2.
"يا لك من طعام مقزز."
أظهرت تعابير وجهها الاشمئزاز قبل أن تأخذ ملعقة أخرى. ووضح جلياً من ملامحها أن مذاق الملعقة الثانية لم يكن أفضل حالاً من الأولى. ونظرت إلى طبقها المغطى عشوائياً بالشوكولاتة والفلفل والزبدة واللبن الرائب والمانجو والكوكايين، فوق فطيرة محلاة أصبحت غارقة لدرجة تجعل شربها أسهل من أكلها.
وقلت: "عجباً، لا أستطيع تخيل السبب."
وقطرت كلماتي بالسخرية تماماً كما تقطر الفطيرة بشراب الشوكولاتة والقيقب.
"المرء ليظن أن الفطائر بنكهة الكوكايين لذيذة حقاً."
فعلّقت بلا مبالاة: "أه، الكوكايين ليس له طذاق قوي. إنه نقي للغاية، ولا يضاف إليه جص أو طباشير لزيادة حجمه، لذا فمذاقه ليس سيئاً إلى هذا الحد."
وأخذت ملعقة أخرى وقطبت حاجبيها.
"أظن السبب في الزبدة المذابة والمانجو. الاثنان لا يمتزجان بشكل جيد."
فسألتها وأنا أقضم فطيرتي المقتصرة على الزبدة لحم الخنزير المقدد: "لماذا وضعتيهما في طبقك إذن؟"
وكان مذاقهما رائعاً.
فأوضحت ببرود وهي تأخذ قضمَة أخرى: "أردتُ لمذاقها أن يكون سيئاً."
وظهر الامتعاض على وجهها، لكنها أجبرت نفسها على مواصلة المضغ قبل أن تبلعه أخيراً.
وقلت عابساً وأنا ألوح بشوكتي: "هذا يبدو عذراً واهياً. لا بأس في الاعتراف بالأمر، أنتِ فاشلة في اختيار الطعام. لا تقلقي، لن أُصدر حكماً عليكِ."
فنفت بضحكة خفيفة وهي ترفع رأسها عن الطبق: "ليس عذراً واهياً. الطعام السيئ تجربة صالحة كالطعام الرائع تماماً. ربما تبدو الأمور مختلفة بالنسبة لك، ولن ألومك على ذلك. فالبشر يبحثون دوماً عن أكبر قدر ممكن من التجارب الممتعة. هذه هي طبيعتك بعد كل شيء. لكن حين تنظر إلى الأمور من منظورِي، وأنا أعيش للأبد وأحمل بداخلي تجارب وحيوات لا تحصى، ستدرك حينها أن حتى الطعام السيئ له مكانته في العالم."
وتمتمتُ من خلال لقمة كرواسون أملأ بها فمي: "فلسفة عميقة."
وتناولت ملعقة أخرى من طبقها وبلعتها فاختنقت، وأغمضت عينيها بشدة محاولة منع طعامها من الخروج.
ولهثت قائلة: "واو. أنا أبلغ أعماقاً جديدة من سوء المذاق هنا. هذا مذهل."
وقلت بعبوس مشكك خفّ حدته حين تذوقت طبقي الخاص: "إذا كنتِ تقولين ذلك."
ولم يكن التباين ليصبح أشد بين طبقها وطبيقي.
وعرضت عليّ قائلة: "هل تريد بعضاً منه؟"
ومَدّت لي ملعقة مليئة بما يبدو كجسد أخطبوط مغطى بالشوكولاتة يتدلى من جانبها.
"أضمن لك أنك لم تذق شيئاً مثله قط."
فقلت: "عجباً، كيف لي أن أرفض؟"
وابتعدتُ عن ملعقتها كأنها مشعة، ورأيت قطرة من السائل البني تتساقط من الملعقة على الطاولة حيث كدت أتوقع أن تبدأ في الاكتواء وإذابة مفرش المائدة.
وقالت بابتسامة مبتهجة مبالغ فيها لا يُطمأن إليها: "أمتأكد؟ بعد ملعقة من طبقي، سيصبح طبقك أشهى بمراحل."
فأجبت وأنا أدفع ملعقتها بلطف بسكيني: "أو يمكنني ببساطة أكل طعامي اللذيذ وألا أموت."
ولم أجرؤ حتى على الاقتراب من تلك الفوضى بالشوكة التي أتناول بها طعامي.
وقالت بنبرة مؤدبة وهي تدفع الملعقة نحوي للمرة الأخيرة: "الأمر كله يتعلق بالتناقضات يا كودي. الحلاوة لا تبدو حلوة أبداً بلا حموضة."
ومع تساقط قطراتها مجدداً، اضطررت إلى سحب طبقي بعيداً لتجنب أي تلوث.
"شكراً، ولكن لا أودّ."
وفي خضم هذا الجدال الطفلي، دخل شخص جديد إلى غرفة الطعام. كان رجلاً قصير القامة بشعر أسود مجعد يقف على الجانبين وإلى الأعلى حتى وهو قصير كأنه تعرض لصدمة كهربائية. وبدا أنه من أصل هندي أو أوسطي، ببشرة داكنة وعينين تمسحان الغرفة بحذر. ونظر إلينا ورمى بابتسامة سريعة قبل أن تلمع عيناه لدى رؤية البوفيه، فتوجه نحوه مباشرة دون أن يمنحنا التفاتة ثانية.
فتمتمت بفضول وأنا أراقب الوافد الجديد: "أه. من يكون؟"
وهمست سوسي بفضول لا يفاجئه شيء: "أحضره المي-غو هنا، أنا متأكدة. من المثير لاهتمام أننا لسنا الوحيدين اللذين يختبران هذا المنتجع."
فعبست وقلت: "ماذا؟ هل يجلبون الناس إلى هنا بالفعل؟ أليس هذا خطيراً؟"
وفجأة بدا الكوكايين في بوفيه الإفطار أقل طرافة من ذي قبل.
وقالت بابتسامة مسلية: "ليس لي رأي يُذكر فيما يفعله المي-غو وما لا يفعلونه. لا سيما وأنني لا أملك أي رأي في السياسة أو الثقافة البشرية."
فأجبت بسرعة قبل أن تخطر ببالها أي أفكار: "حسنًا، لا مشكلة! لنبقِ الأمور على هذا النحو."
وقالت وهي تنظر مجدداً إلى الرجل الذي كان يكوم حصة وافرة من لحم الخنزير المقدد في طبقه تماماً مثلما فعلت: "تعلم، قد يكون هذا جيداً. أتريد معرفة إن كان هذا مكاناً آمنناً لإرسال الأشخاص الذين ترغب في إنقاذهم، أليس كذلك؟ هذه فرصة سانحة لمعرفة رأي خارجي."
فقلت: "لا أريدك أن تفعلي به أي شيء غريب. لا امتصاص له ولا عبث بعقله."
فدحرجت عينيها وقالت: "هناك طرق أخرى. هاك ما أقول."
وبهذه الكلمات نهضت من كرسيها وجذبتني معها بينما كانت تمشي بخطى حثيثة نحو الوافد الجديد. فلاحظنا وتجمد في مكانه بينما كان يحمل طبقاً ممتلئاً ويمد يده ليلتقط شوكة. ولم تتحرك سوى شفتيه في ابتسامة توتر.
وقالت بنبرة مشرقة تبدو وكأنها مرشوشة بالفراشات والأقحوان وبعض وحيدات القرن العابرة: "أهلاً بك!! أهلاً!!"
فانكمشت رعباً.
"كيف حالك اليوم يا سيِّدي؟؟"
فقال الرجل بضحكة خفيفة: "أه. أمم. أنا بخير، شكراً لك."
والتقط الشوكة ووضعها في طبقه بينما كان يختلس نظرة سريعة إليّ ثم يعود إليها، منتظراً أن نتحدث.
وتألقت بابتسامة مزيفة كأنها مأخوذة من إعلان معجون أسنان: "رائع!! نحن نعمل في هذا المنتجع الجميل وكنا نتساءل عما إذا كانت تجربتك مرضية حتى الآن!!"
فأجاب الرجل وهو يبتسم ويومئ: "أه. نعم، نعم. مرضية للغاية، أعني، جيدة! جيدة جداً!"
وبدا مرتاحاً حين قالت إننا مجرد عاملين هنا.
وقالت وهي تحثه بتلطف وتنتظر إجابته دون أن تتغير ابتسامتها: "أي شكاوى؟؟ أو مشكلات؟؟ لا تخف من إخبارنا!!"
فأجاب وهو يبتسم ويشير إلى الطاولات: "لا، لا. كل شيء جيد. لديكم إعداد إفطار رائع! لم أتناول طعاماً بمثل هذه الجودة في حياتي من قبل."
وانجذبت عيناي نحو صينية الكوكايين، لكنه لم يلاحظها على ما يبدو.
فسألته مباشرة: "ماذا كنت تعمل قبل مجيئك إلى هذا الفندق؟"
فبدا مذهولاً ثم ابتسم بخجل قبل أن يجيب: "أه، حسناً. اسمي راشد، و..."
ابتلع ريقه قبل أن يتابع: "في الواقع، أعمل موظف متجر. وقد حظيت بالفوز بجائزة في مسابقة منحتني إقامة مجانية في هذا المنتجع، لذا... هكذا تمكنت من المجيء إلى هنا."
وابتسم باعتذار متجنباً النظر في أعيننا: "أفترض أنني أبدو كالسمكة خارج الماء هنا."
فابتسمت وقالت وهي تمنحني نظرة معبرة: "واو، تهانينا على الفوز بالجائزة!! أليس هذا رائعاً??"
وشعرت بوخزة من الذنب حين رأيت مدى حرجه وارتباكه.
وسألته بنبرة ألطف: "وهل تستمتع بإقامتك هنا؟"
فأومأ مرة أخرى مختلساً نظرة سريعة إلينا: "لم أزر مكاناً بهذا الفخامة من قبل. كل هذا الطعام؟ وغرفة النوم؟"
وأطلق ضحكة متوترة.
"المؤسف حقاً أن الجائزة كانت لشخص واحد فقط. أشعر بقليل من الذنب لأعيش هذه الحياة الرغيدة هنا لبضع عياد بينما كل من أعرفهم في الوطن. ليس الأمر كأنهم يعيشون في مكان سيئ، لكنه ليس... هكذا."
وأشار إلى غرفة الطعام الكبيرة المليئة بأدوات المائدة المزخرفة والمزهريات والديكورات الأنيقة.
فسألته دون حتى أن أهتم بطريقة تبديلي: "أأي عائلة في الوطن؟"
وإذا ظن أنني متطفل، فلم يُظهر ذلك.
"صديقة لي. ليست علاقة وثيقة جداً، لكنني أتمنى لو كانت هنا."
وابتسم وهدئ توتره قليلاً وهو يطيل النظر إلى الأفق.
"تمنت لو استطاعت المجيء معي. بحثنا تكلفة إحضارها لكن استطاعتنا المادية حالت دون ذلك. في النهاية، طلبت مني خوض التجربة. وقالت إنني بحاجة إلى الاستراحة."
وتسللت ابتسامة سعيدة صغيرة إلى ملامحه وهو يتكلم.
فأجبت بابتسامة متعاطفة: "هذا مؤسف حقاً. أتمنى أن تستمتع بإقامتك بغض النظر عن ذلك."
وتمنينا له التوفيق وودعناه فتوجه إلى طاولة ليتمتع بطعامه الذي أصبح فاتراً على الأرجح. وما إن صرنا خارج مدى سماعه حتى تخلصت سوسي من قناع البهجة المزيف واستبدلته بابتسامة خונور.
فقلت لها قبل أن تتمكن من التشفي: "حسناً، أقر بذلك. إنه يبدو سعيداً حقاً هنا."
ولم تزدد ابتسامتها إلا اتساعاً.
وأردفت: "ومع ذلك، قد يكون الأمر مجرد غسيل عقول. لا ندرك إن كان سيظل سعيداً بعد العيش هنا لبضع شهور."
فصمتت وواصلت الابتسام بهدوء مستفز.
وسألت محاولاً تغيير الموضوع: "على أي حال، كم عدد النزلاء الآخرين في الوقت الحالي؟"
فاختفت ابتسامة أخيراً واكتست ملامحه بالتفكير.
"في الواقع لا أعلم. لمَ لا نسأل المي-غو الذين يدرسون هذا المكان؟"
فقلت وعيناي تمسحان الغرفة: "لم أُرَ أياً منهم بالجوار. انتظر. أهوَ المي-غو من طبخ كل هذا؟"
ونظرت إلى صواني بوفيه الإفطار وتخيلت كائناً من المي-غو يرتدي قبعة طاهٍ بيضاء ويقلب الفطائر في مقلاة حديدية. واستعصى العقل عن استيعاب الفكرة.
وردت سوسي بضحكة خفيفة وهي تجرني من يدي: "تعال، دعني أريك شيئاً."
وقالت وهي تجرني نحو أحد الجدران. ولم تبطئ سرعتها بل عبرت خلال الجدار، لا بطريقة رجل الإعلانات الشهير، بل كأنه طيف اخترق الجدار وكأنما لم يكن موجوداً من الأساس. ولم يكن موجوداً. من الصعب وصف ما أصاب إدراكي في تلك اللحظة، وأقرب ما أستطيع تفكريه هي تلك الصور ثلاثية الأبعاد التي يتعين عليك التحديق فيها حتى تظهر صورة وسط الضوضاء، كخداع بصري أو خدعة ضوئية. لم يكن الجدار موجوداً قط.
واسترجعت ذكرياتي فأدركت أن الجدار لم يكن موجوداً البتة. وكانت غرفة الطعام طبيعية تماماً، باستثناء أنها تخلو من أي جدار في أحد جوانبها. وما كان خارج الغرفة... كان كهفاً هائلاً اتسع لدرجة جعلت جدارها البعيد يشبه جبلاً يتلاشى في الظلام العلوي، بطوابق متعددة مصنوعة من مادة إسفنجية متصلة بمنحدرات وأعمدة مصنوعة من العظم والخشب والأنسجة واللحم. وكان الكهف يعج بالمي-غو الذين يتحركون ويطيرون جيئة وذهاباً كالحشرات.
وتكدس آخرون فوق تراكيب غريبة. وكل شيء صُنع من مواد حية، عظام ولحم، إضافة إلى الخشب وحتى ما بد كأنه فطريات. وبد بعضه حياً. وملكت أعداد غفيرة منها مجسات تتداخل مع شعيرات المي-غو، رغم أنني لم أستطع تخمين الغاية من ذلك. والانتقال من فندق عادي المظهر إلى هذه البيئة الغريبة تركني عاجزاً عن الكلام للحظة، وجرتني سوسي دون معارضة إلى داخل الكهف، فمشيت على أرض غريبة متجاوزاً أشياء عصية على الفهم ومحاطاً بمي-غو يتفرّقون بجنون لدى اقترابنا.
لقد خافوها.
فأوضحت سوسي وهي تمشي بهدوء أعمق في الكهف: "تكنولوجيا المي-غو. تحجب إدراكك لشيء ما، أو غياب شيء ما في هذه الحالة."
والتفتت برأسها نحوي وابتسمت.
"أحب تسميتها «الجدار الرابع» لكن قد يكون ذلك تحيزي المسرحي."
وتركت يدي واقتربت من أحدها، وما إن فعلت حتى انفجر رأسها كالألعاب النارية مزهراً عن حشود مجسات تشبه رأس المي-غو. وتموجت وتواصلت مع أحد المخلوقات، دون أن تفوت خطوة وهي تقترب منه بلا عيون ترى طريقها. وكان مزعجاً رؤيتها في جسد بشري بلا رأس، بل بمئات المجسات الصغيرة التي تتلوى بجنون وهي متصلة بعنق بشري. فالتفتت ونظرت إلى الفندق بحثاً عن مألوف. وأعاد إلى ذهني حوض نمل امتلكته ذات مرة.
وفيه ترى الأنفاق التي صنعها النمل في مستعمرتها، بمختلف غرفها وبيضها مرئية بوضوح عبر الزجاج الذي يغطي الجوانب. كان هذا حوض نمل بشرياً. غرف مكدسة بعناية فوق بعضها، وتمتد طوابق فوق طوابق. ولم تملك أي من الغرف الأخرى جداراً في أحد جوانبها، مما يسمح لأي شخص بالخارج برؤية ما يحدث داخل الغرف بحصانة متلصصة. وكانت غالبية الغرف، لاسيما في الطوابق العليا، فارغة، بيد أن بضعة مستأجرين شغلوا الطوابق السفلى.
وتجاهلوا تماماً الجدار المفقود وهم يؤدون أنشطتهم الاعتيادية. ورأيت راشد ينهي وجبته. ورأيت نزلاء آخرين مستلقين على السرير أو يعملون على حاسوب محمول. بل ورأيت رجلاً يستمني وهو ينظر إلى حاسوبه. وكل ذلك عرض واضح لمئات المي-غو في الكهف. وكل شخص في غفلة مباركة، عرضة للخطر وتحت رحمة الك المخلوقات الغريبة المحيطة بهم دون علمهم. والتفتت فرأيت ولفي، الدمية الجوربية الصفراء، مجدداً على ذراعها.
وما زال رأسها يعج بالمجسات المتعددة، لذا تولى ولفي الكلام: "أه، يبدو أن الأشخاص الإضافيين كانوا لمصلحتنا. اعتقد المي-غو أنك ستكون أكثر سعادة بوجود صحبة. هه، حدس صحيح ولكن في وقت خاطئ."
فالتفت لأقول: "أه. أنت مجددأ."
ولم أستطع حتى استدعاء الغضب أو المفاجأة بعد الآن. وبالمقارنة مع ما رأيته للتو، بدا هذا طبيعياً كشروق الشمس. وطبيعياً كقهوة الصباح.
"نعم. وأعلم أنك لابد منزعج بشأن مسألة الجدار المفقود. لكن عليك أن تنظر إلى الأمر من منظورهم. إنهم مهتمون بالبحث والفهم، ومفهوم الخصوصية ليس حتى كلمة في لغتهم. حسناً، لا يملكون كلمات من الأساس، لكن... على أي حال. المغزى هو..."
قلت متجاهلاً الدمية وموجهاً اهتمامي نحو الفندق دون الجدار الرابع: "لا بأس، لست غاضباً."
"حقاً؟"
أمالت الدمية رأسها بفضول. فنظرت إلى النزلاء. وكان راشد يتحدث إلى رجل آخر عند البوفيه مشيراً إلى الصينية المليئة بلحم الخنزير المقدد. وضحكا معاً. وفي غرفة أخرى كانت أم وابنتها الصغيرة تُفرغان الأمتعة، وتبحث الأم بعناية عن أماكن تضع فيها أغراضها بينما ترتضض الابنة ذهاباً وإيذاء لاستكشاف غرفتها الجديدة، وتلمس وتجرب كل شيء بفضول.
وقلت ناظراً إلى النزلاء: "يبدون سعداء بما فيه الكفاية هنا. إنه لأمر مرعب حقاً أن يستطيع المي-غو رؤية ما نفعله. يبدو الأمر كحديقة حيوان. لكن... يمكنني تقبل ذلك. إن كان هذا الثمن الذي يتوجب علينا دفعه لكي ينجو البشر، فيمكنني تقبله."
فأجابت الدمية بعد صمت قصير: "وهنا كنت أحضِّر خطاباً كاملاً لحين تذمرك. والآن نفدت مَوادي! أمتأكد أنك لا تريد التذمر ولو قليلاً؟"
فعبست وقلت: "حسناً، أريد حقاً التأكد من عدم تعرضهم للأذى. علينا مناقشة ما سيحدث لهؤلاء الناس هنا. لكنني مستعد لمنح الأمر فرصة. أهون من الموت على كوكب الأرض."
فأجاب ولفي: "هؤلاء باحثون فضائيون، وليسوا علماء مجانين. قد يقومون بتعديلات طفيفة، لكنهم مهتمون أساساً بالحفاظ على البشر ومراقبتهم. لذا لا توجد تحقيقات شرجية في خططهم."
وسكت ولفي، ومثلما ظهرت فجأة، التفتت مجدداً مجسات رأس سوسي لتتخذ شكل رأس بشري. وأزاحت خصلة شاردة من شعرها الأشقر ونظرت إليّ بتعبير جاد. وأفسد المشهد قليلاً حقيقة أنها لا تزال ترتدي دمية جوربية في يدها.
وقالت: "يسعدني أنك تحافظ على عقليتك المتفتحة."
وتراجع المي-غو الذي كانت تتحدث إليه مهرولاً.
فسألت: "انتهيتِ من حديثك؟"
ولم ترد فوراً، بل نظرت إلى الكهوف بتفكير.
"هناك شيء يجب أن أريك إياه."
"أيمكننا مناقشة أمر... مكان أبحاث الفندق هذا لاحقاً؟ وما ينويه المي-غو للأشخاص الذين يعيشون هنا؟"
"يا كودي. حين تمنيت أمنيتك عليّ، ذكرت صراحةً أنني يجب أن أساعدك قدر الإمكان في اتخاذ أي قرار، بلا أكاذيب أو إغفالات، ألم تذكر؟"
فقلت وأنا ألقي نظرة توتر أخرى على الفندق: "نعم. لماذا؟ أهناك أمر لا تخبرينني به؟"
فأجابت وهي تنظر بعيداً وتفكر في أمر ما: "أردت أن أمنحك فرصة لرؤية منشأة الحفظ هذه في أفضل حالاتها. لا شيء خبيث، مجرد انطباع أول جيد. لكن قبل أن نتحدث أكثر... هناك شيء لابد أن أريك إياه. إنه بعيد بعض الشيء، فتحملني."
وبهذه الكلمات قفزت ونبت من ظهرها زوجان من أجنحة الحشرات العملاقة. وحامت لفترة وجيزة في الهواء بينما كانت الأجنحة تئن بغضب، وتخفق بسرعة تعجز العين عن متابعتها. ثم جذبتني وانطلقنا معاً قبل أن أتمكن حتى من الصراخ من المفاجأة. وهكذا طرنا متجاوزين عدد لا يحصى من المخلوقات الفضائية وتراكيبها، من كهف إلى آخر. وطارت بسرعة اضطرتني إلى طرف الهواء المندفع عبر وجهي، ومع ذلك ظلت الكهوف ضخمة، واستغرق السفر عبرها وقتاً طويلاً.
ولم أستطع فهم بعضها، إذ تغطتها فطريات أو مجسات تتلوي يعتني بها المي-غو أو يجبرون عليها دون نمط يمكنني استيعابه. وكان كل شيء غامضاً وخارج نطاق أي شيء رأيته من قبل، وكنت ضائعاً تماماً كحيوان بري في مدينة بشرية، بكل ما فيها من ضجيج ونشاط يفوق إدراكي. وتمسكت بسوسي بقوة وهي تشق طريقها. ومع ذلك، مررنا بالعديد من الأماكن الأخرى التي فهمتها. أحواض نمل بشرية أخرى، تشبه الفندق لكنها مختلفة.
وتنوعت هندستها وثقافاتها، فكانت هناك قرية صغيرة على الجبال، ومقطع مزدحم لمدينة بأزقة ضيقة ولافتات بلغة آسيوية لم أعرفها. بل وحتى قارب، يكتمل بمحيط مزيف، وكلها في كهوف ضخمة ومستقلة قد تضم حيوات حي بأسره من مدينة مزدوجة، وقد أزيل أحد جدرانها لتسهيل وصول المي-غو الذين بدوا أكثر عدداً مما حسبت. وأدركت أن بعض هذه المناطق تضم بشراً. بشراً مختلفين من جميع أنحاء العالم، لكنهم غافلون تماماً كأولئك الموجودين في الفندق.
واضطرب عقلي لهول عدد البشر الذين قد يضمهم هذا المكان بالفعل، وأرعبتني الفكرة.
فتمتمت وأنا أنظر إلى البشر المتجمهرين في جانب اليخت الكبير حيث تبدو حفلة قائمة: "إذن... أمر الحفظ هذا. يبدو أنهم بدأوا قبلنا بكثير."
فقالت الملكة بالأصفر: "هذا المكان ليس لمصلحتك يا كودي. نحن فقط... نستغل مواردهم. سيفعلون هذا بغض النظر عن رأينا."
فسألت بصوت منخفض: "انتظر، إذن كيف يحصلون على هذا العدد الهائل من الناس... ويحتفظون بهم هنا؟ هذا ضخم للغاية!"
حيث كان أي صوت عالٍ يتردد صداه بسهولة في الكهف الهائل بينما لم يتحدث المي-غو قط. وكل ما يمكن سماعه هو نقر أقدامهم أثناء عملهم على أي شيء صلب، أو طنينهم أثناء طيرانهم في دفعات قصيرة هنا وهناك، وكل ذلك يتردد صداه على الجدران الهائلة لكل غرفة.
فعقّبت بلا مبالاة: "يزورون الأرض منذ فترة."
فسألت بعبوس: "منذ فترة؟ يزورون الأرض؟"
وصعب تصديق أن منظري نظرية المؤامرة بشأن عمليات الاختطاف الفضائي قد يكونون محقين بشكل ما.
وقالت وهي تهتز كتفيها دون أن تبطئ وتيرتنا الثابتة التي حافظنا عليها لنصف الساعة الماضية: "إنهم بارعون في التخفاء، ولم تكن لهم مصلحة في تعطيل حضارتكم."
واستغرق الطيران بين غرفة وأخرى وقتاً طويلاً، ورغم سرعتنا لم تتبد متعجلة، رغم أن وجهها بدا جاداً على غير العادة.
وفي الغرفة التالية قالت: "هذا هو المكان"، وأشارت إلى المنطقة البشرية من الغرفة التي صممها المي-غو بعناية لتشبه الأرض.
وهبطنا أمامها. وشابه هذا المكان حياً عشوائياً. وبدا مظهر المكان غريباً، كشيء رأيته في مجلة أو على التلفزيون، لكن حالته بدت مزرية بلا مجال للشك. منازل رخيصة من الطوب والمونة، وأحياناً بلا أي طلاء يغطي الأسمنت الرمادي. وبنيت على تل، لتتراكم فوق بعضها بعشوائية مع الجدار الرابع المفقود دائماً، والذي يكشف عن تصميمات داخلية خشنة لأثاث رخيص أو مكسور وأسلاك مكشوفة تمنح المنزل أي ضوء وكهرباء شحيحة يحتاجها المنزل.
وبالخارج، تراكمت القمامة في كل مكان، مسدودة مصارف الشوارع التي كانت أعمدة إنارتها مكسورة أو معطلة. وكان المشهد بأسره شاهداً على الاضمحلال والفقر المدقع للمكان، لدرجة أنه بدا مدمراً لكل ما يلمسه بطريقة ما. وكان ذلك وصفاً دقيقاً للبشر الذين يعيشون هناك: محطمون. منهكون ويعيشون بطرق لا ينبغي لأحد أن يعيش بها. فعمل بعضهم في مطابخ صغيرة ومتسخة أو نشروا ملابسه لتجف على النوافذ، بينما أحاطت بالبعض الآخر زجاجات وكانوا واضح السكر.
ورأيت كلباً نحيلاً لدرجة تجعل أضلاعه تظهر من خلال فروه، ينقب عن الطعام في كومة قمامة مجاورة بينما انكمش طفل لم يبلغ سن المراهقة بعد خلف كومة القمامة وانطوى لينام على سرير مرتجل من الورق المقوى. ولم يكن كل الناس هناك تعساء، لكن حتى أولئك الذين بدو متفائلين، يغنون أو يأكلون معاً ويضحكون، لم يكونوا سوى ومضات باهتة من الضوء وسط ظلام محيطهم. وكان للمرء أن يشعر بالصراع اليائس الذي واجهه هؤلاء الناس لمواصلة الكتال من أجل السعادة في ذلك المكان المحطم.
فقالت سوسي بنبرة هادئة: "يريد المي-غو الحفاظ على البشرية بمختلف موائلها. من الأفضل والألمع إلى الأسوأ. كل ما تقدمه البشرية."
وتجاهلتها، وما زلت أنظر إلى حوض النمل البشري، وإلى داخل منازل الناس، المرئية بوضوح حتى من بعيد. وكان الأمر مقلقاً، لمدى الرؤية التي أملكها والتي ما كان ينبغي لي رؤيتها. ورأيت رجلاً يغرز محتوى حقنة في ذراعه في منزل كئيب ومتسخ لا يحتوي سوى على مرتبة على الأرض، وامرأة بجانبه غارقة بعمق في الطريقة الوحيدة التي يمكنها بها الهروب من ذلك المكان. ورأيت بعض الأطفال، بعضهم بلا قمصان ولا يبدو أي منهم ممتلئ البطن، يضايقون طفلاً أصغر سناً برمي حذاء ذهاباً وإيابا، بينما حاول الطفل التقاطه.
ثم أرمى أحدهم الحذاء فوق سقف منزل آخر وضحكوا جميعاً، رغم أنني لم أستطع سماع ذلك. كانوا أبعد من ذلك. لكنني ما زلت أرى أن الطفل الأصغر افتقد أحد حذائه.
فقالت سوسي: "أعتقد أنه كان لزاماً عليك معرفة هذا قبل اتخاذ القرار."
فسألت: "أيمكننا... أيمكننا الذهاب إلى هناك ومساعدة هؤلاء الناس؟ إعطاؤهم طعاماً أو أشياء أخرى، على الأقل؟"
فهزت رأسها.
"لن يفرق الأمر. يمحو المي-غو ذكرياتهم بانتظام للتحكم فيما يفعلونه. وهدفهم هو الحفاظ التام على السلوك البشري."
ونظرت خلفي إلى الأحياء الفقيرة برعب صامت. ووقفنا هناك صامتين للحظة وجيزة.
وتمتمت بصوت عالٍ: "أهكذا يروننا؟ حين ينظرون إلى البشرية، أهذا ما اختاروا الحفاظ عليه؟"
فقالت بصوت حازم وهادئ، متأكدة تماماً من كل كلمة تفوهت بها: "إنهم لا يرون الأمور بالطريقة التي تراه بها يا كودي. يرون الأماكن المختلفة التي يعيش فيها البشر، والخيارات المختلفة التي يتخذونها، وكل ما يرونه هو مادة دراسية. والبحث يتطلب عينة متنوعة. أشخاص سعداء، أشخاص حزينون، أغنياء وففقراء، صغار وكبار، من أبطال ومنقذين إلى مجرمين ومعتدين، من..."
فقات مقاطعاً: "انتظر. معتدون... ماذا تقصدين بذلك؟"
فتوقف، لكنها لم تحيد بنظرتها أو تظهر أي حرج أو حتى ذرة ذنب.
فأجابت: "فكر في أسوأ ما تقدمه البشرية. إنه موجود لديهم. ربما في كهف آخر، لكنه سيُوجد هنا كما على الأرض. عينة كاملة من مواد البحث. وليس لدي أي نية لجعلك تراه. لديك صورة واضحة بما فيه الكفاية."
وأشارت إلى الحي الفقير. وأحدقت به مجدداً، وفي الوقت المناسب لمشاهدة شجار في أحد المنازل. ولم استطع سماع ما قالاه، لكن رجلاً وامرأة كانا يتجادلان ويثوران بغيض، ويرميان أشياء صغيرة على بعضهما بغضب. واستمر هذا حتى ضربها الرجل بقوة جعلتها تتعثر للخلف مذهولة، وتسقط على الأرض كدمية خاملة. وفجأة تلاشى أي رد فعل منها. وكان هناك مي-غو يعملون خارج المنزل مباشرة، خلف الجدار الرابع، ولم يلقوا لها بالاً.
وواصل الرجل الصراخ في وجهها، مهدداً إياها بينما انكمشت أكثر خوفاً. وأدركت أنه لاحقاً ستُمسح ذكرياتهم وسيضربها مرة أخرى. ومجدداً. إلى الأبد. لحظة محفوظة لمصلحة المي-غو.
فقلت محذراً وبالكاد أكبت غضبي: "لا يهم إن كانوا فضائيين أم لا، هذا خطأ."
فردت الملكة بالأصفر بهدوء: "إنه جزء من البشرية، بقدر أي جزء آخر. اللطف والقسوة. الألم والفرح."
وابتسمت ابتسامة خبيثة، لكن لم يكن فيها أي فرح وهي تردد مجدداً: "الحلاوة لا تبدو حلوة أبداً بلا حموضة."