الفوضى العارمة الفصل 30 — المطر الأسود

اقرأ الفوضى العارمة الفصل 30 — المطر الأسود باللغة العربية على مانجا تايم.

حين تحاول أن تترك انطباعاً، فعليك ألا تنسى أموراً كثيرة. ولا أعني انطباعاً كأن ترتدي ثياباً أنيقة وتبتسم، فهذا هينٌ تماماً. كلا، حين أقول انطباعاً، فأنا أعني شيئاً لا يُنسى أبداً. مثل طفل صغير يدخل فضولياً غرفة أمه ليجد ثلاثة رجال ضخام ينقضون عليها. هذا هو الانطباع. انطباع لا يمكن محوه. إلا إذا جعلك عقلك الباطن تنسى بطبيعة الحال. وهو أمر مختلف تماماً. فتلك الذاكرة لا يُقضى عليها بل تُكبت فحسب.

وحينها، قد تظل تؤثر في نشأتك. الذكريات المكبتة تُغير الأشخاص دون أن يدركوا السبب. وفي حالات نادرة، تلك القيود التي تكبل تلك الذكريات… حسناً، قد تصدأ. لكنني أخرج عن الموضوع. ولكي تترك انطباعاً ناجحاً، لابد من توافر عدة نقاط أساسية.

النقطة الأولى والأكثر أهمية هي "التوقيت".

إن تأخرت أو استعجلت، فقد يفسد كل شيء. لو لم يكن أولئك الرجال في خضم تمزيق المرأة، لما كان التوقيت مناسباً.

النقطة الثانية هي "الجمهور".

من أو ما هو جمهورك وكيف يمكنك التأثير عليه بالشكل الذي تريده. الطفل، وخصوصاً الصغير، إسفنجة. وإن رأى طفل شيئاً وأثار اهتمامه بما يكفي، فيمكنك أن تراهن برأسك على أن الصورة ستنحفر بعمق في عقله.

النقطة الثالثة هي "الأثر".

ماذا تريد لجمهورك أن يتذكر؟ أهي صرخات المرأة ألما أم أنها صرخات متعة؟ أم كلاهما؟ في هذه المرحلة من الحياة، بعد عدة حيوات للامانة، لا أعرف الأثر الذي خلفه ذلك. لكنني أعرف التوقيت واللحظة الدقيقة التي اكتسبت فيها قدرتي على الإدراك والفهم. حين توسعت روحي، محولة بساطتها الهزيلة إلى شيء استثنائي. وهو أمر، بالمناسبة، مفيد للغاية في استيعاب أي موقف سريعاً وصياغة رد الفعل المناسب له.

لذا حين وصلت إلى مكان يعج بالصرخات، تفاجأت حقاً بوجود قنطورس. وهي قنطورس فعلاً. جسد سفلي لحصان مع جسد علوي لـ... كائن شبيه بالبشر. يكسو الفراء الجزء العلوي من جسد القنطور بينما يبدو رأسه بشرياً للغاية. باستثناء آذان الخيل بالطبع. إن حقيقة عثوري على قنطورس في طابق الزنزانة الثاني رغم أنهم أخبروني بأنهم يعيشون في الطابق الثالث أمر مزعج. من الواضح أنني افتقر إلى المعلومات ولا زورين ولا أناتيما بارعان في التأكد من إمدادي بالمعلومات الصحيحة.

لكن هذا أمر لا يمكن التعامل معه إلا حين أعود إلى القاعدة. أما الآن، فيجب أن أتعامل مع الموقف. موقف يشرف على نهايته بينما أراقبه من الجو. وكل ذلك بسبب ديناصور رابتور عملاق بقرن أصفر خرج من الغابات. كائن شرس أرى أنه من الضروري تفعيل مهارة [التحليل المتقدم] عليه.

مهشّم ألفا المستيقظ في الزنزانة. المستوى 96

تُعرف المهشّمات بكونها صيادة جماعية، وهي صيادة سريعة ومراوغة لفريستها، ذات معدل تكسل عالٍ وإمكانات تعلم مذهلة. ومع قدرتها على تسلق الأشجار وقفز المسافات، تعد هذه الوحوش قوة خطيرة في القتال.

هذا المهشّم بالذات اختارته الزنزانة ومُنع حجماً وذكاءً أكبر.

استيقاظ زنزانة؟ حقا؟ لماذا لا يوضح لي أحد أي شيء؟ أهز رأسي طاردا هذه الأفكار في الوقت الحالي بينما أتلمس ينبوع مانا الهائل الخاص بي. أرسل تلك المانا فورا نحو الأقراص المثبتة على مطيتي الضخمة مستحوذا عليها لأجعلها تدور في فلك حول موضعي. يصرخ الوحش المستيقظ مطلقا إشارة لأقرانه الأقل رتبة كي يندفعوا. لكنني لا أتحرك بعد. حتى عندما ينال أحد الرابتورات عضة محظوظة في حنجرة قنطور ويمزقها لا أبدي أي رد فعل.

بدل ذلك أجمع المانا في كفي وأوجهها نحو ألفا المستيقظ. تمر ثوان ويبدأ القنطور في القتال بيأس. وحينها يفقد أحد القناطورات الذي يبدو كالزعيم رمحه ويتعثر إلى الخلف. أطلق سحاب السائل الأرجواني كخرطوم مغطيا الوحش أقرن الأصفر به بينما أمر في الوقت ذاته عشرات الأقراص بالهبوط. أنقذ الزعيم بينما أفتك بالمهشس الآخر حول موضعي قبل أن أركز على ما هو أبعد. يبدأ الوحش أقرن بالصراخ ألما وعذابا بينما يحرق الأسفلت جسده.

تدفع الصرخات المهشسين إلى الذعر وهو ما استغله لقتل المزيد منهم. أطلق بعض الغاز وأتحكم في قرصين كي يدورا حول صانعا سحاب الحمض الأرجواني وكأنما هو تحت سيطرتي التتمامة لكنه يسترشد فقط بتيار الهواء الناجم عن دوران أقراسي. أكتفي بعد ذلك بتشبيك ذراعي محملقا في المهشس المعزز المتلوّي وأنا أرتدي أكثر تعبيرات الملل التي يمكنني صنعها. بل وأبذل جهدا كبيرا كي ألا أحول بصري.

وبدل ذلك أستخدم عيني مطيتي المتوهجتين بالأرجوان لمساعدتي في توجيه أقراسي. ____________________________________ ندهش زوتيال ويخافه لدرجة تجعله يعجز عن وصف المذبحة الجارية في هذه اللحظة بالذات. بل إن البقية من أبناء جنسه يشاركونه تلك النظرة ذاتها من التعجب. حولهما تغرق الساحة بالدماء والجثث وكلها تواصل التراكم بينما لا يكاد المهشسون الحائرون يدركون ما يقتلهم. حتى الأشجار الأبعد ليست استثناء من التمزيق.

سقط البعض منها بالفعل وفقد البعض الآخر عدة فروع. وكل هذا يفعله فرد وحيد، وإن كان زوتيال صادقا، يبدو وكأن المذبحة التي يصنعها سهلة كقلب كفه. لا يبدو أنه يتحرك أو حتى يفعل أي مهارات.

"من هذا؟ أيكون كيتسوني يا ترى؟"

يسأل ابن عمه مغمضا عينا ومحملقا بالكائن الحائم في الهواء فوق وحش قادر على قتل قنطور بكل سهولة.

"لا... ليس لديه أي ذيول"

يقول زوتيال وقد سبق ورأى كيتسوني عندما كان أصغر سنا. كانت المرأة التي رأاها تمتلك ثلاثة ذيول.

"ولا يمكن أن يكون من الغاجن أيضا؟ أليس كذلك؟"

يصمت زوتيال مدركا تمام الإدراك أن الكائن الذي يطيل التمحك فيه ليس من جنس السحالي. لقد رأى أولئك، مجموعة كبيرة منهم، وقد مروا عبر المدينة قبل وقت غير بعيد. تمر بضع دقائق ويتوقف المهشس المستيقظ عن الصراخ ويتخبط جسده قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. تخلو الساحة الآن من أي مهشس حي ولا يصدر أي صوت سوى طنين الأقراص المرعبة وهي تتحرك عبر الهواء كأنها تصطاد وتنتظر الدماء. وأخيرا تلتفت عينا الكائن المتوهجتان بالأرجوان نحو القنطورين، عينان تحملان قوة وسلطة لا مثيل لهما.

ومع سلطة غير معهودة تخفق المطية الطائرة بجناحيها ملتفة نحو القنطورين وهابطة إلى الأمام. يتتبدد الغاز المحيط بالكائن بينما تتجمع الأقراص في المنطقة حوله حامية إياه من أي خطر مهما كان نوعه. يهبط الوحش على بعد عشرة أمتار تقريبا من زوتيال. تبدو عيناه المتوهجتان بالأرجوان خاليتين من المشاعر. يترجل الكائن ويخطو بضع خطوط للأمام. تتلاقى عيناه مع عينيه بينما يبتسم رافعا حاجبا.

يلعن زوتيال نفسه على خطأه ويسرع بمحاذاة جسده مع الكائن مخفضا حوافره الأمامية ومثنيا إياها لتسمح لركبتيه بملامسة التراب. ثم يهوي بقبضته على الأرض متجاهلا لدغة الألم بينما تلامس يده الأخرى صدره.

يخفض رأسه ناطقا: "أنا زوتيال من قطيع الأربع حوافر. أركع احتراما لك أيها العظيم. أشكرك على إنقاذ حياتي."

على الفور يقلد باقي القنطورات زوتيال راكعين على الأرض بالوضعيات ذاتها التي يتخذها المرء عند التعامل مع سيد قطيع [Herdmaster] شديد الاحترام.

"أنا سينيان-"

"أنا أبتسان-"

"أنا هاليستوس-"

ينطق القنطورات الباقون بكلماتهم الشبيهة بكلمات زوتيال واحدا تلو الآخر. وأخيرا وحين يفرغ الأخير يرفع زوتيال رأسه قليلا متوقفا لحظة حين يرى عبوس الاستنكار على رأس الكائن.

محاربا حيرته يحاول زوتيال الكلام: "أيها العظيم. أهناك مش-"

"اصمت."

مثل زئير وحش تهتز الساحة بينما ترتد موجات الصوت عن الأشجار متجاوبة معها لتخلق ما يعتبره زوتيال صدى. صدى عال ومؤلم للغاية.

"أقرانكم، أولئك الذين قاتلوا ونزفوا إلى جانبكم. أولئك الراقدون على الأرض الآن، كثر منهم أموات، والبعض الآخر لا يزال يتنفس، ولكن بصعوبة. يمكن إنقاذهم."

يتوقف الكائن، وينغرس شعور في قلب زوتيال، ضغط هابر. يجعله عاجزا عن التنفس وكأن كلمات الكائن إبر تطعن رأسه. مئات الإبر. وكل إبرة تبدو مشبعة بغضب الكائن وخيبة أمله.

"وبدل ذلك تلقون بوجوهكم في التراب متشدقين باحترامكم لي بينما حلفاؤكم المحتضرون هم من يحتاجونه حقا."

تتوهج عينا الكائن بأرجوان ينذر بالشر بينما تسرع الأقراص الدائرة ويبدو الهواء وكأنه يهتز غضبا. يتصاعد الضغط وتتضاعف الإبر.

"توقفوا عن الانحناء وأنقذوهم أيها اللعناء وإلا جعلتكم تنضمون إليهم."

كالبهائم التي تخاف ضارياً، تثب القنطورات في الهواء وتلتفت بسرعة، تتلفت حولها باهتجاج، لتجد القليلة التي ما زالت تتنفس. وبينما يحدث ذلك، أرمقها بنظرات حارقة. لأنني غاضب. غاضب جداً في الواقع. أوه، أنا في قمة الغيظ الآن. وهذا مزعج. فحين أغضب، أغضب حقاً، أميل إلى قتل الاشياء. لكن غضبي نادر الحدوث. لا يكاد يحدث أبداً. موت الناس، يحدث. العبودية، تحدث. عبودية الأطفال... حسناً، هذا يثير غيظي ويستدعي القتل.

لكن هذا. نسيان حلفائكم الجرحى؟ هذا يثير غيظي أيضاً... كثيراً. وأريد أن أقتل الأشياء... لكني قتلت كل شيء بالفعل. وهذا ما يثير غيظي!

"هاليستوس، هذا حيّ. إنه يتنفس، ساعدني في حمله."

أراقب قنطورين بفرو بني مائل إلى الاحمر يحركان الجثث، مما يمكنهما من حمل قنطور مصاب بجروح بالغة وقد انثنت ساقاه الخلفيتان في الاتجاه الخاطئ. القنطور فاقد الوعي، على الأرجح من الألم. قنطور آخر، مستيقظ حقاً ويئن، يُرفع لكنه يفتقر بوضوح إلى القوة للوقوف. تتحرك عيناي، ترمقان القنطورات وهي تفحص الجثث بسرعة، تبحث عن نبضات، لتجد القليل منها، بينما يموت البعض الآخر فور تحريكه.

"هاليستوس، أحتاج إلى أن ترجع جاداً إلى المدينة. سنحتاج إلى [معالجين] والكثير من الناس. سنحتاج إلى حملهم"، يهتف ذاك المسمى زوتيال، وهو يضع بسرعة نوعاً من المرهم على الجرح قبل أن يغطيه بضمادة.

"لن يكون ذلك ضرورياً"، أقول، رافعاً يدي.

تلتفت القنطورات، ناظرة إلي، بملامح حائرة.

رفعتُ يدَي مفعّلاً مهارة [الصوت العالي]، وهي مهارة تقتصر في الواقع على رفع حدّة أي صوت تصدره. لذا عندما نقرتُ بأصابعِي... **بـوووم**... انطلق دويّ انفجار هائل. أتبعتُ ذلك الصوت فوراً بأمر ذهنيّ. بتناسق تامّ، أقلع طائريّ الموتى من بعيد، قافزين عن الأغصان ومحلّقين نحو موقعي ليحوموا فوق رأسي. كانت تعابير حيرتهم وذهولهم كفيلة تقريباً بأن تنسيني غضبي السابق. تقريباً...

أشرتُ في الهواء: "ستتمكّن تابعة المِنّ من حمل حلفائكم نحو مدينتكم. أشكّ في نجَاتهم إن اضطرّوا للانتظار".

نظر إليّ زوتيال متوسّعةً عيناه.

حنَى رأسه: "شكراً لك أيّها العظيم".

حسناً. مَن أخدع؟

كيف لي أن أغضب حين أُدعى بـ«العظيم».

سحقاً، كان فرانكي محقّقاً حين قال إنّني مدمن مديح. يجري زوتيال عبر الفسحة، تؤلمه جراحه، لكنّها لا تهشّ أمام ما يحمله العظيم. يلقي نظرة للأعلى، مراقباً الوحوش الخاضعة للعظيم وهي تحمل إخوته الجرحى في مخالبها. ثم يتذكّر خطأه ليقطّب جبينه.

قال ابن عمّه هازّاً رأسه بابتسامة ارتياح عارمة تزين وجهه: "لا تقم بجلد ذاتك يا زوتيال. ظنّنا جميعاً أنّه من اللائق إظهار الاحترام له. كيف لنا أن نعلم بأنّه سيغضب".

ابتسامة لا يملك زوتيال لومها عليها. ظنّ الجميع أنّهم هالكون. كانت الأعداد لا تحصى، لكنّه أنقذهم... بل وبكّتْهم على إهمالهم.

يوضح زوتيال: "حسناً، لا أستطيع لومه. كان حريّاً بنا تفقد الجرحى أولاً. لقد أذهلني الموقف لدرجة أنّه غاب عني ما أفعله"، ليحظى بإيماءة تفهم من ابن عمّه الجاري جنبه والمحافِظ على سرعته.

يعبّر زوتيال عن أفكاره بعبوس يعلو وجهه: "مع ذلك، أودّ معرفة اسمه وماهيّته ولماذا هو هنا أصلاً، وكيف لي أن أشرح لـدراجكينوس هلاك الكثير من قطعان المجلس. إنّه مكروه أصلا من المجلس. وسيمحمه هذا الإخفاق ذريعة لمواطأة استبداله".

رفع هولستوس بصره: "حسناً، من الجليّ أنّه لن يكون المستهدف الوحيد من المجلس، رغم تساؤلي عمَّا يمكن للمجلس فعله حقّاً بحتّالة مثله".

يرفع زوتيال بصره لترتسم على وجهه ابتسامة، مدركاً أن الأمور قد تغيّرت بعد كل شيء. يبدو المجلس متساهلاً نوعاً ما مع الغرباء، خصوصاً بعد إبادة نصف أعضائه السابقين على يد كيوتسوني واحدة. في غضون دقائق، وجدت مدينة إيكوس نفسها في حالة تأهب قصوى بعدما رصد قائد الحرس المزود بمهارة [النظر البعيد] سرباً من الفولاري مقبلاً من الغابة. يفوق عددها العشرين، ويبدو أنها تحمل شيئاً في مخالبها، عجز قائد الحرس عن تمييزه.

امتلأت المدينة سريعاً بالقنطور المحتشدين فوق الأسوار، مستعدين لإطلاق السهام. وقف إلى جانبهم دراجكينوس، مرتدياً درعاً سميكاً من العظام والقميص المعدنيّ المصبوغ بالسواد، بينما استقرت على ظهره العضليّ رمح حديديّ مسحور مصنوع من العظام؛ سحر مفيد ومكلف يتيح لخشب شجيرات التريانت تمديد نصل العظمة الضخم، مانحاً إياه مدى أبعد بكثير مما يُتوقع. تمر الدقائق ويزود قائد الحرس بالمزيد من المعلومات، متوصلاً لصورة أوضح للموقف، بما في ذلك عدة قنطور يركضون عبر الغابة وشخصية تقف بجرأة فوق أنثى فولاري تفوق أضعافاً مضاعفة أحجام الذكور الذين تبعوها بتشكيل مثاليّ.

تشكيل غير طبيعيّ، ما قاده للاعتقاد بأن تلك الوحوش مُسَيَّرة، ربما بفضل الكائن الواقف فوقها. وهو أمر منطقيّ، ففي نهاية المطاف، حفيدته الكبرى هي [سيدة الوحوش]. بحركة من يده، أشار [للرماة] و[حماة الأقواس] بكف إطلاق النار بينما صاح [بحارس] ليفتح البوابات. ففي النهاية، إن كانت تلك الوحوش الطائرة تشكل خطراً، فالبوابات والجدران تصبح عديمة الفائدة على أي حال. مسرعاً، مر زوتيال كبرق جانب أخيه بسرعة مهولة، متجاوزاً إياه بأضعاف، ليسبق الطائرات.

تمر لحظة ليقتحم البوابات المفتوحة صارخاً: "لا تطلقوا النار. إنه حليف. إنهم يحملون جرحى".

يلتفت زوتيال للخلف، باحثاً ليقع بصره على دراجكينوس، إذ كانت عينا القنطور العجوز مسمرتين عليه. يومئ القنطور برأسه قبل أن يلتفت نحو حارس هامساً له بشيء، ما دفع الحارس للعدو نزولاً عبر التحصينات باتجاه داخل المدينة. لكن زوتيال لم يدرك فحوى الرسالة لوصول الوحوش، محلقة فوق السوار، ومنزلقة برفق نحو الأرض قبل أن تودع القنطور الجرحى برقة مذهلة. وما إن استقرت الأجسام على الأرض، مصطفة باتقان تامّ، حتى حلقت الوحوش لتهبط فوق السور، مفزعة العديد من القنطور، دون أن يجرؤ أحدهم على الإطلاق.

ثم وصل أخوه وبقية القنطور، لكن زوتيال التفت متجاهلاً إياهم ومراقبًا العظيم يهبط من السماء، واقفاً بوقفة مهيبة بحقّ، يعجز أيّ فرد في المجلس عن مجاراتها. ثابت، مهيب، بهيئة زعيم. هبط وحش العظيم بجانب السور، بالقرب من دراجكينوس، ليلتصق به الوحش. تقدَّم العظيم بخطوات بدت مثالية ومحسوبة. ترجل عن الوحش وتوقف أمام دراجكينوس.

"أنا كواسي إيلودو، [بطل] من خارج هذا القبو..."

كانت الكلمات عالية ومهيبة، قوية ولا تلين. سمعها الجميع بوضوح وكأن أحدهم يقف بجانبك.

"...وقد أتيت إلى هنا لأحكم العالم".

ترددت كلماته بصوت مدوٍّ، ما أنكر أحد سماعها، وما أنكر أحد ما حدث تالياً. تقدّم دراجكينوس خطوة وخفض ركبتيه، محنياً رأسه، بينما تحركت يده لصدره ووضع رمحه على الأرض.

"أنا دراجكينوس من قطيع «المطر الأسود»، وأعلن ولائي لك يا كواسي إيلودو".