نهاية عالم أخرى لا أكثر الفصل 12 — الانسحاب من جهة اليسار - اثنان

اقرأ نهاية عالم أخرى لا أكثر الفصل 12 — الانسحاب من جهة اليسار - اثنان باللغة العربية على مانجا تايم.

2.

سألت سوزي، تلك المسوخ الجماعية، وهي تقفز مرحاً في الطريق من دون ذرة قلق أو حزن على وجهها، في عكس تامّ لحالتي: — إذن، من نودع في المرة القادمة؟ تمتمت: — عائلتي. بما أنني سأغيب طويلاً، رأيت أن هذا هو الصواب. كانت قدميَّ تجران على الرصيف وأنا أتخلف خلفها. التفتت إلى الخلف وأمالت رأسها باسترشاد.

— تبدو وكأنك مساق إلى حتفك — مازحت.

— لست متحمساً لهذا — تمتمت.

— إذن…

لم تفعل ذلك إذن؟

— سألت وهي تمشي بجانبي ويداه خلف ظهرها.

أجبت: — لأن المرء أحياناً يفعل أشياء لا يحبها. مثل طلب المساعدة من المخلوق الذي قتل حبيبتك.

— هل تكره الأمر إلى هذا الحد؟

حقيقة أنني أساعدك؟

— سألت وهي تضم شفتيها بتعبير تشكيكي.

نظرت إليها وتنهدت: — ليس عليّ أن أحبه. طالما أننا سنقذ البشرية، فهذا هو الأهم. ضحكت بخفة: — ربما عليك أن تعتاد الأمر. نحن عالقان معاً حتى يتحقق أمنيتك. لا تتردد في إلغاء الأمر مبكراً، إن كنت تريد ذلك. قلت وأنا أنظر إليها بريبة: — مثل جنيّ مشوه تماماً… في الواقع، لماذا تهتمين إلى هذا الحد بتحقيق أمنيتي على أي حال؟ سألت وهي تبتسم بتسلية تجاهي: — هل ستتذمر حين يحقق لك أحد أمنياتك؟

كالعادة، لم يكن شيء مما أقوله يزعجها. أجبت: — لا. لكن الحذر واجب من… كائن لا أستاد حتى كيف يساعدني مجاناً. لقد ذكرت شيئاً من قبل عن مقابل لخدمتي… ما قصة ذلك؟ أجابت ببساطة وهي تملي بصرها نحو الأفق: — كنت جزءاً من المسرحية.

— مسرحية القتل الخاصة بك في المسرح؟

تلك التي نجوت منها؟ قالت وهي تبتسم بتهكم: — ونجوت أنا وحدي لأخبرك. من المهم ترك شخص حيّ ليروي الحكاية. نظرت إليها بغضب ورعب.

ما زلت أتذكر تلك "الحكاية"، الصراع اليأس من أجل البقاء، الناس الذين يصابون بالذعر ويتقاتلون قبل أن تُشق أعناقهم على خشبة المسرح، والجثث التي تُلقى كالقمامة بعد تصفية دمائها.

لو أغمضت عيني، لتمكنت حتى الآن من تخيل ملامح وجه الممثلة بوضوح قبل أن ألقي عليها علبة طلاء، مما جعلها تهوي من ارتفاع خمسة وعشرين متراً على وجهها فوق خشبة المسرح الخشبية. تجمدت معدتي بتعاطف عصبي مع تلك الذكريات الحديثة. قلت والسم يقطر من كلماتي: — مجموعة من الناس قتلوا بعضهم البعض. والنهاية. آسف، لكنها قصة سيئة. قالت وهي ترفع كتفيها وتنظر بعيداً: — الناس نقاد بطبعهم.

سألت وما زلت غير مقتنع: — لماذا هذا القدر من الأهمية لأن أنجو لأروي الحكاية على أي حال؟ نظرت إليّ ورسمت ابتسامة خفيفة وبعيدة، بعيدة كل البعد عن سائر ابتساماتها الساخرة: — لذكرى كاركوسا. توقف حديثنا بوصولنا إلى وجهتنا. كان المستشفى مبنىً كبيراً وأبيض، أمامه حديقة صغيرة لطيفة إلى جانب مكان يمكن للسيارات أن تنزل فيه الناس أو تققلهم مباشرة بجانب الأبواب الأمامية. كانت النوافذ من زجاج داكن، مما منعني من رؤية أي شيء بالداخل، لكنني ما زلت أعرف تماماً في أي غرفة هم.

قلت دون أن تحيد عيناي عن المستشفى: — مع كامل الاحترام… أعتقد أنه من الأفضل أن تتخلّفي عن هذا. انتظري هنا، لن أستغرق وقتاً طويلاً. رفعت كتفيها: — الخيار لك. لكن إن احتجت مساعدتي فقط اتصل بي، حسناً؟ سألت بسخرية: — هل هناك طقوس خاصة يجب عليّ القيام بها؟ أشخاص يجب أن أضحي بهم لملك الأصفر؟ ابتسمت وهي تخرج هاتفا ذكياً صغيراً من جيب كنزتها ذات القلنسوة: — رقمي على هاتفك النقال.

اسمي سوزي. أرسل لي رسالة نصية حين تنتهي.

بعد إنهاء الإجراءات الروتينية عند الاستقبال، أخبروني أن بإمكاني زيارتها، وسُمح لي بالتوجه إلى الغرفة. بدا المكان مألوفاً لي بحلول ذلك الوقت وأنا أتخلله، وصولاً إلى الروائح. رائحة المعقمات المعتادة والمستشفى المعقم تختلط برائحة نبتة الأصيص في أحد الأركان، ورائحة الجسد الكريهة التي لا تتلقى سوى حمام إسفنجي عابر بينما تذوي ببطء، نتانة عفنة ومرضية. مصدر تلك الأخيرة كانت أمي.

كانت ترقد على أحد الأسرة مغمضة العينين، وموصولة بأنبوب تغذية وريدي يقطر مسكنات، أو أدوية، أو أي شيء آخر تحتاجه. لم تكن لدي أي فكرة عما كان يضخه فيها هذه المرة. الآلة بجانبها التي ترصد نبضات قلبها بهدوء كانت إضافة جديدة. تفاجأت برؤية أخي أنتوني جالساً على كرسي بجوارها بينما ينقر على حاسوب محمول. رفع بصرك عنه وتلاقت أعيننا ليتضح أنه متفاجئ برؤيتي هناك بالقدر نفسه.

قال: "كودي؟"

أغلق الحاسوب ونهض. وفي خطوات معدودة صار بجواري عند مدخل الغرفة.

"لماذا أنت هنا؟"

قلت: "أردت رؤيتها."

تحدثنا كلانا بصوت خفيض، تلك النبرات الهامسة المستعملة في غرف المستشفيات بجوار شخص يحتضر.

سأل وهو ما زال مذهولاً: "أه، حسناً. امم… الآن؟"

كان أفتح بشرة مني، وهو ما لم يساعد في إخفاء الهالات السوداء تحت عينيه أو عرق التوتر الذي مسحه عن جبينه.

"هل حدث شيء؟"

سأل محاولاً الحفاظ على نبرة غير مبالية، لكنه لم ينجح تماماً.

"حسنًا، أنا ذاهب في رحلة وكنت أظن..."

لكن همسي قُطع.

سألَت أمي وهي تتحرك في فراشها: "كودي؟ كودي، أأنت هذا؟"

تبادلنا أنا وأخي نظرة صامتة قبل أن أمشي وأجلس على الكرسي المجاور لها.

قلت: "أهلاً أمي، أنا هو."

حركت يدي لأمسك بيدها، لكنني عدت عن ذلك، فحامت يدي باسترابة قبل أن أستقر بها على حافة السرير. كانت نحيلة إلى حد لا يصدق، وبشرتها بيضاء مريضة صنعت تناقضاً صارخاً مع كل النمش على وجهها. كان بإمكانك رؤية العروق والعظام معاً بينما تدلى الجلد برخاوة عليها. كانت عيناها متعبتين، لكنهما ظلتا تنظران إلي بتركيز، نظرتها تسمرني في مكاني كفراشة على لوحة تجميع.

سألت أخيراً: "ماذا تريد؟"

أجبتُ مقطبًا: "جئت إلى هنا لأراكِ."

تمتمت: "همم. فجأة أصبحت مهتماً للغاية بزيارة أمك الآن؟"

"ألا يمكننا ألا نتشاجر؟ هذه المرة فقط؟"

كان صوتي منخفضاً عمداً، يكاد يكبح تنهيدة تذمر.

فقالت بذات النبرة تماماً وهي تقلبني بصراها من أعلى لأسفل: "هاه. بالتأكيد، بالتأكيد. إذًا… لا أخبار إذن؟ لا شيء على الإطلاق تريد إخباري به؟"

عضلت رداً، مانعاً نفسي وأخذت نفساً عميقاً قبل أن أرد: "في الواقع هناك شيء جئت لأخبرك به."

أطلقت شخرة نفاد صبر: "هاه. نجل، بالطبع. إذن، ما هو؟"

صمت مزعج آخر.

شددت عزمي قبل أن أتكلم: "أنا مغادر في رحلة مهمة للغاية غداً. لا أعلم متى أعود."

كانت النظرة على وجهها مألوفة لي. تعبير عن اشمئزاز وكراهية عميقين، عيناها مجرد شقين بينما التوى شفاها العلوي في تكشيرة.

تحدثت بصوت هادئ مخادع، بخلاف تعابير وجهها: "أرى. إذن لن تتكبد حتى عناء انتظار موتي."

أكدت: "أماه! الأمر... ليس وكأنني أريد الذهاب. لكن هذا مهم! المسيح! أترينني لا أستطيع البقاء معكِ لو استطعت؟"

أطلقت ضحكة قصيرة نابحة: "لن تكون المرة الأولى التي تهرب فيها من مسؤولياتك."

بدأتُ قائلاً: "أه بحق الجحيم...!"

قبل أن تقاطعني بغضب: "أولاً المخدرات! العار والألم الذي جلبته لعائلتنا! خمس سنوات ضائعة في ذلك! شاب في الثالثة والعشرين يتخرج من الثانوية، رجل راشد وسط مجموعة أطفال. ثم كان عليك اختيار هذا التخصص عديم الفائدة! عندما أخبرتك..."

بصقت وأنا أهض من مقعدي: "لقد كان اختياري أنا اللعين. أعلم أن لدي نصيبي من الإخفاقات لكن لا توجد طريقة لأن...!"

تنحنح أخي، مقاطعاً جدالنا. نظرنا كلانا إليه، الواقف بتوتر بالقرب من الباب.

أشار بإبهامه نحو الممر الخارجي: "أنا، آه... سأحصل على شراب. لذا... سأذهب. أيريد أحد شيئاً؟"

راحت عيناه تذودان ذهاباً وإياباً بيننا، لكن لم يرد أنا ولا أمي. أومأ بلا كلام وفتح الباب، هارباً بالسرعة التي استطاعها. لم يكن هناك سوى شخص آخر في الغرفة، مريض على السرير المقابل لسرير أمي، لكنه كان مستغرقاً في النوم رغم كل الضجيج. الآن أصبحنا نحن الاثنين فقط، نغلي في غضب صامت. تابعتني عيناها بصمت بينما كنت أجوب الغرفة، متجنباً نظرتها.

حل الصمت لحظة، قبل أن تكسره: "أتريد أن تعرف ما هي مشكلتك الكبرى؟"

تنهدت، من دون أن أنظر إليها بعد: "أنا متأكد من أنك متلهفة للغاية لإخباري."

سخرت: "المشكلة أنك تهرب. أنت تهرب دائماً. عند أول إشارة لمشقة أو محنة، تمضي قدماً! تأخذ الطريق الأسهل، بغض النظر إلى أين سيأخذك..."

"أهل حقاً هذا ما ترين أن يكون يومنا الأخير معاً؟ أن نصرخ في وجه بعضنا؟"

حدقنا في بعضنا، مدركين كلماتنا بصمت. ثم أغمضت عينها بتتنهيدة وكان التناقض كالليل والنهار. بدت متعبة جداً، منكسرة تماماً بسبب مرضها. بدت مختلفة جداً عما عرفتها به يوماً، ضعيفة ومتعبة جداً.

"هل حدث أن حكيت لك قصة أبي، جَدِك إلياس؟ كيف غادر البرازيل؟"

فتحت عينيها مرة أخرى، أقل عدائية من ذي قبل رغم أن تعبيرها كان أبعد ما يكون عن الود.

قطعت حاجباي، محاولاً التذكر: "لقد فر من ديكتاتورية هناك، أليس كذلك؟"

شخرت رافضة: "أخبرتك يوماً كيف؟"

"امم.. عبر الحدود إلى بلد آخر، ثم طلب اللجوء هنا في النهاية، أليس كذلك؟"

رمشت وهي تقليدني بصراها من أعلى لأسفل. لم تبدو مسرورة بما رأته، لكنها بدت وكأنها توصلت إلى قرار واستقرت، ناظرة إلى الأفق بتعبير بعيد.

"كنت صغيرة في ذلك الوقت. في العاشرة من عمري، بالكاد فهمت ما كان يحدث، لكنني عرفت البعض. أن أبي كان صحفياً، في الوقت الذي كان لذلك معنى. حتى مع صحيفة صغيرة كهذه، أطلقوا عليها أه فولا دو سيارا، كانت لا تزال مهمة. اهتم الناس بما كتبوه."

كانت ذكرياتي عن جدي بعيدة وضبابية. كل ما استطعت تذكره كان رجلاً قصيراً أصلع يستغرق دهراً في المشي إلى أي مكان لكنه دائماً ما كان يعطيني نقوداً للحصول على حلوى أو لعبة جديدة أريدها.

تابعت بابتسامة بعيدة: "بدا أصغر وأكثر الرجال براءة على قيد الحياة. أطلقوا عليه مارينيو... وهذا يعني نحيل."

نطقت لقبه ببرتغالية ذات لكنة، وهو ما لم أكلف نفسي عناء تعلمه قط. وطن أمي، بقدر ما يعنيني، كان عالماً آخر بعيداً.

"كان دائماً مهذباً وهادئاً، ودائماً ما يلتزم بالحدود... همم!"

شخرت مرة أخرى.

"في ذلك الوقت كان العسكريون يولون اهتماماً وثيقاً بما كتبوه. نعم..."

تبع ذلك هدوء بينما قطعت أمي حاجبيها، نوع من النقاش الداخلي بالكاد مرئي بينما كانت عيناها ترتجفان.

"أنا... ما زلت لا أعرف ما الخطأ الذي ارتكبه. ربما نشر الشيء الخطأ... أو ربما لم يفعل شيئاً على الإطلاق. مجرد شك، أو التواجد في المكان الخطأ والوقت الخطأ. تساءلت أمي أحياناً عما إذا كان يساعد المتمردين بهدوء... لكنني لم أعرف قط. كل ما رأيته هو الجنود يأخذون أبي بعيداً."

نظرت إلي الآن، في عين مباشرة، وشتد صوتها قسوة: "لقد عذبوه. لم يطق بكلمة واحدة عما حدث في الأيام الثلاثة التي أخذوه فيها، لكن عندما عاد بدا أخف بخمسة كيلووهات وفقد سنتيه الأماميتين. مجرد جذعين في لثته."

توقفت للحظة وارتجفت رعباً من ذكرى تعود لأكثر من 40 عاماً: "لكنني لم أره يتذمر أو يبكي قط. لا ضعف، فقط... نفس الرجل الصغير والهادئ الذي كانه دائماً."

كان يملك أطقم أسنان بحلول الوقت الذي عرفته فيه. افترضت ببساطة أن أسنان جدي سقطت من الشيخوخة، كالمعتاد.

"أطلقوا سراحه، ولكن فقط لأنه كان لديه صديق في الجيش كفله. وما زالوا يأخذون جواز سفره، حتى لا يتسنى له السفر."

بلعت لعابها، مكشرة ومغيرة وضعيتها قليلاً: "غادرنا مسقط رأسنا بعد يوم، لم أستطع حتى توديع أصدقائي. بعنا ما نستطيع وانطلقنا بسيارتنا القديمة المتهالكة... قُدنا لأيام وليال باتجاه الحدود، الأم والأب يتناوبان من حين لآخر. عندما نمنا، فعلنا ذلك في السيارة، عادة ما نكون مركونين بالقرب من محطة شاحنات أو في مدينة ذات شارعين في وسط لا مكان. عائلة من ثلاثة أفراد، بالإضافة إلى أخي الرضيع، كلهم نائمون في سيارة صغيرة."

ارتجفت، ولا يزال طيف تلك الذكرى يطاردها حتى بعد كل تلك السنين: "لم تكن تلك ليالي لطيفة. كانت حارة ومكتظة في تلك السيارة، وكانت ساقاي تؤلماني دائماً لعدم القدرة على تحريكهما. لكن ليس بسوء تلك الليلة الواحدة..."

أغلق عينيها لحظة، قبل أن تتابع: "كنا جميعاً في مدينة صغيرة أخرى في وسط اللا مكان. لم أعرف اسمها قط. اشترى لنا أبي بعض الخبز والجبن، والتي أكلناها جميعاً قبل أن نخلد إلى النوم. لكن تلك الليلة أيقظنا... رجل يحمل مسدساً يطرق نوافذنا."

توقفت عن قصتها وأدارت وجهها. جلست بجانبها لكنني لم أقل شيئاً، منتظراً أن تتابع.

"بدا فقيراً، لم يكن يملك حذاءً حتى. مجرد صنادل... لا فكرة عما كان يفعله اللص في مدينة صغيرة كهذه، لكنه كان ما زال يملك مسدساً. وجهه نحو أمي وصرخ ليخرج الجميع من السيارة. كانت أمي تبكي، ترجوه ألا يفعل ذلك، متمسكة برضيعها، وكأنها تحميه. سماوي... لو أخذ سيارتنا وأغراضنا في ذلك المكان؟ ماذا كان سيحل بنا؟ كنا على أميال من أي مكان نعرفه، وكان أبي رجلاً مطلوباً..."

هزت رأسها بحزن: "توسل إليه أمي وأبي، لكن اللص لعننا فقط. صرخ ليخرج الجميع، وإلا لأطلق النار علينا. كنت أكي. في كل ذلك، لان أبي. فتح باب السيارة. نزلت أنا وأمي، وما زلنا نبكي، وعرض أبي مفاتيح السيارة على اللص..."

كانت هناك استراحة طفيفة، حركة توتر، قبل أن تتابع: "عندما كان اللص على وشك أخذ المفاتيح، أمسك أبي المسدس بيد واحدة وطعن الرجل في عنقه بمفاتيح السيارة. أطلق رطلة واحدة فقط، وأشكر السماوات حتى اليوم على أنها لم تصب أحداً. طعن أبي الرجل مرة أخرى بينما كانا يتصارعان، حتى تمكن من سحب المسدس. وبعد ذلك أطلق أبي، الذي لم أسمعه قط يقول كلمة سيئة عن أحد، النار على وجه الرجل في أول فرصة أتيحت له للحصول على المسدس."

صمتت، دافعة ما للتو أخبرتني به ليغوص بينما كنت أكشر، غير مرتاح. ما زلت لا أستطيع تخيل جدي يفعل شيئاً كهذا، حتى بقدر ما عرفته قليلاً.

"تسرعنا جميعاً بالعودة إلى السيارة وانطلقنا، بعد أن نظف معظم الدم عن المفاتيح. لم ينم أحد بقية الليل. قُدنا طوال اليوم والليل التاليين حتى وصلنا إلى حدود بوليفيا. وهناك تركنا السيارة وعبرنا الحدود سيراً على الأقدام، عند نقطة غير محروسة، وبقينا في منزل صديق لأبي حتى مُنحنا اللجوء هنا."

قالت أمي وهي تنظر إلي مرة أخرى: "لم نتحدث أبداً عن تلك الليلة. هذه هي المرة الأولى التي أحكي فيها هذه القصة لأحد."

أومأت، غير متأكد من كيفية التفاعل. كان هذا أكثر مما باحت به لي في شهور. أعوام، ربما.

قالت بلطف: "قتل جَدِك رجلاً، حتى نتمكن من النجاة. لقد عُذب، وتحمل كل أنواع المشقة... كل ذلك لكي تكون هنا. كان دائماً رجلاً هادئاً، لكنه عرف كيف يقاتل."

توفي جدي عندما كنت صغيراً جداً. نفس حادث المرور الذي قتل أبي. مأساة ضربت عائلتنا بقوة شديدة.

"لم يهرب عندما سنحت الفرصة الأولى،"

أنهت كلامها، ناظرة إلي بغضب مرة أخرى. وهكذا تماماً، انكسر وهم الرابطة التي جمعتنا.

قلت وأنا أعض السخرية على طرف لساني: "قصة لطيفة، لكن الجدي وأنا لسنا نفس الشخص."

رفعت صوتها، لا تزال متعبة وأبحاش لكنها مليئة بالمرارة: "نفس الدم يجري في عروقك! إذن متى ستتوقف عن التخبط وتقاتل أخيراً، مرة في حياتك، من أجل أي شيء؟"

يمكنني إخبرها عن ليلة المسرح، عن كيف قتلت خمسة أشخاص بينما كنت أحاول النجاة. يمكنني إخبارها بأنه حتى الآن، كنت أقاتل لإنقاذ الجميع في هذا العالم من مصير مروع وعنيف. لو أردت حقاً، يمكنني حتى إجبارها على تصديقي. يمكنني الاتصال بسوزي، الملكة الصفراء.

سخرت: "ياه، حسناً... آسف لخيبة أملك."

لكني لم أكن آسفاً، ليس حقاً. لم أستطيع حتى تكبد عناء محاولة الجدال بأنها كانت مخطئة. لقد خيبت أملها بالفعل كثيراً، فما هي مرة أخرى؟

قالت بحماس، ولا يزال صوتها منخفضاً، لكنه أكثر قلقاً من الغضب: "كودي! في هذا العالم تحتاج إلى تعلم كيفية القتال للنجاة. احصل على وظيفة جيدة، وعائلة جيدة، وابقى هنا للعناية بأمك، إلى جانب أنتوني... إذا انتظرت فقط لترى أين تأخذك الحياة، فأنت ميت لا محالة! ارجوك... لا تكسر قلبي عندما يتبقى لدي القليل من الوقت...؟"

كانت ضربة قاسية، طلبها يخترقني كالمسمار، تاركاً إياي بلا مكان أهرب إليه.

بعد الاقتراب منها، أجبت: "أعرف كيف أقاتل من أجل ما أريد، أمي."

طلبت: "إذن أثبت ذلك."

كانت صادقة تماماً في قلقها وهي تتوسل إلي، بلا أشواك ظاهرة في كلامها: "تخلي عن هذه... الرحلة السخيفة أو أياً كان ما تخطط له. ابقى معي ومع أخيك. وتخلي أيضاً عن هذا المسار السخيف الذي تدرسه. اختر شيئاً لطيفاً ومستقراً... لا يجب أن تكون طبيباً إن أردت، مهندساً أو معلماً... إذا كان علي الذهاب إلى السماء، فدعني أرى أبنائي يسيرون في طريق جيد. أرجوك، أرجوك... امنحني هذا فقط قبل أن أرحل."

يمكنني الكذب عليها. يمكنني إخبرها نعم، يمكنني إخبرها بأنني ذاهب إلى جامعة بعيدة، اختلاق شيء ما، منحها بعض الراحة الأخيرة قبل أن ترتحل، كذبة لطيفة، أفضل نوع ممكن من الكذب يمكنك قوله...

قلت لها: "آسف. لكن علي الذهاب. قد تكون هذه الرحلة أهم شيء أفعله في حياتي على الإطلاق."

حطمت هذه الكلمات أملنا الأخير في محادثة مهذبة أو كلمات لطيفة. حدقنا في بعضنا مرة أخرى. كراهية، ألم، أحقاد من سنوات مضت لوثت كل ما قلناه وفعلناه لبعضنا. لم يكن هناك رجعة من ذلك.

أدارت وجهها، غير قادرة على النظر إلي: "إذن اذهب. لا تتعب نفسك بالعودة. أبداً."

قلت وأنا أهض وأبتعد: "أكرهك أنت أيضاً، أمي."

لم يلتفت أي منا للوراء لنظر إلى الآخر قبل أن أترك الغرفة للمرة الأخيرة.