيرة تحدث أمامها مباشرة، ولم ترغب ميدنايت حتى في النظر إليها، ناهيك عن المشاركة فيها.
قالت ليمون: "أتريد الذهاب للاستكشاف؟"
أجاب: "نعم!"
توقف والتفت ناظراً إلى ميدنايت وأضاف: "لكنني أعتقد أن مفترض بي البقاء هنا".
قالت ليمون: "ستجدنا حين تنتهي".
بدا أن ميدنايت تمتلك دائماً فكرة جيدة عن مكان ليمون، خاصة إذا كانت تفعل شيئاً لا توافق عليه ميدنايت، وهو ما كان يشمل تقريباً أي شيء ممتع. تجول اثنان منهما في دورة طويلة وواسعة حول القاعة الرئيسية. كان بون يفضل التعاويذ البراقة والصاخبة المعروضة، وهو ما أعجب ليمون بما فيه الكفاية، لكنها كانت مساعدة البحث الرئيسية لهوغارث في نهاية المطاف، لذا ركزت أكثر على المعروضات التي تمركزت حول ذلك الفن الأنبْل.
أوه، ووجدت عدة أكشاك طعام أيضاً، والتي شكلت استراحة مرحباً بها. بعد عشر دقائق تقريباً، ظهرت ميدنايت من بين الحشود وتسللت نحو بون.
"ها أنت ذا. لا تبتعد من فضلك. علينا الإسراع إن أردنا لقاء سيدك المحتمل الأول قبل أن يبدأ عرضه خلال نصف ساعة".
قال بون: "عذراً. إلى أين نذهب؟"
"إن تبعتني، فسأخذك إليه مباشرة".
بدأ الثلاثة بالمشي، لتتوقف ميدنايت بعد خطوات معدودة وتلتفت لمواجهة ليمون.
"مساعدتك غير مطلوبة هنا يا ليمون. لم لا تذهبي للاستمتاع بالمؤتمر بينما أنظف فوضاك. كالعادة".
"مهلا... أنظف ورائي. أحياناً".
"يسرني أن أكون هنا لرؤية ذلك يحدث في أحد الأيام. أما الآن، فسأعتني بصبينا المتدرب على السحر هنا بينما تذهبين لتجعلي من نفسك مصدر إزعاج لشخص ليس أنا".
قد تصبح ميدنايت شريرة نوعاً ما عندما تكون في العمل، لكن صحيح أنهما لم يكونا بحاجة ماسة لليمون لكي ترافقهم، وكان هناك كشك كباب اللحم ذاك الذي لمحته في ردهة الطعام عندما كان هوغارث يقودها حول المكان سابقاً والذي ما زالت ترغب في تفحصه.
ألقت ليمون نظرة على بون وسألت: "ستكون بخير مع ميدنايت؟"
أخبرها: "أعتقد أنني سأكون بخير. سألحق بك لاحقاً. اذهبي واستمتعي".
"حسناً! حظاً سعيداً يا بون. أنا متأكدة من أنك ستجد ساحراً لتتلمذ على يديه فوراً".
راقبت ليمون ميدنايت وهي تقود بون بعيداً وسط الحشود، ثم التفتت حولها بفضول. كانت هناك الكثير من الأنشطة للمشاركة فيها، والكثير من المعروضات لرؤيتها، لدرجة أنها لم تكن تدرري حقاً من أين تبدأ. من قبل، كانت تمشي مع بون فحسب وتتركه يقودها في الغالب ما لم تر شيئاً مثيراً للاهتمام حقاً، لكنها تستطيع الآن الذهاب وفعل أي شيء تريده. حسن إنها كانت تعلم من أين تبدأ إن كانت صادقة.
كانت تحتاج فقط لإيجاد كشك كباب اللحم ذاك مجدداً. كان... في مكان ما في ذلك الاتجاه، حسبما ظنت. غالباً. ستجده عاجلاً أم آجلاً. أعد السحرة الذين جهزوا المؤتمر كل نوع من التعاويذ التي جعلت كل شيء أسهل. لم يطلب أحد من ليمون الدفع مقابل أي شيء. كان عليها فقط إبراز بطاقة عبورها المرتبطة ببطاقة هوغارث، وتولى السحر تتبع كل شيء. استمتعت ليمون باللحم على عصا، ثم استمتعت بمضغ العصا نفسها.
حصلت على فرصة الطيران في غرفة كبيرة كانت تعرض أحدث التطورات في مجال يسمى علم الديناميكا الهوائية. مقارنة بتعويذة الرفع الخاصة بها، كانت التعويذة التي ألقتها عليها الساحرة التي تعرضها أكثر تجاوبة بكثير. لم تستطع الصعود والهبوط فحسب، بل تمكنت من التحرك للأمام أو الخلف، يميناً ويساراً. استطاعت الانطلاق للأمام والالتفاف في الهواء. ووجد حتى مسار عقبات مصغر مكون من مجموعة من الحلقات الملونة الطافية في الأعلى والتي يمكنها محاولة الطيران من خلالها.
احتوت إحدى الغرف على خزان مياه عملاق، زعم المشغل أنه وُسّع ليبلغ عمقه أكثر من مئة قدم. وقال إن العشيرة التي تعمل معها طورت تعويذات جديدة لتحمل الضغط والرؤية في الأعماق، وكانت تدعو السحرة لتجربتها. لسوء الحظ، لم تسمح ليمون بدخول البركة، لذا لم تتمكن من تجربة ذلك. كانت تلك التعويذة صالحة للسحرة فقط، لا لمألوفيهم أو حيواناتهم الأليفة. وجدت ليمون كشك تحول، حيث كان أربعة سحرة مختلفين يتناوبون على تلبية طلبات الحاضرين بالتحول إلى حيوانات مختلفة.
فكرت في طلب التحول إلى قطة مثل ميدنايت، لكنها تراجعت في النهاية وتحولت إلى شيء يسمى ليمور بدلاً من ذلك. ثم أطلق سراحها داخل صالة رياضية كبيرة للعب لمدة نصف ساعة حتى زال مفعول التعويذة. آخر مكان استكشفته ليمون كان مبنى يضم جميع قاعات المحاضرات. كان أهدأ بكثير من بقية المؤتمر، ويرجع الفضل في ذلك بشكل أساسي إلى حجب الصوت الذي وُضع حول المبنى بأكمله. حملت كل قاعة لافتة تسرد اسم الساحر المحاضر والموضوع والوقت.
لم يهتم معظمها ليمون، إما لكونها مملة أو لعدم فكرتها عما تكون عليه، لكنها وجدت واحدة تحدثت عن إجراءات المختبر السليمة عند إجراء التجارب الخيميائية. افتترضت أنه ينبغي عليها فعل شيء يقارب العمل، بما أنها كانت هناك بالفعل، لكن عندما دخلت، وجدته أكثر الاشياء إملالاً. كل ما قاله الساحر، كانت تعرفه مسبقاً، أو جعله عديم الجدوى العديد والعديد من تعويذات الحماية التي وضعها هوغارث حول مختبرهم.
بعد عشرين دقيقة من المحاضرات والعروض، لم تستطع ليمون تحمل الأمر أكثر وهربت عائدة إلى الجزء الممتع من المؤتمر.
"ليمون. أرجو أن تقابلي ميدنايت وصديقنا الجديد عند المنصة الإرشادية؟"
قال صوت هوغارث في رأسها.
أرسلت مجيبة: "حسناً! سأكون هناك حالاً!"
لم تكن تمتلك أي فكرة عن مكان هوغارث، لكن السحر سيرسل كلماتها إليه. قفزت ليمون عائدة من الحفرة العملاقة التي كانت تحفرها باستخدام تعويذة تشبه إلى حد كبير تلك التي على تعويذة الحفار الخاصة بها، ونفضت التراب المتساقط عن نفسها، وتوجهت عائدة نحو القاعة الرئيسية. توقفت مرة لجمع المزيد من أسياخ كباب اللحم، ووضعت واحداً بتفكير في حقيبتها من أجل بون. وعلى مضض، احتفظت بواحد لميدنايت أيضاً.
كانت ميدنايت وبون بانتظارها عند المنصة، وكان بون يرتدي رداء جديداً بلون يُعرف عادة بـ "البني المتدرب".
لا يزال بإمكانها رؤية ملابسه القديمة في الشارع تحته، وبما أنه لم يحصل على حذاء يتماشى مع الرداء الجديد، فقد برزت أصابع قدميه العاريتين من تحت الحافة. رأى ليمون تقترب فرفع ذراعاً واحدة يلوح لها.
"مرحباً بون! هل حصلت على معلم؟ لابد أنك فعلت، بما أنك ترتدي رداء".
"فعلت. إنها تعيش هنا في المدينة، لذا يمكنني رؤية والدي كل ليلة إن أردت".
صححت له ميدنايت: "فقط متى أنهيت تدريبك الأولي. من الخطير جداً تركك تتجول شبه مدرب. لا يمتلك السحرة الجدد السيطرة للتعامل مع السحر الذي تعرضوا له".
"صحيح، هذا. أجل، علي أولاً تعلم كيفية توجيه "الألغاز السحرية للكون" أو أياً كان، لكن يمكنني بعد ذلك المجيء والذهاب كما تشاء".
"أمر مستبعد للغاية. يبقي المتدربون الجدد مشغولين للغاية أيضاً".
"حسناً، أجل، لكنني متأكد من أنني سأحصل على أيام عطلة".
"اعتقدت أن الساحرة لاتريسا كانت واضحة تماماً في أنك لن تفعل".
ذبل بون وقال: "أظنني لم أكن منتبهاً. كنت متعباً نوعاً ما بعد كل تلك الاختبارات".
لم يستقطب المعلم هوغارث قط أي متدرب. كان يقول دائماً إنه منشغل للغاية بتجاربه المختلفة وإبعاد ليمون عن المشاكل، رغم أن ميدنايت كانت تخبره دائماً بأنها تقضي وقتاً أطول بكثير في ذلك أكثر مما يفعله هو. لم تكن ليمون تفهم شخصياً ما يعنونه بذلك. لم يكن الأمر كأنها توقع نفسها في أي مشاكل بالأساس. ربما تلك المرة مع الظربان. المغزى هو أنها لم تر قط متدرباً جديداً تماماً، لذا لم تكن تملك أي فكرة عن الاختبارات التي كان بون يتحدث عنها.
سألت ليمون: "أي نوع من الاختبارات كان عليك إجراؤها؟"
"جعلوني أتعلم تعويذة جديدة تصنع الضوء فقط لإثبات قدرتي على فعلها، ثم ألقيتها مراراً وتكراراً. وبعد ذلك كان علي وضع يدي على صخرة كبيرة وجعلها تتوهج بسحري فقط. ثم أرتتني المعلمة لاتريسا كيف أستخدم تعويذة التسلق على يدي وقدمي وجعلتني أتسلّق حتى السقف".
وضع بون علامة على كل شيء بأصابعه أثناء قوله له، وبحلول الوقت الذي انتهى فيه، شعرت ليمون بغمر طفيف بكل شيء.
"واو، هذا كثير حقاً. لكن لا بد أنك قمت بعمل جيد جداً بما أنك متدرب الآن".
قالت ميدنايت مقاطعة محادثتهما: "لقد أبلى بلاء حسناً. هيا، يريد هوغارث التحدث إلينا جميعاً، وتغلق معظم الفعاليات أبوابها لهذا اليوم على أي حال".
"حسناً. أوه! أحضرت لك سيخ كباب يا بون. ظننت أنك قد تكون جائعاً".
أخرجت ليمون السيخ الخشبي من حقيبتها وأمسكت به في الهواء بيدي الساحر. أخذه بون بسعادة وسحب قطعة لحم عنه.
"شكراً! هذا جيد حقاً".
"أحضرت لك واحدة أيضاً يا ميدنايت. ألا ترغبين بها؟"
حاولت ليمون ألا تبدو متفائلة للغاية. تنهدت ميدنايت فحسب وبدأت بالمشي.