حي الشعراء. عُرف بقربه من نقابة الشعراء. مكان للتعبير الفني. منحوتات دقيقة. لوحات بالغة الروعة. قطع فنية لا تُسمى. تتربص في كل زاوية شارع وعند كل دكان. خارج المباني وفي داخلها. وفي كل تفصيل من تفاصيل كل مبنى. يصرخ أسلوب فني. لولا أنه في كل الممالك والإمبراطوريات تقريباً، لَقُصِرَ على الكبار وحدهم. يتتبع كواسي خيط المانا. متجاوزاً تماثيل أعضاء ذكرية ذهبية بأحجام وانحناءات متباينة.
ومتجاوزاً نوافير يلتف فيها تمثالان ليصنعا لولباً مزدوجاً بينما يرشان الماء في الهواء. وماراً بين مبانٍ تصور الأعضاء التناسلية الذكرية بجلاء فظيع وبكل مجدها. قال كواسي وهو يشق طريقه عبر الشوارع: —أشعر وكأنني دخلت لتوّي حيّ إضاءة سماويّة. لماذا بحق الجحيم تقصد جيسيكا هذا المكان بالذات؟ أومأ تودوستو: —نعم، لماذا يا ترى. محادثاتي معها أعطتني انطباعاً بأنها فتاة مهذبة ليس لها ميل إلى المجون.
كلما توغل كواسي وتودوستو في الحي المليء بالأنصاب، ازداد الفن تفصيلاً وعظمة. عروق صناعية تنبض بنور الشمس وتتبع انحناءات التماثيل القضيبية البارزة من بين شجيرات مهذبة بعناية. في النهاية، يصل اثنان إلى وجهتهما.
نزل وحانة مليئتان بالتماثيل القضيبية ويحملان اسم "لذة ملتحية".
يوجد في أعلى المدخل عضو ذكري ضخم بحجم سفينة صُنع من عشرات الآلاف من خيوط الحبال المجدولة. علق تودوستو: —هاه، لقد سمعت بهذا المكان حقاً. —أحقاً؟ أومأ: —عندما كنت أرصو في سفارتالفهايم للتجارة، كنت أسمح لبحارتي بالنزول لاستكشاف المدينة.
ذكر الكثير منهم نزل "لذة ملتحية"
وأكدوا أنه أفضل نزل زاروه على الإطلاق. لعن كواسي: —تبّاً لي. أخبرتها أن تجد أفضل نزل في المدينة. هذا خطئي غالباً. هز تودوستو كتفيه: —لا يمكنك تغيير قهوة محترقة. استغل المشروب فحسب. خرخر كواسي: —أجل. معك حق. لنرَ ما في الداخل.
* * *
استند مولوكا إلى مقعده بابتسامة. وارتشف أحياناً من مشروب الحلمة الزبدية المقدم له بينما كان يستمع إلى اللحى الرمادية وهي تتجادل فيما بينها. —إمبراطور يجول في مدينتنا! يجدر بنا الترحيب به بالشكل اللائق. قال شيخ: —لكنه إمبراطور مجهول من الجنوب البعيد، وإن كنت أتذكر جيداً، فالجنوب فقير للغاية. لا أريد إضاعة الوقت مع إمبراطور بلا قوة سياسية أو مالية تقريباً. تساءل آخر: —أمتأكدون من أن الجنوب ما زال ضعيفاً؟
على ما ندري، ربما أصبحوا أقوياء في فترة زمنية قصيرة. أعني —مسح الشيخ لحيتَه— يُقال إن جنرالاً شيطانياً يغزو الجنوب بجيش من الوحوش والأموات الأحياء. تأمل شيخ: —هممم، أتساءل إن كان جيش الشياطين والجنرال الشيطاني مترابطين. عقب قزم بعين يسرى ميتة يخترقها ندب من المنتصف. وهو كبير السماء المقاتلة والقائد السابق لحرس سحر الأقزام، مطولاً نظره في السائل العكر داخل قدحه، وغارقاً في أفكاره: —مستبعد.
الشياطين لا حاجة كبيرة لهم بالوحوش إلا إن كانت أمواتاً أحياء. والأرجح أن مشعوذاً استدعى الجنرال الشيطاني والأموات الأحياء معاً. سأل هريدمير: —أفتظنها مصادفة إذن، فلورنس؟ نقر فلورنس على قدحه فتجمد صقيعاً على سطحه. —تزعم تقارير الجنوب وجود خسائر مدنية محدودة للغاية بين المدن المفتوحة، وأنه بمجرد القضاء على القيادة القديمة، ينصب الجنرال حكاماً محليين. لا يشبه هذا البتة جيش الشياطين في الشمال الذي يحرق الأرض ويبيد كل ما يسبقه.
أخذ فلورنس رشفة صغيرة من بانتاكا البارد. رشفة بليغة أغنت عن الكلمات. أخفى هريدمار تكشيرة وهو يشبك يديه. —هم. بغض النظر، ماذا عسانا نفعل حيال هذا الإمبراطور؟ —نظر هريدمار إلى مولوكا الجالس بهدوء وهو يحتسي مشروبه— مولوكا، ما رأيك في شخصية الرجل؟ قال مولوكا ببساطة: —غريب أطوار للغاية. إنه رجل نبيل من الطراز الرفيع، ومشعوذ مرعب، ونوع مجنون من الشعراء. تكشّر هريدمار فعلاً.
قال باشمئزاز منزعج: —شاعر... وانتقلت أفكاره إلى حي الشعراء، وتحديداً إلى نقابة الشعراء وكل ما يتعلق بها. قاطع فوراد أفكار هريدمار: —سيادي، بغض النظر عن مكانة الرجل، فهو لا يزال مالك السفينة. أقترح أن نضيّفه ونبحث عن فرصة لابتياع السفينة، فهي إرثنا. أشار أحد اللحى الرمادية: —كأنه سيكون مستعداً لبيع السفينة. هز فوراد كتفيه: —ربما يفعل، وربما لا. الفرصة لا تأتي لمن ينتظر.
أقترح أن ندعوه ونجري معه حديثاً. تنهد هريدمير: —حسناً، سنعد وليمة ليلة الغد. مولوكا —نظر إلى القزم المسترخ— اذهب وأبلغ كواسي بدعوته رسمياً. —الآن؟ —نعم، الآن. اذهب —لوح هريدمير بيده للأدميرال. جرع مولوكا مشروبه المجاني السابع، ونهض، تاركاً اللحى الرمادية لخصوماتهم. وعندما أُغلقت الأبواب خلفه، توقف مولوكا في مكانه مدركاً أنه نسى أن يسأل عن مكان إقامة كواسي. لعن: —دبر ثور الأشعث!
—وبدأ يركض في الرواق. ____________________________________________________________ —جيش لعين! لقد جلبت جيشاً اللعيناً من... من المستذئبين الدمويين إلى كاميلوت. ألديك أي فكرة عن مدى خطورة هذا وحماقته، فضلاً عن مظهره؟ عَبَس فرانكي: —لا أرى مشكلة في الأمر. أعني، بلى، هم أقوياء، لكنهم ليسوا قريبين حتى من أن يشكلوا تهديداً للمدينة. صرخ أوديان. نهض وأشار إلى خادمة مرعوبة: —ائتني بأقوى مشروب وأبرده يمكنك إيجاده.
قالت الخادمة بسرعة: —حـ-حاضر! سقط رئيس الوزراء على مقعده واصطدم رأسه بالطاولة: —تبّاً! —لعن. قال فرانكي للرجل الأسترالي: —أظنك تبالغ في ردة فعلكم. لا يتحرك أوديان البتة. يترنح صامتاً إلى الأمام حتى تعود الخادمة ومعها زجاجة أبهنت وكأسين فارغتين. وما إن تضعهما على الطاولة حتى يمسك أوديان الزجاجة، وينزع الفلين، ويتجرع نصفها. يحدق فرانكي بحسرة في الكأسين الفارغتين. —آآه.
—ألقى أوديان نظرة على الملصق، ثم جرع الباقي. وأسقط الزجاجة الفارغة في الموضع الذي استقر رأسه فيه قبل قليل. أخذ نفساً عميقاً: —فرانكي، جيش اللايكان الذي جلبته ذبح جنرالاً أيسيرياً وهزم ثلاثة جيوش. صرح الآيسير علانية بأن أي مدينة تؤويهم ستُعدّ من أعدائهم. رفع فرانكي حاجباه: —إذن، ماذا؟ أظنهم سيشنون حرباً على كاميلوت بسبب أمر كهاذا؟ اللايكان هنا لأيام معدودة ثم يتوجهون جنوباً.
يحاول أوديان الشرب من الزجاجة الفارغة، ويتلفت بحثاً عن أخرى، ثم يرمق الخادمة بنظرة حارقة حين يعجز عن ايجاد واحدة. تُطلق صفيحة خائفة، وتندفع نحو الطاولة الجانبية. ضرب رئيس الوزراء بكلمة مع الزجاجة: —لا. يهم اللعنة! —وعندما هوت الزجاجة للمرة الثالثة، تدفق السائل على يد أوديان. نظر إليها، ثم أخذ رشفة— حين يكتشف الآيسير أننا سمحنا للجيش بدخول كاميلوت، سيُعلنون الحرب.
تكشّر فرانكي: —يبدو لي هذا جنونياً أيضاً. أعني، إنهم يخوضون حرباً طاحنة بالفعل في الشرق. قتالنا سيعقد أمورهم ويمدد جيشهم حتى ينهك. أظنك تبالغ في ردة فعلِك. أنا متأكد من أن بإمكانك شرح الأمر لهم بأنه سوء فهم. ينهي الأسترالي الزجاجة التي في يده. يقهقه بتواضع: —ممدود حتى ينهك؟ لا، على العكس تماماً، الآيسير أكبر وأخطر بكثير مما يدركه أي أحد. يحاول فرانكي عقد ذراعيه، ليتوقف في المنتصف حين يتذكر أن ذراعاً لا تزال ناقصة منه.
يكتفي بإراحة ذراعه الوحيدة على طاولة المطبخ. —ماذا تعني؟ تنهد أوديان: —منذ بداية الحرب، انخفضت التجارة مع الشرق حتى صارت كقطرات الماء، بينما لم تتغير التجارة مع الغرب البتة. لا تلاحظ الممالك الغربية أي تغيير في مستوى المعيشة. بصزت استثناء بضع ممالك قريبة من الجبهة، فإن معظم القوات العسكرية والشعب في الغرب لم يمسسهم سوء قط. يستطيع الآيسير في أي لحظة استدعاء عشرات، إن لم يكن مئات الجيوش التي تضم عشرات الآلاف.
لعن فرانكي: —تبّاً. —وأومأ أوديان. وضعت الخادمة بهدوء زجاجتين أخريين على الطاولة، إحداهما أمام فرانكي. مد أوديان يده نحو زجاجته: —اشرب. ستصبح الأمور جنونية.
___________________________________________________ تجلس جيسيكا على أحد المقاعد المصممة على شكل عضو ذكري، بينما ترتشف من قدح على الشكل ذاته، فيما تجلس صاحبة "لذة ملتحية"
على طاولتها وقد لفت شعرها على هيئة كعكة ذكرية الشكل. —الآنسة شانيل... حنحنت المرأة وقاطعت جيسيكا: —أحم. تنهدت جيسيكا مصححة: —السيدة شانيل، أنا هنا فقط لأحصل على غرفة لي ولِكواسي. لسنا بحاجة لما تقدمينه. فكت السيدة شانيل تشابك ساقيها وتمددت فوق سطح الطاولة. —جيسيكا، جيسيكا، جيسيكا. يمكنك إنكار ذلك مهما شئت، لكنني أستشعر الشهوة في روحك. ترغبين في إشباع رغباتك، لكنك تنكرينها.
—ولكن... —شششش، لا وبدات. —من دون حتى أن تريها تتحرك، وضعت السيدة شانيل إصبعاً مقلماً على شفتي جيسيكا. —تستخدمين وعدك بالعفة درعاً. ترغبين في الحب، الحقيقي والجسدي، لكنك تنكرينه خوفاً من العواقب. رتبتك، مهاراتك، وعودك. إنها قيود تفرضينها على نفسك —أحاطت السيدة شانيل وجنتي جيسيكا بكلتا يديها— لكن الشأن في القيود أنها ستتآكل عاجلاً أم آجلاً وتحتاج إلى استبدال. ألمك، خوفك، رغباتك؛
لقد تجاوزتِ بحكمتك وعمرك القفص الذي حبستِ نفسك فيه. اطرحي قيودك جانباً وأمسكي بالسعادة والح الحب. إن لم يكن من أجل نفسك، فمن أجل ذلك الرجل الذي تشتهينه. —ماذا؟ لا، أنا لا... قهقهت السيدة شانيل: —يا عزيزتي، أنت واقعة في حب شخص ما، ولست بحاجة إلى مهارة لأكتشف أنه الشخص الذي تسافرين معه. تفوح منك رائحة الغيرة، والغضب، والأهم من ذلك كله، الخوف. احمرّ وجه جيسيكا خجلاً. تحركت لتبعِد يدي السيدة شانيل عن وجنتيها، لتدرك أنهما ابتعدتا بالفعل.
تحركت السيدة قليلاً إلى الوراء، مانحة جيسيكا بعض المسافة. —لا أحتاج إلى أحد، وحدها إير. كقطة تنتظر الانقضاض، اغتنم السيدة شانيل الفرصة: —لكن هل تحتاجك إير؟ أسمع كلماتك، لكنني أستشعر شقوقاً. كانت عقيدتك أقوى، وولاؤك مطلقاً، لكن الأمر لم يعد كذلك بعد الآن. الجرح طريّ. هيا يا جيسيكا، أخبري السيدة شانيل بما حدث. تلعثمت جيسيكا: —لا. لا أستطيع. هذا... —عاد عقلها بالذاكرة إلى صنفها الجديد.
[رئيسة دير الطاعون]، صنف للشفاء والإيذاء.
ثنائية متناقضة لا ينبغي أن تمتزج، لكنها تفعل. —استرخي يا جيسيكا —لوحت بيديها نحو الآخرين داخل النزل. يجلس المقيمون والعمال والكثير الكثير من الطلاب مع مشروباتهم، وغالبهم يعنون بشؤونهم، باستثناء الطلاب. يحدق جميع الطلاب في جيسيكا وشانيل وكتبهم مفتوحة لتدوين الملاحظات— لكل شخص قصة في حياته فيها الجانب الجيد والسيئ. ولديها، مثلك، انتصارات وانكسارات، نجاحات وهزائم، مباهج ومنغصات، توق واسترخاء، وكل ثنائيات الحياة.
يمكنهم إصدار الأحكام عليك، لكنهم لن يستطيعوا أبداً الحكم عليك بقدر ما تحكمين على نفسك. مرة أخرى، تشعر جيسيكا براحة يد شانيل تستقر برفق على وجنتها. —والآن، أخبريني بما يضنيك. ما الذي أصاب ولاءك ليخلق مثل هذه الشقوق؟ ماذا حدث... قبل أن تتمكن السيدة شانيل من المتابعة، قاطع حديثها ارتجاج انطلق من مدخل نزلها. بدأت تقول: —ما هذا... —لكن كلماتها قاطعتها مرة ثانية هزّة ثانية أشد.
توهجت التعاويذ على بابها بقوة طاغية. عبست السيدة شانيل ونهضت عن الطاولة. واستعدت لإطلاق هالتها، ليقاطعها أشد ارتجاج حتى الآن. توهج بابها بلور أحمر نابض بينما امتصت التعاويذ العتيقة الصدمة. حين خفت الاهتزاز، عمّ السكون المكان. وسمرت كل العيون على المدخل. دار المقبض ذو الشكل الذكري على الباب. انفتح الباب ببطء ومر رجل أعرج يتبعه آخر. تلفّت الرجل الأعرج حتى لمح السيدة شانيل وجيسيكا.
ابتسم بغباء: —أهلاً، جيس، ممم، حدث شيء مؤخراً وانكسرت ساقی نوعاً ما. أتمانعين إلقاء نظرة عليها؟