"هل ضللنا الطريق مجدداً؟"
سألت ليلي بتعب. لم تكن المرة الأولى.
"لا! لا، أنا متأكد من وجود تقاطع هنا"، أجاب محاولاً كبح إحباطه بصعوبة.
لم يكن هذا الهراء منطقياً بأي شكل. صار طريقهما إلى الحصن أثقل غرابة كلما ابتعدا عن الكنيسة. يكفي أن المباني كلها تقريباً استُبدلت بنسخ متطابقة رديئة الصنع، وبعضها اختفى تماماً. استطاع التعامل مع ذلك، فحفظ الخريطة بأكملها عن ظهر قلب. بل وتجاوز حقيقة أن اللافتات بدت خالية تماماً، بلا أي سبي لمعرفة الشارع الذي يقفان فيه حقاً. حفظ تلك الخريطة اللعينة برمتها! استطاع التعامل مع ذلك، وكان بإمكانه تتبع المسار الدقيق الذي سلكاه، وعدّ المباني، وعدّ المنعطفات.
استحال أن يضلا الطريق! كانا قد ضلا الطريق مجدداً.
تذمر قائلاً: "حسناً، فلنتتبع خطواتنا للخلف قليلاً. تبدو خريطتي قديمة على ما يبدو."
خطب ما أصاب تصميم المدينة. الشوارع بدت خاطئة، وعدد المنازل عليها خاطئاً، ولم تتوفر لديه نقاط دلالية كثيرة لمعرفة مكانهما. أقصى ما استطاعه هو الإشارة إلى الاتجاه العام للحصن والأمل بالوصول إليه على هذا النحو.
اقترحت ليلي: "ربما يجدر بنا تتبع النهر؟ إن تحركنا شرقاً، فلن نخطئه أبداً. وحينها سنصل إلى الحصن إذا سرنا مع مجرى الماء."
أشار دينيس: "إن لم نجده، سنضيع حقاً."
"لكنه يعبر نصف المدينة! وإن لم نجده، فهذا يعني أننا ضللنا منذ البداية. وحتى إن حدث ذلك، فلن نخطئ المحيط أبداً أليس كذلك؟ لا بد أن المحيط موجود هناك."
"وكذا النهر."
"حسناً، نعم، لكن أقصد–"
قال: "فهمت. إنها خططة صالحة كأي خططة أخرى في هذه المرحلة. سؤال سريع."
"نعم؟"
سأل ناظراً إلى بياض السماء الناصع: "أين الشرق؟"
"تباً."
تمتم محدثاً نفسه بصوت عالٍ: "نقطة الدلالة الوحيدة التي نملكها هي الكنيسة. أنا متأكد تماماً من أن المدخل كان يواجه الجنوب، لذا يمكننا استخدام ذلك، لكن المشكلة أنه لم يكن جنوبياً مباشرة، بل مائلاً، كما لست واثقاً من قدرتي على تبين الاتجاه الذي نواجهه الآن بعد كل تلك المنعطفات. أعني، الشرق على الأرجح هناك"، وأشار إلى يساره.
"لكن إن أخطأت في حساب الزاوية كثيراً فهناك احتمال أن نسير بموازاة النهر بدلاً من الاتجاه إليه."
قالت ناظرة حولها: "يمكننا محاولة تسلق مكان ما عالٍ للبحث عنه. وهو... على الأرجح الكنيسة نفسها مجدداً. لماذا اختفت كل المباني متعددة الطوابق؟ تبّاً. لا أريد العودة إلى هناك."
سرّ دينيس لأن حماس ليلي السحري المزعوم تراجع خلال النصف ساعة الماضية من مستوى «أتعاطى المخدرات»
إلى ما يشبه المزاج الطبيعي. لم يفهم قط معنى الإيجابية السامة إلا حين اضطر لقضاء بعض الوقت مستمعاً لثرثرة الفتاة السعيدة دائماً بلا توقف. كان الأمر مرهقاً.
قال: "إن كان كل شيء على المستوى نفسه، فأعتقد أن بإمكاننا رؤية مدى بعيد من السطح. إن وجدنا سبيلاً لتسلقه. لا أرى تحديداً أي طريق للأعلى أو سلالم ملقاة حولنا."
قررا البدء بتفقد محتويات منزل عشوائي مجاور، على أمل إيجاد سبيل للصعود إلى السطح. لم يهم أيهما اختاراه، فقد كانت كلها متشابهة. بدت الدواخل باهتة كالجوانب الخارجية.
ولم تكن مجرد دواخل «نموذجية»، بل بدت كـ «انطباع عن منزل نموذجي».
مطبخ واحد، وغرفة جلوس واحدة. ولا مرحاض لسبب لا علم لأحد به. الطاولة الأكثر بلادة على الإطلاق في المطبخ مع كرسيين. أريكة واحدة وتلفاز في غرفة الجلوس. لا غرفة نوم، ولا مياه جارية، مع أن ذلك كان اعتيادياً في العالم العادي عادةً. أمل في وجود سقف علوي لكن الحظ خانه هناك أيضاً. نضح كل غرض حولهما بلا معنى. كأنما يعكس حواسه السحرية، فبدل أن يخبره الأشياء، بدا كل شيء ميتاً بالنسبة للعالم بوضوح.
تمتم ناظراً إلى الثلاجة الفارغة: "آمل حقاً ألا نحتاج للأكل أو الشرب بعد الآن. وإلا فنحن في عداد الأموات خلال أيام معدودة على الأرجح."
قالت ليلي ناظرة إلى اللوحة الوحيدة على الجدار، والتي لم تكن تصور شيئاً: "يمكننا جلب الماء من النهر. لا أعتقد حتى أننا مجبرون على غلي الماء، فلا توجد ميكروبات وما شابه على الأرجح. انظر إلى هذا."
كانت ليلي... تفرك الجدار؟ راقب تساقط رقاقات الغبار التي كانت تختفي قبل أن تلامس الأرض. اختفى جزء كبير بشكل ملحوظ من الجدار حيث لمسته. آه. مشى نحو الباب وركله. سقط الشيء على الأرض متحطماً إلى قطع. حاول لكم الجدار، فصنع ذلك ثقبة فيه. لم يشعر حتى بأثر قوي. للحق، كان ذلك اعتيادياً أيضاً بالنسبة للجدران في العالم العادي.
سأل بصوت عالٍ: "أكل شيء مصنوع من الرمل أو ما شابه؟ غريب. لكنه رائع، طالما رغبت بتحطيم باب هكذا. أوه! يمكنك التسلق إلى السطح بصنع ثقوب في الجدار!"
"لماذا لا تتسلق أنت السطح؟"
"لا أريد السقوط منه بالطبع."
أشارت قائلة: "وأنا مثلك! لكن وزنك أقل. لذا يقل احتمال انهيار السطح تحتك. وإن حدث، فسأقبض عليك. فقط اسقط في مكان يسهل الوصول إليه."
تهيأت ليلي لردّ آخر قبل أن تكبح نفسها.
سألته بهدوء: "أتعِدني؟"
"بالتأكيد. ليس مرتفعاً إلى هذا الحد حتى. أراهن أن بإمكانك النجاة من السقوط إن حدث. حاولي ألا تسقطي على رقبتك؟"
خرجا إلى الخارج واختارتا بقعة بدت الأكثر قابلية للتسلق. كانت ليلي تنظر إلى الجدار بتوتر، خلسة تارة وتارة أخرى إليه. رفع إبهامه تشجيعاً لها. تنهدت وبدأت تنحت قطعاً من الجدار بيديه العاريتين. كان منظراً غريباً. لحسن الحظ، لم تستغرق عملية الصعود وقتاً طويلاً، ورغم خوفها الظاهر لم يحدث شيء.
صاحت: "أترين شيئاً؟"
صاحت مجيبة ناظرة حولها: "أرى الكنيسة! والحصن! وتمثالاً كبيراً!"
ضربت قبضتها بقبضتها مهنئة نفسها.
"أي تمثال؟!"
"الذي كان في مركز البلدة!"
"حسناً، انزلي الآن إذن!"
شكل التمثال في مركز البلدة معلماً تاريخياً آخر، مما عزز نظريته القائلة بأن هذه النسخة المتطابقة للبلدة صُنعت مما يشكل في جوهره أشياء مهمة، يحيط بها ما لا معنى له. لم يكن لديه أدنى فكرة عما يفعله بهذه المعرفة. أكانت الكنيسة أيضاً أحد المباني المهمة؟ ربما، نعم. كان رهانه الأفضل للعودة إلى البيت يتمثل في تفقد أماكن كهذه والأمل بإيجاد بوابة أخرى. أو على الأقل افترض أن تلك التشققات كانت بوابة.
سمع صوت طحن عالٍ، فأخرجه ذلك من أفكاره. بدا وكأن العالم تباطأ. لا بل، صار أسرع فحسب. كفت نظرة واحدة لرؤية ليلي وهي تسقط من على السطح. سيستغرقها الأمر بعض الوقت للوصول إلى الأسفل، بضع ثوانٍ على الأرجح، لذا لم يتعجل كثيراً. كان عليه تخمين أن النزول سيكون أصعب من الصعود. مشى بكسل نحو البقعة التي ستسقط فيها. كان مثيراً للاهتمام أن مهارته تفعّلت دون تدخل واعٍ منه. لم يرددها في سرّه لتعمل، بل احتاج بصراحة لحظة بعد تفعّلها ليدرك ما كان يجري أصلاً.
بدا الأمر مقلقاً وأمراً جيداً في آن. أفعّلها بلا وعي؟ أم أن المهارة تفعّلت من تلقاء نفسها؟ أكان المحفز هو الصوت الذي سماعه، أم حقيقة أن ليلي كانت تسقط؟ انطوت هذه القدرة على عنصر استبصار، وكان يعلم ذلك مسبقاً، لذا تساءل عما إذا كان ممكناً أن المهارة تفعّلت ذاتياً لأنها علمت بسقوط ليلي حتى قبل دينيس نفسه. لم يذكر أي شيء في وصف المهارة كيف تفعّلت، وظن دينيس دائماً، حسناً، أنه يفعل ذلك بإرادته.
لكنه لم يشأ ذلك الآن، أليس كذلك؟ كان تذكر الأمور وصنع الروابط سهلاً للغاية في هذه الحالة، حين تعزز عقله. تذكر أن ليلي أخبرته مرة باعتقادها أن مهاراتها تعمل باستمرار، حتى حين لا تغذيها بالمانا، كما في نوع من وضع الطاقة المنخفضة. أكان هذا هو الحال هنا؟ أيحتمل أن دينيس كان يشغل مهارته طوال الوقت بالفعل، إلا أنها لم تعمل لأنه لم يستوفِ الشروط؟ إن كان ذلك صحيحاً، وكانت المهارة تعلم بما لا يعلمه دينيس، لكان منطقياً أن يحصل على التعزيز اللحظة التي وقعت فيها ليلي في الخطر.
كان يستهدف بصاميم غامضة التقاطها حال سقطت. ووجد الهدف هناك بالفعل، لذا تفعّلت حالما استوت الشروط. بلغت ليلي منتصف المسافة نزولاً. مدّ ذراعيه لالتقاطها. أكان ثمة سبيل لاستغلال الأمر؟ كانت فكرة تتخمر في مؤخرة رأسه منذ فترة. عملت المهارة عن بُعد لذا افترض إمكانية استخدامها كنوع من أنظمة الإنذار، لكن ذلك تطلب منه تصوراً جيداً لمكان الهدف. ليست نافعة جداً، بصراحة. ودرى أيضاً إمكانية تخفيف القيود بطريقة ما أو جعل تأثير المهارة أقوى، أخبره الشيء بذلك شخصياً، بطريقة ما.
أكان ممكناً تحسين الاستهداف؟ وإن نعم، فعلى أي نحو؟ أسيحتاج لموافاتهم بمحاولة إقناعها بالعمل بشكل أفضل بعد رفع مستواها، أم كان ثمة نوع من العتبة حيث– سقطت ليلي بين ذراعيه، فاطاحت به أرضاً. اصطدم مرفقها بوجهه، وآلمه ذلك.
أخرج من تحتها بصوت أجش: "أحيّة أنتِ؟"
آلمته أضلعه. كيف أذى أضلعه؟
"لا أريد التسلق على السطح بعد الآن."
بدا الحصن أقرب بوضوح مما ينبغي. ما كان ليصبح مسيرة ساعتين من الكنيسة صار نصف ساعة كحد أقصى، وبديا أنهما لبلغاها لو لم يضلّا الطريق. ومما أثار استياءه، لو استمرّا على المسار الذي كان يقودهما لعجزا عن بلوغها. كان التصميم المتغير للبلدة يبعث على الجنون، وكان متاهة المنازل المتطابقة مرعبة في سهولة الضياع فيها. تتبخر شوارع بأكملها، وتمضي الطرق بشكل مستقيم حين كان مفترضاً أن تنحني.
أبدت ليلي رأيها في الطريق: "أعني، أظن أن الأمر منطقي مع تشبيه بلدة النسخ؟ إن امتلكت بلدة لعب صغيرة، فلن تجعلها مطابقة تماماً. سيكون هناك منازل أقل، وستتخلى عن الشوارع الأصغر تماماً، أليس كذلك؟"
خمن أنها كانت محقة. مع ذلك، أزعمه أنه عجز عن استعراض معرفته بالخريطة بعد الآن. كان الحصن... غريباً. لأمر ما، بدت كل البوابات والجسور المتحركة مفتوحة. ولم تكن هناك آثار لمعركة، واختفت رائحة اللحم المتعفن الخفيفة والمألوفة. بدا خالياً تماماً من الداخل، وكل ما فعله الناس بالمكان منذ استوطنوه تراجع. اختلف المكان عن منازل النسخ ولصق، لكنه ظل يبدو... رخيصاً. غير مكتمل؟ لم يكن الحصن كما عرفه، بل نسخة عنه، وإن كانت بجودة أفضل من منازل البلدة.
لم تتفتت الجدران بالقدر ذاته، وتطلب الأمر جهداً أكبر لنحت قطع مغبرة منها، لكن ذلك ظل ممكناً. انطوى المكان على هالة ضعيفة، شابهت بشكل غامض جداً تلك التي في الكنيسة.
كأنها تمتلك إحصائية «حصن»، ولم تكن بلا معنى، لكن الإحصائية كانت ضعيفة لدرجة تكاد تعادل عدم وجودها.
استحال تمييز أي شيء قالته له، فصوتها كان أخفت من أن يُسمع بشكل صحيح مهما شدّ عضلاته الروحية. كانا يفحصان المكان بانتظام، غرفة تلو الأخرى، على أمل إيجاد مصدر الهالة.
سألت ليلي بعد تفقد غرفة أخرى: "أمتأكد من أن له مصدراً أصلاً؟"
وكانت مجرد خيبة جديدة، باستثناء عثورهما على قوارير بدت مصنوعة في فترة الحرب العالمية. لم يتأكد من أيها. وظلت تتفتت إلى غبار حين طبق عليها ضغطاً طفيفاً.
قال: "أنا متأكد تماماً من أنه كان مذبحاً في الكنيسة، أليس كذلك؟"
"أو التشققات."
وافقه: "أو التشققات. لكن التشققات لم تكن تصرخ «كنيسة» في وجوهنا، واشتدت الهالة قرب المذبح. إنه لرهان جيد أن المذبح كان المصدر، وهذا يعني وجوب وجود مصدر لهذا الإحساس بـ «الحصن»، مهما كان ضعيفاً. ربما في موقع رمزي ما؟ ما الموقع الرمزي لحصن عسكري قديم؟ مكتب جون؟ أأتخذ غرفة قائد كمكتب له؟ لكنت فعلت ذلك تماماً في مكانه."
كان مكتب جون خيبة أخرى. رغم أنه بدا قديماً أكثر مما تذكره، وهو ما كان مثيراً للاهتمام.
نفدت أفكاره وشعر بملل تام من قضية «البحث عن المصدر»
برمتها. والسبب الوحيد لاستمراره بعد تفقد ما بدا الغرفة العشرين على التوالي هو عدم امتلاكهما لأي أفكار أخرى حرفياً. إن لم يجدا المصدر، أو خلا من أي تلميح لسبيل العودة، فسيبقيان عالقين. ومع أن نهاية العالم الموبوءة بالغوبلين لم تكن أفضل مكان للعودة إليه، إلا أن فكرة الاضطرار للعيش تقطعت بهما السبل في عالم من الباهتة الخالصة كانت مرعبة. لم يكن دينيس من النوع الذي يشتاق للصحبة كثيراً، لكن الحشود المتخذة وضعية حرف تي وهي تراقبه بصمت من الأعلى بدت متدنية للغاية حتى بمقاييسه.
لحسن الحظ، وجداه. ارتفع الهمس القادم من الجدران حولهما قليلاً، ليمنحهما أخيراً إحساساً بالاتجاه.
أنّ متذمراً ناظراً إلى الباب: "حقاً؟! المقصف؟! كيف يكون هذا المكان الأهم في الحصن؟!"
خمنت ليلي: "ربما يشبه المكان الأكثر حباً؟ ذلك الذي يفكر فيه الناس أكثر من غيره؟"
"ولماذا يهم ما يفكر فيه الناس؟"
"ومن غيره سيقرر المكان؟"
فتحا الباب. كان هناك، في البقعة ذاتها حيث كان الطاهي أو أياً كان يوزع الطعام على الناس في المقصف، المصدر. تيقن من ذلك. تلك البقعة الصغيرة التي يُرى منها العصيدة أو ما يقدمونه تملأ طبقك، واعدةً إياك ببعض الراحة أثناء الأكل والحديث مع أصدقائك قبل العودة إلى روتين حياتك. وقف خلف تلك البقعة كائن. ضخم، بشري ضخم يبلغ ضعف حجم دينيس تقريباً، جبل من العضلات والكتلة، بالكاد يلامس السقف برأسه.
غطاه الظلام، كظل بشري أسود مقصوص من العالم. بدت حواس دينيس الأسطورية حادة للغاية من كثرة التركيز، وحين رأى ذلك الكائن، همس وجوده له بمعناه. ذراع السلطة العليا.
سأل بعفوية: "أترين ذلك الشيء ودوداً؟"
هجم الكائن.