الفصل 34: صدمة نفسية
تجمدت فاليسيرا في مكانها.
كان اللهب الأزرق لا يزال يحترق في راحة يدها، لكن عينيها القرمزيتين كانتا واسعتين بسبب صدمة حقيقية ونادرة ومطلقة.
"ما الذي... بحق الجحيم... يحدث له؟" تمتمت فاليسيرا، بينما أصاب الذهول لسانها الحاد المعتاد بالشلل.
لقد أشعلت مجرد لهب صغير جداً من الإيترا لإخافته.
لم تهاجمه. ولم تلقِ أي تعويذة عقلي شعوذة عليه.
ولم تلمس حتى شعرة واحدة من رأسه!
وممع ذلك... الوحش الذي كان قبل دقائق يذبح عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي بدم بارد، القاتل الذي يمتلك قدرة مجهولة مرعبة... كان الآن ملقى عند قدميها، يتلوى في مياه الصرف الصحي مثل مسخ يموت.
صرخ بكلمات غير مفهومة، وبكى بألم يمزق القلب، وتقاضى دماً ورغوة، واصطدم رأسه بالحائط في حالة هستيرية جنونية أدت إلى تشقق قناعه أكثر وجعلت جبينه ينزف.
لم يكن المشهد مثيراً للشفقة فحسب، بل كان بشعاً ومحيفاً ومزعجاً للغاية.
لقد كان تجسيداً للانهيار التام للعقل البشري.
"أبعدوا النار... مورفيند... لا تحرقوهم..." استمر في التمتمة والبكاء، واهتز جسده بعنف لدرجة أن عظامه بدأت تتصدع.
فجأة...
التقط أنفاسه -في نفس أخير وعميق ومختنق- ثم توقف عن الاهتزاز.
أصبحت عضلاته مرتخية تماماً، وقط وجهه في الماء الضحل، وفقد وعيه تماماً.
انزلق إلى غيبوبة فرضها عقله كآلية دفاعية أخيرة لمنع نفسه من الموت من الرعب.
ملأ الصمت المُميت المجاري، ولم يكسره سوى صوت المياه الجارية.
وقفت فاليسيرا متجمدة لعدة ثوانٍ.
هل كانت هذه خدعة؟ فخاً؟
لكن حواسها من الفئة إس أخبرتها بالحقيقة المطلقة.
كان نبضه ضعيفاً للغاية، وينبض بشكل غير منتظم.
كان تنفسه سطحياً.
لقد انهار حقاً بسبب صدمة نفسية طاغية.
أغلقت فاليسيرا راحة يدها بسرعة، مطفئة اللهب الأزرق في لحظة، كما لو أنها أدركت أنه كان السبب -على الرغم من عدم فهمها للرابط.
اختفت الابتسامة الساخرة من وجهها.
اقتربت منه بحذر، متجاهلة قذارة الماء التي تلوث حذائها باهظ الثمن.
ركعت بجانبه في الطين، تنظر إليه بنظرة متضاربة ومعقدة مليئة بالفضول والارتباك.
"مجرد لهب أزرق جعل المطلوب الأول لدى الاستخبارات ينهار مثل الطفل؟" فكرت.
نظرت إلى وجهه المقنع.
كان القنا الاسود ذو الخطوط الزرقاء محطماً جزئياً في الجانب الأيسر نتيجة اصطدام رأسه المتكرر بالحائط.
غطى الدم الجانب المكسور، مختلطاً بالرغوة الدموية ومياه الصرف الصحي القذرة.
ترددت فاليسيرا لحظة. كانت الأوامر واضحة: القبض عليه وتسليمه لمكتب التحقيقات الفيدرالي.
لكن الففضول -مرض الأقوياء- غلبها.
من كان هذا الجوكر؟ من كان هذا الوحش الذي يحمل كل هذا الرعب بداخله؟
مدت يدها ذات القفاز ببطء.
اصبح الهواء من حولها متوتراً.
أمسكت حافة القناع من الأسفل، عند الذقن.
ببطء... وبحرص... رفعت القناع عن وجهه.
طقطقة... انفك القناع، كاشفاً الحقيقة الخفية.
توقعت فاليسيرا أن ترى رجلاً في الأربعينيات من عمره، أو مجرماً مشوهاً، أو مرتزقاً بوجه مليء بندوب المعارك.
لكن ما رأته... جعل أنفاسها تتوقف لحظة.
لقد كان... مجرد شاب.
في العشرينيات من عمره بالكاد -أو ربما أصغر حتى.
كان وجهه شاحباً كالموتى، وملامحه مرهقة، وهشة، وتحمل وسامة خافته دمرها المعاناة المستمرة.
لقد بدا أصغر سناً بكثير، وأضعف بكثير من أن يكون ذلك القاتل السادي الذي أرعب المدينة.
"هذا هو الجوكر؟" تمتمت فاليسيرا، وعقدت حاجبها الفضي.
"مجرد صبي؟"
بحثرت في ذاكرتها الفوتوغرافية المرعبة.
ذاكرة زعيمة استخبارات تحتفظ بملفات آلاف المجرمين والموقظين.
لا شيء.
لم تعرفه.
لم تكن هناك صورة لهذا الوجه في قاعدة بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي.
لقد كان نكرة تامة.
شبحاً حقيقياً.
لكن... كان هناك شيء غريب.
نظرت إلى عينيه.
كانتا مفتوحتين جزئياً، لكنهما انقلبتا للأعلى تماماً بسبب التشنجات العنيفة والإغماء.
كانت بياض عينيه فقط مرئية، ومليئة بالأوعية الدموية المتمزقة.
مدت فاليسيرا سبابتها ببطء، ولمست جفنه العلوي بلطف، ورفعته لرؤية لون قزحيته.
كانت العين لا تزال منقلبة للأعلى، مما منعها من رؤية القزحية بوضوح.
لكن عند الحافة... لمحت وميض لون.
لون غريب.
غير طبيعي.
"هل هو... مائل للحمرة؟" تمتمت فاليسيرا، مقتربة أكثر بعدم تصديق.
"قرمزي... ربما؟"
نعم -كان هناك أثر خفيف للون القرمزي، خالٍ من أي توهج أو إيترا نشطة نظراً لأن بؤبؤ العين كان هامداً بسبب فقدان الوعي.
عينان قرمزيتا؟ مثل عينيها؟
في عالم إيليسيوم، كانت ألوان العيون السحرية -القرمزي، والذهبي، والبنفسجي- نادرة للغاية، وغالباً ما كانت مرتبطة بسلالات قوية، أو طفرات إيترا مرعبة، أو... كيانات معينة.
تجمدت فاليسيرا لعدة ثوانٍ.
تحدق في الصبي المحطم، وفي ذلك اللون القرمزي الميت في عينه.
فجأة...
تغير تعبير وجهها تماماً.
اختفى الففضول. واختفى التبلد.
حل محلها تهيج شديد وغضب مكبوت.
لم تكن تنظر إلى الصبي بعد الآن -بل كانت تنظر إلى "لاشيء".
"اصمت." همست فاليسيرا بحة حادة، خالية من أي مشاعر.
صمتت لثانية، كما لو كانت تستمع إلى شخص يتحدث داخل جمجمتها.
"قلت اصمت!" ارتفع صوتها قليلاً، وومضت عيناها القرمزيتان بغضب خطير وهي تحدق في الفراغ.
"أنا أعرف ما يجب علي فعله! لا تملِ الأوامر علي، أيها الطفيلي اللعين! أنا لست دميتك لتتحكم بها متى شئت!"
كانت تتجادل... مع نفسها.
أو بالأحرى، مع شي ما بداخلها.
نظام؟ كيان طفيلي؟ شيطان؟ أياً كان، كان يأمرها بشيء بخصوص الصبي الملقى أمامها.
زفرت فاليسيرا بقوة، محاولة استعادة السيطرة على رباطة جأشها التي نادراً ما تهتز.
مسحت وجهها بيدها ونظرت إلى كايل فالتر فاقد الوعي مرة أخرى.
أعادت القناع المحطم إلى وجهه ببرود، مخفية ملامحه و لون عينيه القرمزي.
وقفت ببطء.
نظرت يميناً ويساراً عبر ممر المجاري.
سمعت أصوات تقترب بخفة.
خطوات عملاء يبحثون.
كان كيريون وداميان والآخرون يقتربون.
"أحتاج إلى محوه من هنا قبل أن يروه..." فكرت فاليسيرا.
رفعت يدها اليمنى في الهواء وقامت بحركة تمزيق بسيطة، كما لو كانت تفتح ستارة.
زوووب!
صوت احتكاك سحري رافق تمزقاً أسود، توهجت حوافه بالفضة، فانفتح في الهواء أمامها.
كانت "بوابة بعدية" صغيرة، وهي قدرة نادرة للغاية حتى بين أصحاب الفئة إس.
نظرت إلى الجوكر باشمئزاز مصطنع من القذارة التي تغطيه، ثم رفعته بقوة غير منظمة -إيترا الجاذبية- وألقته في البوابة السوداء مثل كيس فحم.
بمجرد أن مر جسده، أغلقت يدها، واختفت البوابة تماماً، ولم تترك خلفها سوى قطرات من الدم الأسود في الماء.
بعد أقل من دقيقة، ظهرت أشعة مصابيح يدوية من النفق المقابل.
اندفع كيريون، وبندقيته جاهزة، يتبعه داميان، الذي كان يلهث ويبدو عليه الاضطراب بوضوح من المعركة في الأعلى.
"فاليسيرا!" نادى كيريون، وعيناه تمسحان المنطقة.
"أين هو؟ هل وجدتِ الجوكر؟ لقد تتبعنا أثر دمه إلى هنا!"
استدارت فاليسيرا إليهما ببطء.
عاد تعبير وجهها إلى برودها المعتاد.
أدخلت يديها في جيبها، متجاهلة بقع الدم في الماء تحتها.
"لم أجده"، كذبت فاليسيرا بسلاسة، ولم يحمل صوتها أي أثر للتردد.
"يبدو أن الجرذ وجد حفرة أصغر لينزلق فيها. هذه المجاري مليئة بالفروع القديمة."
نظرت كيريون إلى بقع الدم قرب قدميها بشك. "لكن الدم-"
"إنه دمه، نعم"، قاطعت فاليسيرا بكسل وهي تمر بجانبهما للمغادرة.
"لقد وصل إلى هنا، ثم فقدت أثره. ربما غطس في مياه الصرف الصحي للهرب. على أي حال، لن أستمر في تلويث حذائي من أجل مجرم مجهول. توليا أمر البحث أنتما."
تركتهما خلفها وابتعدت، وشعرها الفضي يتأرجح ببطء في الظلام.
نظر داميان إلى كيريون، ثم إلى الماء القذر.
بينما كانت فاليسيرا تمشي، تشكلت على شفتيها ابتسامة غامضة وخطيرة وباردة للغاية.
لم يُسجن الجوكر الأسود لدى الاستخبارات، ولم يُقتل.
لقد أصبح الآن في مكان لا تعرفه سوى "هي"... والكيان اللعين القاطن بداخلها.