الفروق بين الطابق الأول والثاني من السرداب كثيرة. الأول غابة كثيفة بينما الثاني كهف تحت الأرض. ويمكن إجراء المقارنة ذاتها بين الطابق الثالث وسبقيه. إنه يختلف اختلافاً شاسعاً عن الأول والثاني بمروحه الشاسعة وبركه وجباله وغاباته. لكنّ غالبية الطابق تتألف مع ذلك من بحر عشبي يبدو بلا نهاية. وأفضل طريقة لوصف الطابق الثالث هي القول إنه عالم جيب ممتلئ ببيئات متنوعة. غير أن الفارق الأكبر بين الطوابق هو حجمها.
الطابق الثالث أكبر بثلاثين مضاعفة من الثاني. إنه ضخم لدرجة أن اجتياز مسافة بين المدخل والمخرج يستغرق من الإنسان شهرا تقريباً. ويستغرق القنطور العادي أقل من أسبوع. لكن ذلك بشرط ألا تهاجمه الوحوش المتنوعة التي تجوب السهول. وهي وحوش غير موجودة حاليا قرب مدينة تريدفوت. يعود هذا كله إلى الجيش الذي يجري بأقصى عدوه نحو المدينة.
قال دوريسون وهو يقف فوق الشرفات القتالية مراقبا جيش العدو وهو يندفع نحو البوابات: "حسنًا، لم يكن هذا متوقعا".
إنها بوابات خشبية، لكنها تشكل مع ذلك عائقاً قوياً بارتفاع ثلاثين قدما. المعلومة المهمة الوحيدة التي يمكنه استخلاصها من الوضع الحالي هي أن الجيش المعادي يفتقر تماما إلى أي قيادة سليمة. فاندفاع مثل هذه الكتلة الضخمة من البشر نحو موقع شديد التحصين يضم أكثر من مائتي [رماة] يعد انتحاراً صريحاً. حسنًا، لن يكون الأمر سيئاً للغاية خططياً بالنظر إلى حجم جيشهم. فـ[الرماة] لا يمكنهم إطلاق سوى عدد محدود من السهام في الدقيقة في نهاية المطاف.
لكن [القادة]، وخاصة [قائد الرماة]، يستطيعون زيادة هذا العدد بشكل كبير. ينظر دوريسون إلى [قائد الرماة] ويومئ ببطء. يومئ [قائد الرماة] بدوره قبل أن يبدأ في إعطاء الأوامر.
يصيح قائلا: "ضعوا سهامكم على أوتارها عند إشارتي!"، مما يجعل [الرماة]
يثبتون سهامهم على أقواسهم.
ويصيح مرة أخرى: "أيها [القادة]، فعّلوا مهاراتكم!"
وهنا يبدأ الأمر، تفعيل مهارات تلو الأخرى بتتابع سريع.
[تشكيل الابل, وضعية الدقة, تشكيل الرؤية, وضعية السحب السريع, التشكيل الثابت, التشكيل التفاعلي]
والعديد من المهارات الأخرى يفعّلها القادة، وكل منها يضاعف قوة [الرماة] أضعافاً عديدة. لكن هذه مجرد مهارات [قائد]. قوية، لكنها لا تساوي شيئاً مقارنة بما يستطيع [قائد رماة] من الفئة الثانية استخدامه. يراقِب دوريسون [قائد الرماة] وهو يشد قوسه الخاص وبها أكثر من عشرين سهماً على الوتر. ثم يفعّل مهارته.
[توزيع المهارات]؛
[وابل السهام]
يتحرك كل [رام] بيديه بتوافق تام، ملتقطين عدة سهام وشادين إياها إلى أقواسهم. يفعل الجميع مهارة [قائد الرماة]، مقلدين حركاتِه. تمر لحظة. يدخل جيش العدو في المدى، مندفعاً نحو [الجنود] المنتظرين عند البوابات. يركضون جميعاً نحو العدو لأسباب متنوعة. المجد، المال، القوة، وغيرها الكثير. لكنهم يركضون، يندفعون في حشد متراص بإحكام لدرجة أنهم لن يستطيعوا حتى إيقاف حركة اندفاعهم إلى الأمام ما لم يكونوا مستعدين للمجازفة بالموت تحت الأقدام.
لسوء الحظ، كان أولئك المستعدون لتحمل تلك المخاطرة هم أصحاب الفرصة الأكبر في النجاة. بدأ الأمر أولاً بمهارات مثل [استشعار الخطر] أو [تهديد وشيك] تفعل وتُحذر الأفراد من وجود خطل ما. كانوا يتلفتون بحثا عن سبب الخطر، فلا يجدون شيئاً سوى قنطور آخرين يندفعون. من الواضح أن هناك تهديداً يتربص بحياتهم، لكن أين هو أو ما هو ظل لغزاً. إلى أن هبط ظل على القنطور المندفع دافعاً جميع الأعين للارتفاع.
بدأ البعض بالصراخ، وفعّل آخرون مهارات دفاعية، لكن أغلبهم استمروا في التحديق لأعلى بحدقات متسعة من الصدمة. وحينها أصابت آلاف السهام الجيش دفعة واحدة، هابطة بسرعة وضراوة شديدتين لدرجة أنها مزقت اللحم والعظم. تمزقت الدروع، وسقط القنطور، وكانت صرخات الألم من الجرحى تصم الآذان. أولئك في مقدمة الاندفاع سقطوا بفعل السهام، ومن خلفهم تعثروا بأجسام راقديهم الساقطين أو اصطدموا بمن توقفوا فجأة في مساراتهم.
في الثواني العشر الأولى منذ إصابة السهام، مات فجأة أكثر من خمس الجيش المندفع. أكثر من ألف إصابة، ماتوا جراء طعنات السهام والموت تحت حوافر حلفائهم. وهناك ألف آخرون مصابون لدرجة تعجزهم عن متابعة القتال. لكن ذلك كان في الثواني العشر الأولى فقط. القنطور الذين نجوا من وابل السهام الأول ما زالوا يندفعون إلى الأمام. وجدوا أنفسهم يتعثرون بجثث وأجساد جرحى من سبقوهم. وحتى إن نجحوا في تجاوز تلك العقبات، فإن وابلات السهام التالية التي تواصل الهطول من فوق الجدار ستنهي حياتهم.
بعد انقضاء دقيقة تقريباً يُنفخ في بوق معلناً التراجع، فيبطئ جيش العدو سرعته قبل أن يستدير ويهرب. بعد هذا التبادل الأولي، صار أقل من نصف جيش العدو قادراً على القتال. البقية إما موتى، أو محتضرون، أو جرحى يعجزون عن القتال. لقد كانت مجزرة. ولم يحتاج [الجنود] الحارسين للبوابة حتى لرفع حافر. ينظر دوريسون إلى مخضرميه. لا أحد منهم يهتف. فهم أنهم انتصروا، لكن النصر كلف ثمناً.
الكثير من الأرواح أُهدرت، وكل ذلك بسبب خطأ قاتل واحد: لقد كانوا جاهلين.
يسأل [قائد مراقبته]: "غريتا، كيف ردة فعل [سادة القطعان]؟"
تجيب غريتا: "يبدو عليهم الذهول. لقد رأوا ما حدث ويبدو أنهم عاجزون عن استيعاب الوضع."
وتضيف بسرعة: "أوه، يبدو أنهم يتشاجرون صياحاً الآن."
يُطبق دوريسون عينيه متبيناً بصعوبة مكان وجود [سادة القطعان]: "مممم، هذا جيد. يرجح بشدة أنهم يلومون بعضهم بعضاً، مما يعني أن هذه الحرب قد انتهت على الأرجح. لهذا اليوم على الأقل."
ينظر إلى الأسفل، جاداً [الجنود] أمام البوابات واقفين باستعداد في انتظار أوامر لاحقة.
"غريتا، أرسلي ممثلاً إلى العدو. أخبريهم أننا لن نهاجمهم إن أرادوا استرجاع جرحاهم."
تومئ غريتا قبل أن تهرول إلى الأسفل لتبليغ أوامره. مراقبة إياها وهي تغادر الشرفات القتالية، يستدير دوريسون ليرمق جيش العدو. ركّز بصره أساساً على البقع الملونة التي تمثل [سادة القطعان] حسني الهندام.
قال غوردون، وهو [سيد قطيع]
متكبر ومتباهٍ، بصوت عَالٍ موجهاً حديثه إلى المجموعة: "كيف استطاعوا إطلاق هذا العدد الهائل من السهام في وقت قصير إلى هذا الحد؟ هذا لا يمنطق عقلاً، أيمتلكون هذا العدد من الفئات المرقاة؟".
تتألف المجموعة الآن من اثني عشر [سيد قطيع] يمثلون جيشاً منكمشاً للغاية. غادر ثمانية [أسياد قطيع] الائتلاف معتبرين أن هذه المعركة مكلفة أكثر مما ينبغي. شعور يكاد معظم الباقين لا يملكون إلا الموافقة عليه. لحسن الحظ، كان المغادرون هم أنفسهم من تواجد جنودهم في طليعة الهجوم الأول.
أضاف فيران صوته إلى دائرة [أسياد قطيع]: "حقا، مثل هذه القوة، أكنّا غير مستعدين إلى هذا الحد؟ أهُم أقوياء إلى تلك الدرجة حقاً؟"، ثم تابع: "أكان خطأً إذن أن نحتفظ بنخبتنا؟".
فوراً، شرع [أسياد قطيع] يتجادلون فيما بينهم من جديد. صياح وتداخل في الكلام.
هتف: "اصمتوا!".
مثل عاصفة وشيكة، صاح أحد [أسياد قطيع]، وهو واحد من الثلاثة الأوائل الذين تحدثوا إلى قادة العدو، وسافر صوته محملاً بالقصد والمهارة.
[سيد قطيع]
يتجاوز المستوى التسعين. قنطور يدعى هيليوتروب. صمت [أسياد قطيع] الآخرون أجمعون، فلا قائل كلمة ولا محدث صوتاً.
صرح هيليوتروب بصوت عَالٍ: "من الواضح أننا ارتكبنا خطأً فادحاً بافتراضنا أن الأعداد وحدها ستكفيني لنربح هذه الحرب".
تذمر غوردون: "لا تفلسف فارغ! لقد مُرّغت حوافرنا بالتراب بكل سهولة ولا نعرف حتى السبب".
أومأ هيليوتروب قبل أن يرفع يده مشيراً إلى قنطور كان ينتظر خارج الدائرة. تقدم القنطور بخطى ثقيلة نحو نار المخيم المركزية. قنطور شاب يبدو أنه ينتمي إلى قطيع ثانوي بالنظر إلى الشعار الذي يضع على خاصرته. قدمه هيليوتروب إلى [أسياد قطيع]
الذين حدق فيه كل منهم بارتباك: "هذا أرون، طفل محارب قاتل خلال حروب القطيع".
من الواضح تماماً أن الشاب لا ينتمي إلى أي من [أسياد قطيع] الحاضرين.
قال هيليوتروب: "أرون، أرجو أن تخبرهم بما قلته لي. يحتاجون إلى سماع هذا".
ينظر أرون إلى أسياد القطيع، وكل منهم يحدق فيه ويحلله. يبتلع لعابه.
قال أرون، وهو يبلع لعابه مجدداً تحت نظرات الغضب التي يتلقاها من بعض [أسياد قطيع]: "أ-أبي كان [مخططاً] تحت إمرة [الجنرال] كورنيليوس مباشرة. شرح لي أموراً كثيرة عن الجيوش والفئات... والحرب".
فصاح غوردون بصوت صاخب وغاضب للغاية: "إذن ماذا! أتظن أنك اللعين تعرف لما خسشنا؟".
مرير جداً بشأن هزيمته. ومما زاد الطين بلة، أنه وضع قسماً كبيراً من قطيعه الخاص في طليعة الهجوم، أملاً في أن يجلبوا له المجد. كلهم أموات الآن. وسيكون عليه دفع ثمن باهظ عندما يعود إلى دياره.
عقب فيران بثبات، بوصفه واحداً من أكبر ثلاثة قطيع والأكثر نفوذاً، فله كلمة كبرى فيما يُمضى وما يُرفض: "هيا يا غوردون، إن كان لدى الشاب تفسير، فيجب أن نستمع إليه".
يُصدر غوردون صخرة من أنفه لكنه يبقى صامتاً. قال فيران بابتسامة وإيماءة بينما كان يففعيل مهارته [صوت مهدئ]
مما أدى إلى ارترخاء الجمع بسرعة إلى حد ما، ولكن بشكل أكبر للشاب المتوتر: "هيا يا أرون، تابع من فضلك".
قال أرون، ملاحظاً أن [أسياد قطيع]
المحدقين به مرتبكون: "حسناممم، ما يجعل الجيش مختلفاً عن مجموعة مسلحة كبيرة هو تنظيم الرتب والفئات التي تفرضها".
ويتابع الطفل بعد أن وجد أن الجميع يلتزمون الصمت. يتلعثم أرون ويأخذ نفساً عميقاً متمنياً لو كانت لفائف أبيه بحوزته.
لكان الأمر أسهل بكثير بمجرد قراءتها بصوت عَالٍ: "أ-أبدأ من البداية".
يشرح أرون، ويبدأ في الاسترخاء مع استمراره في الحديث: "تصنيف الفئات في الجيش هو [جنود] و[رماة]، و[ملازمون]، و[قادة]، وأخيراً [جنرال]. توجد فئات فريدة تملأ الفراغ مثل [جندي رمح] أو [جندي سيف] ولكن تلك مجرد [جنود] متخصصون. ما يهم حقاً هو الفئات الأخرى".
"فئة [الملازمين] لا يمكن الحصول عليها إلا من قِبل [جندي] بلغ المستوى العشرين على الأقل وهو مسؤول عن مجموعة تضم عشرة أشخاص على الأقل. سيحصلون حينئذ على مهارات تزيد من كفاءتهم والقدرة لنحو عشرة أشخاص. أما فئة [القائد]، من ناحية أخرى، فتتشكل بجعل [ملازم] مسؤولاً عن أكثر من مئة شخص وأن يكون في المستوى الخمسسين على الأقل".
يسأل أحد [أسياد قطيع]
المعتادين على الصمت: "وماذا عن [الجنرال]؟".
"لا نعلم. كورنيليوس وحده حصل على فئة [الجنرال]. لذا لست متأكدين من المتطلبات. لكنه استطاع استخدام مهارات أثرت على الجيش بأسره بخلاف [القائد] الذي يمكنه التأثير على مئتين كحد أقصى".
يتذمر غوردون: "إذن أيها الفتى، أنا أعرف الفئات العسكرية، لكنك لم تشرح بعد كيف أُسقِط جيش يفوق حجمه حجمهم بخمسة أضعاف بهذه الشدة".
يحمر وجه أرون ويخدش جانب قرنه الأيسر: "حسب، أنا [مخطط] من المستوى السابع والثلاثين وإحدى المهارات التي أمتلكها هي [كشف المهارات]. تتيح لي الشعور عندما تُفعل المهارات، وإذا كانت كبيرة بما يكفي، يمكنني حتى تحديد مصدرها بدقة".
"و، أم، استشعرت تفعيل أكثر من ستين مهارة قبيل إطلاق السهام مباشرة".
"ستين؟"
"هذا جنون-"
"وتأثير المهارة على أكثر من مئة-"
"هذا لا يمكن أن يكون-"
"لماذا يود الـ-"
مثل صنبور فُتح، يبدأ كل [سيد قطيع] في الكلام، متقاطعين في الحديث. بعضهم يصيح، والآخرون يصابون بالذعر. كان جلياً أن المعرفة المحددة بحروب القطيع قد ضاعت. تُمذكّرت معلومات الأبطال والتضحيات، لكن لم يُنقل بالضرورة أي شيء عن التكتيكات والفئات والتفاصيل المهمة الأخرى. ففي النهاية، لا تكون هذه المعلومات مفيدة إلا في أوقات الحرب والمعارك واسعة النطاق. وقلة هم من وجدوا التاريخ مثيراً حقاً.
"اصمت"
مرة أخرى ينزل صوت هيليوتروب ويسكت الجميع. مهارته قوية بما يكفي لاختراق دفاعات بقية [أسياد قطيع]. من الواضح تماماً أن مستوياته ومهاراته تتجاوز بقية [أسياد قطيع] بقدر ملحوظ.
"جيد. والآن، ثمة أمر أغفل أرون ذكره هنا وهو أن مهارات رتبة [القائد] تميل إلى تطلب يوم كامل على الأقل قبل إمكانية استخدامها مرة أخرى. ومن الواضح جلاءً أنهم استخدموا كل مهاراتهم أو جُلّها في تلك الضربة الأولى".
يصيح غوردون مشيراً إلى السماء والضوء المتناقص للبلورة: "إذن تريد منا أن ننهجم الآن؟ أجننت؟".
الليل وقت خطير بالنسبة للقنطور، خاصة بالنظر إلى أنه إذا تعثر ووقع المرء، فكسر ساقه أمر مرجح للغاية.
يعقب فيران بانزعاج شديد: "غوردون محق هنا. الهجوم الآن خطير للغاية، سيما مع وجود هذا العدد من الجثث. لعنة، [معالجونا] لا يكادون يواكبون الجرحى الوافدين. وتريد المخاطر بهجوم، ليلاً؟".
بالفعل، يتذمر [معالجوه] أمامه بشأن الكم الهائل من المصابين الذين يُنقلون إليهم. إنهم مستاؤون وغاضبون، متسائلين عن سبب السماح لكل هذا العدد بالموت. يسألونه، والآن، لا يمتلك فيران إجابة واضحة لهم.
"يا فيران، أنت روح طيبة وما انضممت إلينا إلا للحد من عدد القتلى والجرحى. لكني أخشى أنه إن انتظرنا الآن، فسيموت عدد أكبر. لدينا عدد آخر من [أسياد قطيع] يقودون قوة ضخمة نحو موقعنا للانضمام إلينا. سيكونون هنا في غضون بضعة أيام. وأخشى أن يتكرر ذات العدد من الجرحى والقتلى".
يسأل فيران متسع العينين: "هناك المزيد؟ لستم نحن وحدكم؟".
يومئ هيليوتروب: "بالتأكيد، يأتي العديد من [أسياد قطيع] بمقاتليهم للانضمام إلى مقاتلينا. عدة آلاف في الواقع. يبدو أن ليس كل [أسياد قطيع] مستعدين لانتظار [المتحدث] ليعقد اجتماعاً".
يقول فيران مستسلماً: "أنا... فهمت. إن كان لزاماً علينا الهجوم الآن لإنقاذ الأرواح، فسأوافق".
يصيح غوردون وهو يخمش الأرض بانزعاج: "ما زلت لا أستبغ حقيقة أن علينا الهجوم ليلاً. أنا أكرره اللعين الليل. ألا يمكننا الانتظار حتى الصباح؟ مع الضوء؟".
"رماتهم لا يستطيعون إصابتنا بتلك الجودة خلال الليل".
تتحول كل العيون بسرعة نحو المتحدث. نحو أرون.
"أم، إصابة هدف متحرك أثناء الليل، سيما إن لم يكونوا متجمعين، أمر بالغ الصعوبة بالنسبة لـ[الرامي] العادي. ينبغي أن نكون قادرين على خفض الخسائر بنسبة كبيرة بهذه الطريقة".
يمر الصمت سريعاً بينما يحدقون في الشاب. في أرون، الذي يتململ تحت نظراتهم.
يصيح غوردون وهو يغلي من الانزعاج والغضب: "حسناً، إن تطلب الأمر اللعين الهجوم الآن، فسأنضم".
"وسأنضم أنا أيضاً".
"المثل هنا"
وهكذا، يتابع [أسياد قطيع] واحداً تلو الآخر، موافقين على الهجوم. يصفق هيليوتروب بيديه معاً بعد موافقة آخر [سيد قطيع].
يهتف هيليوتروب: "إذن فقد حسم الأمر، سنزحف نحو أبوابهم في غضون ساعة. جهزوا قواتكم، وهذه المرة لا تحتفظوا بالنخبة. سنحتاج إليهم".
يومئ [أسياد قطيع] ويتفرقون لإعطاء الأوامر لقطيعهم. يركضون نحو معسكراتهم المحددة، مطلقين الأوامر. يأمرونهم بالتسليح. المعتاد. يلتفت هيليوتروب وينظر إلى أرون.
"أرون".
يتململ الصتى خائفاً، ثم يستدير، وعيناه ترمقان هيليوتروب بخوف. يبتسم القنطور.
"لقد أديت عملاً رائعاً يا بني. وبفضلك ستُقذى أرواح أكثر بكثير وستنجلي خيانة دراغكينوس هذه للعلن".
يعبس أرون: "أم، أمتأكد أنت؟ وماذا لو كان صحيحاً؟ أن عثر على بطريق الكيتسوني؟"، متذكراً الرسائل التي أُرسلت طالبةً جيشاً ومخبرةً بأن بطريق الكيتسوني الموعود سيظهر.
يدير هيليوتروب عينيه.
"أكاذيب واضحة. تذكر تلك الرسالة التي أرسلها. ذكر أيضاً أن أكثر من مئة قنطور ماتوا، زعموا أنهم قاتلوا زعيم الزنزانة. إنها كذبة سافرة. ارتكب دراغكينوس خطأً، وتسبب في مقتل الكثيرين، ويحاول الآن اختلاق عذر معقد. إنها كذبة ولا ينبغي لك الإصغاء إليها".
يعتدل تعبير أرون: "أ-أرى ذلك. شكراً لك على هذا".
"لم أكن متأكداً، لكن الأمر يغدو منطقياً للغاية الآن".
يومئ هيليوتروب.
"تذكر دائماً ألا تصدق قط ما يقال لك. الأكاذيب متفشية ويمكن أن تكون مميتة للغاية. وخصوصاً هذه الكذبة. كل هؤلاء الرجال في المدينة، يهز رأسه، سيموتون بسبب كذبة ذلك الرجل. وآمل فقط أن يستسلم ما يكفي منهم قبل مقتل عدد أكبر".
"ن-نعم. آمل ذلك أيضاً".
"والآن يا أرون، خذ استراحة سريعة وانضم إلي لاحقاً قبل المعركة. ستساعدنا قدرتك على استشعار المهارات عسى أن تخفض عدد القتلى".
"س-سأفعل. وشكراً لك، لاستماعك إلي".
"في أي وقت يا بني".
يستدير هيليوتروب ويعدو نحو قواته. يراقبه أرون وهو يغادر لبضع ثوانٍ قبل أن يستدير ويتجه نحو خيمته.
"هه، حمقى، أجمعين".
يستقيم جسد الشاب، وتغدو عيناه واثقتين وشريستين. ترتسم على شفتيه ابتسامة تظهر أسنانه. أكاذيب يقول. يبدو واضحاً تماماً بالنسبة لي أنك لا تكترث حقاً للأرواح التي ستزهق. إن كان تخميني صحيحاً، وهو على الأرجح كذلك، فكل ما يبتغيه هو نيل منصب دراغكينوس. لقد ظل يحاول طوال العقد الماضي على أي حال. يلتفت أرون برأسه، رامقاً مدينة تريدفوت بنظرة، حاسباً الحسابات بسرعة. بالنظر إلى المهارات المستخدمة سابقاً وحقيقة أن القائد هو دوريسون، وهو [قائد مخططة]، فسيكون منطقياً أن تلك المهارات الستين أو نحوها لم تكن سوى جزء يسير مما يمكن أن تحشده تلك القوة.
يُطلق أرون ضحكة خافتة وهو يمشي في ظلمة الليل، آملاً أن يرتفع مستواه نظراً للتلاعب الذي دبره. ففي النهاية، لقد أوقع لتوّه جيشاً كاملاً في الانتحار.
"ممم، أتساءل أي مهارة سأحصل عليها إذا بلغت المستوى التسعين".