الفصل 29: اعطه لي
بعد انتهاء استراحة الغداء، عاد شيانغ يو ولي ياو إلى ساحة التدريب الخاصة بهما، بينما كانت شمس الظهيرة تلقي بظلالها المتباينة عبر مظلة الغابات. تردد صدى صوت الإمبراطورة في عقلي لي ياو، مقترحة اقتراحا جعل عينيها تلمعان حماسا.
بما أنك تريدين مساعدة شريكك الأكبر في التدريب، لم لا ترتدين ملابس ثقيلة عندما تتمرنين معه؟ بهذه الطريقة، يمكنكما التدرب في آن واحد.
عجبت لي ياو لبساطة الفكرة الرائعة. لم تكن قد فكرت في الأمر حتى بنفسها! كان هذا مثاليا؛ إذ يمكنها مساعدة شريكها الأكبر بينما تطور زراعتها الخاصة في الوقت ذاته. لقد كان ذلك تعريف الكفاءة، ضرب عصفورين بحجر واحد. وثلاثة، إذا احتسبت ممارسة تقنية السيف الجديدة التي كانت تعلمها.
تلقى شيانغ يو ضربة قوية أخرى من لي ياو، فانزلقت قدماه إلى الوراء عبر الأرض المرصوصة. وعلى عكس المواجهات السابقة، تمكن من تثبيت وقفته بدلا من السقوط بغير حول ولا قوة على الأرض. ورغم أنه لم يستطع حشد هجوم مرتد، إلا أن التحسن كان لا ينمو عنه منكر، بل كان تقدما يستحق الاحتفال به بطريقته الصغيرة الخاصة.
وحين استعاد توازنه، تبلورت فكرة في عقله: كانت تلميذته الصغرى وحش موهبة حقا. وحتى مع إعاقة الملابس الثقيلة لحركاتها واستخدامها لتقنية سيف لم تكن مألوفة لها بعد، إلا أنها ما زالت تولد ضغطا كافيا لدفع إلى أقصى حدود قدراته. لقد جسدت كل ما يجب أن يكون عليه البطل: موهبة استنائية، ونمو لا يوقف، وإمكانات بلا حدود. لقد استقر هذا الإدراك في نفسه كحقيقة مريحة؛ فهو كان يتدرّب مع الشخصية الرئيسية في عالم الزراعة هذا.
من غرفه الخاصة الواقعة أعلى الجبل، راقب الشيخ غو تلاميذه بموافقة هادئة. كانت أصابعه المتغضنة تداعب لحيتها بتفكر وهو يتابع تدريبهم الذي كان يتكشف بالأسفل. وبعد فترة، نهض من مقعده وغادر الغرفة، حاملة إياه خطراته نحو حافة الغابة.
وقف الشيخ بصمت عند ضفة النهر، مراقبا المياه البلورية وهي تتهاوى فوق الحجارة الملساء بإيقاع تنويمي. كانت طائفة الغيوم الزرقاء مترامية الأطراف عبر سلسلة جبال مهيبة، حيث يشغل كل جناح قمة متميزة خاصة به. انجرفت نظراته صعودا، لتستقر على القمة الأكثر مهابة على الإطلاق - قمة القمة السماوية، موطن زعيم الطائفة والنقطة الأعلى في الطائفة بأكملها.
وبينما كان يتأمل المنظر المهيب، اخترق صوت أنثوي خلوته الذهنية.
لا زلت قلقا؟
استدار الشيخ غو بلا عجلة، لتلتقي عيناه بعيني هوانغ فنغتشي، الشيخ المحترم لجناح صعود الفينيق، وهو فرع من الطائفة متخصص في استكشاف السلالات والجسور القتالية.
لقد كبر الآن، - وتابعت وهي تقترب بخطوات محسوبة - يمكنه الاعتناء بنفسه.
عن ماذا تتحدثين؟ - أجاب الشيخ غو متظاهرا باللامبالاة - كنت أتأمل المنظر فحسب.
درسته لبرهة، بينما ضاقت عيناها قليلا:
أهذا حقا ما كان؟
نعم، - أكد، بينما لم يترك نبرته أي مجال للنقاش.
لقد كان العم السيد... - بدأت، ولكن قبل أن تتمكن من إكمال فكرتها، كان الشيخ غو قد ألقى بنفسه نحو السماء بالفعل.
أنا ذاهب لأزرع، - نادى متخليا وهو يحلق مبتعدا.
راقبت هوانغ فنغتشي هيئته المبتعدة بتنهيدة مستسلمة:
هذا الرجل... - تمتمت قبل أن تنطلق هي الأخرى في الهواء، متبعة إثره.
بعد ذلك بوقت قصير، جلس الشيخان معا فوق قمة منعزلة، يتشاركان النبيذ بينما يستدركان الأحداث. أخذت هوانغ فنغتشي رشفة محسوبة من كأسها، بينما كان التقدير واضحا في تعابير وجهها.
يبدو أن مهاراتك في التخمير قد تحسنت، - لاحظت.
نعم، لأن أحدهم لا يزال يطلب مني التخمير من أجله، - رد بجفاف.
أيعني ذلك أنني ساعدتك على التحسن؟ - سالت بصلافة لا تخطئها العين.
ألقى الشيخ غو نظرة عليها، وفتح فمه وكأنه على وشك إطلاق رد حاد، ثم تنهد ببساطة في هزيمة.
أنتِ... - هز رأسه، متخلياً عن أي احتجاج كان يخطط لفعله.
أهؤلاء هم تلاميذه؟ - استفسرت هوانغ فنغتشي، مشيرة نحو الشخصيات البعيدة التي لا تزال تتدرّب في الأسفل.
نعم، - أكد، وتسللت تلميحة من الغرور إلى صوته - أتغارين؟
دون إنذار، نهضت هوانغ فنغتشي بغتة، واتسعت عيناها.
انتظر! أهذا...؟
هو! - انفرج وجه الشيخ غو عن ابتسامة عريضة بلا تحفظ - إذن فقد أدركتِ. الأمر كما تفكرين تماما؛ لقد درّب تقنية حتى مستوى النجاح الأعظم.
ورؤيةً لتعابير هوانغ فنغتشي المندهشة، لم يستطع مقاومة الإضافة قائلا:
ولم يمض سوى أسبوع منذ أن بدأ. - تردد صدى ضحكاته عبر قمة الجبل، بلا قيود ومظفرة - يبدو أنني أمتلك عينا لاختيار التلاميذ. تلميذي الثاني عبقري يظهر مرة واحدة في المليون سنة، وتلميذي الأول هو عبقري استيعاب!
تحولت تعابير هوانغ فنغتشي بشكل دراماتيكي، إذ تلاشت كل الفكاهة وحل محلها التركيز الشديد. أمسكت الشيخ غو من ياقته، مهتزة إياه بخفة.
أمتأكد أنت من هذا؟ - طالبت بصوت انخفض إلى همس عاجل.
تساءل الشيخ غو عما أصابها، وكان الانزعاج واضحا في ملامحه.
نعم، هذا صحيح. أأكذب عليك بشأن هذا؟ - فصل نفسه عن قبضته بعبوس حائر.
الشيخ غو - لا، الشقيق الأكبر - عليك أن تعطيني هذا التلميذ، - أعلنت بنبرة جادة بشكل يبعث على القلق.
عن ماذا تتحدثين؟ لما قد أعطيك تلميذي؟ - أجاب، مقلباً نظره إليها بشك متزايد.
هذا الفتى، إن كان يمتلك حقا قدر الاستيعاب الذي ذكرته، فعليك حقا أن تعطيه لي، - أصرت وهي تقترب أكثر.
أنت لا تبدين منطقية، - احتج الشيخ غو، دافعاً إياها بينما حاولت تقليص المسافة بينهما - كنت أعلم أنك جئتِ هنا بنوايا سيئة! أأحسن معاملتك، وتريدين خطف تلميذي؟ لما لا تقتلينني وتأخذين القمة بأكملها بينما تقومين بذلك؟
أيمكنني فعل ذلك؟ - سالت بدهشة مبالغ فيها، مما جعل الشيخ غو يقفز إلى الوراء دفاعيا.
أنا أمزح فقط، - أوضحت ضاحكة، وأخرجت لفافة هائلة دستها في يدي الشيخ غو - لقد كان بحثا أقوم به.
ونقرت على اللفافة بمعني:
إن كان ما كتب هنا صحيحا، فسيكون لطائفتنا عبقري آخر بمستوى لي ياو.
بسط الشيخ غو اللفافة بتشكك سافر. لقد افترض أن هوانغ فنغتشي كانت سكرانة ببساطة وتتفوه بالهراء. أكان عباقرة المليون سنة ينبتون على الأشجار الآن؟ أظنته غبيا لدرجة تصديق مزاعم كهذه؟ إن كان خلق العباقرة بهذه البساطة، أفلم يكن الجميع واحدا؟
ولكن بينما تتبعت عيناه الأحرف القليلة الأولى، تحولت تعابير وجهه من الاستخفاف إلى الذهول. واستمر في القراءة، حيث كان كل سطر يتعمق بصدمته حتى غمره عدم التصديق.
كيف يكون هذا ممكنا؟ - تفوه، وكان صوته أعلى بقليل من الهمس. رفع نظره ليلتقي بعيني هوانغ فنغتشي برصانة متجددة - أمتأكدة أنت أن هذا صحيح؟
حسنا، لم يتم اختباره بعد، لكن الفرص عالية، - أجابت - إن استطعنا إيجاد موضوع اختبار... - تركت الدلالة تتدلى في الهواء، دون إكمال.
إذن، - تابعت بعد لحظة - ما رأيك؟ أستعطيني إياه؟