3.
كان أخي ينتظر خلف الباب مباشرة، ذلك الباب الذي أغلقتُه بعناية. نظر إليّ بقلق لكنه لم ينطق بكلمة، تاركاً الصمت القاتم معلقاً بلا قطع بينما كان يعبث بعلبة كولا بين يديه.
قال أخيراً: "لم تسر الأمور على ما يرام".
"إذن… أنت ذاهب في رحلة الآن؟"
ترك السؤال معلقاً.
كذبت: "أجل، إنها… إنها لعمل جديد".
"يا له من أمر. إذًا، أخبرني بكل شيء عنه".
لم يبدو متحمساً، لكنه لم يكن فظاً على الأقل. حافظ على تعبير محايد بعناية بينما كان يتحدث بطريقة متقطعة، لاعباً بالخاتم الذي يفتح العلبة.
"ينطوي الأمر على الكثير من السفر. أخبرني صديق لي عن شاغر في شركة تستورد بائع من جميع أنحاء العالم. يريدون شخصاً لا ينتمي إلى الشركة ليقيس الأداء في كل فروعها…"
أطلقت قصتي المحفوظة بسلاسة بينما كنت أتأمل. من أجل أمي، دربت عليها في ذهني وأنا أمشي نحو المستشفى، محاولاً اختلاق ما يسعدها. أفترض أنه يجدر بي أن أكون ممتناً لأن القصة تجد نفعاً أخيراً.
أومأ بعناية بينما رسم ابتسامة مهذبة لم تصل إلى عينيه: "يا له من أمر. تبدو وظيفة جيدة".
هززت كتفي، غير متأكد إن كان يصدقني أم لا: "لكن للأسف عليّ الذهاب الآن. إنه منصب عاجل، وربما لا أحظى بفرصة أخرى".
بئر مسمومة أخرى هناك، الكثير من الأكثار والأسئلة اللاذعة بينهما. أقرّ بأن الكثير منها كان خطئي.
"حسنًا. هل سيكون لديك وقت؟ للعودة؟ كما تعلم، تحسباً لوقوع شيء".
التفت برهة نحو الباب، ثم أعاد نظره إليّ.
"لا، آسف…"
جاء دوري لأشعر بالحرج وأشيح بوجهي.
"سأكون مشغولاً للغاية في كل دولة وسيسعب التواصل مع أي شخص. قد أرسل رسالة إلكترونية هنا وهناك، لكن… لا وعود".
طرفَت عيناه، كاشفتين لفترة قصيرة عن أثر شعور تلاشى بالسرعة نفسها.
قال: "أمر غير مريح".
"أجل، آسف لتركك هكذا في مأزق".
لوح بيده مستخفاً: "كنت مستعداً لرعايتها وحدي. إن اضطررت. حسنًا… أنا أعرف كيف تتوافقان أنتما الاثنين".
لم أدرِ كيف أرد على ذلك، فوقعنا في صمت بينما تجنب كل منا النظر إلى الآخر. يدل الأمر على شيء ما حين يظل أخي هو فرد العائلة الأفضل وفاقاً معي.
سأل: "هل تحتاج إلى مال؟ للرحلة؟"
قلت محتفظاً بالراحة لتغيير الموضوع: "لا، لا. لا تقلق بشأن الأمر. كل شيء مدفوع".
قال وهو يرتخي بهدوء بينما حافظ وجهه على التعبير المحايد نفسه: "هذا جيد".
لو قلت إنني أحتاجه، لساعدني. ربما مع بعض التأنيب، لكنه كان دائماً سنداً لي. لتبتئس الأمور، قطعت خطوتْين لأقترب منه وأعنقه، بتلك الطريقة المحرجة التي يعانق بها الرجال بعضهم حين تقتضي الضرورة. الرأس بعيد بينما تتوالى التربيتات القوية على الظهر للحفاظ على الرجولة عند إظهار المودة.
قلت: "اعتني بنفسك يا رجل. شكراً لكل شيء".
وبادلني ببعض التربيتات المحرجة على ظهري.
أجاب: "أجل. ابق على تواصل. حين تعود".
حين أعود. بعثت تلك الكلمات رعشة كريهة في نفسي، مذكرة إياي بما سيحدث بعد أكثر بقليل من عام.
"هَي، أنتوني، استمع…"
انفصلنا عن الععانق لكنني ما زلت أمسك بكتفيه ناظراً في عينيه مباشرة محاولاً التفكير في طريقة أقنعه بها بأهمية كلامي. لكن كيف لي أن أخبره أن العالم قد ينتهي قريباً؟
قلت له: "انظر. قد تصبح الأمور قاسية في العام القادم. لم تسمعها مني، لكن ربما تندلع… حرب. تندلع العام القادم".
اتسعت عيناه لكنه صمت ولم يعارضني أو يسألني، وكنت ممتناً لذلك.
"لست متأكداً، قد أكون مخطئاً. آمل أن أكون مخطئاً، لكن… احتياطاً؟ احرص على الاستمتاع بهذا العام القادم قدر الإمكان، اتفقنا؟ اذهب في رحلة في عطلة نهاية الأسبوع إن اضطررت. أعرف أن الأمر سيكون قاسياً"، عادت عيناها لتتجه نحو باب غرفة المستشفى حيث ترقد أمي.
"لكن اعتني بنفسك. أتعاهدني؟ أرجوك؟"
أطلق ضحكة متوترة، لكن عينيه كانتا جادتين، تبحثان فيّ عن أي أثر لكذبة أو مزحة. بعد لحظة صمت أومأ.
"حينئذ. اعتني بنفسك أنت أيضاً".
لم أدرِ كم صدقني، لكن تلك الإجابة ستكفي. تبادلنا الوداع وغادرت، مراقباً أبواب المصعد وهي تغلق وسط تنهيدة امتزجت فيها الراحة بالأسدم. هبط المصعد محدثاً ضجيجاً في طريقه إلى الطابق الأرضي، مقلاً المرضى والعائلات في الطريق. بحلوها أو مرها، ودعت أمي وأخي. لكن عقلي أبى أن يترك الأمر وشأنه، وأثناء خروجي من المستشفى ترددت، ثم أخرجت هاتفي النقال من جبي وأوجدت رقم سوزي.
سألت بصوت مبتهج كالعادة: "هَي! كيف سارت محادثتك؟"
رددت عليها: "أعليّ إخبارك أم أنك تعلمين بطريقة ما؟"
سمعتها تضحك عبر الهاتف.
أجابت بلا أدنى ذرة خجْل: "أجل، أعلم أنها سارت بشكل سيئ. كنت مهذبة فحسب".
عبست: "أجل، بالطبع تعلمين. كيف يحدث هذا أصلاً؟ قراءة الأفكار؟ الاختفاء؟"
ضحكت: "ما أنا، بطل خارق؟ إنها الخبرة فحسب، كودي. الكائنات الحية هي الماء الذي أسبح فيه والطين الذي أشكله. حتى بدون امتصاص عقولهم، يمكنني التنبؤ بك جيداً".
قلت بسخرية: "هذا مفيد حقاً. إذن يمكنك الإجابة عن سؤالي دون أن أطرحه حتى، أليس كذلك؟"
تهكمت بنبرة إحباط في صوتها: "لن أتنبأ بكل حركة تقوم بها. هذا ممل فحسب، لا تذهب في هذا الاتجاه حتى. أخبرني بما تريد، كودي".
أفلت الكلام من لساني قبل أن أستطيع إيقافه: "أيمكنك جعل أمي أفضل؟"
كاتماً أنفاسي، انتظرت بصمت لترد.
"إذا كنت أتذكر جيداً، كانت أمنيتك أن أساعدك في إنقاذ البشرية جمعاء، همم؟ كانت هناك مجموعة من الشروط والقيود السخيفة، لكن الخلاصة هي أنني ملزمة بمساعدتك في إنقاذ العالم. أأنا على حق؟"
كانت نبرتها هادئة، تداعبني بترك السؤال معلقاً.
سألت بلا مبالاة: "أهذا نعم أم لا؟"
لكنها لم تبتسم سوى ضاحكة.
ضحكت: "كودي! بناءً على أمنيتك، عليّ أن أكون صريحة معك فقط عندما يتعلق الأمر بإنقاذ العالم. خارج ذلك، لا أدين لك حتى بكلمة صباح الخير. إذن، هل سيساعد شفاء سرطان عجوز ما بطريقة ما في إنقاذ العالم؟ ما رأيك في ذلك؟"
تنهدت شاتماً في سرّي: "حسنًا، انسا أنني قلت شيئاً".
"لماذا تهتم أصلاً؟ من صوتك إلى أفعالك، يقول كل شيء أنكما لا تتوافقان. لماذا تكبد العناء؟"
"ألا تعرفين الإجابة بالفعل، أيتها الكائنة العظيمة التي لا تُنطق؟"
جاء ردها كالعادة غير مبالٍ، لكن هذه المرة بلا أي نبرة مداعبة أو ضحكة، مما أصابني بالذهول حتى صمتّ للحظة.
سألت: "حقاً؟"
بدت منزعجة: "نعم! ليس لدي أدنى فكرة عن سبب تكبدك عناء إبقاء شخص على قيد الحياة لا تحبه، ولا يحبك بدوره، ولا فائدة تُرجى منه بالنسبة لنا".
وتسللت مسحة مرح إلى نبرتها وهي تتابع: "لستُ كليَّ العلم، كودي. إذن، أنر بصيرتي. لماذا تريد لها أن تعيش؟"
أوقعني سؤالها على حين غرة فصمتُّ، مصارعاً الرد.
غامرت بالقول: "لأنه التصرف الصواب؟"
أصرّت: "لماذا هو التصرف الصواب؟"
شعرت بفيض من الغضب لتنقيبها المستمر، تحول إلى شلل مشوش إذ وجدت نفسي، مجدداً، عاجزاً عن الإجابة.
اعترفت: "لا أعرف السبب. أنا… لا أعرف حقاً. لا أعرف لماذا أريد أن أنقذها".
وكان ذلك صحيحاً. لقد كان لغزاً، للملكة في ثوبها الأصفر ولي أنا أيضاً. أطلقت ضحكة عميقة رداً على ذلك، تتعارض تماماً مع ردي الهادئ.
"مثل هذه الألغاز هي ما يجعل الحياة ممتعة، أليس كذلك؟"
"أياً يكن".
وبّختني: "أوه، لا تبتئس. ها قد تم الأمر".
تخطي قلبي نبضة: "ماذا؟ تعنين… يمكنك شفائها؟"
قالت بنبرة ممطوطة ومسلية: "لقد فعلتُ. باتت أمك خالية من السرطان الآن. تهانينا! يمكنك إخبارها بالخبر السعيد بنفسك، إنช شئت. أو ربما يمكنك التظاهر بأنك معالج روحاني؟ ضع يديك على جبينها، وتمتم بمجموعة من الهراء المجنون ثم اضحك حين يعلن الأطباء أنها شفيت. قد يكون ذلك مسلياً"، وأعقبت اقتراحها بضحكة أخرى.
عبست: "سأتخلى عن الأمر. ستكتشف الأمر بنفسها قريباً من الأطباء".
بدت خائبة الأمل لكنها لم تفاجأ: "أنت لست ممتعاً. إذن، منحت أمك عاماً إضافياً لتتذمر منك قبل أن تموت ألماً على أي حال. كيف تشعر؟"
نظرت إلى المستشفى الأبيض الشاهق ورائي، وغرفه الممتلئة بالمرضى والأطباء، الأحياء والأموات. لم أستطيع حتى تحديد الغرفة التي تخص أمي من هنا. استغرقت وقتاً للرد وأنا أتأمل إجابتي.
"لا أشعر بشيء على الإطلاق".
* * *
"أهلاً بك في ميلديل"، قرأت اللافتة، ورفع حاجبها بتهكم.
كانت اللافتة محفوظة جيداً رغم قِدمها، لكن البلدة الصغيرة خلفها لم تبدو مرحبة البِتّة. هيمنت المصانع والمباني المربعة والرمادية على نصف البلدة، بينما تكون النصف الآخر من منازل بسيطة، بطابق أو طابقين، تفصل بينها أسوار وباحات خلفية واسعة بدرجات متفاوتة من الاهتمام أو الإهمال. رغم الانطباع الأول، لم تكن البلدة سيئة إلى هذا الحد. بغض النظر عن بعض الكتابات على جدران المصانع أو العشب المهمل، كانت البلدة نظيفة دون أن تكون جذابة.
كانت السيارات تسير ببطء في طرقات شبه خالية بينما كان دخان مداخن المصانع يذوب برقة في ضباب المساء. وهناك سوبرماركت وحيد في وسط البلدة.
قلت لسوزي وأنا أنظر إلى البلدة، ملاحظاً ما تغير وما بقي على حاله في غيابي: "هذه هي المحطة الأخيرة قبل أن ننطلق لإنقاذ العالم".
أجابت وكأنها تستمتع بوقتها: "هَي، هذا عرضك. إذن أخبرني، من سنزور هذه المرة؟"
تابعت محاولاً الحفاظ على تعبير وصوت محايدين: "كانت هذه بلدتي الأم. شكراً لإحضاري إلى هنا، لكن يمكنك التخلف عن هذه أيضاً. سأتصِّل بك حين أفرغ، لن تستغرق الأمر سوى بضع ساعات".
أجابت.
لا يزال صوتها لطيفاً، وما زالت تبتسم، لكن بطني هوى رداً على كلامها: "لا. أظن أنني سأذهب معك هذه المرة".
هززت كتفي بينما بحث عقلي بهدوء عن أي شيء، أي شيء يمكنني استخدامه كحجة أو إقناع لجعلها تغادر: "أمتأكدة؟ ربما يكون الأمر مُملاً للغاية".
سألت، مخترقة أفكاري كقرش عبر أسراب السمك: "لماذا أنت حريص جداً على الذهاب وحدك؟"
وحين التفتت إليّ، كانت لا تزال تبتسم بلطف وكأن شيئاً لم يكن. بالطبع استنتجت الأمر.
"أنا هنا لرقى صديق قديم. حقاً… أود ألا أُزعج".
كان صوتاً مهذباً لكنه حازم.
أجابت: "همم… لا".
"عفواً؟"
نظرت إليّ بابتسامة اتسعت واتسعت.
لمعة جنونية في عينيها الواسعتين حين ردت: "لا. لن يتم الاتصال بي وإرسالي كخادم رخيص بينما تفعل ما تشاء. أود تذكيرك بأن أمنيتك أجبرتك على مساعدتي في إنقاذ البشرية فحسب. وإحضارك إلى هنا كان معروفاً. وتركك وحدك لتدردش مع صاحبك؟ هذا أيضاً من اختصاصي. إذا أصدرت أمراً بأنني ذاهبة معك، فسيكون الأمر كذلك".
تطلع كل منا إلى الآخر، أنا بخوف قلق، وهي بابتسامة مجنونة تُظهر الكثير من الأسنان. ثم اختفت ابتسامتها فجأة وهي تهز كتفيها.
وقالت: "بجدية رغم ذلك؟ أنا ملانة فحسب".
بعد توقف متردد، رددت بحذر: "حسنًا. ليكن. لكن بلا سخافات كأن تطلق على نفسك لقب صديقتي أو تعبث معه، اتفقنا؟ إنه صديقي، بل أكثر من ذلك، إنه أحد أقرب الأشخاص المتبقين لي. أرجوك… أرجوك. امنحني هذه الفرصة الوحيدة لأقول وداعاً".
أمالت رأسها دون أن تببس بكلمة. ثم، بعد أن بدا أنها توصلت إلى قرار، أغلقت عينيها وتغير جسدها. نما فجأة بضع بوصات وتغير شكل وجهها بطقوس دقيقة. وفي لمح البصر، طرفَت أمامي، لتبدو كَرَجُل بشعر أشقر طويل وقذر ولحية شعثاء تحت ذقنه. وكان الوجه لا يزال مطلياً بمكياج مسرحي، شبيه بمكياج الممثل الصامت. وبعد ابتسامة وقحة، تلاشى المكياج في وجهه وقصر الشعر ونظف. وبصرف النظر عن القميص ذي القلنسوة الأصفر، بدا عادياً بما يكفي ليندمج بين الحشود.
غمز بوقاحة واضعاً يديه في جيبي قميصه ذي القلنسوة: "صديق شاب سيثير شكوكاً أقل من صديقة شابة! الآن أنا مجرد شاب من الشبان!"
رددت بأكثر نبرة مشبوهة وأقل ودية أستطيع حشدها: "صديق؟"
أجاب الملك في ثوب أصفر، مبتسماً ببراءة: "ماذا؟ أتفضل أن نتظاهر بأنني حبيبك؟"
وزمّ شفتيه ساخراً مني.
رددت ونبرتي باردة تكفي لتُبقي الحليب طازجاً لأسبوع: "لا تختبر حظك".
فضحك رداً على ذلك.
"إذن سنكون رفقاء! هيا، سيكون الأمر رائعاً!"
بدأ يمشي بحماسة باتجاه البلدة قبل أن يتوقف ويلتفت إليّ. لم أكن قد تحركت من مكاني.
سأل: "ماذا؟"
طلبت بصوت هادئ: "اعدني بأن تتصرف بتعقل".
ضحك مجدداً، تناقضاً مع وجهي الذي كان جاداً وكئيباً تماماً، مختلفين كالليل والنهار.
قال رافعاً ذراعيه ليُظهر يديه مفتوحتين في لفتة سلام: "أقسم يميناً مغلظة بأن صديقك لن يلاحظ أي خطأ فيّ قط".
وأفسد الأثر ابتسامته المشاكسة.
تمتمت معترفاً بالهزيمة: "فقط لا تقل «ما الذي قد يسوء»، هذا كل ما أطلبه".
وبدأت أمشي نحو البلدة بينما واكب خطاي بجانبي.
أجاب الملك في ثوب أصفر: "هَي، أنت من قلتها، لست أنا!"
كانت الشمس تغرب الآن فوق ميلديل، ملطخة السماء بتدرجات الحمراء وسط ضباب المساء. كان المصنع أمامي يشبه رفاقه، مبنياً مربعاً يحيط به سياج شبكي وموقف سيارات واسع. وكانت شاحنات نقل ضخمة متوقفة بجانب المبنى، بينما تناثرت سيارات الموظفين قرب المدخل، حيث كان حارس أمن يرمق بنعاس المغادرين. كان الموظفون يتسللون للخارج، مرتدين جميعاً ملابس وأحذية باهتة ورخيصة. وبين هؤلاء رصدت صديقي، ماركوس، الذي انتعش حين لاحظني.
لوح بيده فشعرت بقلبي ممزقاً بمشاعري المختلطة. الحنين، الخوف، الفرح، الكآبة.
ابتسم بمرح، مطلقاً نظرة على الرجل بجانبي: "هَي، كودي! كيف حالك؟"
أجبت بصحة تقنية: "مررت بأيام أفضل. لكنني سأكون بخير".
وأردفت كذبة بيضاء: "ماذا عنك؟ كيف الحياة؟"
ضحك: "أعمل كالكلب كل يوم. لكن كما تعلم… أنجو".
ورغم كلماته المتواضعة، لم تفارق الابتسامة وجهه. ورغم لحيته الخفيفة ووجهه المتعب، احتفظ بالبهجة المُعدية نفسها التي أعادت ذكريات جميلة كثيرة.
"هَي! لقد كنت متحمسًا حين أخبرتني أنك مارّ من هنا. ما الذي يعود بك إلى هنا؟"
ابتسمت رغماً عني: "همم. أذهب في رحلة وأردت التحدث معك قبل المغادرة. كان لا بد أن أتي لأزعجك للمرة الأخيرة".
أومأ، ثم نظر إلى الملك في ثوب أصفر، الذي تقدم وصافحه بابتسامة ودية: "هَي يا رجل. سمعت الكثير عنك. اسمي راندال".
أجاب صديقي: "ماركوس. أمور جيدة، آمل؟"
"أنك ظللت صديقه الأقرب، وأنه اعتاد العيش هنا من قبل. متى انتقلت على أي حال؟"
وجه هذا السؤال الأخير إليّ. ترددت، باحثاً عن فخ محتمل، لكنه بدا سؤالاً مشروعاً.
"وُلِدت هنا، في الواقع. غادرت أنا وعائلتي قبل سبع سنوات".
سأل الملك في ثوب أصفر، الملقب بسوزي: "واو، وما زلتما صديقين، حتى مع العيش بعيداً هكذا؟"
كان الأمر غريباً للغاية، رؤيته (أو رؤيتها) يتصرف بمثل هذه الطبيعية.
قال ماركوس بابتسامة ساخرة: "مَسنجر ساعد. وفيما بعد فيسبوك. لكن مرّ وقت طويل منذ أن زرتنا! علينا الاحتفال بهذا!"
أشحت بوجهي حرجاً: "آه… إنها زيارة سريعة فحسب. عليّ الذهاب قريباً. أود إجراء حديث جيد معك قبل أن أرحل، هذا كل ما في الأمر".
لاحظ ماركوس حذري فأصرّ: "يمكننا الذهاب إلى «الكلب الأسود»، ذلك البار الذي ذهبنا إليه آخر مرة زرتنا فيها، أتذكر؟ هيا! علينا قضاء ليلة خارج المنزل قبل أن ترحل".
أومأ راندال قبل أن يلتفت لينظر إليّ بانتظار: "يبدو جيدا لي".
جعلني هذا غير مرتاح. كلما قلّ الوقت الذي يقضيه صديقي مع ذلك الوحش كان أفضل، خاصة حين بدا حريصاً جداً على قضاء الوقت معنا.
تساءلت: "ألن تمانع زوجتك إن ذهبت مباشرة من العمل إلى البار؟"
ابتسم محركاً حاجبيه وكأنه يشاركنا سرا: "سأتصل وأخبره أنني سأقضي ليلة للرجال. مسموح لي".
ثم التفت إلى راندال وقال: "آف، لا أدعوكم أنتم الشباب للعشاء. لدي طفلة رضيعة، ومع أنني أحبها كثيراً فوقت العشاء في المنزل… همم. ليس الأكثر استرخاءً. نحن أفضل حالاً في بار، صدقني".
قلت محاولاً أن أكون ودوداً دون خيانة مشاعري: "لا، أنا أفهم. يمكننا المرور لتناول جعة سريعة قبل السماح لك بالعودة إلى عائلتك. لا تقلق".
بالتأكيد لم أكن أريد الملك في ثوب أصفر بالقرب من عائلته… اللعنة، لم أفكر في ذلك حتى.
"لا، لا! أصرّ على أن نجعل من هذا ليلة خارج المنزل! ليس كل يوم تأتي فيه إلى البلدة. بجدية، دعنا ندردش حتى نثمل لدرجة ننسى ما تحدثنا عنه".
ضحك. كان يطرق على هاتفه النقال أثناء حديثه، ورغماً عني، ابتسمت بدوري. لم أستطع منع أمل معين من التسلل إلى داخلي. أمل خطير ويائس لم أستطيع طرده، بل تمسكت به بيأس حتى وأنا أخشى أن يُدمر. أمل بأن تنتهي هذه الليلة على خير.