نهاية عالم أخرى لا أكثر الفصل 39 — العرض الختامي - 2

اقرأ نهاية عالم أخرى لا أكثر الفصل 39 — العرض الختامي - 2 باللغة العربية على مانجا تايم.

2.

لم أكن أعرف ماذا أنتظر من المكان الذي أضرني إليه الرجل ذو البذلة، لكنني كنت أستعد لكل احتمال. لذا، لم تفاجئني تلك القاعة الأنيقة في أعلى برج شاهق. تطلب الأمر نظرة سريعة فقط إلى المقاعد الجلدية، والتصميم المتقشف والأنيق باللونين الأسود والأبيض اللامعين، والإطلالة الخلابة على المدينة في الأسفل، لأدرك أن هذا المكان يقطر ثراءً.

قلت وأنا أتأمل المنظر عبر النافذة الزجاجية الضخمة التي تغطي الجدار بأكمله: "مكان جميل. هل يوجد حساب مصرفي مخصص للوحوش الكونية لشراء هذه الألعاب الفاخرة والديكورات الجميلة؟"

"هوه هوه، أنت وسخريتك الدفاعية هذه! لكنني متفق معك تماماً في أن هذا مكان أفضل بكثير لنجري فيه هذا الحوار!"

توجه الرجل نحو خزانة مشروبات في الزاوية وفتحها.

"أتشرب كأساً؟ ومسكيراً، أم بعض النبيذ لعل وعمل؟"

"إن كنت تخطط لتسكيري..."

بدأت أقول، قبل أن يسكتني بضحكة خفيفة.

"كيف أبدو لك؟ أطالباً جامعياً في موعد غرامي؟ لن يسكرك الخمر إلا إن أردت أنا ذلك. تلك إحدى مزايا هذا المكان الخاص."

أشار بيده حوله.

"نحن هنا في أمان من كل شيء وأي شيء. حتى من الزمن."

نظرت إلى الخارج مجدداً، فأدركت أن أية أضواء لم تكن تومض أو تتحرك. كانت السيارات تبدو في الأسفل بمسافة بعيدة، لكن أياً منها لم يكن يتحرك. كنا عالقين في الزمن.

قلت وأنا أمشي نحو أحد المقاعد وأجلس عليه: "حسناً، لقد أتيت إلى وكرك كما طلبت. هات ما عندك الآن."

"مباشرة إلى صلب الموضوع، أها؟"

تجهم وجهه، لكنه أغلَق الخزانة وتجه نحو أحد المقاعد دون مزيد من التذمر. وبعد أن استقر في جلسته، أخرج جهاز تحكم عن بعد ووجهه نحو ما ظننته أحد جدران المكتب. كان أسود ولامعاً تماماً، لكنني لم أدرك إلا حين وجه الجهاز إليه وأشغله، أنه كان في الواقع شاشة عملاقة بحجم الجدار بأسره. ومضت الشاشة بالعمل لتُظهر مدفأة تُصدر وميضاً صامتاً. وضع الرجل جهاز التحكم جانباً وهو راضٍ، وابتسم لي.

سأل أخيراً وهو يستند بظهره إلى المقعد: "برأيك، لماذا تظل هاستور، التي تدعوينها سوزي، معك وتنفذ طلباتك حتى؟"

جلست على المقعد المقابل له وأنا استرجع ذكرياتي.

"لقد عقدنا... لست متأكدًا ماذا أسميه. صفقة. ميثاقاً. قالت إنها ستساعدني في إيجاد سريقة لإنقاذ الناس من نهاية العالم الوشيكة."

قاطع شرحي بضحكة مكتومة بالكاد أخفاها بيده اليسرى.

"وأنت صدقت ذلك؟"

"لقد صدقت، في البداية."

ترددت، لاعناً نفسي على إظهار ضعفي أمام هذا الحقير.

"وأي خيار كان لدي؟ لكن من السهل أن نرى أننا لا نحتل الأولويات نفسها."

قال بلهجة قاطعة ودون أي استنكار أو إدانة: "إنها تعبث بك."

كان هادئاً ومتحكماً تماماً، كعادته دائماً.

قلت بصوت خفيض وأنا أصر على كلامي حين أبدى تعابير تشكيك: "أنا أعلم ذلك. لقد قالتها بنفسي. أنا أعلم."

سخر قائلاً: "لم تكن نيتها قط تنفيذ أوامرك أو إنقاذ أي أحد. أنت مجرد لعبة تلهو بها، كحشرة أليفة. تضع صخرة هنا وهناك وتراقبك وأنت تتخبط في الطرق التي تصنعها، بينما تنتزع ساقاً أو ساقين حين تمل."

تنهدت وأنا أفقد صبري: "إذن؟"

"إذن، هل تفاجأ حين تكتشف أنها تعبث بنسخ متعددة منك؟"

انحنى إلى الأمام مبتسماً ليراقب رد فعلي.

"نعم، أرى أن هذا الخبر جديد بالنسبة إليك، على الأقل."

سألته: "أهلها... فعل ذلك؟"

سخر قائلاً: "الجسد قشرة، صُمم وفق تعليمات داخل خلاياه. إن استطاع الإنسان استنساخ جسد مخلوق آخر، فهاستور قادرة بلا شك! العقل، والروح؟ نبضات كهربائية وتفاعلات كيميائية تشكل أنماطاً محددة في الدماغ. يمكن نسخ تلك أيضاً. تخصص هاستور هو العقول والذكريات والأجساد. إن أتيح لها الوصول إليك، يمكنها نسخك، لتصنع نسخة مطابقة تماماً! لكن لا تأخذ كلامي على محمل الجد وحده. هاك، انظر."

أمسك بجهاز التحكم عن بعد مجدداً ووجهه نحو الشاشة. تحولت من مدفأة مزيفة إلى حشد من الشاشات التي تعرض كل منها مشهداً مختلفاً. راحت عيناي تتجولان من شاشة إلى أخرى، وكل منها تعرض صورة مغايرة. حدقت وشعرت بارتباك وشك يتناميان بداخلي. رأيت نفسي في إحدى الشاشات، لكنني أرتدي معطف واق من المطر وأكثر خشونة مما كنت عليه قط، واقفاً على قارب وأطلق النار على كتلة من اللوامس السوداء الناشئة من بحيرة.

كان هو ــ أو بالأحرى أنا ــ ثابتاً في مكانه، يصرخ بشيء ما بينما يطلق النار ببندقية عسكرية على المخلوق. وكان يقاتل بجانب تلك النسخة الأخرى رجل أصفر ببذلة وربطة عنق صفراء. حتى في جسد مختلف، تمكنت من التعرف إلى ابتسامته. وفي مشهد آخر، رأيت نفسي نحيلاً، جائعاً، وبجاحظتي العينين. كان شعري ولحيتي طويلين، ولم تكن ملابسي سوى خرق بالية، باستثناء سلاسل خضراء متألقة تقيد يدي وقدمي.

كنت في وسط نوع من بلاط الملكية الغريب، محاطاً بمخلوقات حشرية ذات عيون كثيرة، وكلها تزينها الجواهر وحرير العناكب. كنت البنسان الوحيد في الغرفة، مقيداً كعبد بينما يحيطون بي. لاحظت أن أحد تلك المخلوقات الحشرية كان مزيناً حصراً بجواهر ذات صفرة مريضة. ومشهد آخر كان أكثر إثارة للروع. أظهر، تحت سماء غريبة، أشجار لحم تنبت وتنمو وهي تغطي الأرض. ومن أشجار اللحم تلك برز رأسي، مرات عديدة، وبدا هنا وهناك كدمامل على القشرة.

ونبتت من الشجرة أيضاً أصابعي، وأذرعي، وسيقاني، وأعضائي التناسلية، وجذوعي، أجزاء من جسدي بلا أي منطق أو سبب. كانت تنبت وتنتشر في كابوس كسري، كأغصان الشجرة. وكان شخص ما يعتني بتلك الشجرة، ويقطع بعناية ساقاً شاردة بالطريقة التي يقلم بها البستاني أغصان شجرة بحرص. كان البستاني يرتدي عباءة صفراء طويلة وقناعاً أبيض أجوف لا يغطي سوى الظلام، يعلوه تاج ذهبي يليق بملوك. لكن حتى ذلك لم يكن مرعباً بقدر مشهد يظهرني وأنا أتناول العشاء في مطعم مع امرأة.

تعرفت إلى تلك المرأة بوصفها صديقتي، وحتى حين تلاشت ملامح وجهها من ذاكرتي، ظللت أعرفها. كانت تبتسم وتمسك بيدي بينما أشرح شيئاً ما، عالقاً في الزمن في منتصف إيمائي. كانت عيناها مصبوغتين بلون بني مصفر يبدو طبيعياً تقريباً، كأنه يعكس ضوء الغرفة. كنت أبدو سعيداً، غافلاً عن الطبيعة الحقيقية للشيء الذي أمامي. وغافلاً عن أنها كانت مسؤولة عن كل هذا القدر من المعاناة لنسخ أخرى مني.

تلك الابتسامة، هي أكثر ما آلمني وأثار اشمئزامي على الإطلاق. أسوأ من أشجار اللحم.

صرخت وأنا أغلق عيني: "حسناً، لقد وصلتني الفكرة!"

لم أكن أريد رؤية المزيد من النسخ، ولا المزيد من الاحتمالات. كان الأمر أكثر من أن أتحمله.

أجابني نيرلاتهوتب بلطف: "أنا أحاول توضيح نقطة هنا."

قلت وما زلت أغمض عيني بإحكام: "أي نقطة؟ أن سوزي كانت تعبث معي على نطاق أوسع بكثير مما أدركته حتى؟ وأنني، حتى إذا أخذت في الاعتبار كل الأشياء المقرفة التي جعلتني أراها وأفعلها، لا زلت محظوظاً مقارنة ببعض النسخ الأخرى مني؟ حسناً، لقد وصلت الفكرة اللعينة، فأطفئ تلك اللعنة الآن! كفى!"

سمعت صوت نقرة، ففتحت عيني لأراه يعيد جهاز التحكم مكانه. لم تكن الشاشة تعرض سوى تشويش رمادي، وهو أمر لا يمت للمنطق بصلة لشيء حديث إلى هذا الحد. لم يقل نيرلاتهوتب شيئاً في البداية، بل انحنى إلى الأمام ونظر إلي نظرة ذات مغزى.

سأل: "أتريد التحرر من هاستور؟"

لحظة صمت أخرى. تردد، هذه المرة من جانبي. نظرت بطرف عيني إلى الشاشة الرمادية المومضة، ثم إليه مجدداً.

سألته: "أَتستطيع... أَتستطيع فعل ذلك؟ أَتستطيع تحريري؟"

أجاب: "يمكنني حتى تحريركم جميعاً، كل نسخة منكم. الأمر معقد، لكنه قد يكون ممكناً."

انحنيت إلى الأمام وفي وجهي نظرة يملؤها الأمل، ثم توقفت فجأة.

"يبدو هذا أجمل من أن يكون حقيقياً. هل من ثمن خفي؟"

سألته.

هز كتفيه قليلاً وابتسم، شبه معتذر: "بطريقة أو بأخرى. لا يمكنني التلويح بيدي وجعل الأمر يحدث هكذا يا كودي."

ثم اعتدل في جلسته ونظر في عيني مباشرة.

"عليك أن تفهم... ما أتقنه جيداً ــ لا، ما يجب علي فعله دائماً ــ هو منح الناس أعمق رغباتهم. هذا ما أفعله. هذا هو طبعي."

سألته عاقداً حاجبيَّ: "مثل جني المصباح؟"

أشرق بوجهه بابتسامة: "تشبيه موفق."

ترددت، وأنا أمعن التفكير في كلماته والقوة الكامنة فيها. عندما تكلمت تالياً، كان صوتي يرتجف قليلاً بينما قبضت على مسند المقعد. كنت خائفاً من السؤال، لكن خوفي من عدم السؤال كان أشد.

سألته: "أتستطيع إنقاذ البشرية من الكارثة القادمة؟"

اختفت ابتسامته عند سماع تلك الكلمات، وتأملني للحظة، محدقاً بي بعينين باردتين خاليتين من المشاعر. شعرت بغصة في قلبي فأحيد بصري، متهئاً مسبقاً لخيبة الأمل.

"أهذا ما تريده حقاً يا كودي؟"

نظرت إليه مجدداً حين سمعت تلك الكلمات.

أجبته: "نعم. بكل تأكيد. أيمكنك فعلها؟"

أجاب: "يمكنني فعل شيء ما، نعم. لكن أمتأكد أن هذه هي رغبتك العميقة؟ إنقاذ العالم؟"

كان يبتسم الآن، كأنه يستمتع بنكتة خاصة.

رددت بغضب تصاعد في صوتي: "بالطبع هي كذلك! لقد عقدت صفقة مع ملك فضائي من أجل إنقاذ العالم! لقد ودعت عائلتي وأصدقائي! لقد نجوت من حديقة حيوان فضائية، وبلدة من الهجناء، وجموح وحش حديث الولادة يشبه أمثالكم! إذن أجل، أنا متأكد لعين الدرجة! سأفعل أي شيء لإنقاذ العالم."

ردد الكلمات بنبرة حملت شكاً قاطعاً وحاداً كشفرة فولاذية: "أي شيء؟"

انتفضت، ثم توقفت. لا جدوى من الغضب في وجهه. فمن خبرتي مع سوزي، سيكون ذلك بفاعلية تلويح للإصبع الأوسط في وجه إعصار.

قلت عوضاً عن ذلك: "اهدِنا إلى صلب الموضوع."

وبدل أن يجيبني فوراً، أمسك بجهاز التحكم ووجهه نحو الشاشة مجدداً. ومضت الشاشة بالحياة، عارضة كهفاً ضخماً مليئاً بمخلوقات فضائية تشبه الحشرات برؤوس ممتلئة باللوامس. وعلى أحد جانبي الكهف كانت هناك عدة غرف ومرافق بشرية، وقد فُقد أحد جدرانها، كبيت دمى أو مرابي زجاجي. كهف المي-غو. ثم تقربت الكاميرا في الشاشة نحو نقطة معينة، فوجدت نفسي وسوزي على الشاشة الكبيرة، بوضوح مستحيل.

كنت أبدو مهموماً وخائفاً. وكانت هي تبتسم.

قلت على الشاشة باقطيب: "لدي هواجس تجاه هذا المكان. إنه أفضل من انقراض البشرية، لكن... أيمكن اعتبار العيش في هذا المكان حياة أصلاً؟ دائماً تحت أهواء مخلوقات قوية أخرى. ودون معرفة الحرية حقاً. إنها حياة سجين."

سألت نيرلاتهوتب مشيراً إلى الشاشة: "لماذا تريني هذا؟"

أجاب بابتسامة: "لقد أتيحت لك الفرصة لإنقاذ الناس هناك. لتحقيق الغاية التي تلهث خلفها، أو التقدم فيها على الأقل. ومع ذلك...؟"

قالت سوزي بحزم من على الشاشة: "إنه قرارك يا كودي. أنت من تقف هنا، لا شخص آخر."

أجابت النسخة الأخرى مني ببدء تردد وعدم رضا: "أظن... أن علينا تفقد خياراتنا الأخرى. لا يبدو هذا خياراً رائعاً بالنسبة إلي."

قلت للرجل ذي البذلة بينما كان يبتسم لي بدوره: "لقد رفضت الأمر لأنه كان صفقة مثيرة للشفقة! أنا ــ"

قاطعني بهدوء: "قلت إنك ستفعل أي شيء. أي شيء في سبيل إنقاذ العالم. ومع ذلك، ماذا حققت هناك؟"

انتقلت الشاشة إلى لقطة لنسختين مني تتصارعان، إحداهما تعلو الأخرى وتخنقها بينما تضحك بجنون. أنا أقاتل نسختي المستنسخة. تحولت اللقطة إلى مشهد آخر، ونسختي المستنسخة تركع على الأرض وتبدو بلا أمل. مررت السكين حول عنقها فتدفق الدم من الجرح بينما هوى إلى الأمام. أطفأ نيرلاتهوتب الشاشة.

"أمر يأتي بنتيجة عكسية نوعاً ما، أليس كذلك؟ لكن هذا ليس كل شيء! فلننظر إلى المعروض رقم 2 هنا! لقد مُنحت الفرصة لاكتساب المزيد من القوة. وشهدت، بنفسك، كيف يمكن لتلك القوة أن تنقذ العالم. وكانت إجابتك هي...؟"

أومضت الشاشة مجدداً، عارضة هذه المرة المواجهة في المطعم. أنا في مواجهة السيد الأكبر، وسوزي تراقبهما.

صرخت في وجه السيد الأكبر ودموعي تنحدر على عيني: "تباً لذلك! لقد اتخذت خياري الآن! إن كان التحول إلى وحش مثلك هو الثمن لإنقاذ العالم، فليمت إذن! أفضل رؤية العالم مدمراً على أن يرثه أوباش مثلكم، تبنون أنفسكم ملوك فوق جثث الضحايا من أجلكم! وأفضل الموت على أن أصير مثلكم!"

نقر الرجل الآخر بلسانه في محاكاة زائفة لخيبة الأمل: "أوبس! لقد وجدت تناقضاً بالفعل. لو كانت هذه محكمة لما سارت الأمور على ما يرام معك، همم؟"

بدأت أقول: "لقد كان وحشاً ــ"

لكنه قفز مقاطعاً: "آه، نعم! فما الذي قررت فعله إذن، في النهاية؟ دعني أرى!"

أومضت الشاشة وتغيرت، لتظهرني وأنا أرمي الولاعة المشتعلة داخل المطبخ المليء بالغاز، لينفجر المطعم ومن بداخله، وأنا من ضمنهم.

أردف نيرلاتهوتب بحماس: "مهلاً! أتعلم أن هذا الشيء مزود بخاصية التصوير البطيء؟ تفقد هذا!"

تمت إعادة لف الانفجار على الشاشة، كشريط كاسيت، ثم شغله مجدداً بالحركة البطيئة. أتيحت لي رؤية شظايا المعدن والحطام الناجمة عن قوة الانفجار وهي تتمدد ببطء. أصابني بعضها، واخترق جسدي كأنه مصنوع من الصلصال. مزق كتلة من الصخور نصف رأسي دون أن تتاح لتعابير وجهي فرصة حتى للتغير. لم يكن هناك وقت ليتدفق الدم من الجراح أو لتستوعبها الحواس بشكل مجد، لكن حين غمرتني نيران الانفجار، كان جسدي قد تجاوز مرحلة الدمار تماماً.

كانت تلك مיתة بشعة حقاً حين تُرى ببطء شديد. لم أكن قد شعرت بها حتى، حين قتلني الانفجار. ولولا مساعدة سوزي، لما بقي سوى أثر ضئيل لجسد وراءه. لقد متُّ حينها. كان تجاوز تجربة الموت سهلاً بشكل مفاجئ، لكن النظر إليها من الشاشة أضفى انطباعاً مختلفاً. كان الأمر مزعجاً.

"أوه! أوه! أم ماذا عن هذه اللحظة هنا، حين كنت تناقش كيفية إنقاذ العالم مع إنسانة مثلك أرادت الغاية نفسها؟"

المطعم مجدداً، في لحظة أكثر هدوءاً. كان الجميع على قيد الحياة، وكنت أتحدث مع ليزا، النادلة ذات الشعر الأسود الطويل.

قالت، وصوتها منخفض، يكاد يكون همساً يصدر من الشاشة، لكنه لا يزال يفيض باللطف والتعاطف: "إن أردت، فليس الأوان متأخراً بعد. يمكنك الانضمام إلينا في بذل حياتك من أجل قضية أسمى. لن ينبذك أحد لتأخرك في الانضمام، ولن تضطر للشعور بأنك عديم الفائدة بعد الآن. إنه خيارك."

صمت. نظرت إلي، وكادت ابتسامة ترتسم على محياها. وفعلت المثل. روحان متآلفتان. في المكتب، حدقت في الشاشة بيأس متزايد، عالماً بما سيأتي تالياً.

"إذا... كنت أعلم، يقيناً، أنه سيساعد في جعل العالم أفضل... فسأبذل حياتي. ودون تردد..."

كانت تلك كلماتي في ذلك اليوم.

علق نيرلاتهوتب وهو ينظر إلى الشاشة الضخمة بتسلية: "أولويات ممتعة! ألا تدق مشاركة التشابهات مع عضوة في طائفة انتحارية بعض أجراس الإنذار في رأسك؟ بالنسبة إلي لدقتْ!"

فصرخت في وجهه: "إذن ماذا كان علي أن أفعل؟ ماذا كان علي فعله لمنع نهاية العالم؟!"

فابتسم ردًا على صراخي.

قال هذه المرة بصوت مهموس مفعم بالبهجة، مستمتعاً بكل لحظة منه: "قبل اكتشاف نهاية العالم، مُنحت فرصة لحياة سعيدة. ربما كانت غريبة بعض الشيء، لكنها لم تكن خطيرة البتة. ولا مؤلمة حتى. وماذا كان خيارك؟"

نقر على جهاز التحكم فتغيرت الشاشة، لكنني لم ألتفت. ورغم ذلك، استطعت سماع صوتي بوضوح تام، وهو ينطلق من الشاشة.

سمعت صوتي المنبعث من الشاشة يقول: "ممم... واو، أظن أنني سأذهب إلى الشرفة لاستنشاق بعض الهواء النقي. أحتاج لهضم هذا."

أعقب ذلك صوت قبلة. ما كان اسمها مرة أخرى؟ تانيا؟ تايلا؟ لم تكن حقيقية، علمت لاحقاً. إحدى دمى الملك بالأصفر. لكنني لم أكن أعرف حينها، حين قبلتني.

"لمساعدتك على اتخاذ قرارك"، قالت.

نعم، تذكرت ابتسامتها المشاكسة. وتذكرت ما حدث بعد ذلك. سمعت صوتي وأنا أتسلّق الشرفة وأقفز. لأستيقظ من ذلك الحلم المستحيل. اندفاع الهواء المفاجئ. وسمعت صوت اصطدام جسدي بالأسمنت بصوت ارتطام مقزز. أكانت مؤلمة إلى هذا الحد؟ لم أكن أتذكر أنني متُّ حينها.

قال نيرلاتهوتب، وقد تحول إلى الجدية فجأة: "إذن. ماذا تخبرني هذه المقاطع عما تريده حقاً؟"

نظرت إليه مجدداً، صامتاً، متجهماً. اكتفى بالاستناد إلى الخلف، منتظراً إجابتي. تململت، وأحيدت بصري، متجاهلاً الإجابة التي كانت تتخبط في ذهني.

"لا..."

أصر قائلاً: "بلى. أنت تعلم أنه الحق."

"لا، أنت تكذب... أنت تتلاعب بي بطريقة ما..."

قبضت على رأسي، كأن ذلك يكفّ عني هذا الألم المعتمل في داخلي، ويمنعني من سماع كلماته، أو الوصول إلى النتيجة الوحيدة المتاحة. كان يكذب.

كان يكذب، يكذب، لقد كان ــ قال نيرلاتهوتب، وقد اكتسى صوته بنبرة رقيقة الآن، لكنه واصل حديثه ولم يكن ليتوقف: "لم أكن هناك معك حين حدثت تلك الأمور. لم أجبرك على التصرف بتلك الطريقة. كان هذا أنت. لقد كان هناك بعض التأثير من هاستور، لكنها ظلت خياراتك."

"لا..."

صحح لي: "بلى. هذا هو أنت."

لم أستطع النظر في عينيه، ولم أستطع التطلع إليه بينما دفنت وجهي بين كفي. أيعقل؟ أكنت بهذه البساطة؟ بهذا الضعف؟

سأل: "ليس رغبتك العمقى هي إنقاذ البشرية، أليس كذلك يا كودي؟ بلى، إنه أمر تفعله إن استطعت... إن كان ملائماً. لكنه ليس ما يحركك حقاً."

طال الصمت مرة أخرى، قبل أن أكسره أخيراً بصوت خفيض: "أظن ذلك، نعم"، اعترفت.

"إذن ما الذي تريده يا كودي؟ ما الذي تريده حقاً؟"

أخذت نفساً عميقاً ونظرت في عينيه أخيراً.

اعترفت: "أريد أن أموت. في قرارة نفسي، هذا ما أريده. ما أردته دائماً. منذ البداية."

أنزلت بصري بعد أن اعترفت بذلك أخيراً. كنت مذنباً. خجلاً. كان الأمر مؤلماً. لكنني كنت أعلم أنه الحقيقي. كنت أريد الموت حقاً. ابتسم لي نيرلاتهوتب.

"نعم. ويمكنني تحقيق أمنيتك."