الفصل 31: الفارق الشاسع
في ذلك الزقاق المغمور بظلام القطاع الأوسط، حيث غسلت الأمطار خطايا المدينة دون أن تطهرها، وقفت "الجوكر الأسود" كتمثال نحت من الجحيم فوق جسد المحقق الممزق.
كان الهواء مشبعا برائحة النحاس الصدئ المنبعثة من دماء آرثر ستيرلينغ، ورائحة البارود المحترق، والأوزون السحري الذي خلفته رصاصات الإيترة السوداء.
نظر آرثر، المرتجف في بركة من دماءه وسوائل معدته، إلى القناع المبتسم الذي أخفى وجه جلاديه.
عكست عيناه الجاحظتان استسلاما مريرا، انكسارا لا يمكن ترقيعه أبدا.
"ما الفائدة...؟" بصق آرثر جلطة من الدم المتخثر، ليخرج صوته كخشخشة رطبة من حنجرته الممزقة.
"ما الفائدة من إخبارك بأي شيء... إن كنت ميت على أي حال؟"
كان يلهث، محاولا التشبث ببقايا كرامة لم تعد موجودة.
لقد أدرك أن هذا الرجل المقنع لن يتركه حيا سواء تكلم أو صمت.
صمت الجوكر لبرهة.
تزلقت قطرات المطر على سطح قناعه الأسود ذي الخطوط الزرقاء الداكنة، كأن القناع نفسه كان يبكي دموعا باردة.
ثم... افلتت ضحكة خافتة ومكتومة ومريضة للغاية من خلف القناع.
ضحكة جعلت ما تبقى من شعر آرثر يقف رعبا.
"يا للهول..." تكلم الجوكر، وحمل نبرته شفقة سادية مقززة، كمعلم يوبخ طالبا بطيئا.
"يبدو أنك يا سيد ستيرلينغ لم تتعلم شيئا خلال سنوات خدمتك في الاستخبارات. يبدو أنك لا تعرف الفارق الشاسع والعميق والتقني... بين الموت الرحيم والموت البطيء."
انحنى الجوكر ببطء، وأصدرت حركة معطفه الجلدي صوتا خشنا.
"دعني أفسر لك."
رفع الجوكر يده اليسرى، ممددا سبابته وإبهامه.
من بين أصابعه، بدأت جزيئات الإيترة السوداء تتكاثف.
تجمعت وتصلبت في ثوان، مشكلة "مسمارا". مسمارا معدنيا أسود، طويلا وحادا مثل إبرة جراحية، ينبض ببرودة كابوسية وينبعث منه أبخرة داكنة خافتة.
اتسعت عيناها آرثر برعب حيواني.
أدرك ما كان على وشك الحدوث.
حاول الزحف إلى الخلف، والتوى وجهه بتعبير من الرعب المطلق.
أدار وجهه الملطخ بالوحل نحو الجدار وأغلق عينه اليمنى بإحكام، لدرجة كادت تمزق جفنه، وهو يئن ويبكي ويترجل بلا كلمات.
لكن الجوكر لم يهتم.
لم تكن الرحمة في قاموسه منذ أن احترق قصر فالتر.
مد الجوكر يده وسمر رأس آرثر بقوة ساحقة باستخدام حذائه التكتيكي الثقيل.
ثم، ببطء شديد وبتعمد... تقرب المسمار الأسود أكثر من عين آرثر اليمنى المغلقة.
لم يغرزه دفعة واحدة.
بل أدخل الطرف الحاد فوق جفنه المغلق.
"آآآآآآآآآ!"
اخترقت الإبرة طبقة الجلد الرقيقة، ممزقة نسيج عضلات الجفنين.
تدفقت دماء ساخنة، مختلطة بالمطر.
صرخ آرثر صرخة مزقت أحباله الصوتية، لكن الجوكر لم يتوقف.
سحب المسمار إلى الأعلى قليلا، ممزقا الجف تماما كقطعة قماش بالية، كاشفا عن مقلة العين البيضاء، المحتقنة بالدماء والتي كانت تدور بصورة هستيرية من شدة الألم.
ثم... بحركة قاسية خالية من أي إنسانية، غرس الجوكر المسمار المحترق بالإيترة مباشرة في بؤبؤ العين.
سبلرت...
كان صوت اختراق السائل الزجاجي مسموعا ومقززا.
انفجرت العين من الداخل تحت ضغط الإيترة. وتناثرت السوائل اللزجة والدماء السوداء على وجه آرثر.
بدأت الإيترة السوداء تحرق العصب البصري، مرسلة موجات من الألم الصافي والخام وغير المفلتر مباشرة إلى دماغ المحقق.
"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآغففف!"
تجاوزت صرخة آرثر حدود الصوت البشري.
لقد كانت صرخة كائن يُسلخ حيا في أعماق الجحيم.
تقوس جسده إلى الأعلى، متخبطا في الوحل كسمكة ألقيت في زيت غليان.
ضربت يداه المحطمتان الأسفلت بلا وعي، وتدفقت رغوة مدممة من فمه.
سحب الجوكر المسمار، الذي تبخر فور في الهواء، ونظر إلى فريسته التي تتلوى في عذاب لا يوصف.
"هل فهمت الفارق الآن؟" همس الجوكر، وصوته يقطر ببرودة تكسر العظام.
استمر آرثر في الصراخ واللهاث والبكاء، وكانت عينه اليمنى الآن تجويفا أسود ينزف بغزارة.
دمر الألم ما تبقى من قواه العقلية.
وقبل أن يستطيع الجوكر فتح فمه ليطرح سؤاله مرة أخرى، ليعتصر أسماء ممولي المختبر من هذه الحطام البشري... حدث شيء ما.
تغير الضغط الجوي فجأة.
أصبح الهواء في الزقاق ثقيلا.
بدأت قطرات المطر ترتجف، ثم غيرت مسارها، ساقطة بزاوية.
صمت الجوكر ورفع رأسه المقنع نحو السماء المظلمة.
من بين الغيوم الرمادية الكثيفة، ظهر هدير ميكانيكي مرعب.
صوت شفرات تقطع الهواء بعنف، ويزداد علوا ثانية بعد ثانية.
ثلاثة.
كان هناك ثلاثة كشافات ضوئية ضخمة، بيضاء وعميقة مثل عيون وحوش مفترسة، تخترق الظلام وتركز مباشرة على الزقاق.
ضربت الرياح العنيفة من مروحيات الثلاث الأرض، مطيحة بحاويات النفايات ومبعثرة مياه الأمطار كعواصف دوارة مصغرة.
أحاطت ثلاث مروحيات قتالية تابعة للاستخبارات السحرية الفدرالية، مدرعة باللون الأسود غير الماعكس، سماء الزقاق كغربان عملاقة تنتظر وليمة.
نظر الجوكر إلى المروحيات، ثم خفض بصره إلى آرثر، الذي كان لا يزال يئن تحت قدمه.
"يبدو أنني لن أستخرج أي فائدة منك بعد الآن..." قال الجوكر ببرود.
نظر آرثر، بعينه السليمة الوحيدة، إلى الكشافات، وتشكلت ابتسامة ملتوية ويائسة ومجنونة على شفتيه الممزقتين.
"سـ-... ستتم الإطاحة بك..." تلعثم آرثر، وهو يسعل دما، والجنون يلمع في عينه.
"لـ-... لن تنجو مـ—"
بانغ!
لم يكمل جملته.
رصاصة إيترة أطلقت من فوهة غلوك اخترقت جبين آرثر مباشرة بين عينيه (أو ما بقي منهما).
انفجر مؤخر رأسه، وتناثر دماغه ودمائه على الجدار الطوبي من خلفه.
سقط رأسه الخالي من الحياة في الوحل، وانتهى أنين المحقق إلى الأبد.
"جنسك لا حق له في الحياة"، بصق الجوكر الكلمات باحتقار بينما رفع قدمه عن الجثة.
رفع الجوكر بصره مرة أخرى، وضيّق عيناه الحمراوين خلف القناع، محللا الموقف بسرعة حسابية وسط الرياح العنيفة والأضواء الباهرة.
في المروحية الأولى، التي تحوم من الشمال، رأى ثلاثة قناصة يرتدون دروعا ثقيلة، صوبوا بنادق إيترة ضخمة نحوه.
لم يتعرف على أي منهم.
مجرد بيدق استخباراتي.
في المروحية الثانية، من الشرق، كان هناك ثلاثة أشخاص.
لم يتعرف على الاثنين اللذين حملا مدافع رشاشة ثقيلة، لكن عيناه تجمدتا على الثالث.
وقفت على حافة باب المروحية المفتوح، بينما كانت الرياح تعصف بمعطفها الأسود الطويل.
شعرها الأسود القصير كان يرفرف بعنف، وابتسمت عيناها بكراهية لا تقبل الخطأ حتى من هذه المسافة.
"إيفا بلاكوود."
نعم. تلك اللقيطة ذات الشعر الأسود.
المرأة التي كادت تقتله في المرة الماضية، والتي حطمت قناعه وأبرزته على الهرب كالجرذ عبر المجاري.
كانت تحمل بندقيتها القناصة، ورسمت ابتسامة انتقام على وجهها.
ثم، حول الجوكر نظره نحو المروحية الثالثة، المتمركزة في الجنوب، مسدلة مخرج الزقاق.
"تبا..." تمتم الجوكر، وشده على مقبض المسدس حتى تحولت مفاصله إلى اللون الأبيض.
"هذا خارج الخطة تماما."
في تلك المروحية وقف الشاب الأشقر، العميل الذي تظاهر بأنه حبيب إيفا في المهمة السابقة، والذي كاد يفجر رأسه لولا التدخل.
حمل سلاح هجومي وبدو متوترا.
لكن... لم يكن الكابوس الحقيقي.
بجانب ذلك الشاب، جالسا على حافة المروحية المفتوحة... كانت هناك فتاة.
فتاة بشعر قصير فضي يلمع تحت الكشافات، وعينين حمراوين كالدم الطازج، تشبهان عيني الجوكر نفسه.
كانت ترتدي زي عسكريا أنيقا، وتتدلى ساقاها في الهواء بلا مبالاة مطلقة.
بينما صوب الجميع أسلحتهم نحو الزقاق بوجوه متوترة مفعمة بنوايا عنيفة، كانت هذه الفتاة... تشرب العصير من علبة صغيرة باستخدام قشة بلاستيكية!
نظرت إلى الأسفل نحو الجوكر كأنها تشاهد مسرحية مللة، أو حشرة محبوسة في وعاء زجاجي. لا سلاح في يدها، ولا وقفة قتالية - بل برودة كونية مرعبة بحتة.
"ما اللعنة..." ابتلع الجوكر ريقه، مع شعور بخطر مطلق يدق أجراس الإنذار في عقله.
"تلك الفتاة... هالتها... إنها ليست بشرية. إنها وحش على شكل مراهقة!"
فجأة، عبر مكبرات الصوت الخاصة بالمروحيات، رن صوت إيفا بلاكوود الحاد:
"أيها الجوكر! انتهت اللعبة! استسلم الآن، وإلا سنحولك إلى منخل من الرصاص!"
"استسلام؟" ضحك الجوكر بشكل هستيري داخل قناعه.
"للاستخبارات؟ أفضل أن أحرق نفسي حيا."
"إطلاق نار حر!" صرخ صوت قائد من إحدى المروحيات.
فتحت أبواب الجحيم.