أطلقت مارتا تحذيرها بضرورة التصرف بطبيعية ما لم أرد أن يعلم الآخرون بأمر استيقاظ نواتي. يبدو أنني أرعبت ثال وكيس البارحة بضحكاتي. تبّاً، ظننت أن ذلك دار في رأسي فحسب. لكن بصراحة، وفي هذه المرحلة، كنت أشك في أن الجميع في الملجأ يعلمون بالأمر. لقد اختاروا فقط ألا يقولوا شيئاً. ثمة رابط صامت بين أولئك الذين نشأوا في دور الأيتام. نحمي بعضنا ونسهر على مصلحة بعضنا. قد يكون كيس وهاث وفايل أصغر من أن يدركوا ذلك، لكنني كنت متأكّداً من أن البقية يدركون. خصوصاً بعد أن رأى بعضهم جثة خنزير بري أجرها خلفي من الغابات كل بضعة أيام طوال الصيف. استحوذت على سقيفة الأدوات لهذا اليوم، مع أن أحداً لم يكلف نفسه عناء المجيء إلى هنا قط. كانت قديمة، تعلوها الأتربة، وبمساحة بالكاد تكفي لأي حركة، لكنها كانت ملائمة تماماً لما أوشك على فعله. احتجت إلى مكان هادئ أعمل فيه بلا إزعاج، وأيضاً إلى مخزن لأدواتي. سيكون مزعجاً أن أجّر الكتاب مع مواد النحاس والأدوات كلما رغبت في العمل على النقش السحري. الشيء الوحيد الذي كان سيجعل السقيفة أفضل قليلاً هو وجود نافذة تدخل المزيد من الهواء والضوء. رغم أنني لم أستطيع التذمر حقاً بالنظر إلى حالة الملجأ. لخصت المشاكل الرئيسية الواجب حلها في ثلاث عقبات كبرى. الأولى كانت تفريغ الطاقة. لخلق مدفع كهرومغناطيسي، كان لزاماً عليّ أساساً إحداث طفرة مفاجئة في القوة المغناطيسية وإطفاؤها فوراً. النظرية هي أن تلك الزيادة المفاجئة، المربوطة والموقوتة بترتيب متتابع تفصله أجزاء من الميكروثانية، يمكنها تسريع قذيفة معدنية لتتجاوز سرعة الصوت بسبع مرات، أو ما يعادل ألفين وخمسمائة متر في الثانية تقريباً. المشكلة في التكنولوجيا التي تعود إلى الأرض هي أن أي نظام لتوليد الطاقة لم يكن بمقدوره عادة خلق تدفق الكهرباء اللازم، ومن هنا برزت الحاجة إلى مكثفات متخصصة صعقتني بالكهرباء. إذا كان إطلاق النبضة الكهربائية بطيئاً للغاية أو مرتفعاً للغاية، فقد يؤدي التيار الكهربائي إلى لحام القذيفة بالمسارات، صاهراً المعدن ببعضه بدل إطلاق القذيفة بعيداً عن المسارات. كما أن الزيادة والنقصان المفاجئين في النبضة الكهربائية يضغطان على أي نظام يحمل هذا التيار، مما يخلف بلازما شديدة السخونة تذيب المسارات وتآكلها، وهو ما يقودني إلى المشكلة الرئيسية الثانية. تبديد الحرارة. إن نظام مدفع كهرومغناطيسي ضخم وثابت ويملك أنظمة تبريد كبيرة كانت لديه مسبقاً قيود على عدد الطلقات التي يمكنه إطلاقها. أما المدفع الكهرومغناطيسي المصغر، أو بالأحرى مدفع الملفات، فكان يواجه مشاكل أكبر بكثير إذ يجب أن تكون أي آليات لتبديد الحرارة صغيرة بما يكفي لتلائم المدفع. حتى لو تمكنت بطريقة ما من منع البلازما من التسرب، فإن الاحتكاك بين القذيفة والمسارات يخلق بدوره مستويات عالية من الحرارة قد تضر المسارات في طلقة واحدة. المشكلة الأخيرة كانت شيئاً يتعين على جميع المقذوفات الحديثة التعامل معه، وإن لم يكن بالحجم نفسه كما في المدفع الكهرومغناطيسي. الارتداد. إن الحقل المغناطيسي الذي تخلقه المسارات لدفع القذيفة للأمام يدفع الملفات للخلف بالمثل. يُعرف هذا بقوة لورينتس وكانت النماذج الأولية للمدافع الكهرومغناطيسية تواجه بانتظام أعطالاً هيكلية. الفارق مع المقذوفات الأخرى كان السرعة. كلما ارتفعت السرعة، أقوى صار الارتداد. إطلاق مقذوفات معدنية بسرعة تمثل سبعة أضعاف سرعة الصوت خلق مجموعة مشاكل خاصة به. وفي حين واجهت المدافع الكهرومغناطيسية الكبيرة أيضاً مشاكل في التوجيه والدقة على المسافات الطويلة، لم تكن تلك مشكلة لمدفع الملفات على مسافة قصيرة. قررت البدء بالمشكلة الأولى. فبدل محاولة تحقيق قدر كبير من التفريغ في وقت قصير، كان عليّ أولاً إثبات أن الكهرباء المنطلقة عبر السحر لا تزال تخضع لقوانين الفيزياء إلى حد ما. أول ما خطر ببالي كان سخان مياه بسيطاً باستخدام الكهرباء. بخلاف كتاب النقش السحري، الذي ذكر أن نقش التسخين سيطلب استخدام مانا النار، احتجت فقط إلى مكونات النقش لتعمل كقناة لمانا البرق. سأحقق التأثير نفسه عبر تسخين جول، وهي عملية انطلاق الحرارة حين يعبر تيار كهربائي موصلاً. سيخدم سخان المياه ثلاثة أغراض، أحدها مجرد تأكيد أن قوانين الفيزياء تعمل في هذا العالم ويمكن تكرارها عبر النقش. الغرض الثاني كان تحسين حياة الجميع في الملجأ ببساطة. شتاوان بلا تدفئة كانا يكفيان داميان الذي نشأ معتاداً على سُبل الراحة في العالم الحديث. وفي حين عاش آشر تقنياً خمسة أشتات من دونها، كانت ذاكرتي غائمة ولم يساعدني علمي بما هو ممكن. الغرض الأخير كان الأهم في الواقع. باستعمال سخان المياه، أستطيع حينها قياس كمية الطاقة العابرة عبر الملفات اعتماداً على رونات الرفع أو الخفض التي استخدمتها. وعبر قياس الوقت المستغرق لغلي حجم معروف من المياه، أستطيع تقريبياً تقدير الفولطية العابرة عبر النظام واستخدام تلك المعلومة لتصميم النقش اللازم للمدفع الكهرومغناطيسي. سيكون نقش سخان المياه بسيطاً. ستكون هناك بضع رونات لرفع أو خفض الفولطية سأستخدمها لضبط الفولطية، ورون تسريب عند طرف المخرج لربط النقش بالملف التجاري. وسأملك رون تخزين أساسياً عند طرف المدخل لتخزين أي مانا برق أستطيع تزويدها؛ مع أن لوحاً نحاسياً لن يكون قادراً على الإمساك بالكثير من مانا البرق لفترة طويلة بناءً على ما قرأته. وتهادت أيضاً خيارات قليلة لنقش الرونات. الأكثر تقدماً تضمن استخدام سبيكة خاصة ممزوجة بدم وحوش عالية الرتبة ذات تقارب ملائم لمانا أجزاء معينة من النقش. ولأجل النقوش الأكثر تعقيداً المتضمنة لأنواع مانا متعددة، سيحتاج النقاش إلى استخدام عدة سبائك مختلفة لأنواع المانا المتوافقة. نادراً ما استُخدم ذلك الخيار لعدم تبرير التكاليف المرتبطة بالكفاءة أو الأثر التصاعدي المكتسب. قد تظهر بعض الظروف الخاصة لكن في أغلب الحالات، سيكون أرخص ركُم نقش إضافي من النوع نفسه. الخيار الأكثر شيوعاً بين الأثرياء تمثل في تطعيم النقش بالميثريل، أو الذهب إن أرادوا قدراً أكبر من الاقتصاد. رغم أن ذلك انطبق فقط إن كان الوسط الحامل للنقش صلباً. أمكن أيضاً نقش السحر على أسطح لينة مثل الدروع الجلدية أو العباءات، لكن ذلك تطلّب أليافاً خاصة معالجة بمحلول كيميائي لجعلها أكثر توصيلاً للمانا. الخيار الأخير ونسخة الفقير من النقش تمثلت في حفر الرونات أو نقشها داخل سطح صلب. شبيه تماماً بما كنت أفعله الآن. لم أكن أحفر الألواح النحاسية بقدر ما كنت أصنع تجاويف ببطء لخلق أثر الرون. سأوجه المانا حينها إلى التجويف بينما أركز على نية الرون لخلق التأثير. سأحتاج إلى ربط الرونات إما على التوالي أو التوازي، اعتماداً على التأثير الذي أرغب في تحقيقه. بدا المنطق أشبه بتصميم دارة كهربائية. وُجدت عيوب عديدة لهذه الطريقة، أولها كونها أكثر عرضة للتلف. إن حدث أي اصطدام أضرّ بشكل التجويف، فسيفقد الرون تأثيره. وعيب آخر تمثل في ديمومة النقوش نظراً لأن الألواح النحاسية لا تحتفظ بالمانا جيداً. كان هذا أيضاً السبب الرئيسي لعدم انتشار العناصر المسحورة على نطاق واسع في هذا العالم. غالباً ما استخدمها الملوك والنبلاء فقط ممن امتلكوا المال الفائض لأشياء تافهة. واستخدمت أغلب العناصر المسحورة أساساً من قبل المغامرين ذوي الرتب العالية أو الجيش، مثل الدروع المنقذة للحياة أو الأسلحة القادرة على قلب موازين المعركة. بالنظر إلى أجور النقاش عالي المهارة، لن يكلف أغلب الناس أنفسهم عناء خلق نقوش بسيطة على معدن عادي يجب إعادة نقشه بمتكررات عالية. مع ذلك، كانت طريقة الإزميل كافية لأغراضِي.
استغرقت بضع ساعات لأنني لم أكن معتاداً على الإزميل والمطرقة، لكنني أنجزت في النهاية أبسط تعويذة كان مفترضاً بها توجيه مانا البرق عبر وشيعة نحاسية. اضطررت إلى لحام الوشيعة نقطياً بالصفيحة باستخدام صاعقة البرق خاصتي، وهو أمر كان بلا شك أكثر صعوبة بكثير من مجرد صعق دبور عملاق. بحبس أنفاسيز غطست الوشيعة النحاسية في وعاء ماء أعددته وبدأت أوجّه مانا البرق عبر التعويذة لتفعيلها. استغرق الأمر بضع دقائق لكنني استطعت رؤية الماء وهو يسخن. رائع! صرخت في داخلي. انهيارت على ظهري، ممدداً على أرضية سقيفة الأدوات بعد بضع ساعات مكثفة من العمل. ورغم أنه لم يكن عملاً شاقاً، فإن التركيز الهائل الذي يتطلبه ضمان عدم ارتكاب أي خطأ أثناء طرق النقوش كان مرهقاً حتى بالنسبة لي. أي خطأ من جانبي كان يعني أن أبدأ من جديد كلياً على صفيحة نحاسية جديدة. لقد أتلفت خمس صفائح قبل أن أتمكن من صنع أول تعويذة صحيحة. تلك الصفائح لن تكون تالفة تماماً إذ يمكنني إعادتها إلى برانوين لتسويتها. سيكون تسخين المعدن أسهل بكثير باستخدام سحر النار الخاص بها لجعله أكثر مرونة. ومع ذلك، لو استنفدت كل الصفائح، لكان ذلك يعني أنني بحاجة إلى تعليق تجاربي حتى يُعاد تدوير الصفائح. الآن بعد أن نجحت الخطوة الأولى، يمكنني المضي قدماً في خطتي التالية المتمثلة في تسجيل توليفة نقوش المشغل التي ستوفر الفولتية التي أحتاج إليها. نظرت إلى البثور والاحمرار على يديّ جراء ساعات النحت بالإزميل التي قضيتها. تنهدت، لم أكن متحمسماً للقيام بذلك.
مرت أسابيع قليلة أخرى قبل أن أتمكن من صنع كل التوليفات المختلفة لسخان الماء الأساسي الذي أحتاج إليه لإجراء قياساتي. كان الطقس يبدو وكأنه على وشك التساقط بالثلوج في أي لحظة، وكانت آخر أوراق الخريف قد تساقطت بالفعل عن الأشجار في الغابات الرمادية. كان عليّ جلب المزيد من الصفائح النحاسية وإعادة تلك التي أتلفتها إلى برانوين، والتي قامت بسعادتها بإعادة تدويرها لي لقاء أجر زهيد لكون الأمر سهلاً نسبياً. كانت متفرغة نسبياً أيضاً إذ انقضى موسم الحصاد وقلّ عدد المزارعين المحتاجين إلى إصلاح أدواتهم. جاء ذلك في وقته إذ تمكنت أيضاً من صنع ثلاثة سخانات مياه منفصلة. كنت قد طلبت من مارتا البقاء خارج سقيفة الأدوات لأنني كنت أعمل على مفاجأة للجميع وأردت التأكد من صلاحيتها قبل عرضها عليهم. في النهاية، انتهى بي الأمر بإنفاق مبلغ كبير من المال الذي جنيته من بيع رحيق الدبور المتلألئ للحصول على المزيد من المواد لكي أتمكن من بناء ثلاث وحدات سخان مياه. ستعمل أساساً كمشعات حرارية مدعومة بالتعويذة ومانا البرق. حصلت أيضاً على المزيد من الصفائح النحاسية التي نقشت عليها نقوش التخزين وربطتها بسخانات المياه. ورغم أنه كان حلّاً مؤقتاً، فقد استطعت شحن الصفائح بمانا البرق واستطاعت الاحتفاظ بالشحنة طوال الليل لإبقاء المشعات الحرارية تعمل. لقد أدرجت أيضاً نقش مشغل يوجه المانا عبر ثلاث مجموعات مختلفة من نقوش رفع الجهد قبل دخولها إلى الوشيعة النحاسية بثلاثة إعدادات لدرجة الحرارة. لم أكن قد توصلت بعد إلى طريقة لصنع قرص تحكم، ووحدي استطعت تشغيل هذه الأشياء في الوقت الحالي، لكن ذلك كان يكفيني لنجتاز هذا الشتاء. لقد جررت هذه الوحدات الثلاث إلى المنطقة المشتركة لأعرضها على مارتا والبقية قبل العشاء لمزيد من التشويق. "من الأفضل ألا تكون هذه مادة أخرى جنيتها بخطر" نظرت إليّ مارتا محذرة، ومطعة بأن عقاباً عسيراً بانتظاري إن كانت كذلك. "المزيد من الصلصة الحلوة؟" سأل كيس. "لا، هذا شيء أفضل!" رفعت أخيرًا البطانية التي استعرتها لتغطية سخانات المياه. "تادا!! مشعات حرارية!" "آكلات جاهزة؟ ماذا تأكل؟" سأل ميرف. "إنها لا تأكل شيئاً. حسناً في الواقع، يمكنك القول إنها تأكل البرد بعيداً عن غرفنا" مِلتُ مع سوء فهم ميرف. ربما كان شرح الفيزياء الحديثة لهم أمراً معقداً للغاية. "تعني مثل تلك السخانات السحرية الفاخرة التي يستخدمها النبلاء؟" سأل ثال. آخ صحيح، نسيت أن النسخ السحرية موجودة بالفعل، مؤنباً نفسي على عدم البدء بذلك. "نعم تماماً، إلا أن هذه نسختي الخاصة" "لن تحرق هذه المنزل أصحيف؟" سألته مارتا بتشكك. شغلت أحدها على أدنى إعداد، وفي غضون بضع دقائق استطاع الجميع استشعار حرارة لطيفة تنبعث من الجهاز. "واو!! ياه سنتمكن من البقاء دافئين" قفز كيس وعانقني. "شكراً لك" أعتقد أن الصغار وجدوا وقتاً أسهل بكثير في تقبل الأمر على ما هو عليه. اكتفى ثال وميرف بالنظر إلى بعضهما البعض وهزا رأسيهما قبل أن تظهر ابتسامة دافئة على شفتيهما. "تعالوا، لقد صنعت ثلاثة من هذه. واحداً لكل غرفة من غرفنا، ساعدوني في صعود هذا إلى الطابق العلوي قبل العشاء" رأيت الصغار الثلاثة يتقافزون صعوداً وهبوطاً من الفرح، متطلعين إلى عدم الاضطرار لقضاء الشتاء القادم متجمدين في البرد. ورغم أن قضاء الوقت والموارد في صنع هذه السخانات قد أعاقني بالتأكيد عن مشروعي، فقد اعتبرت ذلك مقايضة جديرة بالاهتمام وأنا أنظر إلى وجوه الجميع المبتسمة. انتهى أمر الدبور المتلألئ لكنني ما زلت قادراً على صيد وحوش أخرى لقاء المال. وهو أمر كنت أتطلع إليه بعد أسابيع من انغلاقي داخل سقيفة الأدوات.
ملاحظة المؤلف: هذا عمل لجوش شونيكس. سينشر هذا العمل الخيالي مجاناً حصرياً على رويال رود وسبيس باتل. إذا كنت تقرأ هذا على موقع آخر أو دفعت مقابله عبر جوجل بوكس، فقد سُرق هذا العمل.