دوى الرعد في الأجواء وشقّ برق لامع السماء في وسط غراي وودز. نقرت بلساني متضايقاً إذ أخطأ البرق الصقر العملاق المحلّق، وبدا أن الصوت قد أربكه قليلًا. جئت لأستردّ الفخّ الذي نصبته لستورم رنر، وبدا أن مفترساً قمة آخر قد احتلّ المكان واتخذ المنطقة عشّاً له في غضون تلك الفترة القصيرة التي تلت سقوط الطائر الجارح. كان بإمكاني تفادي الأمر بالانتظار ريثما يخرج للصيد لأستعيد فخّي، لكنّي كنت أبحث عن قتال لأفرّغ بعض الغضب بعد أنباء البارحة، إن كنت صادقاً مع نفسي.
راقبته بمهارة الإدراك الكهربائي وهو يحوم، باحثاً غالباً عن فرصة لأغرس في جسدي إحدى ريشاته الحادّة كالشفرة. رأيته يهوي نحوي قليلاً ثم يخفق بجناحيه بضع مرّات، وعرفت من واقع خبرتي أن تلك هي حركته المعتادة لإطلاق تلك الريشات. فعّلت تشبّع البرق على الفور لأقفز خطوات إلى الوراء، ورأيت الريشات تخترق التربة الرخوة في خط مستقيم. فويب — فويب — فويب. تبدأ الوحوش ذات النواة الصفراء عموماً بتطوير مستوى ما من الذكاء، ولعل هذا الطائر خمن أنني قد أتفاداه في اتجاه معين فأطلق بضع ريشات إضافية محاولاً مباغتتي.
طار مقترباً ثم أطلق تعاويذ شفرات الريح مستخدماً جناحيه. رأيت التموج في الهواء وأطلقت صاعقة برق على طول مساره المرسوم، وكان مستقيماً نحوي. كرا بوم. أضعف الهواء شديد الحرارة الصادر عن صاعقة البرق شفرات الريح ودفعها جانبياً أيضاً، ممّا أخطأ بها الهدف لتطير نحو الشجيرات ورائي. كان بإمكاني تفادي شفرات الريح، لكن ذلك كان سيمنح الصقر فرصة أخرى لمهاجمتي بينما كنت أستعيد توازني.
كنت أنتبه جيداً للوقت الذي تضيء فيه الأجزاء المختلفة من جهازه العصبي قبيل كل هجوم من الهجمات المتنوعة. حاول أيضاً الهبوط برأسه لانتزاع اللحم بمخالبه الحادة كالشفرة. كنت قد استوعبت أغلب تحركاته بحلول ذلك الوقت وكنت أتربص للفرصة المناسبة. عاود التحليق بعد الهجوم الأخير، على مسافة بعيدة بما يكفي لتجعله قادراً على الردّ على أي صاعقة برق أوجّهها إليه. أدهشني إصراره، إذ تهرب معظم الوحوش الأخرى في مثل هذا الموقف.
رغم أنني كنت المعتدي في هذه الحالة، للحّق، فقد كان يدافع عن عشّه القريب. بعد فترة — وقرّر على الأرجح أنني لن أغادر بمحض إرادتي — اندفع هابطاً نحوي. لم أبحث عن مخبأ على الفور، مفضّلاً الانتظار لأنني رأيت هذه الحركة من قبل. في اللحظة الأخيرة، لمحت العلامة التي كنت أرتقبها، إذ أضاءت الأعصاب حول جناحيه، مما دلّ على أنها مجرد مراوغة. أطلقت صاعقة برق حين خفق الصقر بجناحيه ليكبح هبوطه ويغيّر اتجاهه، بينما أطلق في الوقت ذاته شفرتي ريح من زوج جناحيه معاً.
أصابت صاعقة البرق الصقر في لحظة تغييره لاتجاهه، وأطاحَت بشفرات الريح عن مسارها جزئياً كذلك. وبسبب تصويبي نحو الصقر لا نحو شفرات الريح، تأثّرت إحدى الشفرات بشكل أقلّ وحلقت قريبة بخطورة، تاركة جرحاً على وجنتي. رأيت الصقر يهوي برأسه نحو الفسحة في الأمام بعد إصابته. لمست الجرح على وجنتي، منتبهاً لمدى اقترابي من التعرض لقطع رأسي. ربما كنت أكثر تهوراً من المعتاد، لكن الفكرة المرعبة عن رؤيتي وهي تدور بينما يطير رأسي في الهواء أعادت إليّ وعيي.
سرت باتجاه الصقر، مِمّقاً بصري عليه طوال الوقت. كان أحد أكبر الطيور التي رأيتها. طائر بهذا الحجم يقارب أحجام الديناصورات الحقيقية على الأرض. كان الصقر ميتاً بالفعل حين وصلْتُ إليه. إن لم تكن صاعقة البرق قد قتلته، فلعل السقوط هو ما فعل، حُكماً على زاوية رقبته الملتوية. لم ألقِ صاعقة برق أخرى هذه المرة إذ أمكنني رؤية جهازه العصبي وهو يذوي بالكامل، إلى جانب إحساسي بطاقة نواته وهي تناديني — ليس تماماً كتلك التي في ستورم رنر.
امتصصت الطاقة من النواة، شاعرًا باستقرارها في داخلي قبل أن أستلّ سكيناً لأشقّ صدره. تكوّن الوحوش ذات النواة الصفراء أحياناً نواة بلورية متوافقة مع تقاربها، وهي مصدر مانا متجدّد ذاتياً يمكن استخدامه في العتاد المسحور. وحين يعثر عليها المغامرون، تُباع بمبلغ طائل اعتماداً على درجة التوافق. فتحت الإشعار الوارد من النسيج ثم أغلقته سريعاً.
[لقد امتصصت نواة صفراء. لقد زدت سعة نواة المانا لديك بمقدار 250].
قطعت طريقي عائداً حيث نصبت الفخّ لستورم رنر في اليوم السابق، ورأيت أنه سليماً بغالبيته، باستثناء أنه تحرك قليلاً من مكانه. ولعله تأثر بالوحوش التي جذبها رذاذ الدماء الذي خلفه ستورم رنر على الرماح. أحكمت ربط الرمحين بحبل وعلّقتهما عبر كتفي وصدري، بينما وضعت أجزاء الفخّ الأخرى في حقيبة أحضرتها معي. كان بإمكاني شراء المزيد من النحاس والحديد، لكن لفائف النحاس كانت مزعجة الصنع؛
هذا، ناهيك عن حاجة عقلي لتصفية أفكاره والتفكير في طريقة للهروب من التجنيد العسكري. حزمت كل شيء وتوجّهت عائداً إلى المغارة، مقرّراً زيارة غاريك في البلدة.
تجاوزت الظهيرة حين بلغت مدخل هولو، وتوقفت لفترة قصيرة عند ساحة العربات، آملًا أن يكون جاريك موجودًا. رأيت العربة بالفعل لكن العجوز بيتي لم تكن مربوطة إليها.
"يا للهول، عليَّ تفقد منزله إذن"
كان جاريك يستأجر مسكنًا صغيرًا من غرفتين فوق دكان صانع البراميل في البلدة. نادرًا ما كنت أزور هنا حيث كان غالبًا خارج البلدة في رحلات تسليم، أو يعتني بأمر ما يخص عربته وبيتي العجوز. وصلت إلى أمام بابه، متمهلاً في التفكير فيما يجب أن أقوله قبل أن أطلب مساعدته. سأكون صادقًا قدر المستطاع على ما أظن، بما أنني هالك لا محالة خلال أسبوعين إن لم أجد مخرجًا من هذا. طرقت مرتين، آملًا ألا يكون في الحانة يشرب، رغم أنه لم يبدو من هذا النوع.
"من هناك؟"
سأل جاريك بحذر. لم يفتح الباب. استطعت بالإدراك الكهربائي أن أرى أنه كان يمسك شيئًا ما، على الأرجح هراوة أو سلاحًا ما. وكأن ذلك سيجعل فارقًا مع ساحر مصرّ. رغم أنني أظن المرء لا يبلغ عمر جاريك بلا قدر من الاحتياط.
"إنه أنا، آش. نحتاج إلى الحديث"
قلت بصوت رصين. انفتح الباب بصوت خافت، وأطل جاريك بعين واحدة ليؤكد أنه أنا حقًا قبل أن يفتح الباب على مصراعيه.
"ادخل"
كانت المرة الأولى التي يُسمح لي فيها بالدخول، إذ طلب مني في المرات القليلة الأخرى أن أنتظره بجانب عربته. ربما استطاع أن يبيّن أن ثمة أمرًا خطيرًا في نبرة صوتي. كان المكان بسيطًا، يضم منطقة معيشة رئيسية وغرفة أخرى، خمّنت أنها غرفة نومه. وُجد رف عليه بعض الأغراض الشخصية وما ظننته دفاتره التي يسجل فيها معاملات تجارته. تعلقت مصباح في زاوية الغرفة، وتوسطت الغرفة طاولة يحيط بها بضع كراسي.
"تفضل بالجلوس"
جلست. بقيت صامتًا، ناظراً إلى الأسفل نحو قبضتيّ المطبوضتين فوق فخذي، أفكر كيف يجب أن أبدأ الحديث.
"انظر يا بني، لست غبيًا. لا يمكن لأي طفل في الثامنة أن يحصل على النوع الذي تطالها يداك. أعلم أن لديك أسرارك، ولست مهتمًا بمعرفة ما هي"
قال جاريك قبل أن أتمكن حتى من ترتيب أفكاري.
"فقط أخبرني بما تحتاجه وسأرى ما يمكنني فعله"
"هناك أمران في الواقع. أولاً، أحيج إلى إيجاد معلومات حول كيفية عمل كرة التقييم التي يستخدمها المفتشون الملكيون. كنت أرجو أن تتقصى إن كان بالإمكان شراء تلك المعلومات من المعسكر الذي جلبتني إليه"
قلت، قاصداً صلب الموضوع.
"دعني أحدثك، وثانياً، تريد معرفة كيف تتجاوزها؟"
قال جاريك، وابتسامة خبيثة تظهر على وجهه حين رأى تعبير وجهي المتفاجئ.
"ممم..."
تمتمت فقط بينما كنت أحاول أن أستفسر عن كيف عرف.
"كيف خمنت؟ لست أول شخص يحاول التملص من تقييم تفرضه العائلة المالكة. لقد حاولت عائلات نبيلة عديدة إخراج ورثتها من الخدمة العسكرية. توفير جهاز يمكنه فعل ذلك طلب شائع في دائرتنا."
شرح جاريك.
"حسنًا، لدي خبر سار وخبر سيء. أيهما تريد أن تسمع أولاً؟"
سأل جاريك.
"الخبر السار"
قلت، مفضلاً ترك الخبر السيء للآخِر.
"الخبر السار هو أنني أعرف تمامًا كيف تعمل تلك الكرات. ليس تمامًا بالضبط لكن المفهوم العام. إنها قطعة تعويذات معقدة للغاية"
قال جاريك، متوقفاً لإثارة التشويق. رغبت في أن أدير عينيّ لكنني تمالكت نفسي إذ قد يكون مصيري معلقاً بيديه.
"إنها تعمل بسحب المانا قسراً من نواة الساحر، ولديها رونة الكشف منقوشة لجميع التقاربّات المعروفة. وحتى للتقاربّات غير المعروفة التي قد لا تكون اكتشفت بعد، يمكنها مع ذلك اكتشاف حضور المانا وتسليط الضوء على أنها لا تنتمي إلى أي من التقاربّات الشائعة"
"معظم أنوية المانا لا تتشكل بين عشية وضحاها. إنها تنضج عادة مع مرور الوقت، وفقط حين تبلغ نضجًا كافيًا يتعرف عليها النسيج ويمنح الساحر حق الوصول. تستطيع الكرة سحب المانا قسراً من نواة الساحر، سيّما من لم يُلقّن بعد كيفية التحكم في ماناه."
رمقت جاريك نظرة تشكيك، مندهشاً من معرفته الواسعة في هذا.
"أه، لا ترمقني بتلك النظرة، فقد كثرت الطلبات عليها لدرجة أنها أصبحت معلومة شائعة بين التجار. إنه ليس سرًا حقًا، والعائلة المالكة لا تخفيه إذ لا يملك معظم الأطفال سبيلاً لتجاوزه، وهو ما يقودني إلى الخبر السيء"
هبط وجهي حين سمعت الجملة الأخيرة.
"ليس الأمر أنه لا توجد سبل لتجاوزه. الجهاز الوحيد المعروف لتجاوزه هو طوق الرقيق، ومع مدى صرامة العائلة المالكة بشأن الرق، يكاد يكون من المستحيل الحصول عليه في فيسبيريا"
"ألم يحاول أحد صنعه؟"
سألتي.
"حسنًا نعم ولا. أترى، أطواق الرقيق متوافقة مع التقارب. تُصنع عادة من مادتين. حديد الفراغ، ومادة متوافقة مع التقارب. مواد التقارب الشائعة يسهل الحصول عليها بما فيه الكفاية، بينما مواد التقارب النادرة أو غير الشائعة يصعب العثور على مصدرها للغاية."
تجلت لي تداعيات ذلك.
"والتقاربّات الشائعة لا تُجند قسراً، بل أطفال التقاربّات غير الشائعة والنادرة هم من يحتاجون إليه."
قلت بصوت عالٍ.
"بالضبط. وبين حصول الطفل على حق الوصول إلى النسيج ليتعرف على تقاربه، ووصول المفتشين الملكيين، لا يتوافر عادة الوقت الكافي للحصول على المادة ذات التقارب الصحيح وإيجاد ساحر تعاويذ مستعد للمخاطرة بغضب العائلة المالكة من أجل قطع معدنية إضافية"
دار عقلي عبر احتمالات وسيناريوهات مختلفة قبل أن أسأل جاريك "ولكن هل من الممكن تأمين حديد الفراغ؟"
"ممم، ليس مستحيلاً لكنه لن يكون سهلاً. إنه ليس معدناً شائع الاستخدام من قِبل العامة"
حك جاريك ذقنه وهو يفكر في الأمر. بعد لحظة، أومأ برأسه برهة.
"أعطني بضع أيام، قد تتوفر لدي بعض خيوط البحث. لكن يجب أن أحذرك يا بني، حديد الفراغ وحده لن يخرجك من التقييم. وسيكلف ثروة طائلة، فلتكن مستعدًا"
"لا بأس، عليّ المحاولة. أنا ممتن لمساعدتك مهما كانت النتيجة. شكراً لك أيها العجوز. أعلم أنك تفعل كل ما بوسعك بالفعل"
ظننت أنني رأيت احمراراً طفيفاً على وجه جاريك، لعدم اعتياده على تلقي الشكر بهذه الطريقة.
"باه، لا تشكرني بعد. لا يمكنني ضمان أنني سأحصل على أي منها، علاوة على ذلك فهو مجرد عمل بالنسبة لي. حسناً، اغرب عن وجهي، عليَّ أن أجهز نفسي أيضاً"
غادرت منزله، عائدًا بينما أفكر في المادة الأخرى التي أحتاج إليها، وربما أمتلك ما يناسب تمامًا. رغم أنني سأحتاج إلى وضع يدي على رونو التعاويذ المتقدمة أولاً.
ملاحظة المؤلف: هذا العمل من تأليف جوش شونيكس. يُنشر هذا العمل القصصي حصرياً وبمجانية على رويال رود وسبيس باتل. إذا كنتم تقرؤون هذا على موقع آخر أو دفعتم مقابله عبر كتب غوغل، فهذا العمل مسروق.