5
قفزتُ وعرجتُ إلى الأمام لألاقي الممثل الحامل للفأس، رافعاً ذراعاً للدفاع بينما تمسكت الأخرى بالحاجز الواقي للاستناد، مقترباً بحذر من عدوي. لم تكن عندي خطة، ولا أي فكرة عن كيفية نجاتي من هذا القتال. كنت مصاباً، ومنهكاً، ومنهاراً من الناحية النفسية. لكني لم أستطيع التراجع، حتى لو أردت ذلك. حين صرنا في نطاق الوصول حدث تقابُل قصير ومشدود، حطمته بالاندفاع نحوه. كان هجوماً ضعيفاً، إذ كنت بساق واحدة، وتجنب لكمتي الخرقاء بسهولة قبل أن يمد يده إلى عنقي. أخطأ، لكنه أمسك بياقة قميصي بدلاً من ذلك، مفقداً إياي توازني. حاولت هجوماً يائساً آخر، دافعاً إياه جانبياً بكل قوتي. لكنه كان ثقيلاً، ولم يكن ذلك كافياً لدحره عن الممر. بيده التي تمسك بياقتي، رفع فأسه باليد الأخرى، موجهة الضربات إلى عنقي. لم تكن عندي فرصة لتجنبه. لم تكن هناك سوى طريقة واحدة للنجاة، ولن تكون جميلة. رفعت ذراعي اليسرى مع هبوط الفأس، ونجحت يدي في صد النصل لحظات قبل أن يصيب عنقي. وبقولي صد، أعني أن الفأس شقت يدي، قاطعة إياها إلى نصفين كجذع شجرة قبل أن يعلق النصل في منتصف معصمي. صرخت، مغمضاً عيني بينما أُعول من الألم، وهو ما ربما منعني من التعرض للعمى بسبب الدم الدافئ الذي تدفق من يدي المشققة، مبعثراً على وجهي. اجتاحتني موجة من الدوار، بينما تعامل جسدي مع الفقدان المفاجئ للدم. خارت ركبتاي فانهارَت على الأرض الحديدية للممر. حين أجبرت عيني على الانفتحاح، رأيت دماً. دماً كثيراً. كان قد تناثر في كل مكان، صابغاً الفأس وقميصي بالقرمزي بينما غُطي قناع القتل به. أعمى، شد فأسه مسبباً موجة أخرى من الألم شلتني، ولكن حتى وهو يجذب الفأس العالقة بذراعي الدامية، لم تكن لتفلت. علق النصل عميقاً في الغضروف والعظم، ورفض المغادرة. ثم جذبني أقرب والتفت يده الأخرى حول حنجرتي. قد يكون جُرّد من سلاحه، لكنه ظل قوياً، واعتصرت يده، محاصرة كل تنفسي. مستجديًا الهواء، صارعت. خدشت يدي الباقية عنقه وذراعيه، محرفة القناع عن وضعه، لكنه استمر في الاعتصار، بعمى، بينما يجذب الفأس بيده الأخرى. بين الألم وفقدان الدم، كانت لكمات بالكاد تؤثر في الممثل القاتل. حاولت تحرير عنقي بدلاً من ذلك، بلا جدوى. استطعت شعور العرق في يديه ضد عنقي بينما أنهب في طلب الهواء بهستيرية. بحثت عيناي، المرمشتان عبر الدموع والألم، عن أي شيء أستطيع فعله أو استخدامه للهروب. أي شيء على الإطلاق. عندها لاحظت الحبل المستعمل لتعليق الممثل الآخر، على بعد قدم من وجهي. كان مربوطاً بإحكام بالدعامات، لكن الحبل كان في نطاق الوصول، وكان يقود طول الطريق إلى المسرح. مددت يدي نحو الحبل، وبينما أمسكت به بأقوى ما استطعت، ألقيت بكل وزني فوق الحاجز الحارس وخارج الممر. لكن حتى وهو مفقد التوازن وأعمى، لم يترك الرجل. بينما هبط جسدي، ويدي تقبض على الحبل لمنعي من السوق، رفضت قبضته اللين. مجذوباً بوزني، تَبِعَ جسدي جسدي في السوق من الممر. تمسكت بالحبل بإحكام بينما جذب عنقي وهو يسقط، نازعاً إياه لأسفل، لكن أصابعه فشلت في كسب مساحه إذ كشطت عنقي. جرحني، لكنه فشل في الإمساك إذ انزلقت قبضته إلى الهواء الفراغ. هكذا هوى إلى حتمه بصرخة مروعة، محطماً الطاولة أسفل حين سقط على المسرح. انتشرت بركة من دمه الخاص تحت جسده. نادراً ما فعلت أفضل بكثير رغم ذلك، منزلقاً إلى أسفل الحبل بيد واحدة فقط، والتي قبضتُ عليها بأقوى ما استطعت. بينما نجحت في إبطاء هبوطي، احترقت يدي بألم وكُشطت حتى العظم بواسطة الحبل في طريقه لأسفل. ضعفت قبضتي من الألم وسوء الاستخدام، مطلقَة إياي بينما لا أزال على بعد عشر أقدام في الهواء. سقطت على بقايا الطاولة وتدحرجت عن جثة مهاجمي، مسبباً لانفجار عالمي في الألم، قبل أن أُغشى.
لا أعلم كم قضيت غائباً عن الوعي. حين أستيقظ، أول ما أُحِسّ به هو الألم. وثانيهما، الخوف. أفتح عينيّ. كنت مستلقياً على ظهري وسط أثاث محطم وبركة متسعة من دمائي. كانت الممثلة الأخيرة تحدق في جسدي المكسر. كانت تضع قناع الراعية الصغيرة وتصطحب سكين جزار في يدها وهي ترمقني، بلا أي تعبير ظاهر. يستغرقني الأمر لحظة لأدرك أن تلك كانت صديقتي، ويدخلني الإدراك في رعب وارتياح ويأس، مجتمعة بلا تناسق في مزيج من الحزن والخوف. ناديت اسمها: "--------". لا أذكر ما كان اسمها، لكني أذكر أني ناديتها، ناظراً إليها، متوسلاً. لم تستجب. سألت: "رجاءً... لماذا؟"، والدموع تنزلق على وجنتيّ وتغيم رؤيتي. جاهدت لأمسح وجهي، وعادت يدي ملوثة بالدم والعرق. لم أستطيع سوى تخيل هيئتي. لم تقل شيئاً، لكنها اقتربت مني واشتد قبضها على السكين. جاهدت برهة لأنهض، لكن الألم أرغمي على العودة للأسفل. لم أستطع حتى الجلوس بينما تقترب مني. بححت بصوتي: "أظن أن الأمر انتهى إذن". اللعنة. انشخج صوتي وارتجفت شفتي عند رؤيتها. كان الأمر مخجلاً، بعد كل هذا القتال والصراع، أن أتفكك كفتاة مدرسة أمام المدير. مثير للشفقة. أرغمت نفسي على تحويل نظري عن صديقتي، لكن الأمر لم ينفع. كان إحساس الخون الشنيع، والجنون غير المفهوم، يغمرني. تمتمت: "أنا... اللعنة. أنا أستسلم... اذهبي. افعليها". ركعت بجانبي، قريبة لدرجة تمكنني من لمسها، وحدقت بي من خلال ذلك القناع الأملس. ثم عبثت بشيء في جيب معطفها. استطعت سماع صوت تجعد ورق البردي قبل أن أرى ما استخرجته. كانت شطيرة من أقرب مطعم للوجبات السريعة، وجعلها الشحم غلافها لامعاً وشفافاً. فتحت الغلاف وقدمتها لي. كانت شطيرة برغر بالجبن. هززت رأسي: "لا..."، محارباً المزيد من الدموع، رافضاً تقبل ما فعلته، وما يعنيه ذلك. تذكرت محادثتنا قبل المسرحية، وخرجت المزيد من الدموع. "لا... توقفي. أرجوك، لا... لا تفعلي هذا..."، كان صوتي مجرد همسة مذهولة الآن، بينما أكرر هذه الكلمات مراراً وتكراراً. لم استطع تقبل الأمر. تقبل أن الكائن خلف ذلك القناع لا يزال صديقتي، الشخص الذي عرفته وأحببته؟ أخذ بعين الاعتبار أن طوال هذا الوقت، ربما خططت لهذا؟ كانت تسألني: "لو كان هذا يومك الأخير. لو كان العالم سينتهي غداً؟ ماذا ستفعل؟". وقالت تلك الكلمات بنبرة محادثة عادية وسخيفة، محاولة إقناعي بالخروج معها أو فعل شيء جريء، كحين داعبتها في حديقة ذات صباح ضبابي. لثوان معدودة بالكاد، لكننا شعرنا كمراهقين أشقياء ونحن ننجو بفعلتنا. لماذا أذكر هذا الآن؟ يدي اليسرى مفقودة، فوضى دامية من عظام مكسورة منقسمة لنصفين، وصولاً إلى المعصم. سألتني: "لو كان هذا يومك الأخير، ماذا ستفعل؟". وأجبت: "سأتناول شطيرة برغر بالجبن!". مزحة سخيفة. أكانت تعلم؟ أكانت تخطط لهذا طوال الوقت، طوال هذا الوقت الحالي؟ حتى بينما نمزح ونتجادل ونمارس الجنس ونقضي عصاري كسولة في مشاهدة التلفاز؟ أكانت تخطط دائماً لقتلي؟ أكانت تخطط لمتي هنا، محطماً ووحيداً وفي ألم، لحظة دخولها المسرح؟ لم استطع استيعاب هكذا أفكار في عقلي. كانت فكرة أكبر من اللازم، أفظع وأعجز عن فهمها. العقل غير معد للتفكير بمثل هذه الأمور. مع ذلك لا تزال تقدم ذلك البرغر الرخيص، بوداعة، بخجل تقريباً. كأنها تقدم هدية وتخاف الرفض. "تباً لهذا... فقط... ابتعدي بحق الجحيم..."، أبعدت رأسي، رامشاً بعنف. بدت محطمة. سقطت ذراعها وسقط البرغر على الأرض. الآن لم تُمسك سوى بسكينها. قبضت عليها بقوة، بيدين على المقبض، الحافة تشير لأسفل، ورفعتها فوق رأسها. نظرت إليها مجدداً، غير جاد بأبعاد نظري. رغبت بالتحديق في عينيها حين تفعلها، رؤية الأمر حتى نهايته المرة. بعد كل ما مررنا به، لم أستطع تحويل نظري أو إغماض عينيّ. خلف ابتسامة قناعها البلاستيكية، كان تعبيرها عصياً على القراءة. لم تكن هناك طريقة لفهم ما يدور خلف ذلك القناع. همست: "من أجل ذكرى كاركوسا". استعديت لوقع السكين. لذا حين غرزت السكين عميقاً في صدرها، لم استطع سوى التحديق، مذهولاً. انكفأت على نفسها من الألم وكادت تسقك، مصبغة قميصها بالدماء ومكونة بركة على الأرض تحتها. دماءها الخاصة. ارتجفت مرة، ثم انهارت أخيراً على الأرض بجانبي. لم أستطع سوى المراقبة، أضعف من أن يتحرك، بينما تنكفئ من الألم، قبل أن تستدير ببطء لتواجهني بينما تنتشر بركة دم داكنة من تحت جسدها. وهكذا، تموت صديقتي الآن أمامي، نازفة وساعلة. غارقة في دمائها. أعيد بذهني مجددًا الأحداث التي أفضت إلى هذه النقطة. نزهة المساء، المسرح، المسرحية، الغريب، الجرائم التي راقبتها بسلبية من مقعدي، محاولة تضحيتي الخاصة، كيف قاتلت وقاتلت وقاتلت وقاتلت، نظرة الرعب على وجه تلك الممثلة قبل أن أقتلها، شطيرة البرغر... تموت صديقتي أمام عينيّ، ولا أستطيع رؤية وجهها. إنه مغطى بالقناع الرخيص، الملطخ بالدماء الآن. لكني لا استطيع تذكر شكل وجهها. ولا حتى اسمها، لا شيء مما يميزها يعلق بذهني. حضورها، ذكرياتنا معاً، تلك ما زلت أستطيع استحضارها. أستطيع رؤية تلك اللحظات بوضوح في عقلي مثلما أستطيع رؤية دمائها وهي تتشرب من تحت جسدها المنهار، منتشورة على خشبة المسرح المصنوعة من الخشب الصلد. أستطيع سماع صوتها، نكاتنا ومحادثاتنا القديمة، وأستطيع سماعها وهي تختنق وتتغرغر بدمائها بينما يبطئ تنفسها ويصبح أكثر وأكثر هدوءاً. ببطء، بلا ملحوظية تقريباً، تتوقف عن التنفس. تسدل الستائر. يدخل الملك بالأصفر إلى المسرح، بذات القميص الأصفر ذي القلنسوة والقناع الأبيض الأملس كالمعتاد. بخطوات خفيفة يدخل في نطاق نظري، ناظراً إلي بينما أرقد هناك، متحطماً عن الحركة. الآن، أنا بانتظار النهاية فقط. يتحدث الملك: "انتهت المسرحية"، وصوته حشد، آلاف الأصوات تهمس برفق بكل كلمة. أكثر من آلاف، ملايين. مليارات. أرتجف غريزياً مع كل كلمة، لسماعها مهموسة ومصدات بلا نهاية. "ولذا أمنح حضوراً لتمثيلي الأخير". ينظري إلي الملك بالأصفر بتوقع. مع ذلك، في حالتي المذهولة، يستغرق الأمر بضع لحظات قبل أن أدرك أنه كان يخاطبني. أمر: "اطلب أمنيتك". أرمش، مشلولاً بيأس. أشعر بالخلو من كل دافع أو عاطفة، أي شيء يجعلني أهتم بما يحدث. فيما يخصني، أنا تائه في عالم لا أريد فيه شيئاً، ولا حتى العيش، ولا حتى الموت. لكن الملك لا يقبل صمتي. يقترب، فحيحاً ومنشداً في جوقة لا تحصى بينما يسحقني حضوره كالورق على نار مشتعلة. أنا أموت مع كل كلمة ينطقها. قال: "هذا يومك الأخير. ما هي أمنيتك؟". أرغمني على الإجابة. أسعل قبل أن أسحب نفساً أخيرًا. أخيراً، أهمس: "الحب..." قبل أن يظلم كل شيء.