أمتلك مهارة SSS: رؤية المستقبل الفصل 24

اقرأ أمتلك مهارة SSS: رؤية المستقبل الفصل 24 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 24: النهر الأسود

وجهة نظر كايل فالتيير -

أفكاري الفلسفية القاتمة.

بدأت بالمشي.

ولم يكن مشيا بل كان زحفا عموديا.

لم يكن العثور على الماء في جبال إيريبوس بمثل سهولة البحث عن نبع في غابة.

كان هذا المكان ملعونا، حتى مياهه كانت تختبئ كأنها تخشى وحوشها الخاصة.

مشيت لساعات. أو ربما دقائق بدت كالساعات. فقدت كل إحساس بالوقت.

قدماي، اللتان ذابت باطناهما في حريق القصر وتمزقتا أثناء هروبي الأعمى، تركتا آثارا دموية باهتة على الصخور البركانية المسننة.

كل خطوة كانت ترسل صدمة كهربائية من الألم عبر عمودي الفقري.

كنت أجر ساقي، متعثرا فوق الحصى الخشن وواقعا على وجهي، لأسقط وأنهض مجددا بيديَّ الداميتين جراء محاولة التشبث بالصخور الجليدية.

كان الظلام يعبث بعقلي.

رأيت ظلالا تتحرك عند أطراف رؤيتي.

وسمعت خطوات ذلك الكيان طويل الأطراف خلفي، فاستدرت فزعا لأجد الفراغ وحده.

العطش والخوف دمج الواقع بالهلوسة.

كان حلقي قد أغلق تماما، ولم أعد قادرا حتى على ابتلاع لعابي الذي تحول إلى مادة سميكة تشبه الصمغ.

"ماء... أي شيء..." همست في عَقلي، لأن شفتيَّ رفضتا التفرق.

بعد صعود شاق ومجهك فوق تل صخري شديد الانحدار -صعود مزق أظافري- وصلت إلى القمة وانهطت على بطني وأنا ألهث.

وهناك... التقطت أذناي صوتا.

لم يكن زئيرا. ولم يكن شيئا كابوسيا.

كان صوت مياه متدفقة، قويا، وعنيفا، لكنه يحمل وعدا بالحياة.

زحفت على بطني نحو حافة المنحدر ونظرت إلى الأسفل.

كان هناك نهر.

نهر أسود هائج، يشق طريقه بعنف عبر الصخور، ومياهه تحطم بقسوة وتتطاير منها رغوة بيضاء تشبه أنياب كلب مسعور.

لم يكن نهرا هادئا، بل كان شريانا بريا ينبض في قلب الجبل.

تدحرجت إلى أسفل المنحدر متجاهلا الجروح التي أضافتها الصخور الحادة إلى جسدي.

اصطدمت بقوة على ضفة النهر المغطاة بالحصى البارد والأملس.

ألقيت وجهي مباشرة في التيار المظلم.

وشربت.

شربت بجنون حيواني لا علاقة له بالبشرية.

كان الماء متجمدا لدرجة أنه ضرب دماغي بألم حاد يشبه المسامير. وكان طعخه ثقيلا، يحمل نكهة المعادن الحادة والرماد وشيئا عتيقا ومتعفنا.

لكن في تلك اللحظة، كان ألذ وأنقذ من خمر المتسامين.

شعرت بالماء الجليدي يتزلج صعودا ونزولا عبر مريئي، مطفئا النار المشتعلة في معدتي، وموقظا خلاياي الميتة.

شربت وشربت، مخترقا بالسعال والاختناق، ثم عُدت لأشرب مجددا، حتى شعرت أن معدتي على وشك الانفجار.

رفعت رأسي أخيرا، ألهث برضا بدائي، والماء الأسود يقطر من ذقني ومن شعري الداكن الملتصق بجبهتي.

استندت إلى الوراء وجلست على الحصى البارد.

نظرت إلى قدمي.

كانت أحذيتي التكتيكية ممزقة ومذابة ومتلصقة باللحم المتقرح.

ببطء -عبر ألم جعلني أعض شفتي حتى نزفت من جديد- أزلت ما تبقى من حذائي وجواربي المبللة بالدم.

كانت باطنان قدمي عبارة عن لوحة من اللحم المقشر والحروق المتقيحة والشقوق العميقة.

زحفت نحو حافة النهر وغمست قدمي التالفتين في التيار الجليدي.

"آه..."

تنهيدة طويلة وعميقة أفلتت مني، حاملة ثقل الجبال المحيطة بي.

البرودة القارسة خدرت نهايات الأعصاب المحترقة وأوقفت النزيف ببطء.

كان ألما يتبعه ارتياح مستحق.

اتكأت على يديَّ وأملت رأسي نحو الأعلى، محدقاً في السماء الرمادية الميتة.

تأملت حالتي.

نظرت إلى هذا الكائن الجالس على ضفة نهر في الجحيم.

"انظر إلى نفسك يا كايل فالتيير..." همست بابتسامة منكسرة وساخرة تخلو من أي فرح.

"الجوكر الأسود العظيم. تجلس هنا، تغسل قدميك المنسلختين في نهر مجهول، تبكي وتتبول على نفسك خوفا من ظلال الجبل. هل سيفخر مورفين لو رآك الآن؟ أم سيشفق عليك؟"

تنهدت مجددا.

تنهيدة رجل أدرك أن القاع الذي وصل إليه يمتلك قبوًا تحته.

ولكن... في اللحظة التي رُوِّيَت فيها خلاياي وهدأ الألم في قدمي، استيقظ وحش آخر داخلي.

هدير عميق ومؤلم انطلق من معدتي.

ألم حاد، يشبه نصلا مسخنا يطعن أمعائي، جعلني أنحني وأقبض على بطني.

الإيترا التي استهلكتها أثناء هروبي المسعور، والجروح التي التئمت جزئيا بقوة جوهر غول الظل الأرجواني الذي التهمته في ذلك الزقاق، كلها كانت تطالب بثمن.

كان جسدي يحرق الطاقة بمعدل مقزز لتجنب الانهيار الخلوي.

"أنا... جائع."

لم يكن هذا جوعا عاديا للخبز أو الفاكهة.

كان جوعا أيقظه جوهر الوحش المندمج داخل دمي.

جوعا حيوانيا.

رغبة عارمة في اللحم.

في الطاقة المركزة.

في الافتراس.

نظرت حول الوادي المظلم.

لا شيء. لا نباتات، لا حيوانات عادية.

ثم... حوَّلت نظري إلى الماء الأسود المتدفق تحت قدمي.

كان التيار سريعا، لكنه بالقرب من الضفة كان يشكل بركا صغيرة ودوامات هادئة نسبيا.

وبينما كنت أحدق في ظلام الماء، رأيت حركة.

شيئا سريعا.

ظلالا تنزلق تحت السطح عكس التيار.

أسماك؟

"في هذا النهر الملعون؟" تممتم، بينما اشتعلت غريزة الافتراس في عينيَّ القرمزيَّتين.

سحبت قدمي ببطء من الماء.

تمددت باستواء على بطني فوق الحصى، مقربا وجهي من السطح، وممتدا بيدي اليمنى فوق الماء.

ركزت ما تبقى من إيترا الظلال في يدي، مشكلا طبقة رقيقة وصلبة حول أصابعي مثل قفاز غير مرئي.

راقبت الظلال تحت الماء.

كانت تتحرك بأنماط حادة وغير منتظمة.

انتظرت.

انتظرت حتى اقترب أحد الظلال من السطح في دوامة قريبة.

بسرعة متوحشة لا علاقة لها بالبشرية، سددت يدي داخل الماء المتجمد.

انطبقت أصابعي بقوة ساحقة حول شيء لزج وعضلات وصلب كالصخر.

تخبط الكيان بعنف، كاد يسحب ذراعي إلى الأعماق.

لكنني صرخت وجذبته بقوة، راميا به على الحصى خلفي.

استدرت بسرعة لأرى "صيدحي".

وتراجعت للخلف باشمئزاز أثار معدتي.

لم تكن سمكة.

كنت في إيريبوس، حيث لا شيء طبيعي.

كان المخلوق المتخبط على الحجارة كابوسا مائيا بشعا.

بلغ طوله نحو ذراع بشري.

لم تكن له حراشف، بل كان مغطى بصفائح عظمية رمادية متراكبة مثل الدروع.

لم يكن له ذيل سمكة، بل انتهت خيوط لحمية بنصال عظمية صغيرة كانت تضرب الأرض بعنف.

والأسوأ من ذلك كله...

لم تكن له عيون.

لم يكن رأسه سوى فم دائري ضخم، يفتح ويغلق بسرعة، كاشفا عن صفوف دائرية من الأسنان الشبيهة بالإبر والتي كانت تدور كمنشار ميكانيكي صغير.

أصدر فحيحا كأفعى وبصق لعابا أسود أذيب الحصى تحته.

كان هذا طفيليا شيطانيا، وليس سمكة.

انقض المخلوق عليَّ، محاولا غرس فمه الدائري في ساقي.

"ابتعد أيها المسخ!"

ركلته بقوة، ثم سحبت مسدسي الفارغ وبكل القوة واليأس والجوع المتبقي لدي، هبطت بعقب المسلح المعدني الثقيل بقوة على رأسه.

كرااك!

تحطمت الصفائح العظمية.

ضربت مجددا. ومرة أخرى.

ومرة أخرى.

حتى توقف عن الحركة، وتسرب دم أسود-أزرق كثيف من رأسه المحطم، فاح منه رائحة الطين المتعفن والقيح.

ألقيت المسلّح جانبا.

كنت أتنفس بصعوبة بالغة.

نظرت إلى جثة المخلوق.

كانت رائحته الكريهة كافية لتحفيز القيء الفوري.

لكن... الجوع في معدتي زأر.

صرخ جوهر الغول في دمي طلبا لللحم.

لم تكن لدي نار لأطبخه بها.

وحتى لو كانت لدي، كنت أخشى النار، فضوءها سيجذب كوابيس الجبال.

أمسكت المخلوق من منتصفه.

كان لزجا وباردا.

باستخدام سكتي التكتيكية المشروخة، كافحت لشق بطنه المدرع.

تطايرت أحشاؤه للخارج، أحشاء سوداء وصفراء معلقة، تنبض ببطء بشع.

أغلقت عينيَّ بقوة كي لا أرى الرغبة المروعة.

حبست أنفاسي كي لا أشم رائحته.

رفعت اللحم النيئ، المغطى بالدم الأسود، إلى فمي.

وغرزت أسناني فيه.

"مغه..."

صوت مكتوم أفلت مني وأنا أضغظ بأسناني.

كان الطعم جحيما.

مطاطيا. مقرفا. مثل مضغ إطار سيارة متعفن منقوع في دم فاسد.

كان اللحم باردا ولزجا، والدم الأسود يلطخ شفتيَّ وذقني.

تشنجت معدتي، محاولة طرد السم، لكنني أجبرت نفسي على الابتلاع.

ابتلعت بصعوبة، ودموع ساخنة تنساب على وجهي.

أخذت قضمية أخرى. وثالثة.

كنت أبكي وأنا أكل لحم مسخ شيطاني في الظلام.

هذا أنا الآن.

كايل فالتيير.

هذا ما صرت إليه لأنجو.

لقد تخليت عن بشريتي وأصبحت وحشا يلتهم الوحش في قاع العالم.

لست مختلفا عنهم.

عندما أكلت ما يكفي لإسكات الصراعات في معدتي، رميت البقايا المثيرة للاشمئزاز في النهر ليدفعها التيار بعيدا.

غسلت وجهي ويديَّ بالماء الجليدي، محاولا إزالة طعم الدم المتعفن من فمي.

شعرت بطاقة خيالية، متسخة، لكنها ضرورية، تسري في عروقي.

كان اللحم يحتوي على إيترا ضعيفة، لكنها كافية لإبقائي واقفا.

نهضت ببطء.

مزقت قطعا من قميصي ولففتها حول باطني قدمي كي أستطيع المشي، ثم ارتديت ما تبقى من حذائي.

نظرت إلى مسار النهر المظلم.

إلى أين يؤدي هذا الشريان البري؟

بدأت أتبع مجراه.

أصبح التيار أسرع وأعنف، والصوت أعلى.

بعد نحو نصف ساعة من المشي، لاحظت تغيرا في التضاريس.

لم يعد النهر يتدفق عبر وادٍ مفتوح.

بل شق طريقه مباشرة -مثل نصل عبر لحم- بين جبلين أسودين ضخمين.

كان الجبلان يقفان بقرب شديد من بعضهما البعض، مثل بوابتين عملاقتين لعالم سفلي، يقفان كحارسين صامتين بينما يتدفق النهر الهائج بينهما عبر ممر ضيق ومظلم.

كان الريح هنا تعوي أصوات حداد، وارتفع ضباب كثيف من المياه المتلاطمة.

"يبدو هذا المكان... كمدخل," تممتم وأنا أتقدم بحذر على طول الحافة الصخرية الزلقة بجانب النهر.

اقتربت من الفجوة بين الجبلين.

كانت جدران الصخور ترتفع عموديا، سوداء وملساء.

انحنى النهر بحدة عبر هذا الممر الضيق، ملتفا بإحكام حول قاعدة الجبل الأيمن.

واصلت التقدم، متنقلا بحذر على المنعطف الصخري كي لا أقع في المياه الهائجة.

وعندما تجاوزت زاوية قاعدة الجبل الأيمن...

تجمدت خطواتي.

اتسعت عيناي.

خلف المنعطف، مخفيا بمهارة خلف ستارة من ضباب الماء الكثيف والصخور المسجلة المعلقة كالأنياب، كان هناك شيء ما.

لم يكن مجرد صدع في الجبل.

كان كهفا.

كهفا ضخما.

فما أسود التهم الضوء والماء معا.

كان النهر بأكمله يتدفق بعنف في هذا الفم السحيق، مختفيا في ظلام بلا قاع.

لم يكن الهواء الخارج من الكهف باردا فحسب، بل كان عتيقا.

حمل رائحة عصور ميتة، وكثافة من الإيترا الثقيلة لدرجة جعلت الهواء نفسه يبدو سميكا، يكاد يكون مرئيا.

فتحت شاشة النظام الحمراء في عقلي، معيداً قراءة المهمة.

[الموقع: سلسلة جبال إيريبوس – المدخل المؤدي إلى الأنفاق العميقة.]

نظرت إلى الكهف الأسود الذي يبتلع النهر.

"الأنفاق العميقة..." همست، بينما غمرتني رهبة مميتة.

كان هذا هو المكان.

لم أكن بحاجة للعودة إلى الشلال الدامي.

هذا الكهف المخفي خلف الجبل، الذي يبتلع النهر الأسود...

كان هذا طريقي.

هذا هو المكان الذي يستقر فيه السيف الأسطوري في أعماقه...

وربما أشياء أخرى لا يعرفها إلا الموت.

قفت أمام الفم الأسود، مستمعا إلى صدى الماء المتدفق في أعماقه.

لقد وجدت الباب.

ولكن هل أمتلك الشجاعة...

أم بالحرى الجنون...

لأدخل إليه؟