الفوضى العارمة الفصل 258 — مؤشرات

اقرأ الفوضى العارمة الفصل 258 — مؤشرات باللغة العربية على مانجا تايم.

عبس حريدمار ملك سفارتالفهايم وهو يطالع التحديثات المتدفقة على قاعة عرشه. الأزمنة تتغير، والشياطين تجوب العالم، والحروب تحتدم برّاً وبحراً، والأموات تنهض من جديد.

يتمتم: "فوضى."

وتمر عيناه المتقدمتان في السن على التقارير. طوال قرون حكمه لسفارتالفهايم، رأى حروباً واضطرابات عاتية تجيء وتذهب. بعضها خيض من أجل الموارد، وأخرى من أجل الغرور، لكن الأسوأ دائماً، قديماً وحديثاً، هي الحروب التي يقودها الملوك.

مع ذلك، حتى عندما يتسبب الملوك في المشكلات، لم يصل الأمر قط إلى هذا الحد من الفوضى. لقد كانت لديهم قيود وأهداف. لم يجسر حتى الملوك على قلب الطاولة دون تخطيط لموضع سقوط القطع.

عندما يفرغ حريدمار أخيراً من التقرير، يضعه على الطاولة ويستقري تعابير نبلاء حاشيته ليعرف أفكارهم. وبدقة أكبر، يقيس مقدار الشراب في كؤوسهم الكريستالية.

كل الأقزام يحبون الخمر، وتتجسد هذه المحبة في ثقافتهم. عندما يكونون سعداء، يشربون بكثرة، وعادة ما يكون ذلك بجرعات كبيرة عدة إن لم يكن القدح برمته. وعندما لا يكونون سعداء، يبدو الأمر أكثر دقة. فيكتفون بجرعة واحدة أو حتى رشفة صغيرة. أما عندما يغرقون في الكرب، فيظهر أثر متوسط. جرعات كبيرة عدة، ولكن ليس القدح برمته أبداً.

ومن هذا وحده، يلحظ تفاوت الحكمة التي تأتي مع التقدم في السن. نبلاؤه الأكبر سناً محزوبون بينما الأصغر يشعرون بالفضول، وبعض أصغرهم سناً سعداء بالاحداث الجارية. إنهم يتوقون إلى التغيير، جاهلين الثمن الباهظ الذي يمكن أن يكبده التغيير حقاً.

يتمتم مجدداً: "الملوك وألعابهم."

لكن بصوت يسمعه الآخرون هذه المرة.

يضيف صديقه فوراد [سيد الحدادين]

بعبوس: "أجل، ويا لها من لعبة خطيرة يمارسونها."

ويومئ [النبلاء] الشيوخ الآخرون الاقرب إلى عرشه موافقين. أما أولئك الأكثر افتقاراً لحكمة العمر الطويل واللحية الرمادية، فيجلسون خاملين يستمعون.

يبدأ حريدمار قائلاً، بصوت يرعش بالقوة والعمر: "إذن، لنعد الحرس الأسود، بصمت إن أمكن. لا حاجة لأن تعرف العامة ما يدور في العالم الواسع الآن. في الوقت الراهن، الأفضل هو الاستعداد والإصغاء. لا أريد لمدينتي أن تقع في خضم أي نوع من الصخب."

تصر البوابات الحجرية لقاعة العرش انفتحتا حين يدفعها [حرّاس ملكيّون] يرتدون دروعاً سوداء كاملة. وما إن تنفتح البوابة حتى النصف، حتى يندفع إلى الداخل قزم بدين يعتمر نظارات وله لحية طويلة مضفورة. لا ينحني الرجل ولا يعتذر وهو يهرع نحو الملك. يتألق العرق على جبينه بحين بلوغه العرش.

"يا صاحب السمو، هناك صخب في الميناء."

___________________________________________________________

موانئ سفارتالفهايم، ويا لمفاجأة كواسا، محروسة جيداً للغاية. فهي تقع داخل الجبل الذي يتخذه الأقزام موطناً لهم. كهف مائي ضخم محفور في خاصرة سفارتالفهايم ينفتح بعلو وعرض يكفيان لمرور ست سفن حربية عملاقة عبر فوهته.

تنتصب عند أعلى فوهة الكهف أبراج من الفولاذ الأسود تحضن مئات المدافع الجاهزة والمجهزة لإطلاق النار على أي سفينة تحاول الاقتراب. ومع اقتراب شيدهافن، وأنفل الأقزام، ونافيس من المدخل، تنحرف المدافع جميعها نحو السفن الثلاث. لكنها لا تطلق نيرانها لأن أنفل الأقزام، التي ترفع ألوان المملكة، تتصدر المقدمة.

حين يدخلن عبر فوهة الكهف، يتسع الحيز الداخلي ليغدو مرفأ يضم ما لا يقل عن مائة سفينة بحالة جيدة. معظم السفن من صنع الأقزام وملكاهم، غير أن قليلاً منها يحمل ألوان أمم أخرى أيضاً. وتتدلى فوق الكهف صواعد مدعمة ترتبط فيما بينها بجسور. ومن تلك الجسور تتتدلى آلاف البلورات المسحورة التي تضفي على المرفأ توهجاً مقبضاً.

قرب مركز الكهف، يتدلى من الأعلى عمود معدني يلوح عنده أقزام بعصي ضوئية متوهجة. يتطلب الأمر مني لحظة لأدرك أنهم يوجهون السفن، ولحظة أخرى لأفهم الآلية. فمع توجيه ضوء أحمر نحو شيدهافن ونافيس، يشير قزم يحمل عصوين خضراوين بواحدة نحو أنفل الأقزام وبالأخرى نحو مساحة فارغة مخصصة للسفينة العملاقة. وتضيء المساحة الفارغة باللون الأخضر في الوقت ذاته للإيذان بالسماح بالرسو.

وما إن تبلغ أنفل الأقزام مرساها المصنوع من المعدن، حتى تكون السفينة التالية الموجهة هي نافيس. تُوجّه قلعة السفينة نحو منطقة خالية من السفن. ونافيس، أو السلحفاة بتحديد أدق، تتسلق قطعة صخرية واسعة. تتثاءب ثم تغط في النوم.

وعندما يأتي دور شيدهافن، يذهل الأقزام إذ تفوق سفينتي الخاصة حجم أنفل الأقزام، مما يجعل عملية ركنها عناءً شاقاً. ولا يساعد الأمر أن [عمّال الميناء] ذوي الخبرة والمستوى العالي يحدقون في سفينتي كعشيق سابق كان يُظن أنه مات.

أخيراً، وبعد نحو خمس دقائق من الانتظار، تُنقل السفن من مكانها حتى يخلو قطاع كامل من الميناء. ويعلمني ضوء أخضر من الأعلى والقطاع المفتوح أن أركن شيدهافن. ومع ركن السفينة، أنزل اللوح الخشبي وأستعد للنزول. لكنني أتوقف إذ لا يواجهني حشد من الناس، بل جيش حقيقي من الرجال قصار القامة ذوي اللحى.

رجال قصيرو القامة تعصف بهم الاضطرابات العاطفية. كثيرون منهم يبكون وتتدفق الدموع بغزارة على لحاهم المبتلة. وآخرون يحدقون وأفواههم فاغرة. وبعضهم، بشكل مثير للريبة، يلمسون بدن شيدهافن بحرارة توشك على بلوغ حد الوله... أو النشوة.

لماذا يلعقون بدن السفينة؟ انتظر، لماذا يبرز لدى بعضهم شيء بيـ... يييه.

"افسحوا الطريق! افسحوا الطريق! لقد قلت افسحوا الطريق أيها الأوغاد الشهوانيون الجهلاء!"

صوت امرأة، عميق للغاية، يجبر الحشد على التفرق، مما يسمح لقزمة عجوز بوضوح بالعرج مروراً بهم مستندة إلى عصا. وتتبعها على أثرها مولوكا بابتسامة صفراء على وجهها.

فيليكا ووترارم

المستوى ٣٣١ [سيّدة ميناء كهف السيادة]

تُعدّ فيليكا واحدة من أقدم الأقزام في سفارتالفهايم، وهي المسؤولة عن الإنتاج البحري والتنظيم والتجارة في المملكة بأكملها.

تبّاً. إنها خطيرة.

ترفع فيليكا حاجبها في وجهي، وهي على علم تامّ بأنني للتوّ حلّلت بياناتها. تحاول فعل الشيء نفسه، لكن كالعادة تفشل، حسبما استشفستُ من تعبيرات وجهها العابسة.

عندما تصل أخيراً، تلقي العجوز نظرة مطوّلة على السفينة. تتفحصها بالكامل، في لحظة قصيرة من الاهتمام الحقيقي. تبدو النظرة كلقاء صديق قديم فُقِد منذ مدة طويلة مع تسجيل جميع التغيرات.

ثم ترفع نظراتها إليّ.

"بحقّ مخايط ثور المنتفخة، من أيّ فرج مفعم بالمني بعثتَ الملاذ؟"

لا أستطيع منع نفسي من الابتسام لاختيار المرأة للكلمات، "إنه ملاذ الظلال الآن، وقد وجدته مهجوراً في أقصى الجنوب. لقد تركه الطاقم السابق في حالة مزرية."

وما زالت المرأة تبتسم، فتميل برأسها نحو الجمجمة الأمامية للسفينة، "لذا لإصلاحه، مارستَ الجنس معه وغرّقته في لزاجك المُميت."

"من الداخل والخارج. أنا رجل صالح، وشامل."

تضحك المرأة بصوت عالٍ، "أنت تعجبني. لديك شجاعة!"

تنقر بعصاها على الأرض الحجرية، "[كهف التحوّل: بناء مخصص]."

لمفاجأتي ودهشتي العارمة، يتدفق المانا المحيط من كل الاتجاهات نحو المرأة العجوز. ومع اندماج المانا، ترتجف الأرض وتتحول. تدفع موجة من الحجر الأقزام إلى الوراء بينما تتغير الأساسات. ترتفع سفينتي، مدفوعة إلى الأعلى بينما تظهر الدعامات وتحيط بسفينتي. تحيط بسفينتي السلالم والمنصات والروابط والأضواء ومختلف الأشياء الأخرى. في غضون دقيقة واحدة فقط، تحول الميناء إلى مرسى قادر تماماً على إيواء وتعديل ملاذ الظلال.

مع ارتفاع السفينة الآن، يعمّ الصمت الحاضرين جميعاً. لديهم رؤية كاملة للسفينة وجميع التغييرات الخارجية التي أجريت عليها.

"توقفوا عن التحديق وعودوا بأعجازكم الملطخة بالكريمة إلى العمل"، تصرخ في وجه المتفرجين.

ينظرون إليها بعيون متوسلة تشبه عيون الجراء.

"أه؟"

تبتسم بخبث للأقزام، "هل تعصون أمري؟ هل يجب أن أخصي علناً أحداً آخر من أمثالكم أيها الأذناب؟"

يستحضر سؤالها ذكرى في أذهان جميع الأقزام الحاضرين. يهزّ ارتجاف مشترك لكل قزم الأساسات لحظةً. يلقون جميعاً نظرات جشعة على سفينتي قبل أن يتذمروا ويعودوا إلى العمل.

تهزّ فيليكا رأسها ضجرةً من قوة العمل الاستباقية قبل أن تحول تركيزها إليّ.

"هل ستظل واقفاً هناك تداعب قضيبك أم ستُعرّفنا بنفسك بشكل صحيح؟"

آخذًا بزمام الأمور، أنزل على السلالم وبصحبتي جيسيكا في صمت. ومنذ أن أدركت أنها تتمتع ببعض الميول السادية، أصبحت أقل اجتماعية بكثير. ومع ذلك، قد يكون ذلك لأنها لم تغفر لي بعد مضاجعتي لتيوتا. وللدفاع عن نفسي، كنت سكارى ولا أتذكر ما حدث في تلك الليلة.

عندما نصل إلى الأسفل، أخطو أمام القزم العجوز وأنحني.

"يسعدني لقاؤك، [سيّدة الميناء]. اسمي بون، قبطان ملاذ الظلال."

"لا تكذب عليّ، يا لطخة المني. اسمك كواسي إيلودو."

متفاجئاً، أنظر إلى مولوكا الذي يرد بهزّ رأسه.

"حقاً الآن، وكيف علمتَ اسمي؟ كنت تحت انطباع أن لقبي لا يزال سرّاً."

تبتسم فيليكا، "أنت لا تعرف، أليس كذلك؟"

"أممم، لا؟"

تتسع ابتسامة المرأة العجوز، "حسناً، لا بأس. ستكتشف ذلك بنفسك. وفي الوقت نفسه، دعنا نتحدث عن تحديث قدرات الملاذ وتغيير اسمه، أليس كذلك؟"

"أفضل ألا تفعل. أودّ أن أحتفظ بقدرات السفينة سراً."

ترفع فيليكا كتفيها، "لا بأس، اعلم فقط أنك لن تتمكن أبداً من إبحار سفينتك مرة أخرى."

"لا أعتقد أن بإمكانك إيقافي."

تضحك فيليكا.

"سأكون في مكتبي عندما تغير رأيك."

تنظر إلى مولوكا وابتسامة عريضة تملأ وجهه، "أما أنت، فيريد هريدمار تقريراً فورياً. إنه لا يبرع في التعامل مع التغيير."

وما إن تنتهي من قول ما تريد، حتى تعرج السيدة الكبيرة مبتعدة بعصاها.

وعندما تغادر، ينظر إليّ مولوكا، "لقد حذرتك بشأن [سيّدة الميناء]. أقترح أن تبدأ في إعداد تلك الأوراق قبل أن تدخل المدينة الرئيسية."

"إه، إنها مغرورة ومثيرة للاهتمام، لكنها ليست مبهرة إلى هذا الحد."

يهزّ مولوكا رأسه.

يشير إلى سفينتي، "قلت إنك تحكم السيطرة على السفينة بعقلك. أيمكنك فعل ذلك الآن؟"

متفاجئاً بالسؤال، بحثتُ عن الرابط بيني وبين سفينتي... ولم أجد شيئاً. لا شيء على الإطلاق. يبدو الأمر وكأن الرابط لم يعد موجوداً من الأساس.

"كيف؟"

"هذا الكهف وجميع السفن بداخله يخصونها بمجرد رسوها. وتوضع جميع المهارات والتعاويذ والقدرات الخاصة بالسفن في حالة جمود دائم إلى أن تقرر هي إطلاقها."

"تبّاً لي. إذن عليّ القيام بأعمال الأوراق حقاً؟"

"كل شخص ليس جزءاً من جيش سفارتالفهايم يفعل ذلك. ربما يكون تيستودو في مكتبها بالفعل برفقة [محامييه]."

يعدل مولوكا لحيته الشعثة، "على أي حال، أحتاج إلى تقديم تقرير إلى [الملك]. لن يستغرق الأمر أكثر من يوم. وعندما أفرغ، يمكنني اصطحابك إلى تمثال هيرميس الذي تريد الذهاب إليه."

يركض مولوكا مبتعداً ويتركني أنا وجيسيكا واقفين وحدنا.

أحاول الاتصال بسفينتي مرة أخرى، ولكن دون جدوى. الرابط غير موجود، مع أنني أعرِف أنه يجب أن يكون كذلك. إنها ضربة قوية لكررتي في الواقع.

"حسناً"، أمدّ يدي إلى ظلي وأستخرج كيس كريستالات صغيرة.

أناوله لجيسيكا، "لا داعي لأن تعاني من البيروقراطية. أمانع الذهاب إلى المدينة والحصول على مسكن لنا في أفضل نزل فيها؟"

تأخذ جيسيكا الحقيبة وتومئ. تبدأ بالابتعاد في الاتجاه نفسه الذي ذهبت إليه مولوكا. ومع مغادرتها، أشرع في شقّ طريقي نحو المبنى النحيل والعمودي والبيضاوي في وسط الميناء. مبنى يقع مباشرة بين مبنيين دائريين أقصر.