الفصل 18: مواجهة شبحية
"ما هذا بحق السماء?!" صرخ آدم مصدوما من الهيئة التي وثبت عليه، وقفز إلى الجانب بذعر.
أخطأته المرأة لكنها استمرت في الاندفاع للأمام بفضل زخم حركتها، حتى اصطدمت بشاهد قبر.
ومع اختراق أظافرها للحجر الصلب مخلفة ثقوبا ملساء تشبه ثقوب الرصاص، اتسعت عينا آدم صدمة، مدركا أن المصير نفسه كان بانتظاره لو تمكنت من إصابته.
تلا ذلك التفاتتها نحوه بعينين ملؤهما الغضب، مما جعله يتفكر فيما قالته سابقا. كيف عرفت، ولماذا تكرهه إلى حد الهجوم عليه فور رؤيته?
"ألا يمكننا التحدث فقط? أنا متأكد من أنني أستطيع مساعدتك! لا داعي للقتال." حاول معاقلتها، غير راغب في المخاطرة بخلوض معركة وسائده الأيمن غير صالحة للاستخدام. غير أن الجواب الذي تلقاه أربكه.
"أنت واحد منهم! خارجا فقط، لكنك المماثل نفسه!" صرخت، وصوتها يتردد كأصداء مسكونة عبر المقبرة. ثم اندفعت نحوه بأسرع من ذي قبل.
"سحقا! أهدئي. أنا لا أعرف عما تتحدثين!" صرخ بسخط، وحاجباه ينقبضان غضبا. لماذا كانت مصممة بغير عقلانية على قتله?
لكن تعابير وجهه تغيرت بسرعة عندما أدرك أنه لن يملك الوقت لتفادي الهجوم.
ضابطا على أسنانه، شد قبضته على خنجره، واضعا إياه في مسار ضربتها.
صلصلة
تردد صوت الاصطدام في الأرجاء مع اندفاعه متطيرا بضعة أمتار إلى الخلف، ودب الخدر في ذراعه الأيسر. كانت أشد قوة منه بكثير، وهيئتها الأثيرية كانت أكثر كثافة من هيئته.
وبابتسامة ممتلئة بالمرارة لإدراكه الواقع، وازن نفسه فورا واتخذ موقف قتال مستوحى من القصص التي اعتاد قراءتها مع هز رأسه.
لقد كان يفضل التحدث حقا. ففي مجتمعنا الحديث، لم يحتج يوما إلى القتال ولم يتعلم كيف يقاتل. وكان هذا أشد صحة بالنسبة لقتال الأسلحة الذي بدا غريبا عليه. حتى في البرج، كانت انتصاراته تتحقق بفضل استخدامه للبيئة والكمائن والخطط، لا بفضل مهاراته القتالية.
ولهذا السبب بدا الوضع قاتما. فمع غياب أي خطة أو فخ تحت تصرفه، كان عليه مواجهة الشبح القوي كالمسخ في قتال مباشر، ولم يكن واثقا من فرص انتصاره.
"أنا لا أريد قتالك حقا. ارجوك دعيني أساعد." قام بثمراء محاولة أخيرة لتهدئة غضبها، بيد أنه استعد نفسيا للأسوأ.
"أكاذيب! خداع! جميعكم سواء! تماما مثل ذلك الضابط!" زأرت، ووجهها البشع أصلا يتشوه إلى كشرة كابوسية مع تساقط دموع دمية من عينيها المجوفتين، مما جعلها تبدو كالشيطان أكثر من الشبح.
في الوقت نفسه، ومضت هيئتها الطيفية الشفافة بضوء مزرق مريب، مطلقة كتلية من الطاقة السلبية الصلبة يرافقها طنين غامض.
تزايد الشعور بالبرودة الذي يتخلل المكان، مجبرا إياه على الارتعاد مع اتساع عينيه رعبا، غير مرتاح لما يحدث.
وبصوت مزعج، تكثفت الطاقة السلبية في يدها اليمنى، متخذة تدريجيا شكلا صلبا.
بعد ثانيتين، تسبب سوط شبحي أزرق داكن تنبعث منه هالة مجمّدة في اصفرار وجهه.
'هل تستطيع استخدام السحر?' فكر، والعرق البارد يتشكل على جبهته الأثيرية، مدركا أن الوضع انتقل من السيئ إلى الأسوأ. كان عليه القتال لحماية حياته ضد المرأة المجنونة غير العقلانية.
تسارعت أفكاره بحثا عن حل لموازنة الكفتين، وشعاع حسابي يلمع في عينيه وهو يقيم نقاط قوتها في ثانية.
'مع ذلك السوط، وإلى جانب القوة، تملك مدى أفضل أيضا. لا خيار لدي. سيتوجب علي استخدام إحدى أقدم وأقوى التقنيات البشرية.' تحول وجهه إلى الجدية التامة، والظلال ترقص عليه بشكل شؤم تحت الضياء الباهت للقمر وهو يصرخ. "الفرار!"
سحب كل قوته الذهنية، ممتلكا تركيزه على الطفو بأسرع ما يمكن، متخذا من متاهة شواهد القبور غطاء لحجب رؤيتها.
واأسفاه، هل يستسلم الشبح لفريسته? وبسبب التهام الجنون والكراهية لها، ضربت بسبطها الأثيري نحو آدم، طامحة إلى تمزيق ظهره بأطرافه الشائكة المتعددة.
بفارق شعر، انخفض بجسده للأمام وعبر من خلال شاهد قبر سميك، مما جعل السوط يخطئ هدفه ويثف حول الحجر بينما اخترقت الأشواك ثقوبا صغيرة على سطحه.
بعد نصف ثانية، سحبت المرأة ذراعها إلى الخلف مسترجعة سلاحها... ومسترجعة شاهد القبر بأكمله معه في مطر وعزف نشاز من الركام.
وهو يصفار ويرتعد خوفا، فكر آدم: 'كنت سأصبح ميتا لو لم تكن قادرة على التفاعل مع المادة!'
ولحسن الحظ، التقطت سرعة بديهته تلك التفصيلة من هجومها الأول. وكان الاختباء خلف القبور هو الخطوة الأولى من خطته المصنوعة بعجالة.
بعد بضع ضربات أخرى انتهت بالطريقة نفسها، اندفعت المرأة للأمام، وصوتها يتشقق في صرخة مرعبة.
"قَاتِل، قَاتِلْنِي! أنا قوية! لن يكون الأمر كما كان في المرة الماضية."
ومع ذلك، لم يرد على كلماتها سوى الصمت، مما جعلها تضرب الأحجار المجاورة مدمِرة إياها للعثور على هدفها قبل أن تستأنف البحث.
في هذه الأثناء، انتظر آدم بأنفاس متقطعة فرصة لقلب الطاولة. كانت خطته تحمل مخاطرة، لكن أي خيار آخر كان يملكه? حتى لو هرب، سيموت من روحه المجروحة. ضابطا على أسنانه، لمعت أثر من الجنون عبر عينيه المضيئتين بينما احترق قلبه بالعزيمة. 'لن أموت هنا. أنا أرفض!'
بعد نصف دقيقة، طفت المرأة في مكان قريب، وعيناها تمسحان الأرجاء وهي تتبعه بلا هوادة.
ومع ذلك، كان هذا ما كان ينتظره. مغادرا غطاء شاهد قبره، دفع نفسه إلى الأعلى، ويده تقبض على خنجره مخزي الوحوش، وطعن في صدرها بحركة سريعة وحاسمة.
قطع الخنجر الرياح، واصلا إلى المرأة الهزيلة غير المستعدة في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه قلبها تماما.
وردا على ذلك، اندفع رأسها إلى الخلف وهي تصرخ بمزيج من الألم والصدمة من الكمين غير المتوقع الذي نفذه خصمها الأضعف بكثير.
كشف فمها المفتوح عن أسنانه الحادة المثلثة التي تلمع بشؤم في الليل وهي تخفض رأسها في لمحة عين، مصممة على عض عدوها الماكر حتى الموت.
تردد صدى إغلاق فكيها بقوة في المقبرة. غير أن الحيرة استبدت بعينيها إذ لم تشعر بالاحساس المتوقع. لقد اختفى الشبح الجريء، ولم يترك خلفه سوى الخنجر المغروس في صدرها.
"آععععع! أين أنت!?" زأرت، وغضبها يحتدم كبركان ثائر وهي تطرح الخنجر بعيدا.
جعلها الضرر الإضافي لخنجر مخزي الوحوش ضد الأعداء الخارقين للطبيعة والوحشيين تعاني أشد المعاناة. شعرت بجسدها الأثيري يحترق باستمرار، مما جعلها تطحن أسنانهما على هذا الشعور المألوف ولكنه الكريه.
ثم مسحت الأرجاء مرة أخرى، مصممة على الانتقام.
ومع ذلك، سرعان ما نسيت أمر آدم مع اتساع عينيها بضوء اشتياق منحرف.
ليس بعيدا، لاحظت امرأة شابة تجلس قرفصاء عند قبر، ترتعد خوفا وتضم طفلا إلى صدرها.
"طفلللللللللللللللللل."