5.
غادرت المطعم أخيرًا وكان الوقت قد بلغ المساء المتأخر. كان الشارع ساكنًا سكون الموت على كثرة الواقفين فيه. وقفوا هناك يرمقونني بعيون خالية من أي شعور. لم يتبادلوا أطراف الحديث ولم يلتفتوا يميناً أو يساراً، بل ثبتوا في نظراتهم الحادة بجمود يبعث على الريبة. دُماً لا شك في ذلك. امتلأ الشارع بها حتى كأنما هي مسيرة أو مهرجان لولا ذلك الصمت المطبق. طافت عيناي فوق الحشود فلم أثر لصديقتي أثرًا، واختفى ذلك الوجه المألوف الذي عجزت عن تمييزه.
بل غاب حتى وجه ذلك المسخ صاحب القلنسوة الصفراء ودمية الجوارب المصممة على شكل ذئب. لم يبقَ سوى هذا الحشود بلا وجوه.
هتفن جميعاً بصوت واحد: "أفكرت في أمنيتك الأخيرة؟"
أرمشت وثبت في مكاني.
نظرت إلى الحشد حولِي وقلت بسخرية: "أيمكننا الكف عن حماقات العقل الجمعي المرعبة هذه؟ أفضّل محادثة شخص واحد من فضلكم."
انشق الحشد في هدوء وسكينة جليتين لتظهر هي من جديد. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة وهي تتقدم مني في كسل، نافضة بعض خصلات شعرها الأشقر القذر عن وجهها. دنت مني وقد تخلت عن الدمية، فدسّت يديها الاثنتين في جيبيها وأمالت رأسها قليلاً في نظرة يلفها الفضول.
قالت: "تفضّل بالقول."
تنهدت محاولاً تهيئة نفسي لهذا الموقف. أردت إبعاد ذهني عما هو على المحك.
"إن طلبت منكِ… أن تمنعي نهاية العالم من الوقوع. أفتعلين ذلك؟"
هزت رأسها بالنفي قبل أن أتم سؤالِي.
"أدرك دوافعك ولكن… لا. ليس في وسعي فعل شيء للحيلولة دون وقوعه مباشرة."
ابتسمت. كانت ابتسامة باردة ومتباعدة لكنها خلت من أي عداء، كحال والد سمع لتوّه طفله يتفوه بأمر مضحك.
وأضافت: "لستُ بالغة القوة، وهناك أمور لا أتجاوزها حتى أنا."
تمتمت محاولاً ألا أدع خيبة الأمل أو اليأس يتسللان إلي: "كان لزامًا عليّ أن أسأل."
أدركت أنني إن استسلمت الآن فلن أهب واقفاً بقية حياتي القصيرة.
سألت: "أي شيء آخر؟"
فأجبت: "سؤال واحد إضافي."
ما دفعها لتبادل ابتسامة خفيفة.
تحدثت من دون أدنى أثر للضيق أو النفاد: "امضِ قدماً."
أظن أنه من منظورها كانت تملك متسعًا من الوقت في هذا العالم للإجابة عن أسئلتي.
"أهناك أي سبل لإنقاذ البشرية من… تلك النهاية؟ مما أريتني إياه؟"
انكسر صوتي وعاتبت نفسي بصمت على هذه اللحظة من الضعف. تعذر عليّ إدراك مدى علمها أو حقيقة ما تشعر به، خصوصًا أمام ذلك الكيَان ذي الأعين لا حصر لها الذي يحدق بي. غير أنها لم تعر الأمر اهتمامًا، وعقدت حاجبيها متفكرة بينما تصاعد توتري.
"أهناك حقاً؟"
حبست أنفاسي منتظراً بينما استمرت في تجاهلي. ثم التقت عيناها بعيني وأذعنت أخيراً.
قالت: "الإجابة معقدة. على سبيل المثال، يمكنني استيعاب هويات الجميع على ظهر الأرض وجعلهم جزءاً مني ليتمكنوا من النجاة من هذه الكارثة بهذه الطريقة. أيسرك هذا؟"
"تبّاً لهذا."
خرجت الكلمات من فمي باردة وغاضبة قبل أن أعيها. ابتلعت مشاعري وتابعت محاولاً الظهور بمظهر الهادئ.
"الاندماج في عقلك الجمعي ليس ما أدعوه نجاة."
إن كانت قد شعرت بالإهانة فلم تبدِ شيئاً من ذلك.
"نعم، ظننت ذلك. لكن إبقاء كل شيء على حاله ليس خياراً مطروحاً. إن أردت للبشرية النجاة من الهلاك القادم فعلى الأمور أن… تتغير."
رددت وضيقت عيناي في ريبة: "تتغير. أي نوع من التغيير؟"
بسطت ذراعيها على مصراعيهما في حركة ساخرة وقالت: "الدروب كثيرة. وليس أي منها سهلاً. أو جميلاً. أو خالياً من الألم."
اتسعت ابتسامتها.
رددت ولم أجرؤ على تحويل نظري عنها: "لكنه ممكن."
"نعم."
أخذت نفساً عميقاً. لقد تحدد دربي.
تكلمت قاصداً: "إذن هذه هي أمنيتي. أرجو أن تساعديني قدر استطاعتك وضمن حدود قوتك لإنقاذ البشرية من الدمار القادم، وأعني بذلك إنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس مع إلحاق أقل قدر ممكن من الأذى أو التغيير بهم. يحظُر عليك المساعدة أو التدخل في مصير البشرية من دون موافقتي. كما لا يجوز لك إخفاء أي معلومات عني، أو تضليلي عمداً، أو التقليل من فرص نجاة البشرية بالإغفال. وعليك أيضاً بذل قصارى جهدك لئلا يصيبني أذى ما لم أمنح موافقتي الصريحة،وحتى بعد موتي ستظلين تتبعِينَ توجيهاتي الأخيرة إلى أن تُضمَن نجاة البشرية."
حل صمت مطبق ولفني سكون مشحون بالتوتر بينما سمعت دقات قلبي تقرع بقوة في صدري منتظراً ردها. كسرت ذلك السكون بانفجار ضاحك. قهقهت وعالت صيحاتها حتى أنها استندت على ركبتيها كي لا تتقاعس، مستمرة في الضحك بلا توقف حتى غدت تلتقط أنفاسها بصعوبة. وقفت هناك في سكون مشدود أنتظر فراغها من الضحك.
ضحكت بخفة وقالت: "يبدو أنك قضيت بعض الوقت في صياغة الأمنية. أغطيت كل الجوانب؟"
وقفت متبلداً ومتوتراً.
قلت بينما تهاوت يقينياتي تحت وقع ضحكاتها: "أنتِ… قلتِ إن لدي أمنية واحدة. حسنًا… تلكم هي أمنيتي. أتستطيعين فعلها؟"
خفتت ضحكاتها غير أن ابتسامة عريضة ظلت تعلو محياها.
هتفت ساخرة: "لستُ جنيًا ولا شيطاناً يحور أمنيتك ليلحق بك الأذى على سبيل التسلية يا كودي! كما أنني لست حاسوباً تحتاج لبرمجته ليقدم العون. تريد مني مساعدتك في ضمان نجاة البشرية. نعم، أدركت هذا."
سألت وأنا أفرك كفّي المتعرقين ببعضهما: "أستفعلينها؟"
كنت واعيًا تمامًا بأن مستقبل البشريّة قد يتحدد عبر هذا الحوار.
هزت كتفيها قائلة: "بالطبع سأساعدك. لا حاجة لتوقيع بالدماء. ستكون رحلة ممتعة."
"رحلة."
عجزت حتى عن إبداء الدهشة من استخفافها، لكن توتري تحول إلى غضب مع اتساع ابتسامتها.
ضحكت بخفة وقالت: "ألا تتوقع إنجاز كل ذلك وأنت مرتاح في منزلك، أليس كذلك؟ بإمكاني إرشادك إلى السبل المختلفة لمساعدة قومك على النجاة. لكن السؤال الحقيقي هو… أأنت مستعد؟"
أخذت نفساً عميقاً وأصلبت أعصامي.
"مهما تكن التكلفة، أنا مستعد."
لم تنكر ما قلت ولم تعارضه، بل رفعت حاجبًا بشك وهزت رأسها.
قالت ساخرة: "كنت تقلق بشأن الأمر الخاطئ، تعلم ذلك. صياغة الأمنية بدقة متناهية. أكنت تخشى التعرض للخداع؟ لسنا بحاجة للخوف من هذا صدقاً. لقد رأيت بشراً يتمنون شتى الأبوب. القوة، والأسرار، بل وحتى المال، وقد منحتهم جميعاً ما بغوه. تماماً بالشكل الذي أرادوه. ومع ذلك… لقي بعضهم حتفهم بسبب أمنياتهم على أية حال، وهم يلعنونني في أنفاسهم الأخيرة."
تراجعت خطوة إلى الوراء بحذر وسألت: "أولئك الناس، من لبيّت أمنياتهم… لمَ ماتوا؟"
توقفت للحظة محولة بصرها إلى لا شيء محدد وقد غاصت في أفكارها.
قالت: "لم يكونوا مستعدين للعطايا التي منحتهم إياها. أُسكر بعضهم بالسلطة فصنعوا الكثير من الأعداء واتخذوا قرارات حمقاء حتى سحقت ثقل تلك القوة الحياة من أجسادهم. بينما لم يكن الباقون مستعدين لتلقي الأسرار التي وهبتهم إياها. فالأمور الجديدة التي رأت أعينهم قادتهم إلى الجنون."
فاض صوتي بالريبة وسألت: "ولم يكن أي من ذلك خطؤك؟"
لكنها اكتفت بابتسامة عريضة في وجهي.
ضحكت لنفسها وقالت: "لم أكن أنوي إلحاق الأذى بهم. أفهو ذنبي أن الكثيرين يتمنون أموراً لا طاقة لهم بها؟ إن هوس البشر بتدمير الذات لأمر لن يفتأ يذهلني."
سألت: "أتلكم غمزة أخرى مني على خلفية قفزي من الشرفة؟"
فردت فوراً لتشعرني بعدم الارتياح: "ولماذا قفزت؟"
وحين أدرت وجهي، عاد ذهني إلى لحظة قفزي؛ بدت وكأنها دهر طال انقضاؤه رغم أن بضع ساعات بالكثير كانت قد انقضت عليها.
تمتمت أخيراً: "بدا كل شيء خاطئاً. كان كل شيء غير سوي؛ بدا… كأنه نوع من الأحلام. لكنني علمت في قرارة نفسي أن هناك خطباً ما. شيئاً رهيباً يتربص خلف ذلك الحلم."
ردت بصوت مسطح وغير مقتنع: "شيئاً رهيباً."
أجبتها بحدة: "عليك تحسين وهمك إن أردت خداع أي كان."
كان استجوابها المتواصل يثير استيائي أكثر مما مضى، رغم عزمي على الحفاظ على هدوئي أمامها.
"أه؟"
رسمت شفتاها حرف أو في دهشة مصطنعة، قبل أن تذوب مجدداً في ابتسامة.
تابعت وأنا أهز رأسي: "أعني… معلمة مثيرة تفوقني بسنوات عشر تعرض الزواج في مكتبها ذاته؟ حقًا؟ شريكتان في السكن رائعتان وتوافقان تماماً على تقاسم شقة مع شاب. بل وتتبادلان الغزل. وفوق هذا تطبخان لي طعام الإفطار، بصراحة تلك هي النقطة التي أخرجتني عن طوري تماماً. من يفعل هذا؟"
قاطعَتْني وقد اختفت أي بارقة ابتسامة عن وجهها: "أمن الصعب إلى هذا الحد تصديق أنك قد تحيا حياة سعيدة؟"
بُهتُّ للحظة، حتى أن ردي عليها فاجأني أنا نفسي.
"نعم."
لم يبقَ لي ما أقوله، وتركَتْ هي الصمت يطول وهي تهضم إجابتي، قبل أن تطلق تنهيدة ملؤها خيبة الأمل.
قالت: "إن كنت حقاً لا تريد حياة سعيدة فلا طاقة لي بإرغامك عليها يا كودي. لكنني أحذرك، هذه المهمة الصغيرة التي تريد منا خوضها؟ قصة (إنقاذ العالم) برمتها؟ ستكسرك لا محالة عاجلاً أو آجلاً."
رددت: "لا يهم إن فعلت ذلك، إن وُجدت فرصة لمنع… ذلك. ذلك الكيان الذي رأيته…"
ارتجف صوتي غير أنني ثبت في مكاني، ممعناً النظر في المرأة بلا خوف.
ابتسمت الملكة الصفراء بتعاطف وهزت كتفيها قائلة: "سأساعدك، لكنني لا أضمن أن تعجبك النتائج. إن سلكت هذا الدرب فإنك تعرض نفسك للدمار، باليقين ذاته الذي واجه به أولئك الباحثون عن القوة أو المعرفة مصيرهم. ولا سبيل لإنقاذ بشريتك العزيزة من دون أحدهما."
أجبت: "لا يمكنني الجلوس مكتوف الأيدي وعدم فعل شيء. هذا ليس خياراً."
ضحكت بخفة وقالت: "إذن مصير الإنسانية بين يديك أيها البطل النبيل"، موردة عبارتها بنبرة بطل ملحمي مصطنعة كأنها مأخوذة من إعلان فيلم سينمائي.
استغرقني الأمر لحظة لأدرك أن ما قالته كان حقيقياً على ما يبدو.
كل ما استطعت الرد به هو: "لقد هلكنا."
أجابت وهي تلوي حاجبها وتلتفت حولها: "مم، ربما."
ثم التفتت إلي مجدداً وابتسمت: "سيكون هذا درباً طويلاً وشاقاً. سيتعين علينا السفر مطولاً وفعل الكثير إن أردت النجاح. أأنت مستعد لذلك؟"
"… أجل."
في الصمت الذي تلى نظرت إلى محيطها؛ الشارع الماثل أمام المطعم مضاء بأعمدة الإنارة والدمى تحيط بنا شاهرة نظرات خاوية. لاحظت مدى هدوء المدينة المطبق طوال حوارنا، إذ لم يعد يتردد صدى صوت بوق سيارة بعيد أو نباح كلب يرتطم بالجدران. حتى صرير الصراصير أو أي أثر للحياة البرية غاب، ولم يبقَ سوى ذلك الصمت المميت. ثم توصل الملك بالأصفر إلى قرار ما وخطا نحوي. وما إن فعل ذلك حتى بدأت بقية الدُمى تذوب بلا أي مقدمات.
راحت العيون والأنف تذوب وتتطاير على الأرض فيما انغرزت صدورها داخل سيقانها، لتفقد أشكالها كافة في غضون ثوانٍ معدودة. وتفككت الملابس أيضاً لتندمج في بعضها البعض متخذة تدرجات مختلفة من هلام بلون الجلد. وبدا أن تلك الكتلة الهلامية تغوص في الأرض حتى مع اضمحلال آخر آثار الفردية داخل ذلك الخليط البشري المتجانس. وقبل أن يتسنى لي التقاط أنفاسي، اختفوا جميعاً وغاصوا في جوف الأرض.
قالت وهي تدس يديها في جيبي قلنسوتها: "لقد أمضيت وقتاً طويلاً في العمل على هذا المكان. يا للأسف."
سألت بارتباك وأنا ألتفت يميناً ويساراً: "ماذا؟"
وأدركت حينها أن أضواء المدينة قد بدأت تنطفئ. أولها تلك الأبراج والمباني البعيدة. ثم اجتاحتنا موجة من الظلام؛ فأضواء الشارع والشقق والمتاجر، كلها تلاشت من حولنا لترمي بنا في عتمة دامسة. ولم يبقَ ضوء سوى السماء الليلية ونجومها التي أمكنني رؤيتها بوضوح أشد من أي وقت مضى، حتى مقارنة بأيام التخييم في صباي.
همست بغضب نحو الشكل الواقِف بجواري: "ماذا فعلت بمدينتي؟"
أجابت الملكة بنبرة هادئة خلت من أي انفعال محدد: "هذا المكان لم يكن حقيقياً قط. ما هو إلا مسرح أقمته لأجلك. لم نعد بحاجة إليه."
"مسرح؟ تقدين… المدينة بأسرها؟"
لم أملك سوى التحديق بصمت في الأضواء وهي تتلاشى الواحدة تلو الأخرى، مبتعدة في الأفق السحيق. ثم انعدم كل شيء ولم يتبقَ سوى الظلام على مد البصر. كان كل شيء صامتاً وبارداً.
قالت: "مه، الأمر ليس بهذا الجلَل. سأبقي المباني المحيطة، فإزالتها الآن تكبدني عناء كبيراً."
وما زلت مذهولاً بذلك العرض الجنوني للقوة، فلم أبدِ حراكاً بينما اعتادت عيناي ببطء على الظلام. واجهتني فوجهها لا يزال داكناً لدرجة يتعذر تمييزها، لكنها لم تنطق بكلمة. لم تهب أي ريح في هذا المكان، أياً كان موقعها. كان بارداً وخاوياً ومفعماً بسكون الجثث التام.
"أيمكنك… أيمكنك إعادتي للمنزل أولاً؟ بيتي الحقيقي… كوكبي؟ أو عالمي على ما أظن. لوقت قصير فقط؟ قبل أن… ممم..."
أكملت عبارتي: "قبل أن نخوض رحلة عابرة للأبعاد لإنقاذ العالم الذي تعرفه؟"
أجبت بصوت خافت: "لدي بعض الأمور لأنجزها قبل أن أغادر في رحلة كهذه."
قالت مادّة يدها نحوِي: "بالتأكيد. خذ بيدي وسنرحل فوراً."
رفعت يدي لملاقاة يدها لكني ترددت، لوهلة قصيرة للغاية. ضخامة ما شهدته، فضلاً عن سائر ما رأيته وسمعته هذه الليلة، والمسؤولية الهائلة الملقاة على كاهلي. تضافرت كل هذه الخواطر لتخلق لحظة ذعر ورغبة جامحة في الفرار، وألا ألقاها مجدداً، وأن أحيا حياة أخرى، أي حياة تحيل بيني وبين السير على ذلك الدرب. لكن ما قلته لها في تلك اللحظة كان صائباً، إذ لم يكن لدي خيار آخر. فأمسكت بيدها وفي ومضة اختفينا، تاركين المدينة المظلمة فارغة أخيراً من أي أثر للحياة.