كان الهواء منعشاً ونقياً، ولم يكن بارداً لدرجة تجعلني أرتجف، لكنه احتفظ ببرودة الشتاء الجافة. راحت قطرة عرق تتكدس وتتدحرج على صفحة وجهي رغم الهواء البارد بينما كنت أقترب من الكهف. بدا استبعاد خلوّ الكهف من الوافدين في عمق الغابة هذا أمراً وارداً، لكن المرء لا يسعه سوى التشبث بالأمل. أخذت على عاتقي توخي الحذر لتجنب أي تجمعات لجليد ذائب وأنا أتقدم، حريصاً على أن أكون صامتاً كي لا أنبه أي وحش محتمل عن غير قصد. كانت احتمالية أن يكون الوحش أصفر النواة قائمة بقوة. تعذر عليّ تحديد درجة النواة فوراً، لكن الوحوش دأبت على النمو حجماً بالتوازي مع ارتقاء درجاتها. قد تضاهي الوحوش ذات النواة الصفراء حجم إنسان كامل النمو أو تتجاوز هاته الحدود، تبعاً للنوع والبيئة التي تستوطنها. إن سارت الأمور وفق الخطة، فسأستطيع رصد وجود أي وحش متربص داخل الكهف وتحديد حجمه. وإن تجاوز الحجم المعتاد، ارتفعت احتمالية امتلاكه نواة صفراء عوضاً عن البرتقالية. حينئذ سيتعين عليّ الاستسلام والتراجع والبدء من الضفة الأخرى للنهر في اليوم التالي. لن يجدي الاستكشاف العميق نفعاً، فالوحوش تزداد شراسة كلما توغلت أكثر في الغابة. ما لبثت أن ابتلعت ريقي وأنا أخطو نحو مدخل الكهف. استقر الكهف بمحاذاة النهر، ولم يكن قريباً بالقدر الذي يجعله عرضة للغرق في موسم الفيضان، ولا بعيداً لدرجة يبدو فيها جافاً بالمطلق. مع أن فتحة الكهف بدت منخفضة نسبياً بالنسبة لرجل بالغ، إلا أنني استطعت الولوج بانحناءة طفيفة. توضع الكهف في طية صخرية من الحجر الرمادي، تحيط بها جذور متدلية وسراخس تفترش سطحه. مثلت هذه البقعة النموذج المنعزل والآمن تماماً الذي تطلبه تجاربي. أبقيت مهارة إدراك الكهرباء على أقصى مدى لها وأنا أتقدم. وما إن بلغت مسافة يغطي فيها نطاق تعويذتي معظم الأجزاء الداخلية، حتى توقفت وأطلقت نظرة فاحصة باحثاً عن أي أثر لكائن حي. ورغم أنني لم أصادف أي كائنات غير عضوية في هذا العالم بعد، إلا أنني قرأت ما يكفي من كتب الخيال طوال حياتي لألا أستبعد تماماً الكائنات غير التقليدية كالعنصريات أو سواها مما يعجز عقلي عن إدراكه ويفلت من رادار تعويذتي. تفحصت المكان بعناية وكدت ألتقط نفساً عميقاً من الارتفاع حين توهمت أن الكهف خالٍ. إما أنه مهجور أو أن شاغله غادر بحثاً عن طعام. وقبل أن يتسنى لي الاسترخاء، لمحت سائلاً مجهولاً لا يشبه الماء بل يقرب من المادة اللزجة، وقد تلطخ به الممتد من الكهف نحو النهر. تسمرت في مكاني وأخذت أتأمل المادة اللزجة، متتبعاً أثرها المتبقي. تجلى لي الأمر فجأة وأنا أرمش بعيني نحو مسار النهر، وفي اللحظة المناسبة تماماً، رأيت كائناً ضخماً يخرج مترنحاً من الماء ويندفع نحوي. أدرك الكائن على الأرجح أن أمره قد انكشف فقرر شن الهجوم. فعّلت الاستخدام المسبق لتعويذة تشريب البرق لأقفز إلى الخلف دفعة واحدة، وتناثر الطين الرطب في الهواء بينما حلقت في الاتجاه المعاكس. لو تأخرت ثانية واحدة لفقدت ذراعي أو ساقي، إذ انطبق فك عملاق بأسنان حادة كالسكاكين على المكان الذي كنت أقف فيه قبل لحظة. تطايرت التربة الرطبة وبرك المياه، تلا ذلك صوت ارتطام غليظ حين هبط الكائن على أرضية الغابة. فعّلت تشريب البرق وقفزت إلى الخلف مرتين إضافيتين لأوسع الفجوة بيننا بينما شرعت في تقييم هوية الكائن الذي نصب لي كميناً. كلفني تهوري حياتي هذه المرة؛ فرغم أنني حسبت حساب عودة وحش حتى لو بدا الكهف فارغاً، إلا أنني أغفلت احتمال كون الكائن برمائياً ومختبئاً بالقرب في الماء. لقد وجهت جل تركيزي نحو اتجاه الغابة متجاهلاً النهر. كانت المرة الأولى التي أرى فيها وحشاً بهذا الحجم. لقد ضاهى حجم تمساح كبير، وبات يوازي ثلاثة إلى أربعة رجال أضخم حجماً. تعذر عليّ التدقيق ملامحه لأن جسده وذيله التويا جزئياً. حتماً امتلك هذا الوحش الضخم نواة صفراء. ورغم أن الوحوش تفتقر لتعويذات بالمعنى الحرفي، إلا أنها تطور ميلاً فطرياً لاستخدام عناصرها عبر التلاعب البسيط أو امتلاك عضو متخصص. بدت هيئة الكائن مزيجاً بين سحالي السلمندر العملاقة وحيوان الأكسولوتل. ومع ذلك، غطت العضلات المفتولة جسده الغليظ ليميل إلى التمساح أكثر. كما امتلك ذيلاً كبيراً قارب جسده في الثخانة، تخللته ثقوب غريبة وأوردة نافرة سميكة لا يبدو أنها تحمل دماً، وامتدت من رقبته وصولاً إلى ذيله. قلبت صفحات دليل الوحوش السحرية لكنني لم أقرأ تفاصيلها بعناية. عجزت عن تذكر ما إذا صادفت مدونة تخص هذا الكائن، لكنني استشففت من بعض سماته املاكه نواة مائية الصبغة. وهو ما يعني تأثره الشديد بضربة البرق الخاصة بي على الأقل. اتسم الوحش بالسرعة، وشككت في قدرتي على مجاراة سرعة عدوه في تضاريس الغابة. ومما عزز نجاتي أنه بدا افتقاراً للرشاقة الكافية. انزلق متجاوزاً المكان الذي وقفت فيه بعد أن أخطأ هجومه، وتابع انزلاقه لمترين أو ثلاثة، شاقاً طريقاً وسط الثلج الذائب. استنتجت أنه يقدر قوتي، محاولاً معرفة ما إن كنت مجرد وجبة غبية ضلت طريقها قرب مسكنه أو أنني أشكل خطورة تستوجب تفادي الصدام. بدا أنه توصل إلى أنني أبدو أشهى داخل جوفه إذ اتخذ وضعية الهجوم واستعد لقفزة أخرى. اتسعت المسافة بيننا بالفعل، فقرر القفز للخوار وتوسيعها أكثر لمنحي وقتاً أكبر للمراوغة إن عاود الهجوم. كانت تعويذتي في منتصف مسار تفعيلها، مما جعل تغيير الاتجاه مستحيلاً حتى لو ألغيتها، إذ أبصرت دوامة ماء تتشكل داخل فمه المفتوح. ظهرت أسنانه القبيحة المنشارية بوضوح تام بينما قذف بتيار ماء قوي نحوي. ظننت للحظة أن رحلتي القصيرة في هذا العالم الجديد قد بلغت نهايتها وأنا أهيئ نفسي لتلقي ضغط الماء. لكن الحظ حالفني حين زلقت إحدى قدمي على صخرة غطاها الطحلب مع تفعيل قفزتي المعززة. لم أتفقد موضع هبوطي في عجالتي السابقة. أدت الزلقة إلى سقوطي على ظهري، وأنا أرمق تيار الماء يمرق كالسهم أمام وجهي الممدد. تدحرجت جانباً ونهضت بسرعة، مغامراً بالتفتت لتقدير أثر ذلك التيار المائي. أصاب تيار الماء شجرة ظلت صامدة، لكن لحاءها وجزءاً من جذعها انتزعا بقوة. قد لا يرديني قتيلاً بضربة واحدة، سيما مع تعزيز جسدي بنواتي البرتقالية وطفرة بنية الطبيعة، لكنني ما كنت لأخرج بحال جيدة بالتأكيد. ملاحظة لنفسي: القفز قطرياً نحو الخلف عند الضرورة، والأفضل من ذلك، التقييم أولاً قبل اتخاذ أي قرار. بدا أن إطلاق تيار الماء استنزف جزءاً من طاقة السلمندر، إذ التقط أنفاسه وبدا جسده الضخم أصغر حجماً. إن كان لي التخمين، فهو يخزن هذه المياه داخل جسده ويقذفها كوسيلة هجوم. ظننت أنني سأظفر باستراحة لعدم قدرته على إطلاق الكثير منها بالاعتماد على المياه المخزنة، لكن ظني خاب تماماً. رأيته يشرع في سحب الماء من بركة قريبة من ذيله، مستخدماً على الأرجح تلك الثقوب الممتدة على طوله. انتفخ جسده وازداد حجماً مع امتصاص الماء المحيط. لعنت في سرّي وقررت الكف عن الأداء الدفاعي الصرف. أطلقت صاعقة برق نحو السلمندر العملاقة لإرباكه، متمنياً في قرارة نفسي أن يسقط ميتاً كتلك الدبابير. تشقق الهواء مع قطع الصاعقة للمسافة الفاصلة بيننا، وبدت لي طبقة اللزوجة على جسده مضيئة لحظة اصطدام البرق به. على عكس المخلوقات الأخرى حيث يتمركز الضرر في نقطة واحدة، ساعدت المادة اللزجة على توصيل صاعقتي بشكل أفضل، وفي الوقت ذاته وزعت الضرر في كل مكان لتفادي العطل الموضعي. الخبر السار تمثل في نجاح الصاعقة بوقف ما كان يفعله. بيد أن ذلك زاد من غضبه فقرر مطاردتي. تجنبت إدارة ظهري له وعزمت على إبقاء مسافة محددة مع المراوغة جانبياً حين يقفز. تعلمت تمييز الفرق بين القفزة وتيار الماء بعد فترة. حين يطوي السلمندر ساقيه القصيرتين البدينتين إلى جانبيه قبل أي هجوم، ينتفخ عنقه طفيفاً لتجمع الماء قبل إطلاقه. كما تتوهج نقطة خلف عنقه، والتي افترضت أنها نواته السحرية. لم يظهر الضوء بوضوح سوى بسبب جلده الشفاف قليلاً وعضلاته، وتجمع المياه بتركيز قبيل إطلاق تيار الماء. ساعدتني معرفة الهجوم مسبقاً على إطلاق صاعقة لإرباكه حال تعذر المراوغة في مساحتي. ولو امتلكت موطئ قدم ثابتاً، لراوغت وأطلقت البرق فقط عندما يحاول سحب المياه من البرك المتفرقة في أرجاء الغابة. لقد أبعدته عن النهر لتجريده من المصدر السهل للمياه وتجديد هجماته، غير أن الجليد الذائب خلق بركاً صغيرة في أنحاء الغابة. وهنا بدأت مطاردة القط والفأر الطويلة، أو السلمندر العملاق والصبي بالحري. حرصت على المراوغة نحو الغابة الخارجية لتلافي التعثر بوحش آخر ذي نواة صفراء عفوياً، رغم اتساع نطاق أراضيهم عادة. ظننت أنه سيكف عن مطاردتي بعد حين، لكنه ربما كره العلاج بالصدمات الذي أذقته إياه ولم يتوقف عن تعقبي. لحسن الحظ أو لسوئه، لم أصادف وحشاً آخر بنواة برتقالية أو حمراء أثناء الهرب. ربما تملّك الرعب بقية الوحوش بسبب جلبة معركتنا. وبعد إطلاق عدة تيارات ماء عجز عن تعويضها، بدا السلمندر منكمشاً بوضوح. كما جفّت الطبقة اللزجة على جسده عقب صواعق البرق المتعددة التي أرسلتها نحوه. أي وحش اعتيادي ذي نواة برتقالية كان ليهوي قتيلاً بعد تعويذة أو تعويذتين، لكن هذا السلمندر تلقى خمساً أو ستّاً على الأقل. بدأت عضلاتي تؤلمني من تكرار استخدام تشريب البرق. قررت الكف عن الفرار والثبات لإنهاء الأمر. استشعر السلمندر نيتي فتوقف عن المطاردة بدوره. وبدا أنه نفد من المياه إذ أحجم عن إطلاق التيارات المائية في الدقائق الأخيرة. سيبقى منا واحد فقط واقفاً على قدميه، ولن أكون وجبة لهذا الكائن دون أن أبذل قصارى جهدي.
ملاحظة المؤلف: هذا العمل من تأليف جوش شونيكس. يُنشر هذا العمل القصصي مجاناً حصرياً على رويال رود وسبيس باتل. إذا كنتم تقرؤون هذا على موقع آخر أو دفعتم ثمنه عبر جوجل بلي، فهذا العمل مسروق.