بعد أن أتم المفاوضات اللازمة، كان في طريقه مجددا إلى ذلك الرجل عند البوابة ليغادر الحصن أخيرا ويعود إلى أعمال البطولة. بل إن جون كتب له مذكرة ووقعها، جاء فيها أنه مسموح له بمغادرة الحصن متى شاء. تصريح خروج رسمي. كان الأمر بيروقراطيا أكثر مما يروق له بقليل، لكنه شعر بالارتياح لأن البيروقراطية وقفت إلى جانبه هذه المرة. حان وقت رفع مستواه. لم يعد في وسع شيء أن يوقفه الآن. أوقفته نانسي. أدركته قبل أن يبلغ حارس البوابة حتى، وهي تلهث بعدما أسرعت نحوه. في الحقيقة، أدهشته قليلا السرعة التي انتشر بها الخبر في الحصن. لقد أنهى لتوه حديثه مع أولئك الطغاة المحتملين، واتجه مباشرة إلى المخرج، ومع ذلك كانت تعرف بالفعل أنه مغادر. حسنا، كانت هناك فترة قصيرة كتب فيها جون المذكرة وخرج مايكل من المكتب، لكن وجود نانسي هنا بالفعل يعني أن الرجل تمكن من العثور عليها وإخبارها بمغادرة دينيس خلال دقيقة واحدة حرفيا، وكان ذلك مدهشا بحد ذاته. هل ركض وهو يبحث عنها؟ ضحك دينيس في نفسه من فكرة مايكل يركض في أنحاء الحصن. كان يبدو من النوع الذي يجلس بسلطة في كرسي مكتب وثير، ولذلك كان التناقض مضحكا. قالت وهي تحاول التقاط أنفاسها: "وإلى أين... تظن أنك ذاهب؟" أجاب ببساطة: "لأرفع مستوياتي أكثر وأنقذ مزيدا من الناس. وهذا يبدو أمرا جيدا بالنسبة إلي، أليس كذلك؟ لا أفهم حقا لماذا يعارضه هذا العدد من الناس. هل ستحاولين أنت أيضا إقناعي بالعدول عنه؟" لسبب ما، لم يكن يريد حقا أن يصفعها. وبدا أنه وافق إلى حد ما على ألا يفعل ذلك بعد الآن، مع أن دينيس لم يكن متأكدا من مدى التزامه بهذا الاتفاق. لم يكن قد عُين له من يتولى صفعه بعد، لذا فلا بأس، أليس كذلك؟ على أي حال، لم يكن يكترث كثيرا بخرق الاتفاق. فإذا اقتضى الموقف ذلك، فسيتولى الصفع بنفسه ويعيش خارج الحصن أو ما شابه. فلم يكن لديهم حتى إنترنت، ولم يكن هناك الكثير مما يربطه بالمكان. قالت بهدوء أكبر: "من حيث المبدأ، إنه أمر جيد." قال: "أعرف، أليس كذلك؟ لكن الجميع يتذمرون..." تابعت وهي تنظر إليه بصبر: "أما من الناحية العملية، فسأكون سعيدة حقا لو اهتممت بنفسك أكثر قليلا يا دينيس." ماذا؟ قالت: "سأتجاهل الأمور التي أعرف أنك ستتجاهلها، لذلك لن أذكرها أصلا. هل تعرف إلى أين تذهب بالضبط؟" قال: "إلى الخارج؟" قالت: "نعم، لتقتل مزيدا من الغوبلن وتنقذ مزيدا من الناس، لكن إلى أين؟ هل تعرف أين رأينا عددا أكبر من تلك المخلوقات؟ في أي مبان نظن أن مزيدا من الناجين قد يكونون؟ هل ألقيت نظرة حتى على الخريطة؟ هل أخذت مؤنا معك؟ ماء؟ لا أراك ترتدي أي درع. وأعرف أنك تعرف أننا بدأنا نجهز فرقنا بدروع أساسية. فلماذا لم تذهب وتطلب واحدا؟ تعرف أن لدينا واقيات للساعدين، أليس كذلك؟ أم أنك تريد أن تصد ساطورا صدئا بذراعك العارية مرة أخرى؟ السترة الجلدية يمكنها أن تمنع سهما من اختراق أعضائك يا دينيس، ولدينا منها فعلا! هل لك عينان في ظهرك حتى لا تحتاج إليهما؟! أم أنك بارع إلى هذا الحد اللعين بحيث تستطيع الإمساك بالسهام القادمة من خلفك بمؤخرتك العارية؟!" كانت نانسي هادئة في بداية خطابها، لكنها راحت تصرخ فيه تقريبا عند نهايته. رأى الدموع تلمع في زاويتي عينيها، وكانت شفتها ترتجف. احتار دينيس قليلا، إذ لم يعرف ماذا يفعل. كانت محادثات كهذه أكثر ما يربكه دائما، وكان يتجنبها عادة كما يتجنب الوباء. كانت في الغالب مؤشرا إلى انتهاء صداقة أخرى، وإلى أن يبدأ الناس في التجهّم في وجهه بعد أن يفشل، حتما، في أمر يعجز عن فهمه. أعني، حسنا، أجل، الحصول على بعض الدروع فكرة رائعة، شكرا لك، لكن لماذا تصرخين بحق الجحيم؟ كما أنه كان يستطيع، نوعا ما، أن يتخيل طريقة للإمساك بسهم بمؤخرته إذا كانت الزاوية مناسبة. فضحك من الفكرة. جعل الصوت نانسي تبدو كأنها تلقت صفعة منه. يا للهول. من الأفضل له على الأرجح أن يفعل ما تقوله. كان ذلك ينجح أحيانا، ثم إن الحصول على بعض الدروع سيكون رائعا حقا ما دامت لا تعوق حركته. قال لها: "سأذهب لإحضار الدرع." ظلت تنظر إليه في صمت. فأضاف: "وسألقي نظرة على الخريطة؟ وعلى... تلك الأمور الأخرى." كان يريد فقط الخروج لقتل بعض الغوبلن، فلماذا تحوّل الأمر إلى كل هذه الضجة؟ ظلت تحدق فيه. فقال: "شكرا؟" فليرم الكلام على الجدار حتى يعلق منه شيء. مع من كان يفترض به أن يتحدث بالضبط ليحصل على الدرع وسائر الأشياء؟ أف. كان يفضّل حقا أن يخرج من دون كل ذلك، لمجرد أن العناء مرهق. والآن صار عليه أن يتحدث إلى مزيد من الناس. لم يكن الأمر يستحق. هل يستطيع أن يتسلل إلى الخارج وحسب؟ كان ينبغي له أن يتسلل منذ البداية. لم تكن الجدران عالية إلى ذلك الحد، وكان يستطيع ببساطة أن يقفز منها إلى الأسفل. فكرة جيدة لوقت لاحق. أغمضت نانسي عينيها وأخذت نفسا عميقا. قالت وهي تبدأ السير: "تعال معي. سنحصل لك على الدرع وعلى المعلومات. وسيكون هناك اختبار." تأوه دينيس.
/ - /
حسنا، كان أهل الحصن يفعلون أكثر بكثير مما توقع، مكتفين بملاحظة الأمور والاستنتاج بلا سؤال. بدا الأمر كله أشبه بعمل تطوعي، وكان هناك الكثير من المتطوعين لكل شيء لكون المسألة حياة أو موتا، لكن المغزى هو أن العمل كان منظما حقا. على الأرجح بتدبير منقبي الدكتاتورية المحتملين، إذا فكر المرء في الامر. كان الناس يصنعون الكثير من الأشياء، لا الشباك وحدها، وهو لم يكلف نفسه عناء ملاحظة ذلك. وخير مثال على هذا، أنهم لم يكتفوا بالعثور على الدروع التي كان يرى فرقة الإغارة ترتديها أحيانا. بل كانت لديهم صناعة دروع قائمة بذاتها. كانت جثث العفاريت موردا وافرا — شكرا جزيلا له — وكان عدد غير قليل منها يرتدي أغطية جلدية سميكة لحماية مواضع المقاتل الحيوية. ورغم أن هذا الجلد بمفرده لا يصلح لارتدائه إلا ربما بعض الصبية، فهذا لا يعني أن الأمر سيوقف أناسا مصممين أرادوا فعل كل ما بوسعهم لزيادة فرص بقائهم. جُمع الجلد ونُظف وفُرِز. وأُبلغت فرقة الإغارة بالحاجة إلى أدوات صناعة ومواد، فنجحت في جلب بعضها. وكان نفر من الناس يكتشفون كيفية صنع معدات دفاعية أساسية، كالواقيات أو درع جلدي. بدت الأشياء بشعة بعض الشيء بمعايير دينيس، لكنها كانت قابلة للاستخدام بالفعل. ما يكفي لصد ضربة سيف جانبية أو سهم، على الأقل. وبالمجمل، شارك أكثر من عشرة أشخاص في صنع هذه المعدات، وشعر دينيس بشيء من الإعجاب وهو يرى كل هذا. قال لناسي بينما كانت فتاة تعبث بالدرع ليناسب مقاسه بشكل أفضل: "لماذا لا نغير على مركز شرطة ونحصل على بعض معدات فرقة التدخل السريع أو ما شابه؟" قالت: "بعيد جدا. وغير متجدد. لا نعرف مدى فائدته، وهناك أيضا نظرية تفيد بأنه مع النظام يصبح ممكنا فتح مهارات صناعة وصنع دروع سحرية. أسباب صغيرة كثيرة، لكنني أقول إن السبب الأساسي هو أننا نستخدم ما توفر لنا بدل المجازفة بالأرواح في سبيل ما قد يكون مفيدا". تمتم: "أبدو سخيفا. مثل روماني مهووس بالترقيع". قالت وهي تشير ببساطة إلى مكان ما على الخريطة التي كانت تحملها: "تبدو بحالة جيدة. ما هذا المكان؟" "مشاهدات لذئاب مسخ عملاقة. أو، ليست عملاقة بل ذئاب مسخ ضخمة حقا؟ ذئاب بارتفاع الكتفين. أرعبت غاري". أومأت، وأشارت إلى موقع مختلف. قال: "كنيسة قديمة يقال إنها صالحة للاغلاق على النفس. مكان تجمع محتمل للناجين". سألت: "ولماذا محتمل؟" "لأننا لم نستطع التحقق لوجود عدد مريب من العفاريت بالقرب منها، وهي أيضا علامة على احتمال وجود أشخاص بالداخل. هل يمكننا التوقف؟ أتذكر حرفيا كل ما قلتيه. حرفيا حقا. ذاكرتي سحرية الآن. هذا ممتلك للطاقة". سأل صوت طفولي مباشرة من خلفه: "ماذا تفعل؟" "تبا!" قفز في مكانه وكاد يتعثر وهو يتخبط محاولا الإمساك بسيفه. ثم تذكر أنه أعطاه للصناع لكي يصنعوا له حزاما لائقا بدل الحزام الذي صنعه من الشريط اللاصق. بدا على وجه ناسي أنها قد فرغت من الحياة، وقد ظهر على وجهها مزيج من الإرهاق والإحباط وهي تقول: "طلبت منك التوقف عن فعل ذلك، ليلي. وخاصة مع أمثال دينيس. لقد أزعرته". كذب: "لم تفعل". ضحكت الفتاة. فقالت: "إذن. ماذا تفعل؟ هل سمحوا لك بالانضمام إلى فرقة الإغارة؟ هل أنت قائد الفرقة الآن؟ أيمكنك أخذي معك؟ يقول لاري إن قائد الفرقة وحده هو من يمكنه تقرير من سينضم إلى الفرقة، وأنا أستمر في سؤاله فيقول إنني لا تناسب تكوينهم، لكني أعتقد أنه يكذب فحسب، ولكن إن كنت قائد الفرقة الآن فهذا يعني أنه يمكنك أن تقرر وأنت أروع بكثير من لاري وهذا يعني أيضا أن تكوين الفرقة تغير وهذا يعني أن بإمكاني المجيء معك! أيمكنني المجيء معك؟" لم يدُر بخلد دينيس أكانت نعمة أم نقمة، لكن امتلاك عقل يقارب القدرات الخارقة سمح له حقا بمجاراة كل ثرثرة الفتاة شديدة الحماس. تأمل قائلاً: "إنهم... لم يسمحوا لي بالانضمام إلى الفرقة فعلياً؟ لكني لم أطلب، لكني متأكد من أن مايكل لن يدعني لأنني برأيه خطر على المجتمع أو ما شابه. ليس كأنني طلبت. أو أردت أن أكون هناك". رغم أنه بالفكير في الأمر، فقد كان من الوقاحة بمكان تصنيفه بصفته 'قاتلا غير مستقر' لمجرد امتلاكه غرائز قتال جيدة. كان دينيس واثقا من أنه لن يقدم على أي قتل بلا سبب وجيه، ووطء قدميه لا يعتبر سبباً. كان مايكل لقيطاً وحسب. "على أي حال، سيقومون بإبطائي فقط، لذا سأخرج وحدي—" "وحدك؟!" "نعم، هذا—" "لكن هذا ليس عادلا!" صرخت، مشيرة بإصبعها نحوه. "لماذا يخبرني الجميع أنني بحاجة إلى فريق ولا يمكنني الذهاب وحدي وأنت فقط... وهم يدعونك تفعل!" خمن دينيس أنه وقع في خدعة معقدة لإبقاء ليلي بعيدة عن الإغارات. بدا الأمر وكأنهم أقنعوها بأن الذهاب وحدها أمر مستحيل ثم استمروا في رفض طلباتها للانضمام إلى الفرق بأعذار سخيفة مثل 'تكوين الفريق' أو غير ذلك من الهراء. وهو أمر عادل، فهي مجرد طفلة، وجنود الأطفال خط أحمر كبير. وخاصة إن كانوا ماهرين. ماذا كان سيحل بهم لو رفعت مستواها كثيرا وأصبحت قوية للغاية لدرجة يصعب التحكم بها؟ الأطفال حمقى وغير متوقعين، لذا فإن إبعادهم عن القوة التي لا تُسبر أغوارها محض منطق سليم. أخبرها بالحقيقة متبنيا صوته الناضج الذي يستخدمه عند التحدث بتعال مع الأطفال: "لأنك طفلة. كثيرة التذمر وغير مسؤولة. وظيفتك هي الذهاب إلى المدرسة وأداء الواجبات المنزلية. بالطبع لن يدعوك تخرجين، الخروج للبالغين". كان عليه الاعتراف بأن منع الابتسامة من على وجهه كان تحديا بعض الشيء. لقد كان من الجيد أن يكون في الجانب الآخر من هذه المحادثة، وبات يفهم الكبار في حياته بشكل أفضل قليلاً. لقد كان طعم التفوق الحلو مخدرا حقا. "لكن— لكن. لكن أنت!" أشار الإصبع المتهم إلى وجهه بقوة أكبر. قال بزهو: "أنا بالغ مسؤول. لدي حتى بطاقة هوية تثبت ذلك. أنا كبير حتى بما يكفي لشراء الكحول! أنا وأنت، لسنا في مرتبة واحدة". قرر ألا يذكر أنه نسى بطاقته في المنزل لذا ليس لديه طريقة لإثبات هذا. وكان الأمر في الواقع جيدا نظرا لأن جزء الكحول كان كذبة. "وأيضا، لكي أكون منصفا، أعتقد أنهم أرادوني أن أبقى لكنهم لا يستطيعون إيقافي". "ماذا تقصد؟" تغيرت تعبيرات وجه ليلي بسرعة من الغضب إلى شيء أكثر تأملا وهي تركز على الجزء الأخير من شرحه. حاولت ناسي توجيه الدفة: "أظن أن ما يقصده هو—" صرخ دينيس رافعا يديه بحماس كأنه كاهن في طائفة: "القوة التي لا تقهر لا يمكن إيقافها! ماذا يمكنهم فعله بينما أنا أقوى بطل موجود؟! يمكنني فعل أي تبا أريده! مثل هوملاندر، لكن بأخلاق حسنة! أن تكون قويا ببطولة يشبه أن تكون بالغا لكن بمسؤولية أقل! أعني بالمسؤولية هنا الحاجة إلى الإجابة ومواجهة عواقب أفعالك". كان توضيح قصده أمرا مهما. "لا يمكنهم حجزك لأن بإمكانك شق طريقك للخارج، ولا يمكنهم طردك لأنك لا تحتاجهم حقا للعيش بينما هم يحتاجون إليك، ولا يمكنهم خصم راتبك لأن المال لم يعد يعمل. أساس كل شيء، كلما كنت أقوى كلما استطعت الإفلات بأفعالك، وأنا الأقوى. هذا، نوعا ما، موضوع ربع القصص المصورة الجيدة. من ناحية، القوة تفسد، ومن ناحية أخرى هي مسؤولية عظيمة، لكن المغزى هو أنه كلما امتلكتها زادت قدرتك على فعل أي شيء ولن يوقففك أحد. فقط لا تكن شريرا، لأنهم تافهون، وسأركل مؤخرتك تماما". قرر أن يتغاضى عن حقيقة أنه في مواجهة فردية ربما تسحقه ليلي. بناء سفاح أحمق. أومأت ببطء: "أهوه..." تمتمت ناسي: "تبا للجحيم. ليلي، نحن ندع دينيس يخرج لا لأنه قوي ولا نستطيع إيقافه. هناك عشرة طرق يمكننا بها ذلك. وضعه مختلف عن وضعك فقط. إنه سريع ويحسن تفادي التعرض للضرب، لذا فمن الأجدر به الأمان. أنت بحاجة إلى فريق للاهتمام بأمرك، فختفائك ببساطة لا يدوم طويلا بما يكفي ليكون آمنا، ولن يحميك إذا لم يكن هناك مكان للاختباء فيه. أرجو ألا تستمعي إليه. سأتحدث إلى لاري وسنجد حلا ما، حسنا؟" أومأت ليلي للمرة الثانية وابتسمت وهي تنظر إليهما أعلى: "لا تقلقي. سأكون آمنة. أنا شخص حذر للغاية". كان ذلك مدعاة للاسترخاء.