شقة هيسوكا، موسوتوفو. أغلقت باب الشقة وأحكمت إقفاله قبل أن أشق طريقي في الممر نحو درج البناية الداخلي. قطعت الطوابق الثلاثة صامتاً، ومخيلتي كلها مشدودة إلى عشرات كرات الرمل المنتشرة حول محيط المبنى من الخارج. كان غريباً رؤية هذا العدد الهائل من البشر. قصر هيغاوارا كان يقبع بعيداً عن المنطقة المركزية المكتظة، لذا لم تكن حركة المارة كثيرة في أطرافه. أمّا هذا المبنى السكنيّ فكان في الجهة الشمالية للمركز، ما يعني أن الفنادق والمباني الإدارية والمجمّعات التجاريّة تحيط به من كل حدب وصوب.
كان أمامي ثلاث دقائق للوصول إلى محطة مترو الأنفاق، وهي مهلة تزيد بدقيقتين عمّا أحتاجه حقاً، خصوصاً أنني رسمت مساري بدقة قبل وقت طويل وحسبت الوقت اللازم لقطعه. لمحت في طريقي طالبين يرتديان الزي المدرسيّ ذاته الذي أرتديه، وما إن وطدت قدمي محطة المترو حتى وجدت نفسي في العربة نفسها معهما. كان الأول صبياً طويلاً ومتقدّماً في السن بشعر أزرق شائك. وقف ملتصقاً بباب العربة التالية، ووجهه يكاد يلامس الزاوية وهو يبذل قصارى جهده ليختفي عن الأنظار في قطار يعج بالركاب.
أما قريباً مني فوقفت فتاة قصيرة للغاية، بعينين داكنتين واسعتين وشعر أخضر كثيف جُدِل على ظهرها في عقدة معقدة. لقد لاحظت وجودي بوضوح، فقد كانت ترمقني بنظرات ثابتة منذ لحظة صعودي. بادلتها النظرات ببرود، متسائلاً عما إذا كان حجم عينيها وفمها الفريد ناتجاً عن طفرة جسدية بسبب قدرتها، أم أنه أمر طبيعي تماماً. كانت الرحلة من المركز إلى المحطة الواقعة خارج أسوار ثانوية يو آي قصيرة للغاية، واستغرقت دقائق معدودة عوضاً عن ساعة ونصف كان عليّ احتمالها.
ورغم ارتفاع الأسوار الهائل، كان هناك هيكل شاهق من الزجاج والحديد يرتفع خلفها. إنها المدرسة الأبرز للأبطال في اليابان، وصرح يحظى بالاحترام في العالم أجمع. ومع تباطؤ القطار تدريجياً، لمحت عشرات الطلاب يمشون على الممر خارج السوار متوجهين نحو البوابات الضخمة التي تشكل المدخل. توقف القطار تماماً، فانفتحت الأبواب وشققت طريقي إلى الرصيف. فرّ الفتي صاحب الشعر الأزرق من القطار كمن يهرب من خطر، مططئاً رأسه رفضا ًتاما ًللنظر إلى أي أحد، ليختفي من المحطة في لحظات معدودة.
تبعته بخطى أهدأ، مغادراً المبنى إلى الممر لأندمج في حشد الطلاب. كانت البوابات تحرسها ثنائية من الحراس الموحدين، يرتدي كل منهما خوذة تغطي الوجه بالكامل وتمنع أي فرصة للتعرف إليهما. وقفا جامدين، يراقبان الطلاب الوافدين، باحثين على الأرجح عمّن يحاول التسلل. عبرت بينهما من دون مشاكل ولاحظت فوراً المساحات الشاسعة التي تمتد خلف السوار. انتشرت مبانٍ عديدة في المكان؛ بعضها شاهق وغريب الأطوار، بينما أحاطت بأخرى حواجز ترتفع ثلاثة أضعاف سور المدرسة الخارجي.
كان مكاناً هائلاً بشكل لا يصدق، غطى معظمه العشب والأحراج وحدائق معتنى بها. دخلت المبنى الرئيسي رفقة بقية الطلاب، ومررت شريط التعليق الذي وُجِد في رسالة قبولي على بوابة الأمن القريبة من المدخل، محاكياً ما يفعله الجميع. كان حشد الطلاب الأقدم قد تفرق بالفعل، ومضى يختفي في الممرات المتعددة أو على السلالم المؤدية إلى كل اتجاه ظاهرياً. لكنّ تصميم المبنى لم يكن غامضاً عليّ إلى هذا الحد.
اتجهت نحو الخريطة الكبيرة المنصوبة في البهو، وأخرجت هاتفي في الطريق متوقفاً لالتقاط صورة لها قبل أن أمضي. وبات الهاتف في يدي، حددت موقعي بنقطة حمراء وبدأت بفهرسة المباني. عثرت على الطابق ورقم الغرفة الصحيحين بعد دقيقة من البحث، فعدّلت مساري صاعداً سلالم الجهة اليسرى. واصلت الفتاة التي تلتني منذ مغادرة القطار مسيرها البطيء خلفي، دون أن تبذل أي جهد للاقتراب من الخريطة.
كانت الممرات مصقولة كالمرآة، وتحيط بجانبيها ألواح زجاجية ضخمة تمتد حتى السقف المرتفع. سمح هذا بكمية هائلة من الضوء لتغمر المكان، فبدا ساطعاً ومتلألئاً. ورغم فخامة البناء، إلا أنه اتسم ببرود سريريّ غريب. عثرت على باب صفي دون عناء، وراودني الشك في أن أحداً قد يخطئه نظراً لضخامة الباب وحده أو الرمز الختمي البارز بلون أحمر على سطحه. توقفت الفتاة ذات الشعر الأخضر بجانبي، ومقليتاها مثبتاّتان على الرقم الضخم واحد إي الذي يتوسطه.
قالت الفتاة قبل أن تصدر صوتاً غريباً من مؤخرة حلقها: "مرحباً. أنا تسوي أوسوي".
ألتفتّ برأسي لأنظر إليها فرأيتها تحدق بي مجدداً، فرسمت ابتسامة فاترة على وجهي.
قلت: "يسعدني لقاؤك يا تسوي. اسمي هيسوكا هيغاوارا. ما كان ذلك الصوت للتو؟"
كانت بداية محفوفة بالمخاطر مع شخص لا أستطيع توقع أنماطه، لكن الفضول غلبني. أدى سؤالي، أو ربما استخدام اسمها، إلى التفاتة كاملة نحوّي، فجاريتها لأمنحها تركيزي الكامل.
قالت تسوي: "الأسماء الأولى مباشرة؟ إنّه عرض جانبيّ لقدرتي".
أومأت متفهماً، فقد افترضت مصدره مسبقاً.
قلت: "كان معي صبي في السنة الثانية بالإعدادية يملك لازمة صوتية. منحته قدرته خصائص الببغاء، فكان غالباً ما يتكلم في غير أوانه أو يعيد عبارات قيلت له".
رفعت تسوي حاجبيها باهتمام، وتردد صدى الاهتزاز ذاته في حلقها.
سألت تسوي: "هل كان محبوباً جداً؟"
قلت: "كلا. كان الطلاب الآخرون يسخرون منه".
حلّ صمت طويل قبل أن تعيد تسوي ذلك الصوت مجدداً، لكنها بدت هذه المرة منزعجة منه أكثر بكثير.
تمتمت تسوي: "أوه. أرى ذلك".
أومأت لكونها لم تحاول مواصلة الحوار، ثم التفتُّ مجدداً نحو الباب. كانت هناك فجوة صغيرة مخفية جزئياً في جانبه. قبضت عليها ودفعت الباب منزلقاً لأكشف عن الصفّ في الداخل. كان هناك طلاب بالداخل بالفعل، أحدهم فتى طويل يرتدي نظارات ويقف قرب الباب ويداه مطويتان خلف ظهره، وقد استقام جسده كرمح. كان طويلاً لدرجة أنني لم أستغرب لو كان يكبرني بسنة دراسية كاملة، لكن وجوده في صِفّنا جعل الأمر مستبعداً.
خلفه بدا زي مدرسيّ طافٍ لا يظهر بداخله أحد، كأن الهواء قرر قيادة زي لثانوية يو آي ليصبح بطلاً. وبجانب الزي الفارغ كانت فتاة بجلد ورديّ ساطع، وصلبة سوداء، وزوائد عظمية متعرجة تبرز من رأسها. وإلى الخلف قليلاً وقف فتى بشعر أحمر فاقع مُصفّف في قمة شائكة. دخلت الغرفة فتكشّف المزيد من الحضور. كان هناك فتى يغطيه ريش أسود، وتأثر بشدة بالخصائص المورفولوجية لقدرته، حيث استبدل فمه العادي بمنقار أصفر حاد.
تعرفت على اثنين من الطلاب من امتحان الترشيح. الأول فتى بحرق بارز على الجانب الأيسر من وجهه، يعلو عينه مباشرة. كان شعره ثنائي اللون، ومقسوماً بوضوح من المنتصف إلى قسمين أحمر وأبيض. والأخرى فتاة بشعر أسود كثيف مربوط في ذيل حصان عالٍ، وهي الفتاة ذاتها التي شككت في صحة حلّي لسباق العقبات. غابت سيتسونا توكاغي تماماً، مما يعني أن لجنة الحكام إما رسبت في اختيارها ضمن المرشحين الستة الأوائل أو أنها في صفّ آخر تماماً.
كانت خطة الجلوس معلّقة في مقدمة الغرفة بجانب لوح الكتابة، فاتجهت نحوها. كان من السهل التعرف على أولئك الجالسين بالفعل أو الذين كانوا في طريقهم للجلوس لحظة وصولي: تورُو هاغاكوري، مينا أشيدو، إيجيرو كيريشيما، فوميكاجي توكويامي، شوتو تودوروكي، ومومو ياويوروزو على التوالي. أما الواقفون فلم أستطع تحديد هوياتهم حتى يجلسوا، فأخرجت هاتفي والتقطت صورة لمخطط الجلوس لاستخدامه كمرجع.
عثرت على مقعدي في الصف الخلفي، بجانب شوتو ومومو وشخص يدعى أوتشاكو أوراراكا. استبعدت أن يتواجد الطلاب الثلاثة المرشحون في الصف الخلفي معاً، لكن نظراً لأننا سُجّلنا جميعاً قبل بقية الصف بشهر تقريباً، فمن المرجح أن الأمر مجرد نتيجة لترتيب التسجيل. كان الصبي ذو النظارات، الذي لم أعرف اسمه بعد، يتحدث إلى تسوي، فعبرت متجاوزاً إياهما إلى مقعدي. راقبني شوتو من مقعده، متابعاً تقدمي عبر الغرفة حتى اضطر ليرأسَه لكي يواصل، وعندها استسلم تماماً.
مالت مومو للخلف في كرسيها لتحافظ على تواصل بصريّ معي حين وقفت عند المقعد المجاور لها مباشرة، ورغم استيائها مني في لقائنا الأخير، إلا أنها كانت تبتسم.
قالت مومو: "تهانينا على النجاح يا هيغاوارا"، ثم تابعت كأنها مضطرة للتبرير: "رأيت اسمك في مخطط الجلوس".
قلت: "شكراً لك يا مومو، وتهانينا لك أنتِ أيضاً".
بدت مومو متفاجئة لاستخدامي اسمها الأول، لكنها لم تقل شيئاً لردعي، فاغتنمت الفرصة لأجلس. ورغم كلماتها، لم أشعر برغبة في الاحتفال، فالوصول إلى هنا كان الجزء الأسهل. فامتحان كتابي مفرد وسباق عقبات لا يمثلان شيئاً مقارنة بما تبقى. الصعب سيكون نيل رخصة البطل وتعلم ما أحتاجه لتحقيق أهدافي. لم يقل شوتو شيئاً لأي منا، فاكتفيت بتبادل هذا الصمت. تابعت كرات الرمل التي تركتها مخبأة في الزوايا العالية للممرات تقدم الطلاب الآخرين وهم يتسللون إلى الصف تدريجياً خلال الدقائق التالية.
كان اللافت صبيّاً بشعر أصفر شائك فتح الباب بقوة عارمة، دافعاً إياه ليصطدم بالحافة قبل أن يخطو مباشرة نحو مقدمة الغرفة. اتسمت حركته بالثقة، أو ربما كانت العدوانية وصفاً أدق. بدا واثقاً من فرض نفسه على أقرانهم عبر استعراض مدى ارتياده لبيئة غير مألوفة، واستمر السلوك حين رمق مخطط الجلوس بنظراته وخطا بعنف نحو مقعده. كان خيار المقعد يضعه في خانة كاتسوكي باكوغو، فانهار الصبي جالساً في كرسيه قبل أن يرفع قدميه فوق الطاولة.
كان ذلك تصريحاً بالتحدي، وإعلاناً لسيطرته على محيطه المباشر، وهو تحدٍّ التقطه الصبي الطويل ذو النظارات.
قال الصبي: "عذراً. أزل قدمك عن تلك الطاولة؛ مثل هذا الفعل يُعدّ إهانة لمن سبقونا هنا، وكذلك للصنّاع الذين صنعوها".
ردّ كاتسوكي غير آبه بالمواجهة: "هاه، أتراك تعاني مشكلة يا صاحب النظارات؟ من أي مدرسة أتيت أيها الكمّال اللعين؟"
أصاب هذا القدر الصريح من العدوانية وقلة الاحترام الصبي بحالة من الضياع التامّ، لكنه تدارك أمره في لحظات.
قال الصبي بثقة: "أتيت من أكاديمية سومي الخاصة، ولست كمّالاً. اسمي تينيا ليدا".
ضحك كاتسوكي في وجهه وقال: "سومي؟ إذن أنت متغطرس نخبوي. ما رأيك لو فجّرتك إلى أشلاء؟"
ألتبرت برأسي متعجباً من التهديد الصريح بالعنف والسرعة التي لجأ بها كاتسوكي إليه. لو جرى هذا المشهد خارج ثانوية يو آي لتوقعت أنه مجرد تمثيل. لكن هذا الصبي اجتاز الاختبار بوضوح، ومن المرجح أنه يملك قدراً من المهارة يدعم كلامه.
ردّ تينيا مذهولاً من التهديد: "تفجرني لأشلاء؟ أنت فظيع! هل ترغب في أن تصبح بطلاً حقاً؟"
كان كاتسوكي يوازن كرسيه على ساقين منذ جلوسه، ودفعه السؤال لإنزال الكرسى بقوة على الأرض ليتكئ إلى الأمام فوق الطاولة.
قال كاتسوكي محذراً: "سأكون أعظم بطل في العالم. أتحداك أن تعترض".
انفتح الباب مجدداً مقاطعاً التوتر، ودبر فراش ذو شعر أخضر أشعث برأسه إلى الداخل. حدق تينيا في كاتسوكي للحظة إضافية قبل أن يبتعد لتحية الوجه الجديد. استعرضت التفاعل كاملاً في ذهني، متسائلاً عن أمرهما. تمتع تينيا بالثقة الكافية لتوبيخ الصبي الآخر بلا تردّد، لكنه فعل ذلك من موقع سلطة متخيلة لا وجود حقيقي لها. هل كان ممثلاً للصف في مدرسته السابقة؟ إن كان كذلك، فهذا يفسر اكتسابه سلوكيات مواجهة سيئ السلوك بلا تردد.
أما كاتسوكي فبدا مالكاً لشخصية مألوفة وشائعة أكثر، تلك التي تستخدم العدوانية والتهديد بالقوة لتحقيق مآربها. كان هارو أول شخص أواجهه بهذه الشخصية، رغم أنني لم أرَ ما يكفي من كاتسوكي لأعرف أيهما أسوأ حقاً. لم يكن الفتى ذو الشعر الأخضر وحيداً في وصوله، فقد تبعته فتاة قصيرة بشعر كستنائي، ومع جلوس بقية الطلاب اتضح أنها أوتشاكو أوراراكا الغائبة. ظهرت يد دقيقة الأصابع على الباب شبه المشرع فأوقفت إغلاقه البطيء.
انزلق الباب جانباً كاشفاً عن رجل بشعر داكن طويل أشعث، ووجه يعلوه الشيب، ونظرة متعبة تعكس شروداً مديداً.
قال الرجل: "إن كنتم هنا للتواصل الاجتماعي فبإمكانكم المغادرة حالاً. ليس لدي وقت أضيعه على الأطفال. هذه دورة أبطال وليست ساحة ألعاب".
فزعت أوراراكا لصوت الرجل لعدم ملاحظتها اقترابه، وفرّت من عتبة الباب متبوعة بصيحة اعتذار. راقبتها وهي تنزلق إلى المقعد المجاور لمقعدي، فأومأت لها بالتحية حين بادرتني بابتسامة.
قال شوتا: "اسمي شوتا أيزاوا، وأنا مربي فصلكم. سررت بلقائكم".
توقف الرجل قرب الطاولة في مقدمة الغرفة وأمعن النظر فينا مطولاً، وهو تصرف يتناقض تماماً مع زعمه السابق بعدم رغبة إضاعة الوقت. كما بدا عابساً حين أشار بظهر كفه نحو الخزائن على جانب الغرفة.
تابع شوتا: "ملابس رياضتكم هناك، فابدلوا ثيابكم وتوجهوا إلى الساحات. استخدموا تلك الغرفة في الخلف للتغيير، أو تبادلوا الأدوار هنا. لا يهمني".
استدار الرجل وغادر الغرفة بلا كلمة إضافية، ليختفي مجرد عبوره الممر. لم يتحرك أحد حتى انغلق الباب بصوت خافت، فانفجرت الأحاديث مع نهوض الجميع عن مقاعدهم. كانت الخزائن متراصة فوق بعضها، وحملت كل منها بطاقة تحمل اسم طالبها. انفتحت الباب لتكشف عن مخابئ بعمق قدمين ضمت زياً مطوياً بنظافة ومغسولاً حديثاً. انتظرت حتى استرد معظم الآخرين ملابسم قبل أن ألتقط زي الخاص وأنضم إلى الطابور لاستخدام غرفة الخلف.
كانت الملابس المجهزة عبارة عن بدلة رياضية بسيطة من قطعتين، بالأزرق والأبيض، مع حرفي يو آي يمتدان كنمط من ياقة القميص إلى قدمي البنطال. راقبت من منظور ينبعث من مؤخرة ذراعي تورُو هاغاكوري وهي تبدل ملابسها في منتصف الغرفة دون حاجة لغرفة تبديل، إذ سحبت بنطال البدلة على ساقيها غير المئويتين. فكرت في استخدام قدرتي الخاصة لإعادة التشكل داخل الملابس الرياضية فوراً، ثم رفضت الفكرة.
فرغم قدرتها على الإفلات بحكم سلبية قدرتها، فإن الاستخدام النشط لقدرتي سيكون بلا إذن تماماً. راقبتها وهي تغادر الغرفة قبل البقية بمسافة طويلة ودون أن يلاحظها أحد. # ثانوية يو آي، موسوتوفو. كنت آخر من استبدل ملابسه وبالتالي آخر من بلغ الملعب حيث تجمّع البقية. راقب شوتا اقترابي بتعبير خالٍ من أي شيء سوى التوقع. وقف بقية الصف بحذر أمام الرجل الصامت، غير متأكدين من المهمة التي أعدها لهم.
توقفت بجانب ميزو شوجي، الذي كان بلا شك أطول صبي في صفنا، ثم حولت انتباهي نحو المعلم.
قال شوتا: "ستشاركون جميعاً في اختبار لقدراتكم. امتحان القبول كان مختلفاً، لذا يعد تفكيركم فيه إمعاناً في إضاعة الوقت. إن أردتم أن تكونوا أبطالاً فركّزوا على الحاضر والمستقبل".
سرت تمتمات هادئة مع تفاعل الصف مع الكلمات الصارمة.
تابع شوتا: "قد لا تعلمون، لكن يو آي تشتهر بنظامها التعليمي الحرّ، ما يعني توقع أشياء مختلفة من كل معلم. قد تطلب منكم أي مهمة في أي يوم، والتذمر لن يجدِي نفعاً".
أشار شوتا بيده بكسل نحو الملعب.
وعدد شوتا واقداً تلو الآخر: "رمي الكرة اللينة، الوثب الطويل من الثبات، سباق الخمسين متراً، الجري التحملي، قوة القبضة، تدريب الجزء العلوي من الجسم، لمس أصابع القدمين جلوساً. هذه تمارين طبيعية تماماً لمدارس عادية، وغالباً مارستموه جميعاً في حصص التربية البدنية".
كان الرجل عابساً الآن، إما بسبب كلماته أو لسبب لم يرَ حاجة لتفسيره.
واصل شوتا: "في المدرسة العادية، يُحظر استخدام القدرات في تلك المهام لنحصل على أساس مقارنة للجميع. لكن ذلك لا يخبرنا بشيء عن مدى مواهب الفرد أو أدائه المعزز بالقدرة، مما يجعله أمراً غير منطقي تماماً ومضيعة لوقت الجميع".
بين التمارين التي سردها، ومعدات التدريب الحاضرة، وشكواه من النظام المعتاد، اتضحت لي تماماً وجهة نظر الأمر. لديهم سجل جيد لأدائنا في مواقف مشابهة تاريخياً، لكن نظراً لمنعنا من استخدام قدراتنا، لم يعكس ذلك ما نملكه حقاً من قدرات.
قال شوتا: "باكوغو، إلى أي مدى استطعت الرمي في الإعدادية؟"
أجاب كاتسوكي: "سبعة وستين متراً".
ناول شوتا الكرة وقال: "تقدّم إلى نقطة البداية. هذه المرة ستفعلها بقدرتك. ابقَ في الدائرة ولا تكبح نفسك".
التقط كاتسوكي الكرة بلا مشاكل قبل أن يصدر صوت يمكن وصفه بالحماس العدواني، ودون انتظار لتوجيهات إضافية، خطا بقوة داخل الدائرة المحددة. راقبت كاتسوكي وهو يرمي الكرة في الهواء لتقدير وزنها قبل أن يلتقطها مجدداً.
قفز خطوة للأمام ليحتل مركز الدائرة وتراجع للخلف— صرخ كاتسوكي: "مت!"
—اهتزت الأرض بموجة من القوة والصوت حين أطلق الكرة في الهواء، محاطة بانفجار من النار والدخان يتمدد خارجاً. اختفت الكرة من يده في شقّ، مخترقة المسافة البعيدة لتغيب عن الأنظار.
تساءلت كيوكا: "مت؟ لم أكن أعرف أننا نحاول قتلها".
عرض اللوحي الصغير الذي حمله شوتا رقماً متصاعداً يتسارع في الارتفاع متتبعا ًالمسافة. وما إن توقف تماماً —بعد فترة طويلة من اختفاء الكرة دلالة على وجود جهاز تعقب داخله— حتى أهلاه لنتمكن من رؤيته.
قال شوتا: "من المهم أن نعرف حدودنا، وسواء أدركتم أم لا، فالقدرات جزء منكم، وعليكم معرفة ما يمكنكم فعله بها. هذه هي الخطوة الأولى نحو اكتشاف نوع الأبطال الذين ستصبحون عليه".
قال إيجيرو مذهولاً: "سبعمائة وخمسة أمتار. يا رفيق، هذا جنون".
رسم كاتسوكي ابتسامة شرسة ردّاً على التفاعلات، راضياً تماماً عن الاهتمام، أو ربما لمجرد إزعاجه إياهم بنتيجته. ارتفع مستوى الضوضاء العامة مع بدء الجميع في مناقشة المهمة.
ههدأهم شوتا قائلاً: "لماذا تشعرون بكل هذه الراحة؟ إن ظننتم أن الأمر مجرد لهو ولعب، فسأضطر لرفع سقف التحدي".
مدّ شوتا يده نحو وجهه، دافعاً ببعض شعره للأعلى بعيداً عن عينيه ليظهر وجهه بوضوح للمرة الأولى؛ ظهرت هالات داكنة تحت كل عين، وتقاطعت عيناه بعروق دقيقة.
قال شوتا: "الشخص الحاصل على أدنى نتيجة في هذه الفعاليات الثمانية سيُطرد من دورة الأبطال. بمعنى آخر، إن خسرت فستطرد من يو آي".
قالت أوراراكا بفزع: "أدنى نتيجة ستطرد؟ إنه يومنا الأول فحسب، وحتى لو لم يكن كذلك، فهذا غير عادل تماماً. لقد اجتزنا جميع اختبارات القبول".
أطلق شوتا ضحكة ساخرة خافتة على الكلمات ودع يده تسقط عن وجهه ليعود شعره لحالته الأولى.
قال شوتا ممرّراً نظراته بيننا: "الكوارث الطبيعية، حوادث الطرق المروعة، الأشرار الهائجون. اليابان مليئة بالأمور غير العادلة، والكارثة على مرمى خطوة منك دائماً؛ ستعتادون على الأمر مع الوقت".
بدت أوراراكا مذهولة أمام الكلمات الخالية من التعاطف، ولاحظت قلة من الطلاب لم يتأثروا بها. كان شوتو تودوروكي أحدهم، وبدا كأنه لا يعبأ بشيء، ورغم أنني لم أستطع رؤية وجه تورُو هاغاكوري، إلا أنها لم تتحرك ولم تعترض كالبقية.
تابع شوتا: "الأبطال هم من يعملون على تصحيح كل هذا الظلم، وإن كنتم تأملون قضاء أمسياتكم مع الأصدقاء، أو تضفير شعر بعضكم، أو ألعاب الكمبيوتر، فأنتم واهمون للأسف. إن عجزتم عن مواجهة التحدي والأداء حين يحين الجد، فلا مبرر لوجودكم هنا".
تلاشى كل الحماس والطاقة الإيجابية التي غمرت المجموعة، ليحل محلها قلق عارم. بدا غريباً لي أن يملك مربي الفصل صلاحية الطرد أصلاً. تلك مهمة المدير، أو على الأقل لجنة من المعلمين بعد جلسة تأديبية. طرد طالب لسوء أدائه في صف واحد، في مهمة واحدة، في اليوم الأول من العام الدراسي يبدو مبالغة سخيفة في السلطة تمنح لمعلم واحد. فضلاً عن ذلك، استبعد تماماً أن يتكبّدوا كل هذا العناء في الاختبار والفرز واختيار الخيارات المثالية لدورة الأبطال طوال شهر، ليقوم مربي الفصل بإلغاء كل هذا الجهد في قرار متسرع، مما يعني أن الأمر مجرد خدعة.
هدفت الخرجة إلى ضمان بذل كل منا أقصى طاقته لتجاوز حدودنا وتحقيق أعلى النتائج الممكنة. كان هذا عامل تحفيز لا يمكننا تجاهله وسيخرج أفضل ما لدينا.
قال شوتا: "لقد أضيّعنا وقتاً كافيا. الجزء الأول من الاختبار هو سباق الخمسين متراً، فاصطفوا في طابورين؛ ستجرون في ثنائيات".
كانت هناك سلسلة من الخطوط البيضاء تحدد مسار السباق، فتبعت بقية زملائي نحو المنطقة التي أشار إليها. بدأت سراً بدفع حبيبات رمل مفردة نحو خط النهاية، قاصداً استخدام الاستراتيجية ذاتها التي طبقتها في مسار العقبات. كان تينيا ليدا وتسوي أوسوي أول طالبين في مكانهما، بعد أن ضمنا مقدمة طابوريهما لقربهما الأولي من نقطة الانطلاق.
قال شوتا: "أتوقع منكم استخدام قدراتكم لإنجاز هذه المهام، لذا تأكدوا من تقديم أفضل ما لديكم. سأجعلكم تعيدون الكرة إن لم أكن راضياً. ابدؤوا عند سماع البوق".
كانت هناك لوحة جاهزة على جانب المسار، مزينة بثلاثة أضواء ودائرة متوهجة في قمتها تشبه مكبر صوت. أضاء النور الأول، فانحنى تينيا في وضعية جري مثالية، وثبّت عينيه أمامه. سقطت تسوي في وضعية انحناء أقرب للأرض، وساقاها ملتوتان تحتها استعداداً لما لا يقل عن قفزة. تحول النور الثاني للأخضر فتوتر الاثنان. أضاء النور الثالث بالأخضر، وفي اللحظة ذاتها انطلق البوق. انطلق تينيا للأمام بسرعة جنونية، متوقفاً بانزلاق على بعد عشرة أمتار تجاوزت خط النهاية.
ووصلت تسوي الأرض بعدها بلحظات، هبوطاً على بعد أقدام خلف خط النهاية بعد أن قفزت المسافة دفعة واحدة. كان تينيا سريعاً، سريعاً جداً، وتساءلت عما إذا كان يستطيع إدراك العالم بوضوح في تلك السرعات. كانت محركات ساقه مسؤولة بوضوح عن السرعة، لكن لا شيء يشير إلى تأثر بقية جسده أو عينيه. وبالمثل، كانت قدرة تسوي على القفز بتلك المسافة تتجاوز أي شيء يمكن أن يجاريه إنسان عادٍ، ولم يبدو أنها بلغت أقصى مداها، غير أنها فقدت بعض الوقت في السباق بإضافتها ارتفاعاً كبيراً للقفزة عوضاً عن المسافة البحتة.
تخيلت أنها ستبرع بامتياز في المناورة عبر المدينة المزدحمة، وستبدو المباني مجرد نقاط ارتكاز لها. ولو استطاع تينيا الحفاظ على تلك السرعات لأي وقت معتبر، فسيؤدي بالقدر ذاته من البراعة في شوارع المدينة. تساءلت عن مدى قدرته على الانعطاف بسرعة وهل سيتباطأ في المناطق الضيقة أو المعقدة. بدا الاثنان راضيين عن أتلائهما، ومدح تينيا توقيت تسوي؛ لقد بدا ساحراً ومهذباً، وإن شابته عصبية طفيفة.
تساءلت عما إذا كان ذلك نتاج تعليمه في المدارس الخاصة. ألقى شوتا تعليقاً قصيراً يثني على توقيتهما قبل حث الثنائي التالي على التقدم لنقطة البداية. تقدّم ماشirao أوجيرو وأوتشاكو أوراراكا، متخذين وضعيات شبيهة بتينيا وإن غابت دقتها. ظهر التأثر بوضوح على ماشirao بصفة مورفولوجية، إذ امتلك زائداً ضخماً وعضلياً بخصائص الذيل الأساسية، وإن كان من نوع لم أره من قبل. لقد رأيته يحركه بحركات مرنة خلال الفترة القصيرة التي عرفته فيها، وكان مثيراً رؤية هذه المرونة في شيء بهذا السمك.
لم تظهر على أوتشاكو أي تجسيدات مادية لقدرتها سوى تغير غريب في لون أطراف أصابع كل يد. راقبتها وهي تنحني لتلمس حذائيها وملابسها بحركة متعمدة، مانحة إياها على الأرجح تأثيراً خفياً ما. بدأ السباق كسابقيه، وتقدّم ماشirao فوراً مستخدماً ذيله السميك ليدفع نفسه بسرعة تتجاوز ركضه بالساقين وحدهما. ركضت أوتشاكو دون دعم ظاهر من أي قدرة، مسجلة أول توقيت في المدى الطبيعي لشخص في سننا.
وأياً كان تأثير قدرتها، فقد كان ضئيلاً أو ربما غير متوافق مع هذا التمرين المحدد. أخذ الثنائي الثالث مكانه، وراقبت باهتمام حين تقدمت الفتاة التي غُيّر مظهرها بالكامل بفعل قدرتها إلى خط البداية. امتلكت مينا أشيدو سمات مورفولوجية عديدة، وكان كل منها يكفي لجذب الانظار بمفرده، ما جعل تجاهلها شبه مستحيل، ووجدت نفسي أختلس النظر إليها كلما لمحت الوردي الباستيلي في محيط رؤيتي.
بدا يوكا أوياما مفعماً بالحيوية وهو يدور حول نفسه ليواجه الاتجاه الخاطئ تماماً، ويداه مثبتتان على خصريه بينما يغدق ابتسامته على البقية. بدأ السباق، وقفز يوكا للخلف في الهواء قبل أن تنفجر موجة لامعة من الضوء من بطنه في خط طاقي. دفعته للخلف، قاطعة نصف المسافة قبل أن يسقط مسطحاً على ظهره مكافحاً للنهوض. كانت مينا أسرع بكثير مما توقعت، لكنها سرعة نابعة من اللياقة البدنية بلا أي تعزيز من قدرتها الفعلية.
عبر الاثنان خط النهاية في وقت متقارب، وحطّ يوكا بشكل أفضل في محاولته الثانية دافعاً نفسه للوقوف. وأياً كانت تلك الموجة الضوئية، فقد حوت طاقة حركية كافية لدفعه حوالي ثلاثين متراً وحفر خط عميق في الأرض.
قال شوتا دون أحكام: "استخدام مثير للاهتمام للقدرة. الثنائي التالي".
ركض دينكي كاميناري وإيجيرو كيريشيما السباق بلا مساعدة قدرات، قاطعين المسافة في عرض من التنافس الودي جعلهما يضحكان في النهاية. رفع إيجيرو يده في وضعية مقتبسة من أول مايت، وتقبل دينكي خسارته بروح طيبة. تبعهما كوجي كودا وريكيدو ساتو، وركض الاثنان على قدميهما. ركض كوجي بلا دعم من قدرته، ولم أستطع تخمين ماهيتها. تناول ريكيدو شيئاً فمه لم أستبينه تماماً، لكنه أمن له المركز الثالث في الترتيب الحالي متجاوزاً مركز ماشirao السابق.
تركت كل خطوة أثراً غائراً في الأرض، وبدا واضحاً أن ما تناوله زاد قوته بدرجة معتبرة. تلوهما ميزو شوجي وكيوكا جيرو في تباين تام لقدرات الجري. ركضت كيوكا السباق كاملاً دون مساعدة قدرتها محققة وقتاً يفوق أوتشاكو ببضع ثوانٍ فحسب. أما ميزو فحطم زمن المركز الثالث بخمس ثوانٍ تقريبا، بفضل بنيته الفارهة وما افترضت أنه جسد أساسي يتفوق على الجميع في الصف. ركض هانتا سيرو وفومikagi توكويامي بلا قدرات، وبدأت ألحظ عيباً في هذا الاختبار برمته.
من بين التمارين المدرجة، فضلت جميعها الطلاب الذين تنتمي قدراتهم لفئة التعزيز الجسدي، مما يعني أن من ضمنوا مقاعدهم في ثانوية يو آي بقدرات لا تخدم هذا الجانب وُضعوا في وضع مزرٍ لا يُقهر. عنى ذلك أيضاً امتلاء قاع الترتيب بمن عجزوا عن تطويع قدراتهم لحل الاختبار. ومع التهديد الزائف بالطرد، سيتعرض هؤلاء لضغوط غير متناسبة. تقدم شوتو تودوروكي وتورُو هاغاكوري إلى خط البداية، وانتابني شعور بأن الأخيرة ستستقر في قاع الترتيب.
التخفي يحمل استخدامات ضخمة، لكن رفع النتيجة الجسدية الأساسية ليس بينها. كان ممكناً أن تحتال على السباق بنزع ملابسها والانطلاق قبل البوق، لكن المعلم سبق وأخبرهم بإعادة الاختبار إن لم يرضَ عنه. لا بد أن شوتا أيزاوا أدرك اختلال هذا الاختبار، وإن كان كذلك، فقد صُمّم ليؤكد حقيقة جوهرية هي أن ليس كل شخص يملك قدرة مفيدة في كل موقف. أكان هذا الدرس الذي يحاول إيصاله؟ أنه مهما كانت قدرتك فستواجه موقفاً تصبح فيه عديمة الفائدة تقريباً؟
ربما كان تعلم ذلك هنا، في بيئة مراقبة وخلف أسوار ثانوية يو آي، أفضل بكثير من الشارع وسط موقف خطير تُهدد فيه الأرواح. سار السباق تماماً كما توقعت. ركضت تورُو بلا دعم، ولم يمنحها تخفيها الكامن أي أفضلية هنا. استخدم شوتو طريقته ذاتها في سباق امتحان الترشيح عبر دفع نفسه فوق مسار متزايد من الجليد. لم يحقق له سوى المركز الثاني آنذاك—لاحظت غياب الصبي ذي قدرة الرياح المرعبة عن الصف الأول إي، وإن رجح احتلاله إحدى المقاعد الثلاثة المخصصة للصف الأول بي.
تقدّم كاتسوكي باكوغو وإيزوكو ميدوريا للخط تاليين، وبدا جلياً وجود ضغينة ما بين الاثنين. تساءلت عما إذا جمعتهما علاقة سابقة قبل الوصول ليو آي أو التقيا في امتحان القبول. سبق لكاتسوكي كشف قدرته في العرض السابق، وهي تتمحور حول توليد الانفجارات، لكن ميكانيكية حدوث ذلك ظلت غامضة. بينما كان إيزوكو صبياً آخر بلا علامات بصرية تدل على قدرته، وبدا متوتراً بوضوح حيال السباق القادم.
بدأ كاتسوكي السباق ويداه خلف ظهره؛ ودفعت قوة الانفجارين المنبعثين منه ليرتفع كالصاروخ. وقبل هبوطه، أطلق تفجيراً آخر ليحافظ على طفو بتكرارات سريعة. عبر خط النهاية بزمن يقل ببضع ثوانٍ عن تسوي، مؤمناً لنفسه المركز الثالث. ظلّت قدرة إيزوكو لغزاً إذ ركض المسافة متعاملاً مع قوة الانفجارات حوله. غادر كاتسوكي بلا انتظار ويداه في جيوبه وبدا راضياً. أما إيزوكو فبدأ مخلوع الفؤاد، وافترضت أنه يرزح تحت ضغط تهديد الطرد.
لم يعلق أحد على النيران غير الودية التي كافح إيزوكو وسطها، ولم ينطق الصبي بدفاع عن نفسه. ظننت أنه سيرغب بإعادة السباق منفرداً بلا تدخل، لكنه ربما خطط لتعويض خسارته في التمارين اللاحقة. في هذه اللحظة وجدت نفسي في مقدمة الطابور، وحين تقدمت لخط البداية ظهرت مومو ياويوروزو بجانبي ممتطية السكوتر الكهربائي ذاته الذي صنعته في امتحان الترشيح. من بين القدرات التي راقبتها في صفنا حتى الآن، كانت قدرتها الأكثر تنوعاً.
استطاعت بطريقة ما تصنيع أشياء معقدة بتصميمات غاية في التعقيد جعلتني أتساءل عن مدى جودة ذاكرتها لتتذكر كل المكونات الفردية. صنع البطارية وحدها تطلب معرفة واسعة. منحني ذلك أفكاراً جديدة لتدريبي الخاص. كنت أحاول استنساخ أشياء معقدة بأجزاء متحركة منذ رأيت حلها—التفتّ نحوها، مغادراً متابعة المسار.
قلت مقاطعاً التوتر المحتمل: "أنا آسف يا مومو. سأغش مجدداً".
أخذت مومو نفساً حاداً وقالت: "لم تغش في امتحان الترشيح. أنا من يجب عليها الاعتذار لتسببها في إطلاق تلك الشائعات—"
أضيء النور الأول، فاستدارت مومو قسراً وخفضت وضعيتها على السكوتر لتقليل مقاومة الريح على الأرجح.
قالت والنظر للأمام: "ما كان لي أن أقول شيئاً. كنت قلقة من الرسوب فتصرفت بسوء".
أضيء النور الثاني، لكنني بقيت مكاني مواجهاً لها، مدرساً وجه المعلم من منظور برز من كفّ يدي. كان الرجل عابساً الآن، وتساءلت عن مدى جودة سمعه.
قلت: "أنا متفهم. يا مومو، أعتقد أن تهديد الطرد كذبة".
قالت مومو: "نعم، أظن ذلك أيضاً".
أضيء النور الثالث، وحييت مكبرات الصوت—فخطوت عبر خط النهاية، معيداً تشكيل نفسي خلال خطوات. وصلت مومو المسار بعد ثوانٍ، وتسبب غياب التسارع السريع في ضياع ثوانٍ. راقبتها وهي تترجل عن السكوتر وتنزع خوذتها—كانت تبتسم هذه المرة. # ثانوية يو آي، موسوتوفو. كان الاختباران الثاني والثالث مباشرين للغاية؛ اختبار القبضة والوثب الطويل من الثبات. جاءت نتائجهما متوقعة تماماً استناداً للاختبار السابق، بصعود الطلاب ذوي البنية الجسدية للقمة بينما واصل غير المعززين السقوط نحو القاع.
ولم يحدث ما لم يتوقع حتى التمرين الأخير لليوم. منحنا إرجاع اختبار الرمي فرصة لتعويض أو تجاوز أو التقصير عن عرض كاتسوكي السابق. ومما أثار الدهشة أن أوتشاكو تفوقت على الجميع فوراً بجعل كرتها عديمة الوزن تماماً؛ فواصلت طريقها مختفية عن الأنظار لتظفر بأعلى نتيجة. كان ذلك غير متوقع، لكن ما زعزع استقرار الصف بأكمله تمثل في تقدم إيزوكو ميدوريا للدائرة لمحاولته. كسر شوتا صرامته للمرة الأولى بتدخله لحظة شروعه بالرمي—تحرر شعر الرجل من الجاذبية ليرتفع حوله كاشفاً عن عيون حمراء متوهجة لاستخدامه قدرته بحضورنا للمرة الأولى.
سقطت الكرة أرضاً على بعد أضعاف أقدام خارج الدائرة، إذ جردها التدخل من أي زخم ليبقى إيزوكو مذهولاً.
سأل شوتا: "ماذا كنت على وشك فعله؟"
تمتم إيزوكو: "كنت... كنت سأستخدم قدرتي، لكنها لم تعمل".
قالت مينا متحدثة: "لأنه البطل إيريزر هيد. يمكنه إبطال أي قدرة بمجرد النظر إليك. إنه أمر خطير يا تورُو".
ردت تورُو وهي تضع ذراعيها على صدرها: "لا تدخليني في هذا. أنا مرتدية لملابسي بالكامل".
وجّه شوتا نظرة تحذيرية للثرثرة وقال: "شهدت أداءك في امتحان القبول يا ميدوريا. لقد دمرت أطرافك سعياً لاستخدام قدرتك. أترى إيذاء نفسك الآن أمراً صائباً تماماً؟"
حولّت انتباهي نحو إيزوكو، متسائلاً عن قدرته؛ أي قوة هذه التي تنتهي بتدمير أطراف مرتكبها؟
حاول إيزوكو: "أنا... أنا لا—قلت إن علينا بذل قصارى جهدنا".
قال شوتا: "بذل قصارى جهدك لا يعني تعجيز نفسك متى شئت أو إرسالها للطوارئ. أتتوقع مجيء أحدهم لشفائك فوراً؟ ستغدو عديم الفائدة تماماً لبقية اليوم".
نظر إيزوكو للأرض وقال: "الأمر... ليس هكذا. ما كنت لأغدو عديم الفائدة".
قال شوتا: "حتى وإن لم تكن كذلك، لكنا اضطررنا لإيقاف الاختبار وتأزيم من حولك. رأيت أمثالك يا ميدوريا، بنفس الروح المتهورة المؤدية لسلوكيات طائشة تماماً".
إن كان يعترض لهذه الدرجة، لكان حرياً به التحدث مع إيزوكو على انفراد قبل الاختبار. فما جدوى فعل ذلك الآن أمام أقرانه؟ أكان عذراً جديداً لغرس درس فيهم؟
حدق في الصبي وسأل: "كيف ستصبح بطلاً بهذه القوة؟ احكم السيطرة عليها، وإلا فلن تستطيع إنقاذ أحد".
كان لافتاً تصميم هذا الاختبار بأسره لدفع كل منا لأقصى حدودنا لضمان الفوز وإلا فستنتهي مسيرتنا—ثم يُقمع فوراً من يظهر رغبة في إيذاء نفسه لتلبية التوقع ويوضع كمثال. لقد تناقض ذلك تماماً مع تحفيزه السابق. ألم يحسب حساب إيزوكو في الخطة الأولى لتكون هذه محاولته للتخفيف؟
قال شوتا: "أنت تدرك العواقب الآن، لذا يمكنك الاختيار. استخدِم قدرتك أو امتنع—الأمر متروك لك".
كان شوتا أيزاوا رجلاً قاسياً، لكنه بدو مهتماً بصحة تالبه بما يكفي للتدخل منعاً للأذى. وبقي إيزوكو عالقاً في الدائرة يحدق بالكرة مطولاً، سجيناً للقواعد والتوقعات المفروضة عليه—استطعت تفهم شعوره. كان الطريق أمامنا متشابكاً، وصعباً في أحيان كثيرة، لكن ما دام هناك شيء ينتظرنا في النهاية، فذلك يكفي.
تساءل يوكا فجأة: "أأنت قلق بشأنه؟ لا ينبغي؛ لست قلقاً البتة".
بدت الكلمات قاسية في الفراغ، لكن نبرة الفتى حوت نغمة غريبة توحي بوجود ما تخفيه. لم يكن الأمر عجزه عن القلق، بل لعدم اعتقاده بجدواه—أكان هذا طالباً آخر بروابط مع إيزوكو قبل قدومهما هنا؟
سأل تينيا ويده تحضن ذقنه: "لماذا يتلقى توجيهاً شخصياً الآن؟ هذا أمر غير معتاد البتة".
قال كاتسوكي رافعاً صوته: "ديكو—ألقِ اللعنة على الكرة وانتهِ".
رفرفت عيناها إزاء الصبي الأصفر للحظة، وبدا غريباً تحول وضعيته نحو حزم أكبر. راقبت باهتمام وهو ينحني لالتقاط الكرة مستعيداً موضعه وسط الدائرة. بدت لحظة وكأنها أغمض عيناه تركيزاً قبل أن يتقدم ملوحاً بذراعه—وللحظة سبقت مغادرة الكرة لأطراف أصابعه، دوّى شقّ شرس، واجتاحتني موجة قوة بعثرت ملابسي. راقبت الكرة تختفي في الأبعاد، مقلباً الموقف في ذهني—امتلك إيزوكو ميدوريا قدرة مرعبة معززة للقوة.
كانت النوعية ذاتها التي تخولّه الهيمنة على الاختبار، أكثر من أي شخص هنا—ومع ذلك لم يستخدمها مرة واحدة حتى اللحظة. بل إن شوتا جهد لمنعه، ملمحاً لإيذائه نفسه خلالها—وأكد إصبعه المتورّم سريعاً إصابته رغم الحذر. قدرة تؤذي مستخدمها ليست بغريبة، لكن معظم القدرات تحوي وسيلة مخففة للأذى إلى حد ما. عظام أقوى، ألياف عضلية معززة، مناعة ضد البرد والحرارة—أو مقاومة على الأقل—وغيرها من الآثار الثانوية.
كان هناك سبب لقدرة كاتسوكي على إطلاق تفجيرات كفيلة بدفعه جواً دون تفجير كفيه أو حرق جلده. أما إيزوكو، ففاق عنصر تعزيز القوة لديه حد المتانة المضمنة. لو استطاع توظيف تعبير طفيف لتلك القوة، لرفع نتائجه في الفعاليات، لكنه لم يفعل. ربما عجز عن تخفيف القوة إطلاقاً، واقتصر الأمر على مقاربة الكل أو لا شيء. إن قراره بأن يصبح بطلاً رغم خطورة قدرته يدل على التزام هائل وعزم لتدمير إصبعك بغية اجتياز اختبار يتجاوز بكثير ما توقعته من الصبي الوديع—كان إيزوكو ميدوريا شخصاً يذهب لمديات قصوى لتحقيق أهدافه.
أبقض إيزوكو يده المصابة في قبضة وقال: "يا معلم، ما زلت قادراً على التحرك".
تمتم شوتا: "هذا الفتى..."
هسهس كاتسوكي متوجهاً للصبي: "ما هذا بحق الجحيم... أكانت لديك قدرة طوال الوقت؟"
تحطّم عزم إيزوكو فجأة فارتد هارباً من الصبي المتقدم—حرك شوتا يده عابراً وشاحه بحركة ضبابية أطلقت الضمادات المعلقة لتندفع متתרة بتمرد تام على وزنها الظاهري. اخترقت المادة البيضاء الهواء بطريقة تستحيل على ضمادة والتفت حول وجه كاتسوكي. جذبه شوتا بقوة كافية لرفعه عن الأرض قبل حطه في كومة متلوية ومتشابكة.
صرخ شوتا وعيناه تتوهجان حمرة: "توقف عن إجباري على استخدام قدرتي. لن يكون هناك أي قتال إطلاقاً ما لم آذن به—أفهمت؟"
كافح كاتسوكي في القيود للحظة إضافية، وحين عجز عن التحرر استسلم.
تمتم كاتسوكي: "حسناً".
قال شوتا وسقط شعره ليحيط بكتفيه: "يا لها من مضيعة للوقت. عودوا للمجموعة. أيها الأطفال اللعينون".
تجاوز إيزوكو كاتسوكي بينما كان الأخير يفك قيوده، فدرست ملامحه الغاضبة. أوضحت الكلمات المتبادلة أنهما لم يلتقيا صدفة. بل عرفا بعضهما مطولاً—فإن كان الأمر كذلك، فلماذا جهل قدرته؟ أكان يخفيها متعمداً؟ وفوق ذلك، إن كره الصبي الآخر لهذه الدرجة، فلمَ يهتم؟ انتهى التمرين الأخير بعدها بدقائق، وقضى شوتا وقتاً في حساب النتائج على لوحه. وما إن فرغ—في عملية استغرقت وقتاً أطول من المفترض—حتى تحدث لجذب الانتباه.
قال شوتا: "حان وقت النتائج؛ تعكس درجاتكم الكلية أدائكم في الفعاليات فحسب. شرح طريقة تقييمي لا جدوى منه، لذا ستحصلون على الترتيب النهائي فقط".
بدا الفارق واضحاً بين من أيقنوا إحسانهم ومن علموا العكس—راقبت تورُو هاغاكوري خاصة، محاولاً تقدير تعبيراتها دون جدوى.
تابع شوتا بلا تمهيد: "كذبت بشأن الطرد؛ فهذا سخف ولا شأن لي بتلك القرارات. رغم أنكم إن أغضبتموني، فسأختبر مدى نفوذي لدى المدير".
صرخت مينا وقد احمرّ وجهها الوردي: "ماذا؟! لقد خدعتنا".
لم تتحرك وضعية تورُو—الظاهرة من ملابسها فحسب—ولا حتى بوصة، ما دفعني للتساءل عما إذا اكتشفت الكذبة قبل إعلانها. بدت راحة كيوكا أوضح، بانحنائها ويداه على ركبتيها كأنها تهم بالقيء.
وافق شوتا: "كانت خدعة لتحفيزكم على العمل بجد أكبر. متفاجئ لعملها بهذه الجودة. أتساءل إن أرسلوا لي مجموعة معيبة هذا العام".
احتجت مينا ويداه على خصرها: "لا يمكنك خداعنا! أكان ذلك مجرد كذب حقاً؟"
عقبت مومو بحيرة: "بالطبع كذبت يا أشيدو. جلسات التأديب تقرر الطرد لا المعلمون؛ دورهم يقتصر على لفت انتباه المدرسة للحوادث".
صرخت مينا بعدم تصديق: "كيف لي معرفة ذلك؟ يا معلم، كان هذا قاسياً للغاية".
اكتفى شوتا بالإيماء للنقد، غير آبه بتوبيخ طالب.
قال شوتا: "انتهينا هنا، وحان وقت العودة للداخل. كتيباتكم على طاولتي، فتأكدوا من أخذ واحد وتصفحه. يا ميدوريا، توجه للجناح الطبي أولاً لتصلح فتاة التعافي إصبعك".
أجاب إيزوكو: "حاضر يا سيدي".
استدار شوتا ومضى بلا كلمة إضافية، وعيناه مسمرتان على اللوحي بيده.
قالت مينا: "كان ذلك جنوناً. ظننتك هالكة لدقيقة يا تورُو".
قالت تورُو قبل أن تلتفت مشيرة لإيزوكو مباشرة: "وأنا أيضاً. يا ميدوريا، ظننتني بأمان ثم أخرجت هذا فجأة؟"
صاح إيزوكو: "أنا—"
اقتربت خطوة منه وقالت: "لقد أخفتني. أكنت تحاول اغتيالي؟"
استدرك ميدوريا متمحوراً في انحناءة عميقة للغاية: "أنا آسف—لم أكن أقصد ذلك حقاً. هذا وداعاً".
فرّ إيزوكو بلا انتظار لردها، مططئاً رأسه وعيناه مغلقتان بشدة، تاركاً الفتاة الخفية أمام الفراغ المتبقي لتوّه. اندفعت مينا ضاحكة لغياب المفاجئ.
تساءلت تورُو: "وداعاً؟ أليست مبالغة بعض الشيء؟"
عقب إيجيرو: "لقد اعتذر تماماً عن محاولة عدم الطرد. ميدوريا شخص غريب نوعاً ما".
اختلس إيجيرو النظرة ليصنع تواصلاً بصرياً معي، حاملاً توقع مشاركتي بالحوار، فبادرت بالكلام.
قلت: "أعتقد أنه كان مهذباً فحسب".
وافق إيجيرو: "غالباً".
رغم قاع تورُو في الترتيب واقتطاعها وقتاً للحديث مع إيزوكو بشأن تبديل اللحظة الأخيرة، لم ألحظ ذرة قلق في وضعيتها طوال الاختبار. وغياب التعبيرات المرئية والمرشح الحاجب لقراءة لغة جسدها أدّيا لصعوبة فهمها بدقة—لكن رغم ذلك، انتابني شعور بأن تورُو هاغاكوري لم تك قلقة بشأن نتيجة الاختبار أبداً.
ابتسم إيجيرو وقال: "مينا، تهانينا لعدم طردك في اليوم الأول. لقد تفاجأت".
ضحكت مينا: "اخرس فحسب. هذه جملتي".
# شقة هيسوكا، موسوتوفو. غادرت رصيف الميناء سفن ضخمة في ذلك اليوم، لكن توفرت طرق عدة لتأطير تلك البيانات وتقليصها لما هو أكثر فائدة. وُجِد خريطة خاطفة للمحيط للتاريخ المطلوب، ومساحة خط الملاحة المتقاطع مع التيارات الحاملة لجثة كانا كوريتا لمستقرها الأخير كانت ضئيلة للغاية. الخطوة الأولى تمثلت في استبعاد السفن الصغيرة العاجزة عن إخفاء ثلاثة أحياء عن كاميرات الميناء.
والثانية ألغت المغادرة الماكثة في الخليج دون بلوغ عتبة التيار. والث الثالثه استبعدت العابرة للتيار في وقت خارج تماماً ليتطابق مع وقت وفاة هيروشي وكانا—وقلصت الخطوات الثلاث المئات إلى ست سفن فقط. تألفت السفن المتبقية من سفينة صيد، وسفينة ركاب ضخمة، وسفينة شحن، ويخت خاص باهظ الثمن بلا حدود، وسفينتين تابعتين لخفر السواحل الياباني. بدا رهاناً آمناً استبعاد الأخيرتين، وفي حال نفاد خيارات الأخرى بلا خيوط جديدة، سأعيد النظر.
أبقى ذلك أربعة للاستقصاء، وبدت سفينة الصيد أكثر ريبة حدسياً—لكن تبرئتها استغرقت وقتاً قصيرة. كانت رحلاتها مجدولة مسبقاً، على شبكات التواصل ومدونة خاصة يديرها قبطانها بحرافة. تمحور نموذج عملهم حول جلب دافعي الأجر لرحلات صيد مصورة بكاميرات عدة. وتوفر أرشيف مصور لتاريخ اهتمامي، وراجعت كل المتاح شاملاً المقاطع غير المصنفة. حتمل وجود كانا وهيروشي ونانامي على تلك السفينة—في مكان غير موثق غاب عن الكاميرات.
ومع البارانويا كافية، لافتراض كون العمل واجهة لتهريب القدرات، لكن الأمر استبعد. عادت سفينة الشحن والركاب لنفس الشركة والوجهة—آي آيلاند، المدينة المعجزة التقنية وموطن آلاف العلماء. وافتخرت بأدنى معدل جريمة عالمياً، مستندة لنظام أمني فائق. فُحصت السفن جيداً فور الوصول، مطيحة بعشرات محاولات التهريب—وإن خلا بعضها من البشر. مُسحت السفينتان بنظام أمني بعيد منع الدخول غير القانوني، ولم يُؤشر على شيء بالرحلة المعنية.
وضمت سفينة الركاب آلاف الأفراد، تطلب شراؤهم للتذاكر مروراً بمسح وجهي—ولا إشارات أيضاً. توفرت حواجز تمنع محاولة تهريب لثلاثة أحياء، وبحالة الركاب، سيبلغون وجهتهم بناقص راكبين لمقتل كانا وهيروشي. أبقى ذلك سفينة واحدة كمرشح محتمل للاختطاف: يخت خاص برحلة ترفيهية غير مجولة. ارتبطت ملكيته بثاني ثري ونافذ سياسياً—ميناتو ياويوروزو.
قلت مقسماً تركيزي بين الهاتف والشاشة: "رأيته. أول مايت رجل ضخم، وبدا أطول شخصياً".
عقبت هايامي: "أظن ذلك. أأجريت معه أي—لا أعرف تصنيفها—تدريب أبطال اليوم؟"
بدا اليخت فاتناً، ورغم غياب رغبتي فيه، لمست جمالياته مكاناً نادراً بذاكرتي. تواجدت ثلاثة طوابق مرئية فوق الماء، اثنان مكشوفان، بينما علها طابق مغلق. أظهرت التصاميم طابقين تحت الماء، للشحن وأرباع المعيشة. افتتحت مقدمة اليخت على سطح مسطح مطوٍ بطريقة تجهل تسرب الماء وإغراق الطوابق السفلى—وضمت مسبحاً. أطلت عليه مطولاً، محاولاً فهم حاجة لمسبح يحيط به الماء أصلاً.
قلت: "اليوم تضمن مقدمات وشروحات لصفوف سنتنا الأولى. أجرينا اختباراً عملياً صباحاً، لكنه لم يختلف عن حصة تربية بدنية".
اتسعت المساحات بالأسفل لإخفاء ثلاثة، ورغم جرأة الأمر، حوت تظليلات الطابق العلوي خياراً خفياً. منع الخياران رؤية كاميرات الميناء، وظلت طريقة النقل لليخت مجهولة.
قالت هايامي: "أتوقع غد أكثر جذباً. أتعرف أحداً بصفك؟"
السؤال التالي تمثل في معرفة قائد اليخت عند مغادرة شيمودا—والإجابة الأبسط كانت ميناتو ياويوروزو نفسه، مع غياب الدليل. ربما أعار اليخت لرحلة قصيرة، كخدمة سياسية أو لغرض آخر. توفرت طرق لمعرفة الجواب. أسرعها الاقتراب وسؤاله، لكنه حمل فشلاً واضحاً لتورطه النافي ومعرفته بحثي عن الاختطاف.
قلت: "تعرفت على فتاتين وفتى بامتحان الترشيح، لكن اثنان بصفّي. شوتو تودوروكي ومومو ياويوروزو في الأول إي؛ وسيتسونا توكاغي في الأول بي".
قالت هايامي مفزوعة: "أوه، هذا اسم مألوف. أنجزت طلبيات لأومي ياويوروزو، قبل أعوام—والصغيرة مومو كانت محبوبة للغاية".
توقفت عن دراسة اليخت لحظة تماثل ما قالته بذهني، وتضاعفت خطط مومو لتعريفي بأبيها ثلاثاً. فطلب اللقاء اجتماعياً تطلب أساساً لصعوبته بلا مبرر، لكن ارتباط هايامي بزوجة الرجل أتاح مدخلاً. لو هندست موقفا أستفسره فيه—على انفراد عن العائلة—لاستطعت مراقبته.
ولو ناجيته منفرداً، ورأيت وجهه— قالت هايامي بتبرم: "وتودوروكي أيضاً؟ أتوقع كونه من أطفال إينديفور. يا له من صف مثير".
قلت محافطاً على الموضوع: "لم أحدث شوتو بعد، لكن تحدثت لمومو مراراً—وهي جميلة جداً. ما القطع التي صنعتها لأومي؟"
سطع صوت هايامي باهتمامي المحسوب بفنها، مستخدماً إياه أساساً لخطة—قد لا يكون ميناتو المسؤول عن سلب نانامي، لكن وسيلة وحيدة لتأكيد ذلك. # قطار، موسوتوفو. لاحظت الصبي ذي الشعر الأزرق بركن العربة كالأمس، متجنباً بصرياً لأي تواصل. لغة جسده كفت لإثبات قلقه الاجتماعي—أو لإسقاط كرهي للمجموعات عليه، وإن اختلف نضاله. ربما عانى فوبيا جراثيم لابتعاده عن الأقرب. وبدت تسوي أوسوي—الواقفة خلفي مباشرة والمحدقة بقفاي—مستعدة لفعل ما.
استغرقت دقيقة للقرار، وما إن حسمته حتى شقت طريقها بين الجمع لتتوقف بجانبي.
قالت تسوي: "صباح الخير يا هيسوكا".
ارتفع ذلك الصوت المقعر بحلقها، محفزاً بالكلام أو توتراً لبدء حديث مع غريب. التفتت لها، مسروراً لاستخدامها اسمي—دلالة نجاح دردشتنا بمرور ممر الصف صباح الأمس.
قلت: "صباح الخير يا تسوي. أمتشوقة لليوم؟"
قالت تسوي: "أظن ذلك. سيكون اليوم مشوقاً".
أومأت مؤكداً—وردت تعليقات عرضية من أول مايت توحي بنشاط بدني بصفه اليوم. غابت التفاصيل لتحديد المهمة، ربما عمداً لمنع حلها قبل البدء. بالقرب، بدا سهلاً ملاحظة ملامحها وتأثرها بالقدرة. تجاوز فمها المتوسط عرضاً، وعيناها استدارتا وكبرتا. وحين تكلمت، لمحت وميض لسان يتجاوز المعهود. بالنظر لقدرتها على القفز الضخم، واللسان، وصوت الحلق، استنتجت منح قدرتها لخصائص ضفدع—وتساءلت عن سمات مورفولوجية أخرى.
قالت تسوي مع تمدد الصمت: "هيسوكا، أأنت بخير؟"
قلت: "نعم، بخير. يا تسوي، أتقدرين امتصاص الماء عبر جلدك، أم غابت الآلية؟"
طال الصمت دون إفصاح، ومقليّاتنا متبادلة بصمت.
تمتمت تسوي: "أمم، لم يسألني أحد هذا قط".
استبعدت جهل طبيب قدرتها خلال الفحص، وربما قصدت مجازاً—مؤشرة لمجموعة أقران لم يسألوها.
بدا غريباً عدم طرح السؤال لرؤية قدرتها الواضحة والفضول— قالت تسوي: "أمتص رطوبة جلدية تفوق العادي، لكنها لا تكفي للترطيب الكافي. علي شرب ماء أكثر من البقية أيضاً".
لتنظيم حراري، أم لجفاف جلدها السريع؟ تحمل الضفادع حرارة مقبولة، ودون حد معين تبلد وتهبر؛ بل تفشل بالتعافي تحته. والحرارة المفرطة ستؤثر بغير العاديين.
قلت: "جسدك فاتن يا تسوي. أتحتفظين بدم دافئ، أم تركتك قدرتك بدم بارد؟"
أصدرت تسوي رعيناً مختلفاً عما قبل.
قالت قبل ابتلاع لكبح رعين آخر: "بدم بارد، ولا أنظم حرارتي بنفسي. علي ارتداء ملابس ملائمة للطقس للوقاية—خاصة برداً".
أردت مواصلة الأسئلة، لكنني شعرت بتوتيرها، وتجنبته—توقف فكر لمعت، ومكرهاً تكلمت.
بدأت: "أتقدرين على وضع—"
توقف القطار بمحطة ثانوية يو آي وانفتحت الأبواب—وتساءلت عن وقت ضياع محيطي.
قلت: "أوه. لقد وصلنا".
فرت تسوي من العربة للرصيف—وتبعتها ببطء، متسائلاً لطاقتها المفاجئة. # الصف الأول إي، موسوتوفو. عبرت حصص الصباح بلمح البصر، وما إن انقضى الغداء والتئم الصف، حتى هيمنت طاقة خفية ومستعجلة. وتصاعد الشحن لتخلف أول مايت، دافعاً بسلاسل رمليّة لعمق الممرات بحثاً عنه—فلمحت رجلاً بممر خال ببعدين، قاصداً صفنا. تشابه لون شعره وعينه مع أول مايت، ونقيضهما بكل ما عدا ذلك. فرغم ضخامة وعضلية أول مايت، بدا الرجل نحيلاً بهيئته الغائرة والمرضيّة—لدرجة تساؤلي عن عجز تعبئة سعراته اليومية العادية.
وتصرف بلغة جسد غريبة، برأس يدور بحثاً بكل شبر كمترقب لخروج أحدهم وظله. توقف عند منعطف الممر المؤدي لصفنا وأخذ نفساً عميقاً—لينفجر متحولاً لشخصية تستحيل إخفاؤها عالمياً. حدقت رقعة رمل عميقة بسقف المرتفع بالرجل المنعطف لمدخل صفنا—أكان المتحول بصفنا أمس بابتسامة قوية مزيفاً؟ أاستأجرت يو آي ممثلاً بقُدرة تحويل لمطابقة أول مايت؟ عبست ناظراً لباب الصف المنتصب أمامه—وانفتح بضربة لذراعيه الطويلتين لبلوغ الإطارين بلا جهود.
قال المزيف: "لقد—دخلت الصف كإنسان عادي؟"
انخدع الصف بالنسخة المطابقة لأعظم بطل بثثلاث ثرثرة حماسية، ودخل المزيف ضاحكاً بذات تطابق الأصل. بلغ الطاولة، استخرج شيئاً، ليدور—مشهراً يافطة حوت (تدريب معركة) بلور أحمر.
صاح المزيف: "طلابي الأحباء، لا وقت للإضاعة. تركيز درس اليوم سيكون—تدريب المعركة".
تصاعد هتاف حقيقي للصف مندمجاً بكاريزما الرجل المسروقة، متسائلاً لقدرته الهائلة بالتقليد. فقلد ببراعة، وحتى بعد مشاهدة تغيره، شككت بما رأيت.
قال كاتسوكي بابتهاج سماعي: "تدريب معركة؟ اللعنة، نعم".
ما يجري حقاً—أغاب الحقيقي فأرسل بديله؟ أاستدعي لموسوتوفو لتهديد لا يقدر عليه سواه؟ أكان المزيف بديلاً لمواقف مشابهة؟
تابع رافعاً يده: "أعتقد تذكركم لتعبئة استمارات التسجيل التفصيلية. فلبدء تدريب الأبطال الأساسي، تحتاجون أزياءكم".
عمل النظام صوتياً لانسحاب خزائن للجدار. احتوت ملفات برقم—واحد لعشرين—بأبيض كبير. وتطابقت مع خطة الجلوس، فاختلست النظر لملفي المطبوع برقمي.
قال متجهاً للخارج: "سنتجه لساحة التدريب بي، فاستبدلوا بجد. سأنتظركم هناك".
انغلق الباب وراءه، مراقباً تهاويه وتناقصه لشكل مريض بضغط التحضير—للفرق الضخم بالكتلة، استنتجت كلفته الضخمة. غادر منحنياً بالاتجاه المعتاد.
أمر كاتسوكي: "أزاحوا، أيها الكمّالون اللعينون".
خطف ملفه دافعاً الصف نحو غرفة الخلف.
قال دينكي: "أحدهم مستعجل".
عقب فوميكاجي: "أظنه لا يرغب بإضاعة الوقت الممنوح".
أخذت مومو مكانها بصبر، متغاضية عن تجاوز كاتسوكي لتغير ملابسها خلفاً. وقفت خلفها ممسكاً بملفي باسترخاء مفكراً بوقت خطتي.
تقدم شوتو خلفي بملفه، والتفتت مومو بصوت، متبادلين النظرات— قلت دارساً وجهها: "يا مومو، أتعلمين بلقائك خالتي؟"
تعدلت كتفا مومو باستقامة، مفاجأة بالسؤال.
قالت مستنشقة: "أنا؟ عذراً، نسيت—متى—"
ابتسمت قائلاً: "طلبت والدتك تماثيل جسدية ونصفية من هايامي هايغاوارا قبل سبع سنوات. عرفت البارحة حين ذكرت هايامي أومي ياويوروزو ومن دعتها مومو الصغيرة".
رفعت مومو يدها لشعرها، مرتبكة لظهور الاسم—لكنها ابتسحت.
تمتمت مروحة وجهها: "بالتأكيد—تماثيل مكتبتنا. أنا آسفة؛ أذكر هايامي حقاً؛ كانت لطيفة جداً".
بدت مرتبكة لنسيان هايامي أكثر من سواه، لغرابته لتضمن الحدث لعقد مضى. ربما فخرت بذاكرتها، وفواتها سبب قلق إضافي.
قلت: "متفاجئ لتذكرها، فقد مرّ وقت طويل".
قالت: "دعتني أمي للعشاء، لذا كان لا يُنسى. واو، أرى التماثيل يومياً—أأتذكرتني هايامي فعلاً؟"
قلت مقاطعاً بتمهل: "نعم، وبدت سعيدة لاجتماعنا بالصف. يا مومو، أعلم عدم معرفتنا الكافية، لكن أرجو طلباً يخص هايامي".
أوضحت ارتباطنا المحدود، واستعدادها للقبول لحرج نسيان الرابط—مهما استحال لعدم وصل اللقب فوراً. والطلب وسيلة فعالة لتقوية الرابط، مانحاً مومو فرص إصلاح خطئها المتوهم.
مالت بخفة قائلة: "بالطبع يا هيسوكا. ماذا تحتاج؟"
ابتسمت لاستخدام اسمي مستجيباً: "أعمل على ألبوم صور لأعمال خالتي السابقة، لهدية عيد ميلادها. جلها موثق، لكن صور القليل غائبة".
أومأت مومو، مدركة لغايتي بوضوح.
تابعت بضم كفّي: "عرفت بطلب تماثيل أمك، واستاءت لغياب صورها. وددت سؤالك سماح أمك بالتقاط صور لها. أعلم حرج الطلب من زميلة جديدة—"
رفعت كفيها مانعة: "لا تكن سخيفاً يا هيسوكا. ليس حرجاً، ويسعدني المساعدة. سأكلم أمي ليلاً؛ لثقتي بموافقتها".
كساعة دقيقة.
انحنيت برأسي: "شكراً يا مومو. هذا لطيف منك—"
انفتح باب غرفة التغيير مصطدماً بالجدار، وخرج كاتسوكي متحولاً كلياً؛ بسترة قتالية حمراء وسوداء بصليب أحمر بالصدر. وتغطت كفاه بقفازات قنابل ضخمة، وغطى وجهه بربطة شائكة ملونة تحيط عينيه.
عقب ريكيدو بإعجاب: "واو، هذا يبدو مذهلاً".
تباهى كاتسوكي، ومضى بلا رد متجهاً لخارج الغرفة مطارداً المزيف. وابتسمت مومو معتذرة لقطع الحديث قبل اختفائها بالغرفة. تقدمت لمكانها صامتاً، راضياً لمسار الأمور.
قال شوتو بصوت خافت: "ألبوم صور. أيهتم الناس بتلك الأمور؟"
قلت دون التفاته: "أعتقد ذلك. تتلاشى الذكريات، لكن تمثيلاً ثابتاً للحظة سعيدة، أو إنجاز، أو محبوب يعزز الروح".
تمتم شوتو: "معزز".
عادت مومو مرتدية زيها؛ بقطعتين حمراوين ضيقتين من الجانبين—مكشوفتين بالمنتصف—قبل الاختفاء تحت تنورة من حزامين سميكين. وظلت ذراعاها وساقاها مكشوفتين بلا دروع، لمتطلبات قدرتها بكسح مساحات لإنشاء أكبر، فالبدلة ستعيق الإخراج داخلياً. تطلب السكوتر المبتكر بالأمس انعزالها للخصوصية—فالبدلة الرياضية المعطاة أعاقت بوضوح.
صَفَرَت مينا: "تبدين رائعة يا مومو. أغار تماماً".
توالت همسات البقية—خصوصاً دينكي المحاول جر ريكيدو ليعلق لأذنه—لكن مومو تجاهلتهم. وبدت مرتاحة بالزي وبعيدة عن نظرات الأقران. عبرت غرفة التغيير مغلقاً الباب—وتفككت. انفتح الغلاف بسحب المقبض لتدفق الرمل. بدا زيي بسيطاً مقارنة بكاتسوكي. مجرد بدلة جسم. تشكلت داخلها لتلتصق بجلدي، مبقية الكفين والقدمين والرأس مكشوفة. منها، توجب توليد رمل كافٍ لنسيج تنورة رثّة تدلى للخصر للستر، وقناع رمل صلب للوجه، وقلنسوة موافقة للشعر—مبقياً لي كتلة لونية موحدة مندمجة بالرمل.
وغاب هدف التعقيد فالتفكيك سيترك الملبس للمتابعة حتى الاسترداد—وبدلة كهذه سهلة السحب. خرجت بلا انتظار، لمحي شوتو لظهوره السريع. لوهلة بدت نيته للكلام—ثم تجاوزته، ممهداً له لدخول الغرفة.
صفق إيجيرو كفه: "زي رائع، يا رجل. اللعنة، هذا يحمسني".
قلت: "شكراً يا إيجيرو. أتطلع لرؤية زيّك أيضاً".
قال: "وستفعل".
توجهت للباب ملاحظاً غياب تورُو، وبفحص مكتبها وجدت حقيبتها. وكمة زيّها المحشوة باللحام دلّت على تبديلها السابق للجميع وحتى كاتسوكي. مذهلة قدرتها على التواري باهتمام غائب—وعلي مراقبتها لاحقاً. # ساحة التدريب بي، موسوتوفو. لو أخذت مقطعاً لعرض وسط موسوتوفو، وأزلت ساكنيه وأحطته بسور خرساني، لصنعت مطابقاً لساحة التدريب بي. مساحة ضخمة للتساؤل عن كلفة إنشائها ليو آي. انتظرني المزيف بمدخل المنطقة، محاطاً بكاتسوكي ومومو وتورُو.
باقترابي أرسلت عشرات حبات رمل لتسلق السوار لاستقصاء المنطقة. تحركت قفازات وأحذية تورُو غير الزي باستجابة لاقترابي.
سألت تورُو: "لون واحد؟"
قلت مومئاً: "بلون قدرتي، ليكون تمويهاً. أظنني أتبع خطاك".
تساءلت تورُو: "أحقاً؟"
عقب كاتسوكي بلا مبالاة: "أوقعت نفسك بدلو طلاء؟ ما فائدة التمويه؟ كلاكما عاجز عن البطولة إن اقتصرت على التواري".
ربما صحّ، لمعايير دور الأبطال الشاملة، لكن لم يدعُ أينا لذلك؛ فرضياته بلا أساس. عقدت تورُو ذراعيها للعدوانية لتعدل قفازاتها لتعديل كبير.
قالت مومو متألمة: "لا مبرر للفظاظة. ميزة التمويه التكتيكية مفهومة".
تخيلت تورُو بغير مخاطبة: "أتخيله متسللاً. فأي شجيرة سيختبئ بها ستنفجر غالباً".
سخر كاتسوكي غير مبالٍ. غاب المزيف عن تعليقاتنا، مبتسماً للعالم بكتفين ممتدتين—ولم يبدِ رأياً بالنظريتين. تسلل بقية الصف تتابعاً؛ فكل نصف دقيقة يصل جمع لحين اكتمال الحضور. خلالها مسحت مربعات ساحة التدريب الأولى لاكتشاف حقيقتها وليست واجهات—فالمبان حية بتمديدات كهرباء وإنارة ونوافذ وأبواب مغلقة. مدينة محاكاة حقيقية كلياً.
قال تينيا بصوت ممطوط بزيّه: "ذات ساحة امتحان القبول. أتسنطارد الروبوتات مجدداً؟"
أذلك المطلوب بالشق البدني للقبول؟ معركة مباشرة بعيدة عن الترشيح. متسائلاً لطريقة اجتياز غير المقاتلين.
وافق المزيف: "إنها ذات الساحة حقاً. لكنكم لن تحاربوا روبوتات نفايات. بل ننتقل للخطوة الثانية—تدريب معركة مكافحة الأفراد الداخلي".
قال شوجي: "معركة داخلية؟"
أردف المزيف: "تصح معارك الأشرار خارجياً غالباً؛ لكن إحصائياً، أسوأ الجرائم—ومرتكبوها—بالداخل. قتل، احتجاز غير قانوني، خطف، تجارة، سوداء؛ الأشرار الأخطر بلا علن".
بدائياً أو لا، فهم المنهج بلا قراءة سيناريو—ومقترباً لاهتماماتي. تصاعدت حماستي لإدراك تلقي تدريب تحقيق الهدف. أخطأت كثيراً للوصول، لكنه مكاني المناسب.
أفاد المزيف: "بفرق ثنائية، شرير وبطل. ستتصارعون بسيناريو قتالي داخلي لثنائي بثنائي".
سألت تسوي: "لا تمرين مسبق؟"
أجاب قابضاً كفه: "التجربة العملية أفضل معلم. أريد رؤية طاقاتكم مباشرة".
شجّع سؤال تسوي البقية لطرح أسئلة تهاوت متزامنة ومربكة للإجابة.
أجاب: "واحداً تلو الآخر، أرجوكم. لا أملك سمعاً خارقاً".
طالب كاتسوكي: "أأنسف الجميع لرماد؟"
قطع بلا تردد: "أبداً. السؤال التالي".
صاح يوكا: "يا أول مايت، ما مدى روعة عباءتي؟"
ابتسم: "يعجبني بريقها".
بغض النظر عن البريق، بدا السؤال خارج السياق—واهتمامي انصب للتمرين وما سنؤديه. فكرت كمومو قبلي بدقيقة.
سألت مومو: "أود معرفة المزيد. ما معايير الفوز وأهدافنا؟"
أجاب المزيف: "يخفي الأشرار سلاحاً نووياً بمخبئهم، لإبعاده عنكم للمدة المحددة لإطلاقه. ويجب للأبطال حيازته بالوقت—والتلامس المادي كفوز".
سأل إيجيرو متوقفاً: "كبحت العلم إذن؟ لكن بسلاح نووي؟"
أجاب: "تماماً، ووسيلة فوز بديلة بالاشتباك المباشر. كأسر وتقييد عضوي الفريق بشريط الأسر المقدم".
سأل تينيا: "كيف نقسم الفرق؟ ألتنظيمنا دور بالتقييم؟"
ضحك لاحقاً ملوحاً بعباءة لصندوق حوى ملاحظات: "مستقبلاً، لكن اليوم عشوائي بالقرعة. اصطفوا بترتيب الترتيب وتقدموا".
ترتيب خاص لعشوائية مفترضة، موحياً بترتيب دقيق للثنائيات. لوّح المزيف بلا تدوين فوق لوحه. خرافة، واختيروا مسبقاً.
صاح: "ممتاز، لنبدأ بأول فريقين. الفريق أ الأبطال: إيزوكو ميدوريا وأوتشاكو أوراراكا. الفريق بي الأشرار: كاتسوكي باكوغو وتينيا ليدا".
لمحت فزع إيزوكو لنتيجة وفرحة كاتسوكي—ولتتضح طريقة الاختيار. توترهما استُشعر، كمتنفس لتفريغ الاحتكاك قبل انفجاره—باستثناء غير المرحب.
وجه: "يا أشرار، للساحة أولاً، فاتبعوا الأسهم للمنزل؛ وستجدون سماعات. جهزوها. والأبطال يتسللون لبدء المؤقت بخمس دقائق فور الدخول".
طقطق كاتسوكي مفاصل كفيه.
نصح: "تبنوا عقلية شرير. تدريب عملي، فقدموا الأفضل—دون كبح".
تحول توتر إيزوكو لجزع عام.
حذر: "لا لإصابة بليغة بل أسر متبادل، وإن تجاوز أحدكم سأوقف التمرين فوراً. والبقية ستراقب بكاميرات الداخل، فكونوا على حذر وسلوك".
لوح وتقدم كاتسوكي بأسوار المدينة المزيفة بلا انتظار. وتلاه تينيا مرتبكاً لتخلفه.
قال: "الفريق أ، انتظروا لتغير أسهمها واتبعوها. والبقية اتبعوني".
اجتاز المدخل لليمين، وتلاه الصف. حدق إيزوكو للطريق متخلفاً؛ ودون تأثير التشجيع. وتفاعلت أوراراكا، بتوتر بان على وجهها. فغياب المتانة بإيزوكو لقدرته يضع الأبطال بمأزق. وسرعة تينيا ستدمر المنافسة. وأظهر الاختبار قوة كاتسوكي الهجومية لكتسح الصف الأول إي. ربما امتلك إيزوكو تدريباً قتالياً لسد الفجوة، لكن الأهم أوتشاكو—بقدرة الإلغاء. فالشلل الأرضي سيدمر سرعة تينيا لتتبع.
وامتلك كاتسوكي مناورة جوية، لكنه لن يسلم لتبدل الوزن—باحتياجي لتفاصيل دقيقة لتوقع الدقة. قادنا لبدروم بناء قريب. بغرفة تحكم وشاشات ومقاعد وماء. عرضت الشاشات السلاح النووي بمعقله، مع كاتسوكي وتينيا بالغرفة.
نصح محذراً: "نلتم ميزة مشاهدة التمرين، فركزوا للتكتيكات. واكتسبوا من الأقران".
انعزل كاتسوكي عن تينيا والهدف ببدء المؤقت. ومضى متخطياً تحذير الطويل بحثاً عن الأبطال. فتش الطوابق تنازلياً، برأس باحث عن الزوايا. وظل تينيا حارساً للصاروخ بتصالب ذراعيه للباب. حذر إيزوكو وأوتشاكو بالاقتراب متخذين حيطة بالانحناء وسماع الخطوات—تسلل مناسب لوجود نووي مهدد، لكنه مكلف للوقت. مسح كاتسوكي نصف البناء لاقترابهما.
صفر دينكي: "سيتقاطعان. هذا جنون".
سألت كيوكا: "ما التوقع؟ ثنائي لواحد سيء لباكوغو".
قالت مينا ببلاهة: "ألم تر تفجيره للروبوتات؟ حقق الأعلى".
سأل يوكا بتهكم: "وماذا؟ أطاح ميدوريا بالصفر بهجوم".
عجبت مينا: "ضخمة، كيف؟"
غاب السياق ومومو وشوتو عنهما. واستخدم إيزوكو قدرته لامتحان القبول لتوقع معرفة الآخرين. وعدت للشاشات لاقتراب الفريقين—لسماع كاتسوكي المسرع وانعطافه رافعاً يده هجوماً. تفاعل إيزوكو مبكراً، دافعاً أوراراكا لانفجار دمر الجدار. تدحرجا وقفا. ظهر إيزوكو لنزع نصف قناعه بحرارة الانفجار. ودخان وغبار كثيف بتقدم كاتسوكي مترنحاً. كم ندمت لعدم إدخال رمل مسبق لغياب الصوت، لتواصلهما.
شد إيجيرو كفه: "الهجمات الخفية عار. دنيا".
عارض شوتا: "بل تكتيك صحيح وجزء أساسي—فتجاهلها غباء".
أهوه إيجيرو: "أظن ذلك".
غيّظت مينا: "أغبياء. يجيد الإفلات—ألم تر تفاعله؟"
صدقت؛
فبدأ تفاديه قبل الهجوم—وبتقدمه، بادر بتثبيت ذراع الخصم، رامياً إياه برفع وسحق أرضي متقن— علق ماشirao بإعجاب: "رمية كتف بذراع—نظيفة".
صرخت مينا: "مقدس".
قلت: "تحرك قبل الهجوم. توقع ضربته".
تساءل ماشirao: "يعرفان بعضاً؟ للتدريب المشترك".
عقب ريكيدو: "يكرهان بعضهما—والجدار يكفي".
نهض كاتسوكي متعثراً ببطء. يا لجنون إيزوكو لعجزه عن استغلال تفوقه. فمنح الفرصة لسقوط بلا استثمار—تعالٍ منافٍ لتوتره، مظناً لإنصاف خاطئ. وبدت أوراراكا مصدومة للعنف والانفجارات. والوقت يحسب، فلماذا التحدث؟ ونزع كاتسوكي سماعاته.
قلت: "لا معنى لهذا".
سأل فوميكاجي: "ما تقصد؟"
قلت: "لحياة مدنيين على المحك—مدينة بسلاح نووي والوقت ينفد وهما يتبادلان الحديث. تركيزه على نهوضه دونه، وأوراراكا خلفه ولا تهاجم".
تأمل فوميكاجي: "للتفريغ للاحتقان".
علق شوتو: "لا جلسة علاج—تدريب بلا جدية".
أقر فوميكاجي: "أخمن الدوافع".
قالت كيوكا: "يصرخان حقاً. لشعور أوراراكا بالحرج".
قالت مومو: "غير ملائم".
علق يوكا: "ملّ الحديث. أتذكرنا نراقب؟"
غادرت أوراراكا سلالم للصدارة بخلفية انفجار دافعاً كاتسوكي للهواء. وتحرك إيزوكو مسبقاً، بتسديدة سابقة متجاوزة المسافة. والتف كاتسوكي بركلة، متصدياً لتوقع إيزوكو بشريط الأسر المشدود بقدمه. وانكمشت القيود متراجعا لانفجار من كفه متجاوزاً المكان—لتوقع قدرته دون قوة، أم لخبرة سابقة؟
هز ريكيدو رأسه: "مذهل. يواجهه بلا قدرة".
تراجع إيزوكو منعزلاً. ولاحق الغاضب لجبن متخيل—أنسي أوراراكا؟
قال دينكي: "لغضبه المخيف".
مزحت مينا: "ألتفجير بغضبه؟"
جرب كوجي: "لا أظن".
أجاب ريكيدو بابتسامة: "طبيعي غاضب".
بلغت أوراراكا الطابق العلوي وحراسة تينيا. ودخلت لخلفه، لمسافة قصيرة قبل التفات. والتزم بحراسة الهدف وإبعاد المعيقات. ورفضت الاقتراب وحراسته للهدف، مفضلة استنفاد الوقت. ولحق كاتسوكي بإيزوكو—ليتحاورا.
علق شوتا: "باكوغو، امتنع عن—أه، نزع السماعة".
رفع قفازة وشد صماماً مفترضاً للزينة—لتنطلق فرقعة نارية تملأ الممر. غطى إيزوكو وجهه بدرعين، مفوتاً الفرصة لتدفعه للخلف مدمرة الجدار لخارج الشارع.
هتف إيجيرو: "ما هذا؟ للتدريب فقط".
صمت شوتا ضاغطاً مكتبه ببيضاض—لتوجيه الانفجارات للأعلى تفادياً لإيزوكو، ومؤذية له. هزت الانفجارات البناء لاقتحام أوراراكا للجو بقوتها. وتوقف تينيا ليدا لانطلاق مفاجئ، حاملاً الصاروخ للجانب الآخر. أخفقت أوراراكا بالهدف، ولامست الأرض منتهية القدرة. وتقدم كاتسوكي مدافعاً، متوقعاً ومراوغاً بانفجار أمامي ليعلو الخصم. واستقر خلفه—بتفجير بظهره العاري دافعاً لتمزق زيه.
عقب ماشirao: "استدرج الرد. وقته بحاجة لتحسين، وفكره عالٍ".
قلت: "حجب الرؤية والتمركز ومباغتة التفوق. لقصد أو فطرة؟"
قالت مومو: "لا يبدو مفكراً، لكنه تخطيط رائع".
عجبت كيوكا: "لنهوض إيزوكو المستمر. أليس جنوناً؟"
قالت تسوي: "ويتعرى تدريجياً".
وتعذر نهوض إيزوكو، منتهياً لهزيمة وتكرار رمية سابقة. وبدأ زيه بالتمزق—وتغير الجو لتوتر الشاشات. وانطلقا تراكضاً لبعضهما. وبدخان لقفازة كاتسوكي وتتبع شرارة جلد إيزوكو لخيوط شفافة بسحب اليد. انحنى شوتا لتشكل العضلات مستعداً لتصرف—لغياب القوى لأول مايت. وسدد صاعدة بقبضة كدرع للانفجار—وموجة ضغط محطمة للسقف صعوداً بلا تباطؤ، محطمة للطوابق ومخرجة أوراراكا بعامود ممسكة إياه، ضاربة الأقسام الساقطة.
أجبر تينيا للحماية، لتصل أوراراكا للصاروخ. وأعلن صوت روبوتي فوز الأبطال، وانصراف تركيزي لمكان شوتا. وبموجة الضغط لرحيله، اهتزت ملابس الصف كريح، وبمراقبة الشاشة وجدته بعيداً. ضج الصف، وبقيت منفرداً. فغياب غيابه طوال الصباح مؤكد لغياب أي تبديل مع البديل. فالهزيل والمرضي صباحاً لم يكن مزيفاً. فإن كان الأعظم حقاً، تساؤل واحد بتمظهر—ما علة أول مايت؟