الفصل 5: ألينا
"لقد هلكت حقا،" تمتم أدام بأسى بينما توقف عقله عن التفكير، رافضا استيعاب الموقف أكثر من ذلك.
كان وجهه شاحبا لدرجة أن بشرته الشفافة كادت تتلاشى.
وقف متجمدا في مكانه، أمام المكتب، بنظرة فارغة، ينتظر أن يعثر عليه جلاخه.
لم يكن لديه أدنى شك في أنه في عالم من السحر، سيتم اكتشافه على الفور إذا عرف الناس عما يبحثون عنه.
ولكن ما الذي كان بإمكانه فعله؟ كانت تفاعلاته الوحيدة المتاحة مع الطفل الرضيع، وكان يشك في أن وضع إصبعه في فم الرضيع سيساعده بأي شكل في محنته.
لم يكن يستطيع حتى فهم كلمة واحدة من اللغة التي يتحدثون بها.
لذا، استسلم لمصيره.
ارتعدت ألينا حين دوى إنذار الخطر، وتنقلت عيناها يمينا وشمالا محاولة فهم السبب الذي جعل الحراس يتصرفون بجدية مفاجئة. خفق قلبها بالرعب وهي تتحسر على سوء حظها.
كانت مجرد امرأة بسيطة لم تبتسم لها الحياة كثيرا. توفي والداها قبل بضع سنوات، ولم يتركا لها سوى البيت القديم الذي تعيش فيه.
كانت تعمل في وظيفة مجهدة في مزرعة مجاورة، ترعى الماشية وتنظف مكان معيشة الحيوانات يوميا.
ورغم صعوبات عملها الشاق، وجدت أن أجرها زهيد للغاية، مما أبقاها محاصرة في منزل متداعي داخل حي مخيف، كل هذا وهي تربي طفلا في سن السابعة عشرة.
وللأسف، كانت مجرد واحدة من بين كثيرين في هذا الوضع. لكنها بذلت قصارى جهدها لتعيش حياتها بكرامة، رافضة العمل في أماكن قد يصفها البعض بالقذرة.
ليس بالقذرة من الناحية المادية، فبعد كل شيء كانت تنظف روث الحيوانات بالكامل. بل من الناحية الأخلاقية.
رفضت الانحطاط لدرجة أن تصبح عاهرة في بيت دعارة، حتى لو كان بإمكانها كسب المزيد من المال بفضل وجهها الجميل.
أما عن سبب إنجابها طفلا في مثل هذا السن المبكر، فلنقل فقط إنه بسبب ساذجتها، استغلها رجل وعدها بأشياء كثيرة ليخدعها.
ظنت أنها وجدت رجل حياتها، وأن هما سيعيشان معا حتى يفرقهما الموت، لكن الواقع كان معلما قاسيا.
في اللحظة التي ظهرت عليها علامات الحمل، تخلى عنها الرجل مدعيا أنه ذاهب لشراء الحليب. وكانت تلك آخر مرة رأته فيها، ولهذا السبب ربت ابنها بمفردها.
بعد استرجاع الذكريات لبرهة، ركزت على الغرفة، ملاحظة أن زوجين، وثلاث نساء بما فيهن هي، وأطفالهم الرضع كانوا محتجزين في مركز الحراسة.
وبعد فترة وجيزة، مشى نحوهم حارس في الأربعينيات من عمره ذو هيئة مخضرمة قادما من مكتب في الجزء الخلفي من المركز.
تميز هذا الحارس بالذات عن الآخرين بمعداته. كان يرتدي عباءة مطرزة بشيء يشبه شعار النبلاء فوق زيه الرسمي، وكان هناك بروش معدني مثبتا على صدره.
كان شعار النبلاء مقسما إلى جزأين. أحد النصفين يمثل غابة، بينما يمثل النصف الآخر نهرا. وكان البروش على شكل زهرة تحت تاج.
لاحظت بعض الشعر الأبيض المتناثر في شعره الأسود القصير وهي تتأمل الرجل ذو البنية الجسدية الجيدة. كان طوله مترين إلا ربع المتر تقريبا، وهو طول متوسط.
جلس أمامهم قبل أن يشرح بفيض من الجدية وعلى وجهه علامات الصرامة سبب احتجازهم.
"أحد أطفالكم قد فعل تعويذتنا، مما يعني أنه مميز. مهمتنا هي تحديد موقع هؤلاء الأطفال المميزين وجلبهم إلى العاصمة. سيحضرون إلى أميز مدرسة في البلاد حتى يبلغوا سن السابعة عشرة. وعندها، سيتم اختبار مواهبهم وألفتهم السحرية.
بعد ذلك، سنرسلهم إلى الأكاديمية الأكثر ملاءمة لهم بناء على النتائج لتعلم السحر والانضمام في النهاية إلى الجيش الملكي. إنها فرصة قد يقتل الكثيرون للحصول عليها. لهذا السبب أمرنا كل والد بإحضار مولوده الجديد اليوم."
"طفلتي فريدة بحق! الأكثر تميزا في العالم! أنا متأكدة من أنها هي التي تبحثون عنها! يرجى اختبارها أولا يا سيادة الضابط، وسترى بنفسك. هاه، سأغادر هذا المكان أخيرا وأعيش في العاصمة."
سألت امرأة رثة الثياب، وكانت عيناها مليئتين بالأمل وأحلام عيش حياة مرفهة في العاصمة.
كان جسدها الهزيل يبدو وكأن الريح ستطيره إذا هبت بقوة.
لم تستطع ألينا إلا أن تلاحظ أن نظرات المرأة كانت تتحرك بشكل غريب من طفل أحد الزوجين إلى مكان فوقها مباشرة من وقت لآخر.
"أسف لخيبة أملك، ولكن إذا كانت طفلتك مميزة حقا، فسنقدم تعويضا ماليا ونمنعك من الاتصال بها لبقية حياتك. لا أريد إضاعة الوقت في شرح التفاصيل لك. فقط اعلمي أن هذه أوامر ملكية. لا أحد في هذه البلاد يمكنه معارضتها. لنبدأ بالفحص."
غير مبال بأنه حطم أحلام المرأة في بضع جمل، ولا بالملامح القبيحة التي ارتسمت على وجهها، جلس الضابط خلف أحد المكاتب الخمسة المستخدمة لإجراء الفحوصات وأشار إلى أحد الزوجين بالاقتراب.
عرفت ألينا من الخبرة أنه سيتم استدعاؤها قبل الأخيرة. كان من السهل تخمين ذلك حقا. كلما بدوت أكثر ثراء، كلما مررت في وقت أبكر.
كانت هذه قاعدة مطلقة في هذه القرية، وربما في العالم كله. لكنها لم تكن متأكدة لأنها لم تغادر قط.
لاحظت أن عملية الفحص لم تتغير على الإطلاق. كان الاختلاف الوحيد هو أن الأطفال الرضع فحصوا واحدا تلو الآخر لعزل الطفل المطلوب.
تساءلت عما ستفعله إذا تبين أن طفلها مميز. هل ستسمح لهم بأخذه منها؟
بعد كل شيء، كانت متعلقة به بصدق. كان الشيء الوحيد المعزي المتبقي في حياتها.
لم تكن تريد حقا أن يؤخذ منها. حتى أنها شعرت بإنها مستعدة لمحاربة البلاد لإبقائه بجانبها.
ومع ذلك، فهمت أيضا أنها لا تستطيع أن تقدم له ولا حتى عشرا مما وعد به الضابط: تذكرة مجانية للانضمام إلى أكثر الأشخاص غموضا وقوة ونفوذا في العالم، السحرة.
علاوة على ذلك، سيكون شخصا معترفا به ومقبولا من قبل الدولة، وهو ما كان من اختصاص النبلاء فقط لأنهم الوحيدون الذين يستطيعون إرسال أطفالهم إلى الأكاديميات.
وبصفتها عامية فقيرة، لم تكن دراية كافية بهذه الأمور، لكنها سمعت شائعات عن بعض الأشخاص الذين يطلق عليهم السحرة المارقون.
كانوا أفرادا محظوظين تعلموا السحر في البرية. إما عن طريق العثور على معلم في مكان ما أو بالتعثر في إرث غير مكتشف.
أولئك السحرة لم تعترف بهم أي دولة، بل وتمت مطاردتهم بلا رحمة. عاشوا في الظلال، وفي معظم الأوقات، استخدموا قواهم لأغراض غير قانونية.
سمعت أيضا أنهم منعزلون لا يثقون بأحد، وأنهم أفراد شديدو الخطورة لا يترددون في القتل من أجل المصالح.
لهذا السبب شجعت المملكة مواطنيها على الإبلاغ عن السحرة المارقين للاقرب مركز حراسة. وإذا أدت المعلومات المقدمة إلى القبض على أحدهم أو قتله، يمكنك الحصول على مكافأة مالية.
لذا، هل كانت الحياة معها أفضل حقا مما وعدت به المملكة؟ كان عقلها يعرف الإجابة، لكن قلبها لم يرد الاستماع.
بينما كانت تفكر، استمر الفحص في صمت. الطفل الأول لم يجعل الإنذار يرن. والطفل الثاني لم يفعل ذلك أيضا.
ومع ذلك، بعد عشرين ثانية من دور الطفل الثالث، دوى الإنذار.
وبابتسامة، خاطب الضابط أحد الزوجين.
"تهانينا، لقد تأكدنا من أن طفلكم مميز. يرجى التوجه إلى المكتب في الخلف."
تنهدت ألينا، وهي لا تعرف كيف تشعر. من ناحية، كانت سعيدة لأنها لن تفصل عن طفلها. ومن ناحية أخرى، شعرت بالحزن لأنه لن يستفيد من جميع المزايا التي أعلن عنها الضابط.
ومع ذلك، بينما كانت تقف للمغادرة، صرخت المرأة الهزيلة التي لم يفحص طفلها بعد.
"انتظر، انتظر، لم تفحص طفلتي بعد. إنها مميزة، أنا أقول لك."
نظر إليها الضابط بوجوم، ثم جلس مجددا. "قد نُفص الأخيرين أيضا، حتى لو كانت احتمالية العثور على اثنين من المستدعين في هذا المكان القذر قريبة من الصفر." تمتم قبل أن يشير إلى ألينا بالاقتراب.
بقلب مثقل وهي لا تزال لا تعرف ما إذا كانت تفضل البقاء مع طفلها أو السماح له بالمغادرة مع الوعد بمستقبل أفضل، مشت إلى المكتب ووضعته عليه.
كانت كل ثانية تمر تبدو وكأنها سنوات بالنسبة لها. كانت مشاعرها في اضطراب. ومع ذلك، بعد مرور بضع عشرات من الثواني، حسمت أمرها.
لن تسمح لهم بأخذ طفلها، ولا حتى بجميع أموال العالم. كانت تعلم أنه القرار الخاطئ، لكن فقدانه كان أشبه بفقدان جزء من جسدها... إلى الأبد.