يهدر الهواء بحرارة وتتصدع الأرض وترتج حين يندفع دراغنوس نحو مؤخرة جيش العدو. يسمع صرخات الأعداء وهم يحترقون بمروره، وطقطقة وأزيز المزاليق المحترقة ورؤوس السهام الذائبة، وحتى صرخات التعاويذ الخافتة بينما تستهلكها النيران هي الأخرى. يعيث فساداً مع فرسانه، محتضناً مهارة [القائد] ليتحول إلى جحيم مندفع، وليطأ ويحرق. لكنه لا يضيع وسط العنف. كلا، بل يبقى واعياً لنفسه وموقعه.
توجّه هالة [القائد] الفرسان عبر أسراب [الجنود] الذعرين، قادتهم إلى وجهتهم. قادتهم إلى هنا. ومن دون أن يبطئ، يرفع دراغنوس رمحه الطويل، ويثير النضال خلف النصل أمتاراً من لهيب أبيض ساطع يرتفع بسرعة. يلوّح بالسلاح، فتتحول عشرات العربات المعبأة بالكامل بالمؤن إلى رماد. ينسخه فرسانه، محرقين المزيد والمزيد من العربات حتى تصير رماداً، وكان مرورهم عنيفاً وسريعاً لدرجة لا تترك لـ[الجنود]
وقتاً، أو تكاد، لرد الفعل. وأخيراً، ومع بدء تراجع حدة [عاصفة اللهب المندفعة] واحتراق العربة الأخيرة، يدير دراغنوس فرسانه لانسحاب متسرع. يوم آخر، ومجزرة أخرى. لكنه حين همّ بالمغادرة، خطف بصره شكل متحرك وسط النيران، متخطياً الزجاج المفروش حديثاً. _______ تتمثل طريقة هزيمة جيش عند وضع سيّء في تجنب قتالهم من الأساس. هذه هي التعويذة التي يقود بها راثوس كل جيوشه، ومثلها التعويذة التي يتبعها كثير من [القادة]
الأكفاء.
قتال عدو يتمتع بمفضلية جوهرية، سواء أكانت في المستويات، أو العتاد، أو في هذه الحالة الأعداد، هو ما يُشار إليه عاميةً بـ"الغباء اللعين".
لحل هذه المشكلة، يحاول [القائد] الجيد اختيار متى وأين يخوض ذلك القتال. إن كان العدو فرساناً بالأساس، فاستدرجهم إلى مستنقعات تقل فيها قدرتهم. وإن كان العدو قادراً على رؤية جيشك وموقعك بسهولة، فجد حزام شجار لإخفائهم. وإن كان للعدو أفضلية ساحقة في الأعداد... فقلّص القطيع. لذا يتوجب على راثوس الآن هزيمة عدو يفوق رجاله بعشرة أضعاف. أمر ممكن، لكنه صعب. صعوبة بالغة. لقد حدّ من قدرة العدو على استخدام فرسانه فضلاً عن كامل أعداد [جنوده]
عبر استدراجهم إلى ممر. وشغل قائد العدو بحضوره، بل وذهب إلى أبعد من ذلك بزرع الفوضى بساحقة غبار وزلزال. كل هذا لكي يمتلك دراغنوس فرصة لتدمير خطوط مؤن العدو. مع ذلك، قد تفشل أفضل الخطط إحكاماً. الحظ عاهرة متقلبة، وحتى حصاة صغيرة قادرة على التسبب بالانهيار الأرضي الذي يدفن قواتك. إن سارت الأمور على نحو سيئ هنا، فستغدو الأوضاع غير مواتية. ليست خطة اليوم معقدة: إرسال دراغنوس لتدمير مؤن العدو ثم الانسحاب فوراً بينما ما زالوا مشتتين وذعرين.
سيسمح له هذا بتجويع العدو والشروع في استنزاف أعدادهم. في هذا الجنوب القصي، لن يتمكنوا من تأمين ما يكفي من الطعام من القرى العرضية التي سيجدونها. وإن واصل قائد العدو السير بغباء نحو سانافيل، فسيغدو جيشه ظلالاً لنفسه بمجرد بلوغه البوابات. يبتسم راثوس بسخرية. تخيل جيشاً جائعاً يحاول حصار سانافيل يبدو أمراً مضحكاً تقريباً. كان المفترض أن يبدأ الانسحاب المخطط لجيشه حين يبدأ بملاحظة استعادة جيش العدو لوعيه.
وهو يتوقع حدوث ذلك بمجرد انتهاء مهارة دوريسون وقدرة [سحرة الهواء] لدى العدو على إبعاد الرمال التي تعمي الجيش بأسره. لكن ذلك لم يحدث أبداً، حتى بعد انتهاء مهارة دوريسون. تواصل الرمال التقهقر حول جيش العدو لتسمح للوايفيرن بإطلاق هجمات بلا رد. لذا يواصل الانتظار والمراقبة. يستشعر اضطراب جيش العدو، لكنه لا يستطيع رؤية شيء مع حجب سحابة الغبار للطريق. كل ما يستطيع فعله هو الانتظار.
_______ وهذا ما يفعله بالفعل؛ ينتظر. تمضي ساعة كاملة من الانتظار، ويتفاقم ارتباك راثوس أكثر. يسمع وسط عاصفة الغبار قرقعة الفولاذ وهدير التعاويذ كأن معركة عنيفة تحتدم. يسمع صرخات الموت لـ[الجنود]، لكنه لا يستشعر تناقصاً في قواته. يتوقع فخاً، أو خداعاً من نوع ما. لعل الجيش يفر ويقاتل بعضه بعضاً؟ إنه ليس متأكداً، لذا فكل ما بوسعه فعله هو مواصلة الانتظار والاستعداد لرد الفعل.
تُكافأ صبره قريباً بما يكفي. راكب وحيد على صهوة حصاد يندفع خارج العاصفة ملوحاً بعذر واهٍ لراية بيضاء. وخلف الفارس مباشرة سرب من عشرات [الجنود] الموتى الأحياء يترنحون خلفه مباشرة.
"نحن نستسلم! أوقفوا أمواتكم الأحياء اللعينين أيها الشيطاني ماص الفروج!"
يصرخ الفارس، وما هو إلا قائد العدو، ملوحاً برمح مكسور وقطعة كتان بيضاء متسخة مثبتة بطرفه. وبينما تندفع جايد نحو جيشها، تبدأ الجثث قربها بالحركة والنهوض، كأنها كانت تنتظرها. جثة أخرى في مكان أبعد أمام الفارس، تنهض كالزنبرك وتنقض على الحصان أثناء مروره، متشبثة بحافر واحد. يتعثر الحصان ويسقط الفارس والمركب على الأرض معاً. تلقي جايد رمحها وتتدحرج بعنف بعيداً عن السرج في السقوط.
شاتمة بصوت مسموع، تحاول المرأة النهوض بسرعة، لكنها تسقط مجدداً، كاشفة عن ساق ملتوية. ومتزايدة الذعر، تلتفت إلى الأموات الأحياء الذين يلحقون بها بسرعة.
"أوقفوهما!"
تصرخ.
"أوقفوهما اللعنة! أنا أستسلم! أنا أتخلّى!"
تصل أول جثة هامدة إليها، وهي لجندي سابق يرتدي الجلد والدرع الحلقي، ويشهر سيفاً عريضاً مكسوراً. قطع وحشي عبر بطنه هو ما أجهز عليه، ناسراً أحشاءه على الأرض. متثاقلاً إلى الأمام، جاراً أحشاءه وسيفه خلفه، يتحرك بتركيز واحد فحسب: جايد. يرفع [الجندي الميت الحي] سيفه بحركة مرتجفة. ترفع جايد يديها نحو الميت الحي كأنها لتحجب السلاح المعدني المستعد لاختراق جسدها.
"أرجوك!"
تصرخ. تحت خوذته، يقطب راثوس حاجبيه ارتباكاً. الأموات الأحياء ليسوا من صنيعه، لكنهم يفترض أنهم يقاتلون في صفه. على حين غرة، يرفع يده ويمد هالة سلطته لا من جنوده فحسب، بل لتشمل الأموات الأحياء أيضاً.
"قفوا"، يأمر بكل قوة إرادته الكامنة خلف الأمر.
ولدهشته، يفعل الأموات الأحياء ذلك. يهدأ ساحة المعركة بغتة إذ تتوقف المعركة تماماً. عبر هالته، يشعر راثوس باتصال يتشكل مع آلاف الأموات الأحياء، المنتشرين طراوة في جيش العدو. اتصال يضاعف حجم جيشه وسلطته لأكثر من الضعف. إنه لا يفهم ما يحدث، أو كيف حدث هذا. ينظر إلى جيشه الحي، محاولاً نيل أي تلميح، لكنه يستشعر كتلة من الارتباك من هنا. يحدقون به صامتين، مراقبين كل حركة منه، عاجزين عن رؤية العبوس تحت خوذته.
صمت ينتهي حين يرفع دارو سيفه في الهواء ويبدأ بالهتاف— "راثوس! راثوس!"
—تنتشر الكلمات كالنار في الهشيم وينضم إليه جيشه. يهتفون باسمه، مزمجرين به في السماوات...
"راثوس! راثوس! راثوس!"
يميّل راثوس رأسه إلى الخلف لينظر إلى السماء. أجل. غيوم بيضاء منفوشة ودوامات أخيرة لعاصفة الرمل تسقط على الأرض. المنظر جميل. لعل استمراره في تجاهل الجيش سيقدي على هذا التملق الأحمق. لا يهم، عليه التركيز. عليه التخطيط! لقد حُسم النصر، وإن كان باكراً عما كان متوقعاً، وعليهم الآن نقل الجيش المستسلم إلى سانافيل. الجيش الذي يفوق حجمه جيشه بعدة أضعاف. الجيش الذي أحرق مؤنه للتو.
الجيش الذي كان يتوقع أنه سيجوع بحلول وقت بلوغه سانافيل. يتنفس راثوس بعمق وبطء. من بين كل الاحتمالات التي استعد لها، لم يتأمل قط نجاحاً ساحقاً. ثم مجدداً، كيف بحق الجحيم كان مفترضاً به توقع أموات أحياء؟ _______ يسقط حجاب النهار ببطء تحت الأفق، كاشفاً عن سماء مرصعة بالنجوم وخالية من القمر. تنتشر النيران في الغابات شمال الممر، لتوفر كل نيران منها قطرة دفء لمجموعة من أسرى الحرب المنهكين.
ومع نسبة المعتقلين إلى آسيريهم، كان المرء ليوقع اندلاع أعمال تمرد واحد على الأقل حتى الآن. مع ذلك، ما زال طعم الهزيمة عالقاً على ألسنتهم، مسمماً أفكارهم ومظللاً عقولهم. آه، والمنظر البشع لرفاق السلاح السابقين وهم يخدمون كحراس لهم يعمق الجراح حقاً. ولا داعي للحديث عن الوايفيرن المحلقة فوق، بانتظار اقتناص أي حمقى لا يقرؤون الكتابة على الجدار. مع ذلك، يعلم راثوس أن الثورة قد تندلع بعد، وهناك كثرة منهم لا يمكن ضبطها إن حدث أي أمر شديد التنظيم.
"مرة أخرى، آسف لعدم قدرتي على أخذك معي، لكن يبدو أن [قائداً] وحدَه قادر على قيادة هؤلاء الأموات الأحياء"، يشرح راثوس.
"لا بأس، سيدي، أنا أفهم"، يلوح دوريسون بيده مبعداً الأمر.
"يحتاج الأسرى إلى النقل إلى سانافيل، وتحتاج أنت إلى استغلال الأفضلية".
يومئ راثوس.
"إن تمكنت من بلوغ سكالاغ قبل انتشار الخبر، فسأستطيع الاستولي على المدينة بخسائر طفيفة".
"سأحرص على وصول الأسرى إلى حيث يجب. لقد جعلت [القائد] عبدل يعمل على الأمر بينما أتحدث".
ينهض راثوس متحمس أذنيه.
"عبدل؟ ألم يكن مسؤولاً عن تدريب الجنود الجدد في سانافيل؟"
"نعم يا سيدي، لكن حين طلبت جيشاً ليتدافع نحو خطوط الجبهة، جاء معهم نظراً لقلة [القادة] لدينا".
"أحقاً؟"
ينقر راثوس ذقنه مفكراً.
"أمتأكد أنت من أنه أهل للمهمة؟ نحن نتحدث عن جيش بحجم معتبر هنا".
يهز دوريسون كتفيه.
"بصراحة، لست متأكداً، لكن دارو يثني كثيراً على عبدل، ويبدو مسبقاً أن [القائد] يمتلك خططاً".
يرفع راثوس حاجبيه.
"أي خطط؟"
يشير القنطور إلى الأسرى البعيدين وسط تناولهم ليخنة خضراء غريبة يفضلها الجيجان. يقطب [القائد] جبينه. لقد كان تحت انطباع أن اليخنة غير قابلة للأكل للبشر نظراً لرفض الأعضاء البشريين في جيش سانافيل تناولها. لعل طعمها ليس سيئاً فحسب؟ يتأمل.
"لست متأكداً تماماً، لكنه أسماها التضامن عبر المعاناة. أعتقد أن فكرته هي صياغة شعور بالانتماء وهوية جماعية عبر تجاوز محنة مشتركة".
"مم. أنا مألوف بالمفهوم، رغم أنني لست متأكداً من كيفية انطباقه على إطعام جيش محتمل الخطورة من الأسرى بالطعام".
قبل أن يستطيع دوريسون الشرح، يبلغ هدم الحوافر والعربات من خلفه.
"[القائد]، اكتملت كل الاستعدادات"، يزمجر راثوس بينما يجر بمفرده عربة العرش في رأس الجيش.
يتنفس راثوس، ويومئ.
"يبدو أنني راحل".
يؤدي دوريسون التحية ويرد راثوس التحية. يرتدي راثوس خوذته، يصعد على متن العربة، ويجلس على العرش.
يطلق هالته ويأمر: "إلى الأمام، سر".
________________________________________________________________________ تعود جيوش الموتى لتطارد أوربيس مجدداً. لقد وُلد الطاعون القديم من جديد في العصر الحديث، بقيادة [قائد] شيطاني يدمر دويلات المدن المسكينة في الجنوب. ومع ذلك، فهو ليس الأسوأ حتى! تتحدث الهمسات عن وحوش وبشر يقدمون القرابين لطغاة جدد، بل و[إمبراطور] يغزو تلك الأراضي القاحلة. هذا ما سترسله العيون القليلة التي تراقب الجنوب إلى أسيادها.
ليس وكأن ذلك سيفرق؛ فالملوك و[الملوك] منشغلون باهتمامات ملحة أكثر، مثل حرب الأولمبيين والآسير. أما تلك، فتستمر ككونها مجزرة متصاعدة باستمرار لكل المتورطين فيها. إنها فوضى تافهة تماماً يسعد فلافيون بالابتعاد عنها. ليقاتل الدهماء كيفما شاءوا، طالما أن ذلك لن يبلغ مدينة أمفينيا العظيمة، موطن المدرج: أعظم حلبة مصارعة في أوربيس قاطبة. ورغم امتلاء المكان بالبشر في كل الأوقات، يلاحظ فلافيون أن الاحتفال لم يعد كما كان.
لقد قلت متع المجد والعنف من دون أعظم [مصارعيهم]، الذين أُرسلوا جميعاً للقتال على الجبهة. إزعاج، لكنه سيتحمله من أجل كسب الحرب ودفع الآسير إلى الخلف. فبعد كل شيء، يفكر فلافيون مع نفسه وهو يستلقي على مقعده الطويل، لابد لكل الرجال من تقديم التضحيات باسم النصر. يدع فلافيون عينيه تنجرفان نحو الباب. يمكنه الشعور باقتراب [سيد جواسيسه]. يصرف [الحراس الملكيين] بتلويحة، تاركاً نفسه وحيداً مع [غانية]
صماء. وبينما يفتح [الحراس] الأبواب للمغادرة، ينزلق [سيد الجواسيس] إلى الداخل، من دون أن يراه أحد. يكشف عن نفسه راكعاً أمام [الإمبراطور].
"يا صاحب السمو، جئت بتقرير عاجل".
"لك حق الكلام، ديسترو".
يبدأ ديسترو.
"لقد توقفت [ملكة القراصنة الكبرى] عن حصار موانئنا الشرقية. لقد غادرت هي وأسطولها مياهنا".
يفتح فلافيون فمه ليسمح لـ[غانية] بإطعامه حبة عنقود. يمضغ ببطء ويبتلع.
"ما السبب؟"
"المعلومات شحيحة، لكني سمعت همسات تفيد بأن [أمير التجار الأدميرال] تستود، أحد أفضل عشرة قبطان سفن في العالم، قد أعلن الحرب على [الأدميرال الأعظم] أغير. أعتقد أن أغير استدعى [ملكة القراصنة] إليه للمساعدة في التعامل مع تستود".
يقطب فلافيون حاجبيه.
"أليس تستود هو [سيد] جزيرة السفن تلك؟"
"إنه هو".
يبتسم فلافيون بسخرية.
"أتذكر حين ركن جزيرته في مياهنا. سمعت أن مدن موانئنا حققت أرباحاً، رغم أنهم ادعوا أن الرجل كان يحاول بلا انقطاع بيع مشروب يُعرف بالقهوة، والذي أقنعني نقابة التجار بحظره".
يفتخ فلافيون فمه ويتناول حبة عنقود أخرى.
"حسناً، إن قتل أغير بطريقة ما، فأبلغه أن قهوته العزيزة لن تكون محظورة بعد الآن... في الواقع، إن فاز، فلن أفرض عليه ضرائب حتى مقابل القهوة".
"سيتم ذلك"، يَعِد ديسترو.
"جيد. ليكن معلوماً أن [الإمبراطور] فلافيون يفي بديونه. والآن، هل من مزيد للتقرير؟ كيف تحتدم الحرب؟"
"مع انضمام الأمازونيات إلى الحرب، ازداد القتال عنفاً وفوضوية، لكن تقدم الآسير توقف بحزم".
"توقف، حقاً، لكن هل نحن فائزون؟"
"أفضليتنا طفيفة"، يقول ديسترو، مختاراً كلماته بحكمة.
يقطب فلافيون حاجبيه من الإجابة. الأمازونيات قويات، لدرجة خطيرة. بل ومعهود عن شيوخهن منافسة الأسماء و[الأبطال].
"اشرح"، يأمر.
"لقد طوّر الآسير طريقة لاستدعاء [رؤساء الملائكة] مراراً في كل معركة كبرى تقريباً. سبعة استدعاءات لـ[رئيس الملائكة] رافائيل، اثنا عشر استدعاءً لـ[رئيس الملائكة] أوريل، وثمانية استدعاءات لـ[رئيس الملائكة] غبريال. في كل حالة، هُزمن على يد الأمازونيات، لكن بثمن".
"لا ميخائيل؟ ألا يملكون القدرة على استدعاء أقوى [رؤساء الملائكة]؟"
"هناك شايعات تفيد بأن ميخائيل قد استُدعي بالفعل، لكن لم يتم تأكيد شيء. من المحتمل تماماً أنهم يفتقرون للوسائل لاستدعاء ميخائيل حقاً، أو حتى للسيطرة عليه".
يميل [الإمبراطور] رأسه مفكراً.
"وإن استطاعوا استدعائه والسيطرة عليه، فهل سنظل فائزين قليلاً؟"
"هذا ليس أمراً أستطيع توقعه. سيكون من الأفضل سؤال [البطل] الذي يقود جيوشنا".
ينهض فلافيون باهتمام، "آه، نعم. [الإستراتيجي المتخفي] أبا، إن تذكرت ترقية فئته الأخيرة. كيف حاله؟ هل نجح استدعاء الشياطين؟ هل اكتشف الآسير الأمر؟"
"الشبكة الجحيمية، كما يسميها، قد كُشفت بالفعل، لكن الآسير لا يملكون قدرة على مواجهتها. حاولت غربان الظل التخريب، لكن لحسن الحظ، جعل أبا الشبكة كبيرة ومكررة بما يكفي لتفشل كل محاولات تعطيل نقل المعلومات. مع ذلك، لا يمكننا استبعاد احتمالية اعتراض الرسائل، وأوصى أبا بأن نشفر كل الاتصالات الحساسة برمز أحادي الاستخدام. يرفع أبا مستواه بسرعة فائقة، وقد يحصل على فئة مرتبة ثالثة إن استمرت هذه الحرب طويلاً بما يكفي".
تقفز حبة عنقود أخرى في فم فلافيون بينما يحدق في [سيد جواسيسه]، ويستشعر أن الرجل يملك المزيد ليقوله عن الوضع.
"أمر ما يزعجك. تحدث بحرية".
"ذاك أبا"، يتردد ديسترو، لكنه يتابع.
"يتحدث عن كل شيء كأنه لعبة. يتحدث عن الملوك كأنهم بشر ذوو قوى. لا يكترث لموت جيوشه ومستعد للتضحية بـ[قادتنا] طالما أن ذلك يغذي أجندة ما. إنه يسخر من جيوشنا و[عبيدنا]".
يهز ديسترو رأسه.
"لقد أمر جيشاً كاملاً بتحرير كل [العبيد]، ثم أجبر [العبيد] السابقين على أن يصبحوا [كهنة] و[كاهنات] لإير لمجرد خلق المزيد من أولئك المعالجين المرضى نفسياً".
يكتنف فلافيون عبوس للمرة الأولى منذ أسابيع. الأمر بموت جيوشه ومعاملتهم كقطع شطرنج؟ يمكن غض الطرف عن ذلك بسهولة كافية خلال حرب كبرى. لكن الأمر بتحرير هذا العدد الكبير من [العبيد]؟ لأجل ماذا، خلق المزيد من البشر القادرين على إلقاء [الشفاء]؟
"لماذا اختار ملكة آسير مطرودة للشفاء بدلاً من أسكلبيوس؟"
يسأل فلافيون.
"أسكلبيوس منتقٍ بشأن من يختار، لذا لن يمنح نعمته أبداً لـ[عبد] سابق، والذين نملك منهم الكثير. أما إير، فتقبل الجميع تقريبًا. في هذه النقطة، تمتلك إير أتباعاً أكثر من أسكلبيوس بمعامل سبعة وثلاثين، وأعتقد أن هذا الرقم سيزداد اتساعاً كلما احتدمت الحرب".
ينقر فلافيون بلسانه انزعاجاً. ينظر عبر الزجاج السميك المسحور للجدار الأيسر من قاعة عرشه، حيث تحيط بحفرة حلبة المصارعة تماثيل حجرية منحوتة للآلهة الأولمبية. بصراحة، فهو لا يكترث كثيراً للآلهة وألعابهم. هم مفيدون حين يُحتاج إليهم، ومزعجون حين لا يُحتاج. تضع الملوك مطالب وهو يرضخ لها كرهاً لأنهم قادرون على جعل حياته بائسة إن لم يفعل. لكنه إير، إنها ملكة يمكنه دعمها.
فهي لا تطلب شيئاً وتقبل بامتنان حتى أصغر فتات التعبد. إير ملكة سهلة، خصوصاً مقارنة بأسكلبيوس وأتباعه، الذين يطلبون أثماناً باهظة وقرابين فاخرة. كلا، من الأفضل بوضوح وجود المزيد من إير مقارنة بأسكلبيوس، يقرر فلافيون، لكن تحرير جيش من [العبيد] بمجرد أمر؟ تلك سلطة غير مقبولة لتسليمها إلى مجرد [استراتيجي]، حتى وإن كان يدير كل جيوشه.
"ديسترو، أخبر أبا أنه إن أراد تحرير [العبيد] أفواجاً، فعليه طلب الموافقة أولاً. سأبلغ [سكرتيريّ] بقبول هكذا مقترحات تلقائياً لتكون المستندات ممهورة بخاتمي. لا يليق أن يظن [النبلاء] أن مجرد [استراتيجي] يملك سلطة أكبر من [إمبراطور]"، يأمر فلافيون بزهو.
يستشعر فلافيون شيئاً من الارتباك من [سيد جواسيسه]، لكنه يتجاهله بينما يندفع [رسول] إلى قاعة العرش راكعاً بجانب ديسترو.
"رسالة عاجلة لصاحب السمو".
"تحدث سريعاً"، يأمر ببرود.
لا يحب فلافيون المقاطعة حين يكون منغمساً في الحديث مع أحدهم بالفعل. يبتلع [الرسول] ريقه بصوت مسموع لكنه يتحدث.
"[الإستراتيجي] أبا يطلب إرسال تعزيزات إلى الشمال. يقول إن [القائد العبد] كاهل قد اغتيل على يد فريق من غربان الظل. لقد دُمّر جيش كاهل بسرعة ويتقدم [الجال] الآن مباشرة نحو أمفي".
يتوقف [الرسول] لحظة قبل إيصال الجزء التالي.
"يقول إنه لا يملك أي جيش قريب بالقدر الكافي لاعتراضهم".