الفصل السابع والأربعون: الأخت الكبرى
"أيها الأخ الأصغر... ربما كان عليك أن تأتي وتطلب من أختك الكبرى أي شيء تريده. لماذا العناء في كل هذا؟"
تردد صدى الصوت في الهواء ناعماً، يكاد يكون رقيقاً، لكن تحته كانت تكمن برودة حادة لدرجة أنها بدت وكأنها تقطع العظم. في اللحظة التي وصل فيها إلى مسامع الحاضرين، سقط الكولوسيوم بأكمله في صمت مطبق. صمت بارد ومخنق. كان الأمر كما لو أن العالم توقف عن التنفس.
تجمدت الوجوه. واتسعت العيون. وتسلل الرعب إلى كل تعبير مثل ظل يبتلع النور.
حتى آريون، الذي كان في منتصف جملته، توقف وكأنما أصيب بصاعقة. ظل فمه معلقاً، وماتت الكلمات في حلقه. انزلق قطرات من العرق على صدغه بينما اتسعت عيناه على مصراعيها في صدمة.
لا عجب... هكذا فكر، بينما كان قلبه يدق بقوة في صدره.
نق. نق. نق.
تردد صدى صوت الأحذية الواضح والثابت على الحجارة وسط السكوت، وكان كل خطوة أعلى من زئير الحشد. التفتت رؤوس الجمهور، مسحوبة وكأنها بقوة غير مرئية، نحو مصدر الصوت.
وحينها رأوها.
شخصية تكسوها الأناقة والتهديد معاً. شعرهن الأرجواني الملكي البري انحدر على ظهرها كنهري من الحرير، يلتقط الضوء مع كل تأرجح. عيناها المتطابقتان احترقتا بنار باردة برية، كما لو أنهما تريان كل شيء ولا تفوتان شيئاً. استقر على وركها سيف، مقبضه داكن، ويشاع أن حده ذاق الدماء عدد لا يحصى من المرات. ومغطاة فوق كتفيها، تدفق عباءة أرجوانية عميقة خلفها، والتصق فستانها الأسود بشكلها مثل ظل مُتجسد.
نوفا فيريلان.
الابنة الكبرى لعائلة الدوق فيريلان.
تلك التي يدعونها أميرة الغربان التابعة لفريلان.
بدا أن درجة حرارة الكولوسيوم بأكمله تنخفض بمجرد رؤيتها. ضغط وزن حضورها على الجميع مثل عاصفة على وشك الاندلاع.
مع كل خطوة محسوبة نق، نق، نق، أصبحت التوتر أكثر كثافة.
لم يحتاج الناس إلى من يخبرهم بما يجب عليه فعله. تفرقوا أمام طريقها وكأنهم مدفوعون بغريزة، بالخوف. سقط البعض على ركبهم، راكعين لدرجة أن جبهاتهم كادت تلامس الأرضية الحجرية، ليس احتراماً، بل من الخوف الشالص أو مجرد محاولة لعدم النظر إليها. نوع الخوف الذي يجعل دم المرء يتجمد. نوع الخوف النالبع من معرفة ما هي قادرة على فعله.
عرف الجميع أي نوع من النساء كانت. نوفا فيريلان التي كانت تذبح دون تردد حتى لأجل أصغر إساءة. خلاف؟ موت. قلة احترام؟ موت. كانت تستحم في الدماء لأفهى الأسباب.
ولم تنظر إليهم حتى. لم تتزعزع نظرتها أبداً، كانت حادة، ومثبتة على وجه واحد منذ اللحظة التي ظهرت فيها. رازيال، وكأنها لا تستطيع رؤية أحد سواها.
توقفت أمامه، قريبة بما يكفي لكي يسمع الصوت الخافت لنفسها. سافرت عيناها على وجهه ببطء، بتعمد، وكأنها تدرسه، تبحث عن شيء لا تستطيع سواها رؤيته.
"الأخت نوفا..." كسر صوت سيلينا التوتر لحظة، همسة مطرزة بالمفاجأة. حتى هي لم توقع أن تنزل نوفا. لكن نوفا لم تنظر إليها. لم تعترف بها على الإطلاق. وكأن سيلينا لم تكن موجودة حتى. وكأن لا أحد آخر كان موجوداً في هذه اللحظة سوى الفتى الواقف أمامها.
رازيال، من جهته، لم يرد نظرة نوفا. ظلت عيناه على آريون، ثابتة، باردة، وكأن نوفا نفسها لم تكن هنا... لا شيء سوى الهواء.
"امضِ قُدماً،" قال رازيال بهدوء، وحمل صوتاً عبر الصمت الثقيل. "هل تقبل المبارزة أم لا؟" ولم تتزعزع نظرته عن آريون، الذي وقف بحرج وكأنما علق بين عاصفتين.
رمش آريون، وكأنما يستيقظ من كابوس. شعر جسده بالتصلب، ومثقلاً بعاصفة العواطف التي تحطمت فوقه. "أنا... أنا..." تعثر صوتاً بينما تحركت عيناه بسريع بين رازيال ونوفا. أهذه مزحة؟ بدا أن نظرته تتوسل. ألا ترى من يقف هنا؟!
تجمع العرق على جبينه. تسابق عقله. هل... هل نادته للتو بالأخ الأصغر؟! ألم يُطرد رازيال؟ بل وأهانوه، وطردوه من العائلة... والآن تدعوه بالأخ؟ شعرا حلقه بالجفاف، وتجمع العرق عند صدغيه. ماذا يحدث؟ لقد ناديته للتو بلا مأوى قبل لحظات... والآن هذا؟ هل حظي يزداد سوءاً؟ وتلك النبرة منها لطيفة؟ أهذه هي نفس المرأة التي جلدته علناً ألف مرة بذلك الجول المصنوع من الأشواك الحديدية؟ التي مزقته أمام الجميع باسم تعليمه الانضباط؟!
كيف يمكن لنفس الشخص أن يتحدث بهذا النعومة، وبهذه اللطف الآن؟ لا تخبرني أنها جادة بشأن مناداته بالأخ؟ إذا كان الأمر كذلك فأنا في ورطة كبرى!!.
لم يفهم آريون. والأفظع أنه لم يكن يعرف ماذا يفعل.
أصبح الهواء أثقل، والصمت أعمق. شعر المتفرجون، الذين ضغطت وجوههم على الأرض خوفاً، بضربات قلوبهم تتسارع. تساقط العرق على الحجر تحتهم.
هل... هل تجاهل ذلك الفتى نوفا فيريلان للتو؟ دارت الفكرة في أذهانهم، وأمسكهم الخوف بشكل أقسى. لم يكن تصرف رازيال هو ما أرعبهم. بل كان ما عرفوا أنه سيتبعه. عواقب تجاهلها.
نوفا فيريلان، الفتاة التي ذبحت ذات مرة وريث ماركيز لمجرد أنه مازح، في السر، بأنه كان معها. الفتاة التي كان غضبها أسطورة، ونصلها الذي لا يحتاج لسبب لتذوق الدماء. تُدعى حرفياً بمختلة عقلياً.
وهذا الفتى... هذا الفتى كانت لديه الجرأة ليتصرف وكأنها لم تكن هناك حتى؟
بدا أن الكولوسيوم بأكمله يحبس أنفاسه، بانتظار العاصفة لتنفجر.
لكن نوفا لم تتحرك. وقفت متجمدة، وشكلها الطويل يلقي ظلاً طويلاً على الأرض، بينما تصرف رازيال وكأنها لم تكن موجودة حتى. لم تخرج أي كلمات من شفتيها لما بدا وكأنه أبدية. ظلت عيناها الأرجوانيتان الملكيتان مثبتتين عليه، ممتلئتين بعواطف متشابكة ومظلمة للغاية بحيث لا يستطيع أحد قراءتها. كان الأمر كما لو أنها تقف محاصرة داخل عاصفة لا يستطيع أحد سواها الشعور به بينما في الخارج، بدت نظرتها هادئة ومتماسكة. لكن في عمقها، اضطرب جنون بري لا يمكن السيطرة عليه، مخفياً تحت السطح. حتى الارتعاش الخافت وغير الملحوظ تقريباً لأصابعها الرقيقة خان الحقيقة بأنها كانت أبعد ما تكون عن السلام. وفي كل حين، كانت عيناها تتلألآن نحو ذراعه اليمنى، حيث كان الدم يتدفق بحرية من جرحه، ومع ذلك، لم تقل شيئاً.
أخيراً، كسر صوتها الصمت الثقيل. ناعماً، ولكنه ثقيل بالمعنى.
وحينها، أخيراً، كسر صوتها التوتر.
"أكنت تتجاهلني؟" سألت، ناظرة إلى أسفل نحوه، متطاولة فوقه. بطول ستة أقدام وواحدة، وقفت طويلة، ومع الأحذية ذات الكعب التي ارتدتها، أصبحت أطول. رازيال، بطول خمسة أقدام وعشرة، وصل بالكاد فوق صدرها وذلك أيضاً، بفضل البوصات الإضافية التي منحها إياه الهيكل العظمي السبلي اللعين الذي قوى عظامه لكنه لعن حياته.
كانت ثدييها بحجم سي بالكامل في مستوى وجهه حرفياً، لكن رازيال لم يمنحها نظرة واحدة. ظل تركيزه بالكامل مثبتاً على آريون، وكأن نوفا لم تكن موجودة على الإطلاق، وكأنها لم تكن سوى هواء. وكل ما استطاعت فعله هو الحدق إلى جانبه الجانبي، غير قادرة على التقاط عينيه، وغير قادرة على اختراق ذلك الجدار الذي وضعه بينهما.
"أأنت... أم لست.." قطع صوت رازيال، وكانت كلماته موجهة إلى آريون، وليس لها. تجاهلها تماماً، وكأن أي شيء قالته لم يصل إلى مسامعه حتى. لكن التوتر المشدود في فكه، والطريقة التي أظلمت بها عيناه بكره متزايد، أخبرت قصة مختلفة.
شعر آريون بجفاف حلقه. دق قلبه. لم يكن في وضع يسمح له بالإجابة كرجل ذكي كان، فاحتفظ بفمه مغلقاً، وكانت عيناه تنظران إلى مكان آخر، أي مكان سوى رازيال أو نوفا. كان التوتر لا يُطاق.
حدقت نوفا في تصرف رازيال، وأطلقت تنهيدة خافتة، ومدت يدها ببطء. وبأكبر قدر ممكن من الرطف، وضعت إبهامها على أحد خديه، وأصابعها على الآخر، ودارت وجهه بقوة لكي ينظر إليها وكأنها يائسة لجعله يراها.
"الآن أنت لا تريد حتى أن تنظر إلى أختك؟" قالت بهدوء، وكان صوتها يحاول أن يبدو عادياً، رغم أنه اهتز. لم تكن تعرف ما هي الكلمات الصحيحة، وكيف تعبر الهوة التي حفرتها السنوات بينهما.
"لا تلمسني أيها اللعين!" جاء زئير رازيال كالرعد من أعماق الداخل. طارت يده اليسرى للأعلى، ضاربة يدها، محاولة إبعادها، لمنع أصابعها من لمسه. لكن كفه صفع ذراعها، وكان الأمر أشبه بضرب حديد صلب. لم تتحرك ذراعها الرقيقة، ولم تتراجع حتى. سرت الصدمة في عضلاته والإدراك المقزز بأنها لم تتغير، وأنها ما زالت ذلك الوحش ذو القوة.
لم تتفاعل نوفا مع ضربته. لم تهتم. بدلاً من ذلك، ثبتت نظرتها على عينيه أخيراً، تلك العيناها التي لم ترها منذ خمس سنوات، وما وجدته هناك جعل نفسها ينحبس.
الكراهية.
الكراهية الخام غير المقيدة والاشمئزاز.
كلماتها، نظرتها... اخترقتاها بشكل أعمق مما قد يفعله أي نصل على الإطلاق. ومع ذلك، استمرت في الحدق، غير قادرة على إبعاد نظرتها.
"إذن أنت تكره أختك الآن؟" سألت، وحتى هي لم تكن تعرف لماذا استمرت في مناداته بأختها، مكررة الكلمة مثل تعويذة، وكأن تذكيره بطرتهم سيفشي شيئاً ما. لكنها احتجت لقول ذلك. احتاجت للإعتقاد بأن ذلك يهم.
التوت شفتا رازيال، وعقد حاجبه باشمئزاز. صارعت ضد يدها، لكن قبضتها ظلت ثابتة.
"ليس لدي أي أخت لعين،" هس بصوت منخفض ومملوء بالسم. تراجع للخوراء، محاولاً تحرير نفسه، وهو يعلم أن القوة البدنية لن تجعلها تتخلى عنه.
وبشعوره بحاولته للهرب، شدت أصابع نوفا غريزياً، وكأنها تحاول منعه من المغادرة. لكن رازيال لم يهتم. لم يشعر بشخص سوى الاشمئزاز من لمستها. وبشدة واحدة بقوة لرأسه، تحرر، واحتك جلده بقبضتها.
ولكن بسبب تلك الحركة الصغيرة واليائسة... بدأ الدم يتسرب من الأماكن التي أمسكت به فيها بإحكام شديد. في اللحظة التي رأت فيها حبات القرمز ترتفع على جلده، تراجعت يد نوفا، وكأنها احترقت من المنظر، مدركة ما فعلته.
تراجع رازيال، ولم يخفت الغضب في عينيه.
خطت سيلينا خطوة قلقة إلى الأمام، دعتها الغريزة للتدخل، لقول شيء ما، أي شيء... لكنها تجمدت. ذكرى كيف تفاعل رازيال من قبل أوقفها في مكانها. وكل ما استطاعت فعله هو النظر إلى نوفا، متوسلة بصمت أن تكون لطيفة، وأن تسير بحذر.
لم تلاحظ نوفا حركة سيلينا حتى. كان انتباهها مستهلكاً بالكامل بواسطة رازيال... الدم على وجهه، والنظرة في عينيه التي طعنتها مثل نصل. ببطء، خفضت نظرتها إلى أصابعها المرتجفة. البقعة الداكنة لدمه على إصبعها الشاحب.
هل جعلته ينزف مرة أخرى هاا؟... ترددت الفكرة في عقلها.
إلى أي مدى يكرهني حقاً؟