عادة، حين تتنقل أمبر في المدينة، تفعل ذلك داخل عربة محاطة بالحراس. يُسمح لها بالنظر إلى الخارج والتلويح للناس، ولكن تلك هي غاية حريتها. في الغالب، تُنقل إلى حديقة [النبلاء] الخاصة حيث تستطيع اللعب مع أطفال [النبلاء] الآخرين. يكون الأمر ممتعاً للغاية عادة، سيما حين يتواجد [الشعراء] أو [المهرجون]. رفعت يديها، لتعدل القناع على وجهها وهي تمشي بجانب حارسها الشخصي. التفتت نحوه، لكنها عجزت عن تبين أفكاره من خلف قناعه.
سألته: "هل أنت متأكد من أنني بحاجة لارتداء قناع؟"
أومأ برأسه.
"أجل. أنتِ [أميرة] المملكة. إن رأوا وجهك، فسيعرفون أنكِ أنتِ ومن ثم سيخبرون [الحراس] ويجبرونكِ على العودة إلى القلعة."
أضافت: "وستقع في المشاكل."
هز كتفيه.
"على الأرجح."
عبست.
"ألن يعاقبوك؟"
"كلا."
لوح بيده.
"لقد استأجرني أبوكِ لأحميكِ من الخطر. لم يقل لي أن أتأكد من بقائك داخل القلعة."
قالت مستوعبة ما يقوله: "أوْوْوْه."
كانت خائفة بعض الشيء عندما ثنى قضبان النافذة وقفز من نافذة القلعة، من أنه كان يعصي الأوامر. ولكن، إن لم يقل أحد إنه لا يستطيع، حسناً، لا يمكنك اتباع تعليمات لا تملكها. أومأت لنفسها، وحولت انتباهها إلى شوارع كورزيك والناس المارين. هذه هي المرة الأولى التي تمشي فيها عبر المدينة، والتجربة مختلفة للغاية ومربكة. الناس يصرخون، يتحدثون، يتسرعون.
سألته أخيراً: "إذن، كم من الوقت حتى نصل إلى حديقة [النبلاء]؟"
"حديقة [النبلاء]؟ هل لديهم حديقة [نبلاء] هنا؟"
أومأت.
"أجل، إنها في حي [النبلاء]. إنه المكان الذي يلعب فيه كل أصدقائي."
أجاب بغموض: "حسناً، لا أعرف أين تقع حديقة [النبلاء]، لكني أملك فكرة عن المكان الذي يمكننا فيه قضاء الكثير من المرح."
عبست أمبر. الحديقة ممتعة. هل هناك شيء أكثر متعة يمكنها فعله في المدينة؟ فتحت فمها لتسأل لكنها توقف عندما شمّت رائحة طعام.
صدى صوته أفكارها: "آه، ممتاز! السوق. لنحصل على بعض الطعام."
تعرف أمبر ماهية السوق؛ إنه مكان يمكن للناس فيه شراء السلع والخدمات. لقد شرح [معلمها] قبل وقت طويل كيف يحصل العوام على السلع. ما فشل [معلمها] في وصفه كان الازدحام وضوضاء حشود الناس. تتردد الصيحات والدعوات فوق الحشود، وتتدافع تيارات من الرجال والنساء وهم يشقون طريقهم، ورائحة الطعام المنتشرة التي تبدو في كل مكان دفعة واحدة. أمسكت رداء حارسها الشخصي، الذي استدار ونظر إليها من علو.
سأل: "لم تزوري سوقاً قط، أحيست؟"
فهزت رأسها نافية.
سأل: "هل أنت خائفة؟"
فكرت في أن تكون صادقة، لكن فضولها كان أقوى من توجسها.
كذبت: "لا."
أومأ بون وركع. قبضت يداه على خصرفها ورفعها. كادت تصرخ لكنها توقف عندما وضعها على كتفيها. رمشت من خلف قناعها.
سأل: "هل هذا أفضل؟"
أجابت بعد هنيهة: "أنا، أم, أجل."
لسبب ما، شعرت بخوف أقل بكثير الآن.
"ممتاز! لندخل. ابقي عينيك مفتوحتين بحثاً عن أي [جزارين]، و[خبازين]، و[بائعين]."
الساعة التالية كانت مغامرة بالنسبة لأمبر. أشارت ووجهت حارسها الشخصي إلى أكشاك مختلفة، حيث اشترى مجموعة متنوعة من الأطعمة المختلفة. في مرحلة ما، اشترى بون برميلاً فارغاً ليحمل بشكل أفضل كل ما اشتراه، وحمله تحت إبطه. أخيراً، بمجرد أن امتلاء البرميل وبدو بون راضياً عن مشترياته، غادرا السوق وأُنْزِلَت أمبر أخيراً. كادت تتقوس من مدى تذبذب ساقيها، لكن قوتها عادت بعد لحظة واحدة.
رفع حارس الشخصي البرميل ووضعه على كتفه.
"حسناً، إذا كنت أتذكر بشكل صحيح، يجب أن يكون المكان أبعد قليلاً. لنذهب."
تبعته، وهي الآن شديدة الفضول بشأن ما ينوي فعله بكل هذا الطعام.
__________________________________________________________________________
تئنّ إديث وهي تنهض عن مقعدها. ترتجف عظامها الهشة من الشيخوخة لبرهة تحت وطأة الجهد. تتنفس ببطء وتتكئ على عصاها لتمضي نحو المطبخ.
"جدتي، جدتي، ما طعام العشاء اليوم؟"
يقاطعها صبي صغير، ويتوقف بقية الأطفال عن اللعب بلعبهم، يحدوهم الفضول أيضاً.
تجيب: "عصيدة الشوفان".
لترتفع تنهدات الاستياء من جميع الأطفال.
تجيب بصوت لين: "أنا آسفة يا أطفال، لكن الطعام باهظ الثمن الآن بسبب هذه الحرب. علينا أن نوفر مالنا قدر الإمكان".
يتنهد الأطفال لكنهم يقبلون كلامها.
يسأل الصبي نفسه: "وماذا عن السيد إدويْر؟ أسيجلب شيئاً؟"
تعض إديث على شفتها، ولا تهتدي إلى إجابة. فمن بين جميع رعاة الملجأ، يعتبر إدويْر أكثرهم عطاءً. ليس بالمال فحسب، بل بالملابس والطعام واللعب أيضاً. يأتي أسبوعياً ومعه دائماً هدية للأطفال وتبرع صغير. سألته مرة عن سبب فعله هذا، فلم تجد منه سوى إجابة بأن العيش في ملجأ أرحم من العيش مع الراكون. ومع ذلك، ومع تلويح الحرب في الأفق، حذرها من أنه لن يجد وقتاً لزيارة الملجأ. مضى على ذلك أكثر من شهر.
مخازن طعامها تكاد تنفد. سيكون عليها الذهاب إلى السوق، وهي مهمة شاقة عليها الآن بسبب سنها. وحين همت بدخول المطبخ، سمعت طارقاً يقرع الباب الأمامي. يغمرها الفضول والأمل، فتشق طريقها نحو الباب، بينما كان الأطفال قد هبوا واقفين ينتظرون معرفة الطارق. وبدت ملامح وجوههم ناطقة بالأمل في أن يكون هو إدويْر. وصلت إلى الباب فنزعت أقفاله عاجلة وفتحته. خابت آمالها فوراً؛ فالواقف عند الباب ليس إدويْر، بل غريب يرتدي قناعاً.
أطلق هذا المشهد أجراس الإنذار في رأسها بكل الأشكال.
يسأل بصوت هادئ: "أهلاً، أين إديث؟ أهذا هو الملجأ؟"
لتلاحظ أخيراً طفلة تقف إلى جواره. فتاة صغيرة يغطي القناع وجهها.
تتلجلج إديث قائلة: "ن-نعم"، متوقعة وافداً جديداً يضاف إلى عائلتها الكبيرة أصلاً.
باتت ترى الأمر بوضوح، فالرجل المقنع يريد التخلي عن ابنتته هنا. تشمئز لوجود أمثال هذا البشري، لكنه على الأقل يتخلى عن طفل عوضاً عن بيعه.
يقول بنبرة مبهجة: "ممتاز".
يميل بجانبه ويرفع برميلاً ضخماً لتدخل المفاجأة إلى قلبها. يتقدم إلى الأمام ويقتحم منزلها بلا استئذان.
"رأيت أن لديكم فناءً في الخلف، سأذهب لأقوم بالتحضيرات".
ترفع عصاها وتصيح به: "انتظري، من أنت؟ هذا ملجأ! لا يمكنك اقتحامه هكذا!"
من دون أن ترجو لعصاها نفعاً.
يرد وهو مستمر في مشيه: "لا بأس. نحن هنا لنأكل ونمرح".
يفسح الأطفال له الطريق وهو يخطو نحو باحة الملجأ الخلفية.
تهتف محتجة: "هذا تعدٍّ على ممتلكات الغير".
يتوقف عند الباب ويقول: "لا وجود لتعدٍّ على الممتلكات حين تقيم حفلة شواء".
ما إن سمع الأطفال كلمتي "ممرح"
و"طعام"، حتى تدافعوا جميعاً نحو الباب متصارعين لفتحه.
"أه صح، يا أمبر، انزعي قناعك وألقي التحية على العمة".
تدخل الفتاة المقنعة المنزل أخيراً. تمد يدها إلى أعلى وتنزع القناع. تتوسع عينا إديث من شدة الصدمة.
يمشي أزيرنيك في أرجاء المعسكر. يحيط به حارسان نخبويّان وقائده بينما يعبر وسط الجنود. يركع الجنود بسرعة عند مروره، لكن الملك يتجاهلهم. تتجه أنظاره نحو خيمة في وسط جيشه، خيمة كبيرة تحمل شعار غراب أسود.
قال: "يا سيدي، أمتأكد أنهم قادرون على القضاء على إنديران؟ إن فشلوا، أخشى أن مسيرتنا ستذهب سدى. ليس لدينا أي سبيل لتجاوز درعه المصلح بالحديد."
يبتسم ملك شيفال، متفهماً تماماً مخاوف قائده. تقنية درع الحديد المصلح تصلح جدار كورتزيدكس المعدني مستخدمة المانا المحيطة من أيّ ضرر كان وكلّه. نظرياً، مع قوة نيران كافية، يمكن اجتياح الجدار؛ للأسف، يتطلب ذلك موارد تعادل عدة ممالك إضافية فوق ما تمتلكه شيفال.
"اتبعني"، يأمر قائده، دون أن يجيب عن أسئلة الرجل.
سيكون إراؤه أسهل بكثير. يمشي أزيرنيك نحو مدخل الخيمة، ومثل الملك الذي هو عليه، يخطو للداخل بهيئة تنم عن الأهمية. في هذه الأثناء، يستعد ستة من كهنة الحرب للطقس. تتحول أعينهم المتلهفة نحوه. يبتسم الكهنة الأكبر سناً بنظرة مجنونة.
"أحان الوقت؟ أسنستدعيه؟"، يسأل بصوت متذبذب قليلاً لكنه خفيض.
يسأل قائده بفضول وحيرة: "إياه؟"
يهتف كاهن الحرب بسرعة: "نعم، العضو الأكبر! سنستدعيه إلى هنا ليقوم بأمر أودين."
يعبس القائد. لقد التقى كهنة حرب من قبل، ويبدو هؤلاء أشبَه بالمتوحشين مقارنة بأي شيء آخر. مجانين، بل وأكثر.
"إنهم يتحدثون عن مايكل."
"رئيس ملائكة؟ مستحيل. ولا حتى كتيبة من رؤساء الكهنة تستطيع استدعاء أحد تلك الوحوش."
يرد الملك: "قلت الشيء نفسه، لكن أتباع أودين قد وجدوا طريقة. لقد وعدوا باستدعاء رئيس ملائكة واستخدام قوته لقتل إنديران. حينها، ستستولى شيفال على كورتزيدكس وستتاجر حصرياً مع ممالك آسير."
يبتلع القائد ريقه بصوت عالٍ. تتمتع آسير سمعة مستحقة تماماً بقوتها وعدالتها. إنهم لا يسمحون بالعبيد ويطاردون ممارسي الفنون المظلمة ويقتلونهم. يساعدون الفقراء ويمولون دور الأيتام في الممالك الأخرى. تميل كنائسهم أيضاً إلى تقديم أرخص الأسعار للعلاج بل وتكون مجانية تماماً في ممالكهم الثيوقراطية. يعتبر الرجل العادي المولود في ممالك آسير نفسه محظوظاً، لكن بالنسبة لأمراء الدول، تُعد آسير عدواً ماكراً.
لقد شهد أكثر من عاهل تآكل سلطته على يد أنبياء ورسل أودين إلى أن تُزجّ دولته في حرب أهلية لا تنتهي. عندما يأتي فرسان المعبد التابعون للكنيسة أخيرًا لاستعادة النظام، يرحّب بهم الأمير والصعلوك على حد سواء بالأذرع المفتوحة.
يستسلم القائد قائلاً: "أرجو أن تكون دراية بما تفعله."
لقد أقسم على حماية ملك شيفال، بغض النظر عمن يكون الملك في ذلك الوقت.
يجيب قبل أن يعيد تركيزه إلى كاهن الحرب: "أنا أدرك. يمكن لجيشي الاشتباك الليلة، ولكن فقط بعد أن يموت إنديران."
يومئ كاهن الحرب عدة مرات.
"إذن سنبدأ."
يستدير الكاهن فجأة ويجمع عصاه بينما يلتقط باقي كهنة الحرب المؤونة. تُلقى الحقائب، والأكياس، والخواتم، والجرعات، وأغراض متنوعة أخرى في حقيبة واحدة. يتجمع كهنة الحرب حول رقعة أرض نظيفة بجوار خيمتهم. توجد على الأرض دائرة سحرية، وهي معقدة لدرجة تجعل أزيرنيك يشك في قدرة أي ساحر عظيم على فهمها. يتحرك كهنة الحرب بتوافق، واضعين بلورات باهظة الثمن وعناصر مسحورة في جميع أنحاء الدائرة.
تُوضع ستة أعمدة عند الحواف. تبدأ بالتوهج، محدثة قبة شفافة يبدو أنها تسكن الهواء.
يعلق قائده: "هذا واسع النطاق للغاية"، ويوافقه أزيرنيك الرأي.
في النهاية، تكاد الاستعدادات تكتمل. يشق عدد من كهنة الحرب طريقهم نحو عربتهم. يرفعون من الخلف صندوقاً مختوماً يتوهج سحرياً. يضعونه باحترام في وسط الدائرة. يتقدم كاهن الحرب الرئيسي نحو الصندوق وعصاه في يده. يردد تعويذة تجعل العصا تتوهج. ثم يصفع الصندوق فتختفي عدة أختام متوهجة. بعد ذلك، يركع ويزيل الغطاء. يستلقي جسد رجل عجوز عارٍ بلا حراك في الداخل. لولا صعود صدر الرجل وهبوطه ببطء، لظن المرء أنه جثة.
أطراف الرجل العجوز مقيدة وفمه مغطى. بلعنة شفاه وابتسامة مبتهجة، ينحني كاهن الحرب للجسد قبل أن يندفع نحو أزيرنيك.
"اكتملت الاستعدادات. يمكننا بدء الاستدعاء الآن تماماً!"
يسأل أزيرنيك بعد لحظة: "يتطلب استدعاؤكم تضحية؟"
وهو يحدق في الرجل العجوز، متوقعاً أن تزعجه فكرة التضحية برمتها، لكن لا، كل ما يراه هو جسد... يومئ كاهن الحرب بسرعة.
"طبعاً. رئيس الملائكة ليس كائناً بسيطاً لاستدعائه. يتطلب إما كمية هائلة من المانا أو تضحية تستحق العناء"، يشير إلى الجسد العاري، "هذا برنارد، رئيس كهنة سابق لأودين فقد عقله لصالح الجنون."
يهتف القائد مستنكراً: "تضحون برجالكم؟"
يقهقه كاهن الحرب ويومئ.
"بالطبع. الجنون ليس عذراً لإنهاء خدمة أودين. وحدها الأبوة العظمى تمكننا من الانضمام إليه حقاً في فالهالا!"، يصيح بصوت عالٍ مما يجعل كهنة الحرب الآخرين يصرخون تقديراً.
يخبره جزء صغير من عقل أزيرنيك، الجزء الذي يحتوي على بقايا ضميره، أن هذه الصفقة برمتها سيئة. وأن كهنة الحرب مجانين وأن عقد الصفقات مع آسير فكرة مروعة. للأسف، كان ضميره أهدأ من صرصور منذ أن قتل أباه من أجل العرش.
يأمر قائلاً: "ابدأوا الاستدعاء."
تتجعد ملامح وجه كاهن الحرب في ابتسامة أكثر جنوناً.