مدّت موظفة الاستقبال نحوي اللوحة قائلة: "هذه لوحة نقابة المغامرين الخاصة بك".
كان حجمها قريباً من حجم بطاقة عسكرية تراها في الأفلام، لكنها أكبر قليلاً مع حلقة عند أحد الطرفين. وجاءت مرفقة مسبقاً بسير جلدي كي أتمكن من تعليقها حول عنقي. مررت أصابعي على المادة الداكنة — بدت باردة ومعدنية، لكنني عجزت عن تمييز المعدن المصنوعة منه.
حُفر اسمي على الخلف، إلى جانب عبارة "هولو ريتش"
و"رقم 417"، للدلالة غالباً على الفرع الذي تسجلت فيه، إضافة إلى الرقم التسلسلي.
ضمّ وجه البطاقة خمسة أخاديد، مُلئ الأول منها مسبقاً بشريحة برونزية صغيرة. وبقيت الأخاديد الأربعة الأخرى فارغة، ربما لتكون مواضع بديلة حين يرتقي المغامر في رتبته.
سألت: "شكراً لكِ، أمم... نسيت أن أسال عن اسمكِ المرة الماضية. هل أناديكِ الآنسة موظفة الاستقبال؟"
فأجابت: "آه صحيح، يناديني الجميع الآنسة سينيكا. رغم أن اسم سينيكا وحده يكفي".
قلت: "شكراً لكِ، الآنسة سينيكا. إذن هل يعني هذا أن بمكاني الآن قبول طلبات من لوحة المهام؟"
قالت وهي تشير إلى وجه البطاقة حيث كنت ألمس الأخاديد الفارغة: "نعم، لكن قبل أن تذهب، يجب أن أعلمك أنه إذا ضاعت بطاقتك، فسيكلفك استبدالها قطعة ذهبية صغيرة. وإذا خضعت للتقييم كي ترتقي في الرتبة مستقبلاً، فسنتخدم البطاقة نفسها ونطورها".
كنت قد تحدثت إلى مارتا قبل يومين بشأن قراري بأن أصبح مغامراً. وتوقعت أن تبدأ في توبيخي — بأنني أواجه مخاطر لا داعي لها، وبأنني أعرض نفسي لخطر الانكشاف، أو أنه لا شأن لصبي في التاسعة من عمره بصيد الوحوش والبهائم. ومما يثير الدهشة أنها أخذت بضع دقائق للتفكير في الأمر قبل أن تطلب مني التأكد من توخي الحذر والابقاء على دار الأيتام مقراً لي ما لم أقم بمهمة تتطلب المبيت خارجاً.
وبدت وكأنها تقبلت حقيقة أنني لن أستطيع البقاء بعيداً عن المتاعب. ربما تقبلت مارتا حقيقة أنني لن أكون قادراً على الإفلات من الخدمة العسكرية مادمت غير راغب في الهرب وحدي. ولعل هذه كانت طريقتها في احترام قراري ومنحي الحرية لأفعل ما أريد في الوقت المتبقي لي معهم. مشيت نحو لوحة المهام لأتفقد المهام المتاحة. كان غاريك قد ذكر أن بارون المنطقة قد ينشر مهمة أو مهمتين من حين لآخر، وتبعاً للصعوبة، ربما أستطيع طلب تغيير المكافأة.
لم أكن أتوقع أن تكون تلك المهام متاحة في الرتبة البرونزية، لكن لا ضرر من الإحاطة بالأمور.
"لنرى، صيد... صيد... جمع... مرافقة... صيد... مرافقة... همم".
كانت المهام ذات الرتبة الأعلى المعلقة من رتبة الفولاذ، ومعظمها من نشر حرفي أو تاجر أراد الحصول على مواد نادر محددة من الوحوش أو من أجزاء الغابة الخطرة. وبقية المهام كانت مرافقة إلى بلدة أخرى، فالقافلات الكبيرة تميل إلى جذب قطاع الطرق خلال الرحلات الطويلة.
"همم، لا طلبات من البارونية".
وضعت خيبتي جانباً إذ لم أكن في وضع يسمح لي بقبولها حتى لو وُجدت. وربما كان الأمر حسناً لعدم وجود أي منها بعد، كي يتسنى لي الوقت لجمع المساهمات ورفع رتبتي أولاً. ألقيت نظرة على القسم البرونزي من اللوحة، منقباً في المتاح حين أقبلت سينيكا لتقف بجواري.
"عمَّ تبحث؟"
"لا أدري، عن أي شيء يجلب لي المال وينمي مساهماتي بسرعة؟"
رأيت سينيكا ترفع حاجبيهما عند ذلك. وبدت وكأنها تفكر قليلاً قبل أن تمد يدها نحو إحدى المهام المعلقة.
وقترحت: "لماذا لا تبدأ بشيء بسيط؟ إبادة العفاريت".
"إنه موسم الزراعة ذروة الآن والعفاريت مصدر إزعاج دائم في هذا الوقت من السنة. يكره معظم المغامرين تولي هذا لأن العمل ممل لكن الأجر ونقاط المساهمة مقبولان".
أمعنت التفكير في الأمر. صيد العفاريت ربما لم يكن أسوأ فكرة. وبالنظر إلى المخلوقات التي قتلته، ستكون هذه مهمة جيدة للبدء بسلاسة. تذكرت أنني قرأت أن أعشاش العفاريت صعبة العثور عليها لكن مع شيء من الحظ، ينبغي أن يكون الأمر سهلاً بدرجة كافية بفضل إدراكي الكهربائي الأصلي.
أخذت نسخة المهمة منها قائلة: "حسناً، سأقبل باقتراحك. شكراً".
كانت هناك نسخ متعددة معلقة على اللوحة لكون هذه مهمة قابلة للتكرار ولم تكن بحاجة لتسجيلي.
نادَت سينيكا لتذكرني وأنا في منتصف الطريق خارج قاعة النقابة: "تأكد من زيارة الصيدلي لتخزين الإمدادات الأساسية~".
كنت قد نسيت تقريباً في غمرة حماستي لذبح بعض العفاريت، مقتفياً أثر مغامر معين رأيته في عرض ما.
استقبلتني رائحة الأعشاب الجافة والمخاليط المغليّة المألوفة عندما دخلت متجر سيلفيا. تذكّرت رؤية الجرعتين الحمراء والزرقاء في المرة الأخيرة التي جئت فيها لأجل طارد الوحوش. ظننتهما جرعات صحة وطاقة وكنت أتأمّلهما حين أقبلت سيلفيا نحوي.
"أوووه يا ملكاه… غريب مقنّع، كم هذا غامض. أيمكنني مساعدتك في شيء؟"
سُمع التهكّم يقطر من صوتها. ربما لم تكن هذه مرتها الأولى في التعامل مع من يخفون هواتهم.
"ربما عدّة المغامر الأساسيّة فحسب؟ بماذا تنصحين؟"
سألتُ. ورأيت عينيها تزيغان إلى شارة المغامر حول عنقي، مسقطةً غالباً تقييمها لخطورتي في الحال.
"مغامر جديد إذن. يمكنني مساعدتك بكل تأكيد، يا آنسة…"
نظرت إليّ، منتظرةً أن أفصح عن اسمي.
"سيد في الواقع، يمكنك مناداتي داميان"
قلتُ، منزعجاً من اضطراري إلى تصحيحهم مراراً.
"معذرة، يصعب التمييز مع القناع. إن كنتَ في بدايتك أنصح ببعض جرعات الصحة والطاقة الأساسيّة. تساعد جرعات الشفاء الأساسيّة على إيقاف النزف وتسريع التعافي، وينبغي أن تكفي الجروح الخفيفة أو السطحيّة. أما ما عدا ذلك فستحتاج إلى رؤية معالج. وسرعة التعافي هي كل ما تفعله جرعات الطاقة الأساسيّة. لا تشربها حين يفرغ جوفك وتتوقع امتلاءه فورياً. لقد جاءني عدد كبير جداً من المبتدئين متذمرين حين عجزوا عن إدراك الأساسيّات بأنفسهم."
استرسلت سيلفيا في الثرثرة.
"شكراً للتحذير. كم جرعة تنصحين بأن أقتني؟"
"آه، شاب يستمع. هممم… يبدو صوتك مألوفاً… هل التقينا من قبل؟"
تبّاً، سأحتاج يوماً إلى شراء سحر يغيّر صوتي إن سنحت لي الفرصة.
"أه همم."
تظاهرت بتنحنح قبل أن أُغلّظ صوتي.
"لا أظن ذلك. أتلقى هذا كثيراً. لدي ذلك النوع من الأصوات، كما تعلمين. كم جرعة قلتِ إنه ينبغي لي أخذها؟"
سارعت إلى تغيير الموضوع.
"آه صحيح، أنصح بثلاث من كل نوع كبداية. وإن أردت نصيحتي فأنا أوصي أيضاً بـ…"
خرجت في نهاية المطاف بأكثر من الجرعات الست وحدها. فقد اقترحت بعض جرعات وأغراض المنفعة الأخرى — وانتهى بي الأمر بإنفاق أكثر بقليل من قطعة ذهبية صغيرة. كانت مهنة المغامر مكلفة، ولا عجب في أن عدد المسجّلين لم يكن كبيراً. هفا عقلي برهةً إلى غالوم، متسائلاً عما فعله في تايدهولد. أرحت يداً واحدة على كيس أملس أحزمُه حول خصري. امتلكت سيلفيا الحد الأدنى من اللياقة لترميني بحزام جرعات مجاني كجزء من الصفقة نظراً لما أنفقته وكوني مستمعاً جيّداً.
ربما لم يكن الكيس باهظ الثمن لكنه جعلني أشعر بتحسن طفيف. عزمت على شراء نوع من الفطائر المخبوزة كغداء سريع وأنا أجتاز ساحة السوق. اقترب وقت الغداء بحين فراغي من قاعة النقابة ومحل العطارة. كانت هذه صراحةً مرتي الأولى في تذوق طعام طبخه شخص غير مارتا — وظننته مكافأة لطيفة احتفالاً بصيرورتي مغامراً.
"هذا نحاس كبير واحد"
ناولْتُ البائع القطعة واستلمت طعامي. هممت بقضم الفطيرة قبل أن أدرك أنني ما زلت مرتدياً قناعي. هممم، سأحتاج إلى تغيير هذا القناع قريباً وإلا صار مزعجاً للغاية كلما اضطررت للأكل. أمعنت في تمزيق أجزاء من الفطيرة لأدسّ قطَعها تحت قناعي وآكلها. بدت الفطيرة أشبه بفطيرة محروزة باليد، مقرمشة قليلاً بقشرة بينما كان جوفها طريّاً ومتبّلاً. أخذت وقتي وأنا أمشي جنوباً نحو البوابة أثناء الأكل، باتجاه حيث تقع حقول المزارعين.
كادت الفطيرة تسقط من يدي حين اصطدم بي رجل وأنا أغادر البوابة.
"هي! انظر أين تمشي!"
استدار الرجل وحدّق فيّ. بدا وكأنّه يريد افتعال عراك إذ أبصرت بعض طاقة النار تتجمّع في يده اليمنى. لكن عينيه زاغتا نحو حراس المدينة عند البوابة، فأخمد التعويذة قبل أن يمضِي دون اعتذار. تبّاً… على أحدهم تعليمه بعض الآداب. بدا الرجل مألوفاً لسبب ما عجزت عن تحديده. ربما أشبه فحسب شخصاً ما من على الأرض.
راجعت الحقائق التي قرأتها عن العفاريت، أو النسخة الخاصة بهذا العالم على الأقل. يبلغ طول الواحد منها بين قدمين وثلاث، بجلد أخضر مائل إلى البنية وشعر طويل وبارز يمتد من مؤخرة رؤوسهم حتى ظهورهم. لا تمثل فرادى أيّ تهديد عادة، لكنها تميل إلى التجمع في عصابات مؤلفة من عشرة أفراد أو أكثر، وهذا ما يشكل مشكلة للمزارعين والمغامرين المبتدئين. يمتلك معظمها تقاربًا مع عنصر الأرض، بينما يحظى عدد نادر منها بتقارب مع عنصر الخشب.
تستخدم سحر الأرض أساسًا لبناء مخابئها وأنفاقها، فضلاً عن صنع أسلحة حجرية بسيطة تأتي عادة على هيئة رماح قصيرة قادرة على رميها.
"ممم، إنه الوقت الأشد حرارة في اليوم، مما يعني أنها ترتبع جميعاً في مخابئها."
أشارت مذكرة المهمة إلى رصد بعضها في الجانب الغربي من الأراضي الزراعية. عادة ما تقيم مخابئها قرب أطراف الغابات، لكنها تكون قريبة من المزارع بما يكفي لمهاجمة الماشية أو سرقة أي محصول لم يُحصَد بعد. اعتدت عادة المرور للسلام على برانوين في صف الحدادة كلما كنت في المدينة، لكني لم أرد لأحد ربط هوية ديميان ببرانوين أو أي شخص في الملجأ. الحذر واجب دائماً، هكذا حدثت نفسي.
منحني المشي ببطء نحو المزارع وقتاً كافياً لإنهاء طعام الغداء رغم غرابة الأكل خلف القناع. لا يعمل المزارعون عادة وقت الغداء، جزئياً لتناول طعامهم أيضاً، ولكن أساساً لأنه الوقت الأشد حرارة في اليوم، والعمل خلاله أسهل طريقة للإصابة بضربة شمس. كان بعضهم يستريح في سقائف، بينما كان آخرون لا يزالون ينهون طعامهم. رمقوني جميعاً بنظرات غريبة لارتدائي قناعاً خشبياً سميكاً.
لا يخفي معظم المغامرين وجوههم عادة. تحدثت إلى بضعة أشخاص لم يشيحوا بأبصارهم عند اقترابي. بدوا حذرين في البداية لكنهم استرخَوا حين أخبرتُهُم بأنني هنا لتنفيذ طلب إبادة العفاريت. أشار لي أحدهم حتى إلى منطقة محددة على أطراف الغابة المجاورة لهم، مبيناً أنه رأى عدداً منها يفر في هذا الاتجاه مع مؤنهم المسروقة. حافظت على تفعيل مهارة التحديد الكهربائي، إلى جانب النسخة من المستوى الأول لتعويذة عيني.
مع أن مهارة التحديد الكهربائي الجديدة منحتني رؤية محيطية بزاوية ثلاثمائة وستين درجة داخل فقاعة تحيط بي، لم أستطع الرؤية من خلال الأرض حقاً لأنها تعتمد على تلقي الصدى من تصريف مانا البرق الخاص بي. سمحت لي النسخة الأقدم من التعويذة بالتقاط الإشارات الكهربائية للكائنات الحية من مسافة أبعد بكثير، لا سيما بعد ترقيتها إلى المستوى الثاني. غير أن السلبية ظلت كما هي، إذ كان عليّ التطلع بعيني مادياً لالتقاط أي إشارات.
كنت أجوب الغابة لكنني بقيت قريباً من الحافة بينما أتفقد أرضية الغابة، باحثاً عن أي جحور محتملة أو تلال تشير إلى مخبأ للعفاريت. أدركت تماماً سبب إزعاج هذا الأمر للمغامرين، وخاصة الفرق التي تخلو من أي تعویذات استشعار. لم يطُل بي الأمر حتى رصدت شيئاً في مجال رؤيتي. كان ضبابياً بعض الشيء إذ كانت الإشارة محجوبة جزئياً بالتراب، لكنني استطعت رؤية كتلة من الإشارات داخل تل صغير أمامي.
أمسكت بك! لقد حان وقت قنص بعض العفاريت.