الفصل 14 معلم أكبر... حقاً؟
كنت أتوقع أن أضطر إلى تتبع خطواتنا للعودة إلى مدخل البرج. لحسن الحظ، تبين وجود نفق في نهاية كل طابق يؤدي إلى هناك مباشرة.
راودتني رغبة في السؤال عن طريقة عمله، لكن مجرد التفكير في تلقي محاضرة أخرى عن "أسرار الفنون الخفية"
من ريل كان كفيلًا بالقضاء على الفكرة فوراً.
لم يكن الأمر شبيهًا بمقولة "الفضول قتل القط"، بل كان أشبه بـ"السنجاب المتغطرس قتل الفضول".
منذ هجوم التصيد، بدا كايليس هادئاً للغاية. كنت متأكداً تماماً من أنني ضبطته يختلس نظرات متوترة في اتجاهنا أكثر من مرة. أظن أن تغير السلوك أمر متوقع بعد أن تدوسك حشود من المتصيدين الغاضبين لمدة ثلاثين ثانية متواصلة. مع ظهور البوابة في الأفق، كسر كايليس صمته أخيراً. استدار ليواجهني أنا وريل، ثم سقط على ركبتيه.
قال، والخوف يقطر من كل كلمة: "أعتذر أشد الاعتذار عن أي إهانة ربما سببتها بتوظيفكم كحراس شخصيين لي. لو كنت أعلم من تكونان، لما جؤرت أبداً على افتراض أنني أستحق مثل هذا الشرف. سأتفهم الأمر إذا اخترتم إنهاء حياتي، لكنني لا أملك إلا أن أرجو أن تظهروا الرحمة لجاهل مسكين وبائس. لم أقصد أي سوء من وراء ذلك!"
حدقت إليه عاجزاً عن الكلام بعض الشيء. بحق الجحيم، عما كانت تصدر هذه الكلمات؟
قلت: "كايليس... نحن من طلب العمل".
هز رأسه بعنف.
فأجاب: "كان يجب أن أعلم! وحدها عقول الجهلاء الكاملة تفشل في إدراك أنها تقف في حضرة العظمة!"
شرعت بالقول: "العظمة؟ لست متأكدًا..."
قبل أن يقاطعني ريل.
قال ريل بنبرة وقورة وهزة رأس: "بالتأكيد، أرى أن كلمة عظمة مناسبة. بل إنها لا تكاد تلتقط روعة كياني حقاً..."
مشى نحو كايليس، الذي انكمش قليلاً عند اقترابه، وربت على ساقه مطمئناً.
وتابع: "لا تخف أيها المجرب الشجاع. إن الساحر العظيم ريل يحظى باحتفال واسع النطاق في شتى أنحاء الأرض بفضل رحمته وعطفه. لا داعي لأن تخشى أي عقاب منا بسبب إهانتك الجسيمة".
غرقت عينا كايليس بالدموع قليلاً، وبدا وكأنه يحدق في ريل بإعجاب يقترب من العبادة. وقفت هناك أحدق وفمي مفتوح باتساع جعلني أتعجب لعدم انخلع فكي.
تلعثمت قائلاً: "أنا... أنا..."
ثم أردفت: "أيها الحقير المغرور!"
التفت ريل إلي بنظرة شفقة.
قال ريل وهو يهز رأسه بحزن: "تجاهله يا كايليس. يجد بيتر صعوبة أحياناً في تقبل حقيقة أنني أحتل مركزين في لوحة الصدارة، بينما يحتل هو مركزاً واحداً فقط".
أومأ كايليس فهماً.
مواسيًا إياه: "يجب ألا تشعر بالخجول حيال ذلك. إن احتلال حتى مركز واحد في لوحة الصدارة يعد دليلاً على مهارتك وقوتك".
كنت محاطاً بمجانين...
قال كايليس، وتنقض عيناه بتوتر بيننا: "الساحر ريل، بيتي. أعلم أن طلبي جريء، خاصة بالنظر إلى الإهانة التي بدرت مني، لكن هل... تفكران في اتخاذي تلميذاً لكما؟"
تسارعت كلماته مع نهايتها، كأنه يخشى أن يفقد شجاعته قبل أن يكمل سؤاله. تلميذنا؟
قلت وأنا أمسك بذراعه وأنهضه على قدميه: "اسمع يا كايليس. ينوي ريل وأنا العودة إلى البرج غداً وقضاء بعض الوقت في استكشاف المكان. نرحب بانضمامك إلينا، لكنني لا أريد سماع أي هراء آخر من هذا القبيل عن التلمذة".
أجاب وهو ينحني بعمق: "حاضر يا سيدي".
قلت وبحة هستيرية تشوب كلماتي: "نادني بيتر فقط. أرجوك. حباً في السيّد".
بدأ ريل يقول: "تكلم عن نفسك..."
توقف، كأن فكرة عميقة خطرت له للتو.
ثم تابع وهو يشير بيده نحوي: "في الواقع. إذا كنت تخطط للإشارة إليه بلقب السيّد، فيبدو من المنطقي تماماً أن يتمتّع الشخص الذي أرشد بيتر للوصول إلى مستوياته الحالية بلقب المعلم الأكبر".
قال كايليس وهو ينحني لي: "شكراً لك يا بيتر".
ثم انحنى لريل، بانحناءة أعمق قليلاً.
"شكراً لك أيها المعلم الأكبر".
مشيت باتجاه البوابة. لولا مغادرتي، لما كنت متأكدًا من قدرتي على مقاومة الرغبة العارمة في خنق ريل. بمجرد تجاوز الحراس، التفت لمواجهة الاثنين الآخرين.
قلت وأنا أشير إلى ملابسي: "حسناً. أول الأمور أولاً. علينا التوجه إلى الخياطين. بصراحة، أبدو مقرفاً".
وافقني ريل: "أنت كذلك. ملابسك تبدو سيئة هي الأخرى".
تنفس يا بيتر. تنفس...
سأل كايليس بعبوس: "الخياطون؟ يا سيدي، لست بحاجة لزيارة خياط، فمركز إقامة المجربين هنا في البرج يوفر كل ما تحتاجه".
باغتني قوله فانفجرت: "كم مرة علي إخباري بأن اسمي بيتر!"...
ثم استوعبت كلماته.
"ما تقصده بكل ما نحتاج؟"
قال منحنياً: "عذراً سيدي بيتر! في الواقع، نحن نزود بغرفة وملابس وطعام وأي شيء آخر قد نطلبه لمساعدتنا في تقدمنا. في الحقيقة، أنا بحاجة لزيارة أمين العهدة لأطلب إصلاح درعي".
قلت بحماس وقد فتح عالم من الاحتمالات أبوابه أمام عيني: "إذن، من الأفضل أن نتجه إلى هناك فوراً".
* * *
قال المسؤول عن المؤونة ونبرة الاستخفاف تكاد تتبجّح من خلف قناعه المهذّب: "لا أفهم يا سيّدي. أتريد خمس نسخ متطابقة من زيّك الحالي؟"
نظر إلى ثيابي الرثة الملطخة بالدماء، وبدا واضحاً أنه يعاني لتقبّل فكرة أن يرتدي أحدهل ملابس كهذه بمحض إرادته.
استأنف كلامه قائلاً: "لكن يا سيّدي. يعمل هنا نخبة من أهرع الخياطين وصانعي الجلود والحدّادين من شتى أنحاء المنطقة. يمكنهم صنع عتاد مخصص يلبي احتياجاتكم، بل سيعملون جنباً إلى جنب مع الساحر المقيم ليضعوا تعاويذ تضاعف كفاءته أضعافاً مضاعفة."
ملت نحو المنضدة قليلاً وقلت: "تلك التعاويذ. ماذا تفعل؟"
بدا المسؤول متوجساً بعض الشيء من حدة نظراتي المفاجئة.
قال: "ن... نقدم حزمة من التعاويذ القوية التي تخفف الضرر المتأتي من الهجمات."
لوحت بيدي زاجراً: قلت: "لا يعنيني الضرر الذي أتلقاه. ألديك أي شيء يحمي الملبس ذاته؟ ربما تعويذة إصلاح ذاتي أو تنظيف ذاتي؟"
بدأ كلامه قائلاً: "ألا يعنيك..."
ثم تراجع خطوة مرتاباً حين اقتربت أكثر حتى كادت قدمي تغادران الأرض.
"سيتعين عليّ استشارة الساحر، لكن أظن أن أمراً كهذا ممكن."
أومأت بحماس والشرود المجنون يبرق في عيني.
تمتمت بصوت خفيض: "ممتاز..."
ثم شرحت بقية فكرتي.
"بما أنكم تعملون مع أمهر الخياطين في المنطقة، فلن تجدوا صعوبة في صنع درع قماشي يبدو تماماً كالهيئة التي عليها ملابسي الآن. ثم أود تطبيق تعاويذي الإصلاح والتنظيف الذاتي عليه."
كنت على وشك أن أصير قوة لا تقهر!
قال المسؤول وقد بدا وكأنه مستعد للموافقة على أي شيء شريطة أن أغادر سريعاً: "حاضر يا سيّدي. سأعجل بالعمل ليجهز مع حلول الصباح. وفي هذه الأثناء، سنوفر لك طقماً من الثياب النظيفة."
توقفت عن الاصغاء، إذ كان خيالي قد انطلق بلا حابح... فلاح بطل تحول إلى مقاتل يشق طريقه وسط برج القدرات، ويبدو في أبهى مظهره الأنيق وهو يبيد أعداءه. دماء خصومه تتناثر على درعه، لكنها تتبدد ببطء حتى يعود نقياً كأن لم يمسه شيء. الرجال — والسناجب — يتمنون لو أنهم هو. والنساء يتمنون صحبته. أجل... سيؤدي هذا الغرض على أكمل وجه. تقدم كايليس خطوة، مسحباً الدرع المهشم من مستودع نظامه.
قال: "أحتاج إلى إصلاح هذا أيضاً بحلول صباح الغد."
اتسعت عيناه المسؤول وهو يتفحص الانبعاجات الهائلة في الدرع. رفع بصره إلى كايليس مجدداً، وقد امتزجت على وجهه ملامح الإنكار والاحترام بقدر متساوٍ.
هز رأسه خفيفاً وقال: "أنجوت من الهجمات التي أحدثت هذا التلف؟ لابد أنك مقاتل فذّ. حسناً، سأسارع في إنجاز هذا أيضاً. أهذا كل شيء؟"
أومأت أنا وكايليس، لكن ريل تنحنح.
قال ثم استدار ليواجهنا: "لدي ربما بضع أفكار..."
"اتجهز أنتاما ونظفا أنفسكما. لن يستغرق هذا وقتاً طويلاً."
وحين استدرنا لنغادر، قفز ريل فوق المنضدة مطالباً المسؤول أن يناوله بعض الورق لكي 'يشاركهم رؤيته'. لم يكن هذا يبشر بخير...