كان الليل حالكاً، والبرد خفيفاً، وسكارلست بكامل يقظتها. كان من المفترض عادةً بقائدة حراس المدينة أن تكون نائمة في هذا الوقت لتستعد لليوم التالي. لكن سكارلست لم تكن نائمة، لا لأنها لم ترغب في ذلك، بل بسبب ما حدث قبيل حلول الظلام. ذهبت ولمست حجر الفئة. لم تفعل ذلك منذ أسبوع على الأرجح، منذ الحادثة المتعلقة باللصوص والقاطعين، وهناك اكتشفت أن فئتها قد تغيرت. لم تعد مجرد قائدة، بل صارت قائدة حراس، وهي فئة تسبق فئة قائد المراقبة الأقوى بكثير.
يبدو أنها بلغت المستوى الثالث والسبعين فمنحها العالم ترقية للفئة. نالت مهارتين. رؤية ليلية وحامية المدينة، وهي مهارة تتيح لها استشعار أي شخص تحت إمرتها داخل المدينة دون استثناء. باختصار، كانت أشد تحمساً من أن تنام، وقد أخبرتها مهارتها الجديدة لتوها بأن اثنين من حراسها فاقدان للوعي.
__________________________________________________________ "يبدو إذن أن لدينا معركة حانات"، هتفت سكارلست بابتسامة بينما استقرت عيناها على الحانة والرجلين اللذين ترنحا وسقطا أمام المدخل.
التفتت سكارلست لتجد نحو عشرين حارساً جلبَتهم معها يقهقهون ويشاركونها الابتسامة. فضفضة العراك ممتعة دائماً.
قالت: "دعونا نحطم بعض الرؤوس"، وتقدمت بخطوات سريعة نحو الحانة.
"هذه مدينة الحــ..."
توقفت بينما تجول نظرها في داخل حانة الملك السكير. طاولات وكائس مهشمة. زجاج متناثر في كل مكان. سوائل مختلفة الألوان على الأرض، كثير منها ليس كحولياً. أكثر من ثلاثين شخصاً فاقدون للوعي... ما عدا واحداً. تجوّلت عينا سكارلست إلى طاولة وكرسي سليمين حيث يجلس رجل يشرب من زجاجة وبوجه تبدو عليه علامات الانزعاج. بفضل مهارة الرؤية الليلية الجديدة، تمكنت من التعرف إلى ذلك الشخص المدعو روث.
أتاحت لها مهارتها أيضاً رؤية عدة أجساد فاقدة للوعي تحيط بروث، لأشخاص حاولوا مقاتلة الرجل وفشلوا ذريعة. لم يبدو روث متأذياً بأدنى درجة حتى. وهو ما عزز تحذير سيدتها من أن روث رجل شديد الكفاءة والخطورة.
سألت بلطف وهي تمد ذراعها وتشير إلى الحانة بأكملها: "إذاً يا روث، أتمانع إخباري بما حدث؟"
فرك راثوس وجهه، وما زال الانزعاج يبدو عليه، قبل أن يجيب: "قسم الحدادين وشراب السكارى".
حين سمعت سكارلست وحراسها رد راثوس، طفقوا يضحكون على الفور.
قالت وهي تضحك بابتهاج ناظرة إلى أولئك الساقطين: "أوقعك أنت أيضا، أليس كذلك؟ أين غاروس؟ يجب أن أرى هذا".
تنهد راثوس قبل أن يشير إلى الجدار الخلفي مباشرة فوق الساقي ونصف الجسد الناتئ من الجدار. للجسد ساقان قصيرتان. بدأت جولة أخرى من الضحكة، وضَحِق هذه المرة كل حارس عملياً.
سألت سكارلست وهي تلوح بيدها وتأمر حراسها بالشروع في حمل الأجساد وإخراجها: "برحمة إير، كيف بحق الجحيم علق نفسه في جدار؟"
هز راثوس رأسه: "ظنني عشيقه وحاول تقبيلي. ربما قذفته بقوة شديدة بعض الشيء".
حاول عبوس أن يتشكل على وجه سكارلست حيال قدرة روث على فعل أمر كهذا. لكن الوضع برمته أمامها جعل ذلك مستحيلاً.
قال أحد الحراس وهو يمسك بالنصف السفلي لغاروس ويشد القزم خارج الجدار: "هزلت، يبدو أن غاروس سيُمنع من حانة أخرى. أتساؤل كم حانة بقيت له ليزورها الآن".
قالت سكارلست وهي تمشي نحو راثوس، ملتقطة مقعداً صالحاً للاستخدام وكوباً خشبياً عن الأرض: "حسناً، من الجيد أن حدادنا المقيم يجني الكثير من المال، وإلا لاضطررت إلى إرساله للسجن".
وضعت المقعد بجوار طاولة راثوس، وجلست عليه ثم دفعت الكوب الفارغ نحوه. أخذ راثوس، حين رأى الكوب، يصب ما في الزجاجة من محتويات كحولية داخل الكوب.
خلعت خوذتها واحتست جرعة: "ليس سيئاً".
سأل راثوس: "كم سأدفع؟"
أدارت سكارلست عينيها: "لم تبدأ الشجار، لذا لن تدفع شيئاً. غاروس من جهة أخرى سيدفع".
عبس راثوس: "كم مرة يحدث هذا؟"
قهقهت سكارلست.
"أيبدأ غاروس شجاراً كاملاً؟ في كل مرة يدخل فيها حانة لا تضع قيوداً على كمية الكحول التي تقدمها له".
مسحت بعض السوائل عن شفتيها.
"أعتقد أن حانة الملك السكير جديدة نسبياً، ربما لم تمضِ سنة على إنشائها. ولعل ساقي الحانة لم يبلّغ بأن حداد المدينة المقيم سكير عنيف".
توقفت والحيرة ترتسم على وجهها: "ما بال ساقي الحانة؟ عادة ما يسرعان لجلب الحراس قبل أن يفلت الشجار من الوعي".
أشار راثوس إلى رجل فاقد للوعي في الزاوية: "كان أحد أوائل الواقعين".
التفتت سكارلست لتنظر إلى الجسد. بدا أن الرجل كان ينزف من رأسه، وإن كان واضحاً أن النزيف توقفت أسبابه إذ بدأ الدم يجف بالفعل. وهو ما أثار سؤالها التالي.
"كم استمر هذا الشجار؟"
أخذ راثوس وقتاً ليجيب: "حوالي خمس دقائق، تزيد دقيقة أو تنقص".
سريع. رأت سكارلست معارك حانات، استغرق كثير منها ما يصل إلى نصف ساعة، ولا تتوقف عادة إلا عندما يأتي حراس المدينة لفرض النظام. وعادة ما يكون غاروس بين آخر الباقين وقوفاً. أخذت سكارلست لحظة لتتأمل الأجساد الممددة بوضوح على شكل نصف دائرة حول روث. حراس، جنود، وهم عادة الأصعب إسقاطاً بالقبضات. جميعهم على الأرض، فاقدون للوعي، لكل منهم كدمة وحيدة على وجهه. لقد أُغمي عليهم بلكمة واحدة فقط.
ولم يكن حتى أبوها قادراً على فعل ذلك. ابتلعت سكارلست ريقها متذكرة تحذير سيدتها. أخذت كوبها وكرعت محتوياته.
قالت وهي تنهض وتلتقط خوذتها: "يا روث، أظن أنه من الأفضل أن أرافقك إلى بيتك".
همهم راثوس مؤكداً ونهض. لاحظت سكارلست أن الرجل سكران بالنظر إلى وجهه المحمر، لكن عينيه تحكيان قصة أخرى.
"سيكون ذلك أفضل".
خطت سكارلست وراثوس نحو المخرج، ولم تتوقفا إلا لحظة لتعطي سكارلست الأوامر لحراسها قبل أن تسير باتجاه وسط المدينة. هواء الليل بارد ومنتعش، وبدأت سكارلست تشعر بتأثيره. يبدو أن الكحول كان أقوى مما توقعت إذ ترنحت قليلاً. وحينها وطأت حجرًا، فتعثرت، ولم ينقذها سوى روث الذي تحرك بسرعة فائقة. فحملها بين ذراعيه كعروس. أي ناظر حاد البصر يشهد المشهد سينذهل فوراً مما حدث. لقد حمل روث لتوها امرأة تزن مائتي رطل ترتدي درعاً يزن ثلاثمائة رطل...
بكل سهولة. رفعت سكارلست، محمرة الوجه وما زالت تمسك بخوذتها، رأسها مندهشة ليقابلها وجه ملتحٍ ينظر إليها بحيرة.
سأل راثوس وعيناه تطابقان عينيها: "لا تحتملين الشراب، أليس كذلك؟"
احمرت سكارلست بشدة ورمت الرجل بابتسامة وقحة.
"اكتسبت بضع نقاط في التحمل، وظننت أن ذلك يكفي".
واصل راثوس، وهو مسكر، السير إلى الأعلى، لكنه انحرف قليلاً نحو اليسار متجهاً صوب القلعة.
"مع ارتدائك درعاً ثقيلاً كهذا، أشك في أن السقطة ستنتهي بكدمة فحسب. سأخذك إلى غرفتك".
قالت بصوت عالٍ ضاحكة بابتهاج وهي تلف ذراعها حول الرجل: "آه! أيها الفارس روث، أنت نبيل بحق".
همهم راثوس مقوياً قبضته ثم زاد سرعته نحو القلعة.
زمت سكارلست شفتيها وسألت بعد دقائق قليلة من الصمت بينما مدخل القلعة يلوح في الأفق: "أنت لا تكثر الكلام، أحياناً؟"
تلفت راثوس حوله بلا وعي مستوعباً محيطه، متفحصاً التهديدات باستمرار بينما يحاول عقله الواعي فهم وضعه. إنه يحمل قائدة مراقبة، وقائدة سابقة، إلى بيتها كي لا تصاب بأذى. لكن شيئاً ما بدا خاطئاً في هذا المنطق، وكان راثوس يحاول معرفة السبب.
هتف أحد الحراس المتمركزين عند بوابة القلعة الأمامية: "أنت، قِف، أظهر نفسك".
تقدم الحرس الآخر نحو الشخص ملوحاً بمله.
"[القائدة]؟"
عبست سكارلست وأشارت: "أنا قائدة مراقبة الآن يا مانوس، وهذا الفارس يأخذني إلى البيت. تنح جانباً".
لوحت بيدها متوقعة فيما يبدو إزاحة الحارسين المرتبكين عن طريقها.
عبس مانوس، وهو رجل طاعن في السن والحارس الممسك بالمله: "إنه الليل يا سكارلست، وتقتضي القواعد ألا يدخل القلعة سواك أو الحراس الآخرون. عليه أن يغادر".
أجفلت سكارلست بضجر: "من وضع تلك القاعدة الغبية؟"
هز مانوس رأسه بحيرة: "أنتِ من وضعها".
أخذت سكارلست لحظة لتفكر في الأمر ثم أشارت قائلة وهي تحتضن راثوس الذي بدا غارقاً في التفكير: "حسناً، أسنّ قاعدة تسمح لهذا الفارس بالدخول أيضاً".
هز مانوس رأسه قبل أن يكتف يديه: "أنتِ سكرانة ولن أسمح له بالدخول. تلك هي القواعد"، قال بحزم.
ثم التفت مانوس إلى راثوس: "سنأخذها إلى غرفتها بدلاً منك"، ثم استطرد ناظراً إلى الخلف: "يا نوريس، ساعدني في حمل سكارلست".
عبس راثوس، الذي كان غارقاً في السهو، إذ بدأت عضلاته تجهد من حمل سكارلست التي كانت تقطب جبينها بغضب في وجه الحراس. نظر راثوس، الذي تجاهل المحادثة حتى تلك اللحظة، إلى الحراس. فتح فمه.
"[أيها الحراس]،"
توقف نوريس ومانوس في مكانهما، وتحول انتباههما الكامل والمطلق نحو راثوس، وتغشّت عيناهما ببريق خاوي بينما استقامت ظهورهما ووقفا بثبات.
"أنا آخذ سكارلست إلى غرفتها. افتحا البوابة".
انطلقت كلمات مشبعة بهيبة قائد من فمي راثوس، فملأت الهواء بحضوره.
هتف الحارسان فوراً: "حاضر يا سيدي"، ثم استدارا وركضا نحو البوابة ففتحاها.
بدأ راثوس يسير للأمام.
قالت سكارلست ناظرة إلى حارسيها اللذين وقفا بلا تعبير على جانبي البوابة المفتوحة، وكأنهما ينتظران المزيد من الأوامر: "آآه، كم أنت آمر وحازم".
سار راثوس، هادئاً ومتزناً، متوغلًا في القلعة بينما تنحى طاقم الليل عن طريقه كما لو كان السيدة روز. توقف أمام غرفة وأنزل سكارلست ببطء. مدت سكارلست يدها، وهي تقهقه الآن، تحت درعها والتقطت مفتاحاً. فتحت الباب، واستدارت، وأمعنت النظر في راثوس للحظة. وما إن همّ راثوس بالاستدارة والمغادرة حتى أمسكت بتلابيب قميصه، فاتسعت عيناه وهي تجره إلى داخل غرفتها. لامست شفتاها شفتيه بينما أغلق الباب ببطء من تلقاء نفسه.
* * *
الأراضي الملعونة هي أحد الأسماء المتعددة المستخدمة لوصف القارة الجنوبية لأوربيس، وهي مكان معروف بانخفاض مستوياته المفرط وشح الإمدادات الغذائية. أما عن هذا الاسم بالذات، فهو يصف غياب أي قوى مقدسة باستثناء الملكة إير. لكن حضورها هو الآخر يتلاشى الآن إذ يغرق الجنوب البعيد في حرب شاملة وليدة لشح الغذاء. لا أحد متأكد مما يحدث أو سببه، لكن أي ساحر ذي مستوى لائق سيخبرك بأن المانا المحيطة قد انخفضت.
وأدى هذا إلى ضعف المهارات الكامنة المختلفة مثل المحاصيل السريعة أو الحصاد الوفير بشكل جذري في المنطقة. وفوق ذلك، تُطلب المانا الوفيرة لتنرتقي الوحوش والمسوخ بمستوياتها مع التقدم في العمر. ومع انخفاض مستويات المانا بشدة، تضعف الوحوش لدرجة تجعل الصيادين يصطادونها ويقتلونها بكل سهولة. ولا يعد ذلك مشكلة في العادة، لكن حين يستطيع حتى مزارع أو عبد إسقاط مثل تلك الوحوش الضعيفة، يتحول اللحم سريعاً إلى سلعة نادرة بسبب الصيد الجائر.
وهو ما يقودنا إلى جوهر المشكلة. يضم الجنوب واحدة من أكبر التجمعات السكانية في القارة، وكل ذلك بفضل تجارة العبيد، السلعة الحقيقية الوحيدة المصدرة من الجنوب إلى الشمال. حسناً، وخصوصاً الشرق الأوسط. فهناك تكثر حلبات المصارعة ويتحقق أعلى ربح عبر تجارة العبيد. للأسف، يتسبب نقص الطعام والزيادة السكانية المفرطة سريعاً في اندلاع تمردات، تمردات لا يستطيع تجار العبيد ذوو المستويات المنخفضة وحتى المتوسطة إيقافها.
يلجأ العبيد السابقون، لافتقارهم إلى المال والطعام، سريعاً إلى قطاع الطرق واللصوصية. تُنهب المزارع، وتبدأ البلدات والقرى في التضور جوعاً، ليخلق كل ذلك دورة دائمة التحول تقلب البشر ضد بعضهم، بل وحتى أشباه البشر ضد أشباههم. ويمتد هذا في مختلف أنحاء الأراضي، مسبباً الصراع والفوضى، ولا يستثنى من ذلك حتى الملوك والملكات القلائل. يخوض الملك هنثفورث حرباً مريرة ضد أمير الحرب دومينوس الذي يصارع بدوره زعيم عصابة هائجاً.
لكن هذا صراع كبير. من جهة أخرى، تدور صراعات صغرى عديدة في أقصى الجنوب. بلتات تحارب بلدات أخرى، وتنهب بعضها بعضاً، بل وتستعبد الضحايا لتستخدمهم كجنود مشاة يسهل الاستغناء عنهم. وحتى مدينة سانافيل الواقعة في أقصى الجنوب لم تنجُ من تلك الفوضى. فقد تعرضت مؤخراً لهجوم من ميليشيا تابعة لبضع بلدات، وهو هجوم فشل فشلاً ذريعاً. تملك المدن أسواراً ضخمة، وتجمعات بشرية غفيرة، وفي حالة سانافيل، تجمعاً بشرياً غير متضور جوعاً.
لعب هذا كله وغيره دوراً في قدرة المدينة على صد الهجمات بفاعلية. لكن، لم يكن ذلك سوى أناس من بضع بلدات مقارنة بعدة مئات متناثرة حول سانافيل... والمدينتين الأخرتين القريبتين وأبعد نحو الشمال. ليس سكالاج أو أنتيروس اللتين تخوضان حرباً في شمال أبعد، بل مدن صغرى قرب سانافيل. مدن يقودها ملوك...
* * *
بالقرب من الأسوار الشاهقة لبلدة منهوبة، التقى جيشان، يرتدي أحدهما ألوان الرمادي والأصفر، والآخر الرمادي والأحمر. ينتظر الجيشان خارج أسوار البلدة في جهتين متقابلتين. إنهما ينتظران، لا لأجل عداء، رغم أن ذلك ما زال احتمالاً قائماً، بل لكي يلتقي ملوكهما ويخططا. في وسط البلدة، داخل جناح داخلي صغير محصن، يجلس ملكان قبالة بعضهما. يقف خلف كل ملك ثلاثة فرسان، يليهم خمسة قادة وعشرات الضباط.
ينتظر هؤلاء الرجال والنساء بقلق، وأيديهم مستعدة للإمساك بسلاح أو درع إن انقلب الطرف الآخر إلى معادٍ. يبدو حتى الآن أن الملكين يتقاسمان النظرات ويقيس كل منهما طاقة الآخر. بعد دقيقة أخرى فقط كسر الملك تيرسوس الصمت.
هتف تيرسوس معبساً بينما لوح ذلك الرجل النحيل بيده المرتدية القفاز هنا وهناك: "أيها الجرافتوس، أكان لزاماً أن نلتقي في... في مثل هذا المبنى القذر الموبوء بالجرذان؟"
يأخذ الملك جرافتوس وقتاً، محدقاً في الملك الآخر. تيرسوس نظيف، في غاية النظافة. عباؤه الرمادي المخطط بالأصفر، قفازاه الأبيض، بل وحتى جلده وبشرته نظيفان. فرسانه، وقادته، وضباطه، بل وحتى جنوده العاديون أشد نظافة بكثير مما هو متوقع عادة. نتيجة واضحة لمهارة يمتلكها تيرسوس تمتد بتفضيلاتها لتشمل مملكته بأكملها. تُعد مدينة موندوس، عاصمة الملك تيرسوس، أنظف مدينة على الإطلاق بين مدن القسم الجنوبي من القارة.
حتى أسوار المدينة تُدهن باللون الأبيض شهرياً لتبدو نظيفة وخالية من الشوائب.
يسخر الملك جرافتوس، مستقيم الظهر وبوضعية مثالية: "لأنك رفضت السماح بعقد الاجتماع في قلعتي. يحتاج الملوك أن يلتقوا في بيئة ملائمة".
تدار عينا تيرسوس بينما يتفحص جرافتوس. فك قوي، وضعية جسد مثالية، رجل يدرك كيف ينضح بالنظام لمجرد حضوره. وحتى أولئك الواقفون خلفه يرتدون عتاداً وبنية وقوف مثالية تليق بهم. الفرسان يرتدون دروع صفائحية كاملة، كل منها يطابق الآخر. يقفون بثبات واستعداد، بلا حراك وكأنهم تماثيل. وحتى القادة والضباط يرتدون زياً وهيئة متشابهة. يبدو الجميع متشابهين ويتصرفون بالمثل. يكتشف تيرسوس، رغم كراهيته لقول ذلك، أن الجيش منظم بشكل أفضل بكثير من جيشه، وإن كان أسوأ حالاً من حيث الاتساخ.
"آه نعم، فقط لتدبر كميناً يود بحياتي في مدينتك".
عبس جرافتوس من عدم الاحترام: "أنا ملك، ولن أستخدم أبداً أسلوباً وضيعاً كهذا. تلك الأساليب تليق بقطاع الطرق واللصوص. وحدها الجبناء يلجؤون لمثل هذه التقنيات".
"نعم، للأسف، الثقة ليست أمراً هائناً. ورغم أنه معروف عنك التزامك بكلمتك دائماً، لا أستطيع المجامرة بحياتي بناءً على مجرد ثقة".
ضيق جرافتوس عينيه: "إن انعدمت الثقة، فلا فائدة من هذا الاجتماع"، قال بصراحة.
يومئ تيرسوس برأسه: "حقاً، الثقة مهمة، وأشك في أنك ستكون هنا لو لم تكن تملك قدراً ما من الثقة بي"، قائلًا هذا بينما يضع يده على الطاولة قبل أن يعبس.
تنهد تيرسوس حين لاحظ أثر غبار على قفازه. رفع يده فتقدم أحد الفرسان إلى الأمام، وأخرج منديلاً وفرك قفاز تيرسوس حتى نظف. ابتسم تيرسوس وأومأ لفرسه اعترافاً بالعمل الجيد. جرافتوس، الثابت بلا حراك، عبس من هذا المشهد لكنه لم ينطق بكلمة حين حدث ذلك.
"أنا أككره الأوساخ حقاً. لا يليق بملك أن يكون متسخاً".
في قرارة نفسه، يوافق جرافتوس تماماً، لكنه لن يبوح بذلك بصوت عالٍ ابداً. خصوصاً الآن حيث توشك صبره على النفاد. إنه منزعج بالفعل من الافتقار التام للشكليات في هذا الاجتماع، وأكثر من ذلك قد يدفعه للمغادرة وفقط.
"يا تيرسوس، بقدر ما أكرر قول ذلك، دعنا نتخلى عن الشكليات ونصل إلى جوهر هذا الاجتماع. أستتحالف معي لاحتلال مدينة سانافيل؟"
اجتماع ملوك، ملوك، بقدر ما يكره بعضهم بعضاً، لا يمكنهم إلا أن يلاحظوا النجاح الاستثنائي الذي تحققه السيدة روز بمدينتها. إنها تكتسب القوة، والاحترام، والأهم من ذلك كله: الثروة. إنها المدينة الوحيدة التي لا تضطر للجوء إلى العنف للبقاء. إنهم يريدون تلك المدينة، لكنهم يريدون أكثر معرفة سبب خصوبة الأرض المحيطة بها. طبعاً، توجد شائعة بأن ذلك عائد لمهارة السيدة، لكن أياً من الملكين لا يصدق تلك الشائعة.
ففي نهاية المطاف، يميل الملوك، مقارنة بالسيدات أو اللوردات، إلى امتلاك مهارات أقوى بكثير. ومهارة تزيد محصول المحاصيل بمثل هذه النسبة الكبيرة ستكون قدرة برتبة ملوك. كلا، يعتقد كلا الملكين أن الأمر يعود على الأرجح إلى الموقع. فالأرض هناك خصبة على نحو غير طبيعي. هذا ما يعتقدونه وهذا ما يسعون خلفه.
يأخذ تيرسوس لحظة قبل أن يبتسم بأبيض أسنان رآها جرافتوس في حياته: "أوافق على تحالف مؤقت بيننا يا جرافتوس".
رنين، صوت تردد صداه من الغرف، امتد من البلدة، متيحاً للجميع سماعه. لقد أُبرم عقد، وإن يكن مؤقتاً. وحده الزمن سيخبرنا بموعد نهايته. ... ومتى سيموت ملك...