"أيّها الجنرال، إن لم يمانع فضولك، لِمَ ترفض الزجّ بالخيال في المعركة؟ أظنّها ستكون عوناً لأيّ جيش".
أبعد راثوس بصره عن جيش الأعداء. نظر إلى قائد الاستراتيجيين ذي المستوى مئة وواحد وعشرين نظرة تأمل.
"يحتاج الخيال أو الغريفين عقداً من الزمان ليبلغ ويُسلَّح ويُدرَّب على الحرب. لقد زجّت ممالك كثيرة بوحدات جوية في جيوشها، وكان الفشل مصيرها جميعاً تقريباً".
"سيدي؟"
"الوحوش الطائرة أهداف ضخمة، يكفيها سهمٌ مُسدَّد جيداً لإنهاء أمرها. هي لا شيء أمام جيش من الرماة، حتى وإن كُسيت بالدروع الثقيلة. لا يمكن إحداث أثر حقيقي في جيشٍ ما لم يمتلك الوحشُ فارساً ذا مهارة خاصة في حمايته وإبقائه حياً".
"لكن، مع وجود عدد كافٍ منها..."
صمت دوريسون أمام نظرة راثوس الضجرة.
"اسمع يا دوريسون. إرسال جيش من الخيال غير المُدرّب سيمنحنا النصر فعلاً، لكنّ كثيراً منها سيهلك. تذكّر، الوحوش لا ترتقي في المستويات مثلنا. هي تقتات على لحوم الوحوش القوية أو تعيش طويلاً حتى تكتسب القوة".
تنهّد دوريسون.
"ما زلت لا أفهم".
ربما في المستقبل، إن حوصر في قتال جيشٍ يستحقّ، قد يضطر لتكبّد تلك الخسارة. لكن الآن...
"ليتقدم النصف".
سرت كلماته في الجنود، وتحرّك الجيش كجسدٍ واحد نحو الأعداء.
سأل دوريسون: "لِمَ انتظرنا حتى يتخذوا مواقعهم مجدداً؟ ألم يكن أفضل الهجوم وهم على غير استعداد؟"
اتكأ راثوس على حاجز العربة، وعيناه تمسحان تشكيل العدو المملّ. جنودٌ في المقدمة، ورماةٌ في الخلف، وفرسانٌ على الميسرة. الميمنة مكشوفة تماماً لهجمة فرسان خاطفة. وإن كان هذا فخاً، فقد سبق لراثوس أن وضع كل نخبة جيشه في ميسرة مكشوفة، واستدرج فرسان العدو لمهاجمتها، ثم كسب المعركة بسهولة. لكنّ هذا لا ينجح إلا إن امتلكت وسيلةً لإخفاء المستويات. ولحسن حظ راثوس، لا يملك العدو ذلك.
جيشهم أكبر، يناهز ضعف قوته، لكنّ متوسط مستوياتهم أقل من نصف مستوى جيشه، ومعداتهم على الأرجح أدنى جودة.
أجاب راثوس: "من الأفضل لنا أن نأخذ وقتنا في الحفاظ على تنظيم قواتنا".
ردّ دوريسون بانزعاج: "لكنهم أقوى إن كانوا مستعدين".
لم يكن قائد الاستراتيجيين يجاريه حتى الآن.
بدا كل شيء أخطاءً واضحة لا ينبغي لجنرالٍ "عظيم"
كراثوس أن يقع فيها.
"صحيح. لكنهم يا دوريسون ليسوا مستعدين لنا. نحن نملك كل الأفضلية في هذه المعركة. راقب وتعلّم".
رفع راثوس يده وأشار بإشاراتٍ عدّة. تبدّل تشكيل الجيش بالكامل وتحوّل في لحظة. تقدّم رماة القنطور إلى الأمام، وتكتّل الجنود في الوسط، واندمج الفرسان بين الرماة.
"تقدموا!"
بدأ الجيش ينحدر من التل، وابتسم راثوس وهو يرى قادة العدو يحدّقون في حيرة. لم يروا تشكيلاً كهذا من قبل، ولم يسمعوا بمن يتخلى عن المرتفع طواعية.
"إنهم يقفون فحسب. لِمَ لا يتحركون؟"
شرح راثوس: "إنهم يتحركون. انظر إلى الميسرة، الفرسان يبتعدون عن الجيش ببطء. يخططون للهجوم من الخلف".
"هل نعتترضهم؟"
"ليس بعد".
لم يزد راثوس شيئاً، تاركاً جيشه يقترب أكثر فأكثر. راقب دوريسون بترقّب. التفت فرأى الجميع على أهبة الاستعداد... باستثناء دارو، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة بلهاء.
سأل دوريسون: "إنهم لا يتحركون. لِمَ؟ ألا ينبغي أن يتقدموا هم أيضاً؟"
"لا حاجة بهم لذلك. نحن نقترب منهم. ينتظرون دخولنا مدى أقواسهم ليمطرونا بالسهام".
"لا يبدو هذا ذكياً من جانبنا إذن".
ابتسم راثوس، لم تكن ابتسامة غرور، بل ابتسامة وليدة عقد من الخبرة، هادئة كأنه يمشي في حقل زهور. هو يعرف المهارات القتالية، والمستويات التي تُكتسب فيها، ومدى فاعليتها. واليوم، في هذا الموقف، طبّق معرفته بالمدى. وتحديداً، فرق المدى بين القوس الطويل أو القوس المركّب وقوس الريكيرف.
"ربع سرعة. أيها الرماة، استهدفوا مؤخرتهم، أطلقوا النيران".
أبطأ الجيش سرعته، وأطلق ثلث الرماة وابلاً من السهام. مع صعود الرشقة الأولى، رأى راثوس جنود العدو يرفعون دروعهم ويشكلون جداراً تقليدياً. إجراءٌ دفاعي فعّال جداً ضد وابل السهام. لكنّ الجنرال كان قد حسب مداه. تجاوزت السهام جنود العدو لتسقط فوق الرماة خفيفي الدروع.
صاح دوريسون: "أنت... كنت تعلم!"
"ولم يعلم غيري. أخطاء الهواة. ما كان عليهم السماح لنا بالاقتراب هكذا".
ارتفعت رشقة ثانية، ثم ثالثة، الواحدة تلو الأخرى، لتغمر رماة العدو بمطرٍ متصل من السهام. نظر دوريسون إلى جيش العدو، ورأى الرماة في ذعر. ردّوا بإطلاق السهام، لكنّ نبالهم سقطت قبل بلوغ مداها. صرخ قادتهم بالأوامر وفعّلوا المهارات، لكن لا سبيل لديهم لإيقاف سهامٍ تتفوق عليهم في المدى وتتساقط باستمرار على صفوفهم. في النهاية، أمر قائد العدو الرماة بالتراجع خارج المدى.
"يا دوريسون، طبّق مهارتك على رُمانا".
عقد دوريسون حاجبيه: "تلك من أفضل مهاراتي. هل نستخدمها بهذه السرعة؟"
تلاشت ابتسامة راثوس، ورمق قائد الاستراتيجيين بنظرة استياء شديدة.
"كان ذلك أمراً، أيها القائد".
ابتلع دوريسون ريقه: "الزاوية الاستراتيجية".
من المعلوم في الأوساط العسكرية أن المهارات المتشابهة المفعّلة توالياً تمنح تعزيزات أقل بعد المهارة الأولى. خمس مهارات تضاعف قوة الضربة قد لا تزيدها إلا ثلاث مرات إذا استُخدمت معاً. ولهذا لا يتفوق دزينة من القادة على دزينة من الفرسان. يمكنهم تكديس المهارات، لكن إذا تشابهت، فلا تتضاعف التعزيزات. هناك استثنائان فقط، بل ثلاثة، لهذه القاعدة. الأول، كما يعلم الكثيرون، مهارات الجنرال؛
فأقوى قدراتهم قادرة على زيادة قوة الجيش زيادة معتبرة. الثاني، مهارات الملوك والنبلاء، لكنها متقلبة. الثالث، مهارات الاستراتيجيين. ورغم ضعفها مقارنة بمهارات الجنرال، فهي قادرة على تحسين أداء الجيش بنسبة لا بأس بها. وهذا بالضبط ما حدث. حوّل الرماة زاوية أقواسهم إلى الزاوية المثالية لزيادة مداها. زادت هذه الحركة مدى الرماة بنسبة عشرين بالمئة. كافٍ لجعل رماة العدو المنسحبين يتلقون المزيد من السهام، مما أجبرهم على التراجع أكثر.
قال دوريسون: "أشعر أنني أهدرت مهارتي".
عقد راثوس ذراعيه على صدره. حتى الآن، لم يفعّل مهارةً واحدة.
"ستُهدر إن لم أستغلّ هذه الثغرة".
أخذ الجنرال نفساً، في اللحظة التي أوشكت فيها السهام أن تخرج عن المدى.
"أيها الجنود، توقفوا. أيها الفرسان، تفرقوا يساراً، والتفوا حولهم. أيها الرماة، تفرقوا يميناً. انتشروا باتجاه فرسان العدو".
حدثت أمورٌ عدّة في آنٍ واحد، وبالكاد استطاع دوريسون تتبعها. من بين أربعة عشر ألف جندي، غادر أكثر من نصفهم. خمسة آلاف من رماة القنطور انطلقوا يركضون عبر مسار فرسان العدو الثلاثة آلاف. وفي الوقت نفسه، انطلقت أربعة آلاف من خيالة العدو الخفيفة بسرعة انفجارية نحو اليمين.
"هذه يا دوريسون هي المهارات. ليست تلك التي تكتسبها بالارتقاء في المستوى، بل من معرفة التكتيك".
أشار راثوس إلى فرسان العدو وهم يتلقون وابلاً من رماة القنطور الذين أطبقوا عليهم.
"مع وجود رماة العدو في الخلف، لم يعد لفرسانهم دعمٌ من بعيد، ولا يملكون السرعة للفرار من القنطور".
ثم أشار نحو جيش العدو. راقب دوريسون جنود العدو وهم يهرعون لاعتراض الخيالة الخفيفة، لكن المسافة بين الجنود والرماة كانت قد اتسعت أكثر من اللازم. اصطدمت الخيالة الخفيفة الحليفة بالخط الخلفي غير المحمي والمضطرب بقوة مميتة. قُطعت الأطراف، واخترقت الأجساد، وفقد بقية رماة العدو حياتهم. تراجع الفرسان بسرعة بينما كانت الجبهة توشك على الوصول للخلف.
هزّ دوريسون رأسه: "مذهل... وبلا مهارات. أعتذر. لم أفهم".
"أخبرتك، المهارات ليست كل شيء. بئس الاستراتيجي من لا يستخدم الاستراتيجية. بلا تكتيك، تعجز عن استخدام قوتك بكفاءة. لكن، إن جمعت بينهما..."
دون انتظار سؤال آخر، أشار راثوس نحو رماة القنطور.
"تصويب موجّه، إعادة تلقيم فورية، سهم مُلقّم، سحب خاطف، إعادة تلقيم تلقائي، رمية سريعة".
في غضون ثانيتين ونصف دزينة من المهارات التي قد تُفقد معظم الناس وعيهم، رأى دوريسون يد كل رامٍ تتحرك كطيف، مطلقةً خمسة سهام في تتابع سريع، أصاب كلٌّ منها هدفاً. وكأنما قُطعت خيوط دمى، سقط الفرسان عن خيولهم. ثلاثة آلاف فارس بين قتيل وجريح في ثوانٍ.
"كيف...؟"
ابتسم راثوس ولم يقل شيئاً. التفت إلى الجيش الرئيسي. لا يزال معظم جيش العدو حياً. جنودٌ، لكنهم كثرٌ بما يكفي ليشكلوا تهديداً.
سأل دوريسون بعد قليل: "ما الخطوة التالية؟"
هزّ راثوس كتفيه.
"بسيطة. نأخذ الخيول ونتراجع".
"نتراجع؟ ما زلت أظن أننا نستطيع الفوز. لا يملكون رماةً ولا حتى فرساناً. إن كانوا جنوداً فحسب، يمكننا الانتصار".
هزّ راثوس رأسه.
"أخذ دراغكينوس معه كل قادة الفرسان الثقيلة ذوي المستويات العالية. لا أريد المخاطرة بهؤلاء النخبة بلا قيادة مناسبة".
لمح راثوس رُمانه، "علينا أيضاً ملء جعبنا. استهلك الرماة معظم ما لديهم".
"لكن..."
"كنا سننتصر يا دوريسون، لكن ليس دون خسائر غير مقبولة في الأرواح. حتى الآن، وجهنا ضربة قوية بلا خسائر تذكر. سيحتاجون وقتاً للتنظيم وتضميد جراحهم ودفن موتاهم. لقد اشترينا وقتاً لنستعد لهجومٍ جديد".
صمت دوريسون بسرعة حين رمقه راثوس بنظرة أخرى.
"جميع الوحدات، تراجعوا إلى التل. تراجع تكتيكي".
____________________________________________________________
يطرق باب العربة طرقاً خفيفاً، فأبتسم. يغمرني السلام حين يلتزم رعاياي بآدابهم، لا سيما إن كانوا من [فرساني]. عليهم صون فضائلي وحمايتها في كل حين، تماماً كما يذودون عن شخصي، حتى في وجه الموت المحتوم. كانت أمي تقول دائماً إن النظافة عنوان الملك. قلت بصوت مسموع وأنا أستشعر وجود [الفارس]
عند الباب: "ادخل يا فيرانتي".
ليست بالمهارة الجديدة تماماً، بل هي أقرب إلى صقل لفئتي الجديدة. لسبب غامض، أصبحت أستشعر أي نخبة في الجوار.
أتساءل إن كان هذا هو "الهالة"
التي يتحدث عنها جوزيف. ينفتح الباب ببطء، فأرى منظراً يثير الاشمئزاز.
"أيها [الفارس] إيستر، أنت قذر... وهل هذا دمٌ أراه؟"
تجرأ رعيّتي عند الباب على عرض وجهٍ متسخ بـ... ثلاث ذرات غبار وأثر نصف جرح على عنقه.
طأطأ إيستر رأسه مسرعاً: "سيدي، أرجو المعذرة، لكن عليّ إبلاغكم بنتائج المعركة على وجه السرعة".
قطبت حاجبيّ في وجه [الفارس]، لكن استعجاله دفعني لتأجيل توبيخه.
"تكلم. ما شأن المعركة؟ هل انتصرنا؟"
بلع إيستر ريقه: "لقد..."
ثم صمت وسط شهقة مرتجفة.
"تراجع العدو".
سألت: "ماذا؟ ولماذا؟"
وقد استشعرت بوضوح نصف حقيقة في كلماته.
"أبيدت [خيالتنا]، وقضي على معظم [رُمانا]. خسرنا ربع قواتنا".
أطبقت شفتي بإحكام إذ لم أستشعر أي كذب في قوله.
"وماذا عن فيرانتي؟"
طأطأ إيستر رأسه، مخفياً وجهه المتسخ المقزز: "مات فيرانتي. دهسته [خيالة] العدو إلى جانب [رُمانا]".
قُتل؟ تباً. كان يقود جيوشي. العثور على بديل بخبرته ومهاراته أمر عسير. ربما عليّ استقطاب بعض [استراتيجيي] جرافيتوس ورؤية إن كانوا سيقسمون بالولاء.
"مات في خدمة التاج. قلة من الرجال ينالون هذا الشرف".
استندت إلى أريكتي، مسترخياً رغم انزعاجي.
سألت: "كم من العدو مات في سبيل هذا النصر الضئيل؟"
"اثنا عشر".
انتفضت بابتسامة. إن كانت ذاكرتي تسعفني، فجيش العدو كان أكبر من ذلك بقليل.
"اثنا عشر ألفاً قُتلوا. همم، إذن لم يبدد فيرانتي [جنودي]. أمر مثير للإعجاب".
هز [فارسي]
رأسه مسرعاً: "اثنا عشر يا سيدي. ليس اثني عشر ألفاً، بل اثنا عشر. لم نتمكن سوى من قتل اثني عشر من هؤلاء... خيالة حين اقتحموا [الرماة]. لم يخسر العدو سوى اثني عشر".
انفرج فمي ذهولاً من كلماته، وكلها حقائق. كيف يعقل هذا؟
صرخت: "أحضروا لي جوزيف!"
جحظت عينا إيستر فزعاً.
"حاضر يا سيدي!"
ركض خارج العربة دون أن يغلق بابها، بينما مددت يدي لأتناول نبيذي. كيف؟ كان عددنا ضعف عددهم! كيف نخسر ربع قواتنا بينما لا يخسرون هم سوى اثني عشر؟ نزعت سدادة الزجاجة وشربت مباشرة. لم أضعها جانباً إلا بعد جرعة طويلة. حرقة الشراب وهي تنزلق في حلقي أشغلتني عن غضبي بما يكفي لاستعادة شيء من هدوئي. انتظرت دقائق، أحاول تركيب صورة لما حدث، لكن دون أن أشهد المعركة، كنت أقبض على الهواء.
لم يدر بخلدي سوى أن ذلك المدعو راثوس استخدم مهارات فائقة القوة... لكن حتى ذلك، للحدود مقام! دخل جوزيف العربة دون طرق أو مراسم. كانت تعابير وجهه هادئة على نحو غير مألوف.
سألت ببطء: "من هو راثوس هذا بالضبط؟"
جلس [المحقق].
"راثوس [جنرال] لم يهزم قط طوال السنوات الخمس الأخيرة من خدمته. يعد عبقرياً، وشخصاً يقر حتى [المستشار الأعظم] لأودين بأنه يشكل تهديداً".
تنهد جوزيف ثم أضاف: "حذرتك من أن الأمر سيكون خطيراً... لكن يبدو أنني أنا نفسي متفاجئ بالنتائج. الوحوش التي يقودها... بعضهم يتجاوزني في الرتبة. أنا... لا أظن أن لديك فرصة للفوز. الاستمرار يعني حكماً بالإعدام".
سيطرت على انفعالي وكبحت غضبي. لولا النبيذ، لربما فقدت صوابي في تلك اللحظة. لكن لا.
تنهدت قائلاً: "حسناً. سأدعو إلى تراجع. يبدو أن عليّ التخلي عن الحرب لبعض الوقت".
قطب جوزيف حاجبيه. حك جانب لحيته القصيرة ونظر إلى نافذة العربة.
بعد لحظة، أجاب أخيراً: "لا أظن أنه سيسمح بذلك".